الجزء الاول

MohamedIBrahim



Withe


سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها

المجلس الوطني للثقافة والفنون واداب - الكويت

صدرت السلسلة يناير 1978

أسسها أحمد مشاري العدوا (1990-1923) ود . فؤاد زكريا (2010-1927)

اليورو

كيف تُ‏ هد ِّ د العملة الموح َّ دة مستقبل أوروبا

‏(الجزء اول)‏

تأليف:‏ جوزيف إي.‏ ستيغلتز

ترجمة:‏ دي صبحي يوسف

سبتمبر 2019

476


أسسها

سلسلة شهرية يصدرها

اجمللس الوطني للثقافة

املشرف العام

والفنون واآلداب

أحمد مشاري العدواين

د.‏ فؤاد زكريا

مستشار التحرير

أ.‏ كامل العبدالجليل

أ.‏ د.‏ محمد غانم الرميحي

rumaihimg@gmail.com

ترسل االقرتاحات عىل العنوان التايل:‏

السيد األمني العام

للمجلس الوطني للثقافة والفنون واآلداب

ص.‏ ب:‏ - 28613 الصفاة

الرمز الربيدي 13147

دولة الكويت

هاتف:‏ )965( 22431704

www.kuwaitculture.org.kw

التنضيد واإلخراج والتنفيذ

وحدة اإلنتاج يف املجلس الوطني

ISBN 978 - 99906 - 0 - 645 - 4

هيئة التحرير

أ.‏ جاسم خالد السعدون

أ.‏ خليل عيل حيدر

د.‏ سعداء سعد الدعاس

د.‏ عيل زيد الزعبي

أ.‏ د.‏ عيىس محمد األنصاري

أ.‏ د.‏ طارق عبداملحسن الدويسان

أ.‏ منصور صالح العنزي

أ.‏ د.‏ ناجي سعود الزيد

مديرة التحرير

عالية مجيد الرصاف

a.almarifah@nccalkw.com

سكرتيرة التحرير

هلل فوزي املجيبل


العنوان األصلي للكتاب

The Euro:

How a Common Currency Threatens the Future of Europe

By

Joseph E. Stiglitz

W.W. Norton & Company

Copyright © 2016 by Joseph E. Stiglitz

طُ‏ بع من هذا الكتاب ثالثة وأربعون ألف نسخة

المحرم 1441 ه سبتمبر 2019


المواد المنشورة في هذه السلسلة تعبر

عن رأي كاتبها وال تعبر بالضرورة عن رأي المجلس

6


احملتوى

09

متهيد

اجلزء األول

21

أوروبا يف أزمة

الفصل األول:‏

23

أزمة اليورو

الفصل الثاين:‏

55

اليورو:‏ األمل والواقع

الفصل الثالث:‏

85

أداء أوروبا البائس

اجلزء الثاين:‏

107

معيب منذ البداية

7


الفصل الرابع:‏

متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟ 109

الفصل اخلامس:‏

153

اليورو:‏ نظام للتباين

الفصل السادس:‏

177

209

السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

الهوامش

8


متهيد

متهيد

‏»كان مخطط ‏»مرشوع العملة

الواحدة«‏ واقعا تحت تأثري شديد

أليديولوجية ومصالح فشلت،‏ ليس

فقط يف تحقيق طموحاتها االقتصادية

بتوفري الرخاء،‏ ولكن أيضا يف طموحها

بشأن تقريب البلدان األعضاء بعضها

من بعض سياسيا«‏

لقد قُصِ‏ ف العامل بأخبار محبطة من أوروبا؛

فاليونان متر بركود اقتصادي،‏ حيث أضحى

نصف شبابها عاطلني عن العمل.‏ وحقق اليمني

املتطرف مكاسب كبرية يف فرنسا.‏ ويف كاتالونيا،‏

وهو اإلقليم املحيط بربشلونة،‏ يؤيد أغلبية

هؤالء الذين انتُخبوا لربملان اإلقليم االستقاللَ‏

عن إسبانيا.‏ ومع الدفع بهذا الكتاب إىل املطبعة

كانت أجزاء كبرية من أوروبا تواجه عَقدا ضائعا

من الزمن،‏ حيث أصبح نصيب الفرد من الناتج

املحيل اإلجاميل أقل مام كان عليه قبل تفجر

األزمة املالية العاملية يف العام 2008.

