HA Printcopy Brochure Pages 30Apr17

husniabukrayem

Husni Abukrayem Beyond Brochure 2017

الفلسفة والرسالة

ما بعد … رهان التأسيس للرشد الجمالي الرصين

نعيش في منطقة شرق المتوسط لحظة تاريخية داهمة،‏ تحمل

النقيضين : األمل واالنهيار.‏ كالهما مرشحان لالنتصار شرط

خفوت اآلخر وإضعافه .

الوعي العام في منطقتنا مثقل بكافة الظواهر الكفيلة بشطبنا من

دائرة الفعل والتأثير : سلبية اجتماعية،‏ هزات اقتصادية وسياسية،‏

سيادة ثقافة االستهالك واالستالب،‏ غياب المنظومات

األخالقية،‏ وطغيان المصالح الفردية والفساد.‏

إذن حاضنة اجتماعية للفكر تنذر بتبدد آفاق اإلنتاج واإلبداع

والمنافسة في عالم بات وقوده االبتكار واالختراعات التكنولوجية

المتناسلة بسرعة جنونية.‏

أمام هذا القتام يصبح طبيعيا أن تصاب المجتمعات بوباء

السوداوية وعدوى الفوضى،‏ تاركة الفرد نهبا لإلحباط واالكتئاب

ومن ثم االنكفاء إلى العالم السفلي.‏

اآلن بالذات،‏ يصبح الحراك اإليجابي تحدي حياة وضمانات

مستقبل.‏ وال محرك - كما علمنا التاريخ مرارا - يمتلك مخزونا

هائال من الطاقة اإليجابية قادرة على قلب المعادلة كالفن،‏ بما

هو منبع الجمال وحارس الحلم البشري.‏

هنا في هذا الجزء األرضي نرقب ما يدهش البصر من منجزات

إبداعية آدمية،‏ إلى جانب ما يفجع البصيرة من ارتكابات همجية،‏

وهو ما يطرح السؤال الممض:‏ إلى أين تمضي بنا حركة التاريخ

وأين نصطف.‏

في معرض ‏“ما بعد”‏ إعالن موقف و بحث محموم عن الرؤية

الجامعة لجماليات اليقين وآليات التقاط إمكانات اإلبداع،‏ ومكامن

االنجاز واإلبهار.‏

عندما يمتلك الفن التشكيلي أدوات اإلبهار يصبح قادرا على

الفعل والتأثير وإعادة إنتاج التفاؤل ؛ شرط التغيير لألجمل.‏

رسالة ‏“ما بعد”‏ تحمل عنوانين معا:‏

أوال : الحرية المدروسة :

لم تشهد الساحة التشكيلية في منطقتنا ذلك التطور الطبيعي

المتناسل بين المدارس الفنية كذلك الذي في أوروبا.‏ بل بقيت

مقصورة على بضع تجارب متأثرة بالمدارس الغريبة النابعة من

غير هذه األرض.‏ ومع أن التشكيل لغة عالمية،‏ إال أنه يحمل جينات

اجتماعية خصوصية ال بد لها من أن تترك بصمتها على الخريطة

الفنية العالمية.‏ ال يطمح ‏“ما بعد”‏ في بلورة مدرسة تشكيلية

محددة،‏ بما أن العولمة ألغت الحدود والقيود،‏ بل هو دعوة لجعل

الحرية التشكيلية مدرسة بحد ذاتها متحللة من القيود االجتماعية

وقيود الواجبات السياسية،‏ عل أجياال جديدة من الفنانين تلتقط

اللحظة واألداة لتكريس قيم الجمال في منظوماتنا التربوية

واالجتماعية،‏ لنطمئن لحظوظ والدة أجيال متزنة حسياً.‏

ثانيا : سلطة الفن :

في تاريخنا العربي مثال ساطع لمدى قوة التعبير اإلبداعي؛ قبل

أكثر من ألف عام تمكن الشاعر أبو الطيب المتنبي من تأسيس

سلطة للشعر،‏ وصلت قوة تأثيرها لتحدي السلطة السياسية

وبقيت حبيسة القليل من الدراسات وانقطع البناء عليها.‏

في التاريخ العالمي،‏ ومع اقتراب الحرب في أوروبا،‏ تصادم الفنان

التشكيلي سلفادور دالي مع أعضاء الحركة السريالية،‏ فقرروا طرده

من المجموعة بناء على قرار محاكمة عقدت عام ١٩٣٤، حين رفض

اتخاذ موقف ضد المقاتل اإلسباني فرانسيسكو فرانكو،‏ بينما

قام كلّ‏ من لويس بونويل وبيكاسو وميرو بذلك.‏

وعليه فإن التأسيس لتجمع تشكيلي يستند إلى األطر القائمة وال

يعد نقيضها تماما،‏ بات مهمة عاجلة،‏ وعلى أسس جديدة:‏

مكان اللقاء والتجمع هو اللوحة،‏ التي تجمع التشكيليين داخل

إطارها،‏ لتصبح المراسم الفردية والمؤسسية بؤر تالقي وتالقح

تجارب.‏

المعارض الفردية والجماعية هي ورش عمل ال عرض لوحات

فقط ، يخصص جزء منها للوحات مشتركة تختلف فيها األلوان

والتقنيات ، في إطار وحدة موضوعية قوامها حرية التعبير

والتكنيك .

تنفرز من هذه التجارب سمات تشكيلية مشتركة عامة،‏ تمهد

لحوار على ‏“الكانفاه”‏ مع السمات األخرى.‏

إدماج األطر التشكيلية القائمة في هذا الحراك والحوار.‏

هنا،‏ في جلعد ترتسم مالمح سلطة الفن التشكيلي المغيبة.‏

في ‏“ما بعد”‏ تتمازج أدوات التعبير لتصبح منصة صوت وبقعة ضوء

ومساحة خط،‏ من خاللها نعلن حضورنا في عالم اليوم والغد،‏ ونرسم

مالمح انحيازنا للعمل اإلبداعي وعشقنا للبحث في عناصر تكوينه،‏ وكذا

شغفنا في تطوير أدواته القادرة على إطالقه مشهدا فنيا هو خليط من

التوازن المعرفي والحسي.‏

هو تحد ليس بالهين لجموع التشكيليين،‏ للتفوق على الواقع المعيق

لغربلة المعاني اللغوية التسعة والثالثين لكلمة تكوين،‏ واصطفاء ما

يحتاجه إنساننا المشوش التكوين.‏ لكل ذي حلم قاموس يخلو من

كلمة مستحيل،‏ وكذا قاموس التكوين الذي نطمح بهذا المعرض إلى

أن يخلو إال من معنى الصياغة،‏ أو باألحرى إعادة الصياغة،‏ لمكونات

الوجدان وأولويات الذهن،‏ فتعلو قيم اإلبداع المنثورة في الوجود حولنا.‏

في ‏“ما بعد”‏ تشويش فج للمعاني الراكدة،‏ والنمطيات الفكرية الجامدة،‏

بل لما اعتادت العين عليه والذائقة.‏ ذات اللوحة تحمل لونها المخالف

السمها،‏ وفكرتها النقيضة للتوقعات منها.‏ البقعة اللونية تزاحم فضاءها،‏

والخط يتسلل إلى غير المتوقع.‏ يهيج الغباش المائي حين تقطعه الحدة

الرفيعة..‏ يشتبكان ليتعانقا ثم يمضي كل منهما إلى فضاءاته.‏

اللوحة ، هنا تزدحم تماما وتضيق أكثر بما تريد ، فينفتح اإلطار علي كل االحتماالت.‏

“ ما بعد “ .. رهان التأسيس لما يأتي من قوى التنوير الحاملة لنسغ

اإلبداع في التكوين ، وإعادة الجمال المشوش إلى رشده الرصين .

Similar magazines