وحتى ما كانت أوروبا تحتفل به عىل أنه

نجاح كان يشري إىل فشل؛ فقد انخفض معدل

البطالة يف إسبانيا من 26 يف املائة يف العام

9


10

اليورو

2013 إىل 20 يف املائة يف بداية العام 2016. ولكن بقي واحد من كل اثنني تقريبا

من الشباب عاطال عن العمل (1) ، ورمبا كان من املحتمل أن يكون معدل البطالة

أعىل من ذلك لو مل يُقْدِم الشباب اإلسباين األكرث موهبة عىل مغادرة البالد للبحث

عن فرص عمل يف الخارج.‏

ما الذي حدث؟ أمل يكن من املفرتض،‏ مع التقدم الحادث يف علم االقتصاد،‏ أن

نفهم بنحو أفضل كيف ميكن إدارة االقتصاد؟ الواقع أن االقتصادي الحائز جائزةَ‏

نوبل يف االقتصاد روبرت لوكاس Robert Lucas أعلن يف خطابه باعتباره رئيسا

التحاد االقتصاديني األمريكيني يف العام 2003 ‏»أن املشكلة املركزية التي كانت

تحول دون تجنب الركود قد حُ‏ لَّت«‏ (2) . ومع كل التحسينات التي جرت يف األسواق،‏

أليس من املفرتض أن يصبح أمر إدارة االقتصاد أكرث سهولة من السابق؟ والعالمة

الواضحة عىل االقتصاد الذي يعمل بشكل جيد هي النمو الرسيع،‏ والذي يُقتَسم

بنحو واسع بني املواطنني،‏ ومع معدل بطالة منخفض.‏ ولكن ما حدث يف أوروبا

كان عىل العكس من ذلك.‏

وهناك إجابة بسيطة عن هذا اللغز الواضح:‏ قرار قاتل،‏ يف العام 1992، بتبني

العملة املوحدة،‏ من دون توفري املؤسسات التي متكن هذه العملة من العمل.‏

فرتتيبات العملة الجيدة ال ميكنها ضامن تحقيق الرخاء،‏ ولكن ترتيبات العملة

املَعيبة ميكنها أن تؤدي إىل حاالت الركود والكساد.‏ ومن بني جميع أنواع ترتيبات

العملة التي كانت فرتة طويلة صِ‏ نوا للركود والكساد تأيت ترتيبات الربط الثابت

لسعر رصف العملة،‏ حيث تكون قيمة عملة أحد البلدان ثابتة مقابل أي عملة

أخرى أو مقابل سلعة.‏

فالركود األمرييك عند نهاية القرن التاسع عرش كان مرتبطا بقاعدة الذهب،‏

حيث كانت كل دولة تثبِّت قيمة عملتها قياسا إىل الذهب،‏ ولذا يجري تثبيتها ضمنا

إىل قيمة كل عملة من عمالت الدول األخرى:‏ ومع عدم وجود اكتشافات كبرية من

الذهب قادت ندرة الذهب إىل انخفاض أسعار السلع األخرى قياسا إليه - وهو

ما نطلق عليه اليوم ‏»االنكامش«‏ )3( Deflation . وواقع األمر أن النقود تصبح أعىل

مثنا.‏ وقد أدى ذلك إىل إفقار املزارعني األمريكيني الذين وجدوا أنه يصعب عليهم

بشكل متزايد سداد ديونهم.‏ وقد كانت انتخابات العام 1896 عبارة عن رصاع حول


متهيد

موضوع ما إذا كانت أمريكا،‏ وفقا لكلامت املرشح الدميوقراطي ويليام جيننغز

برايان ،Jennings Bryan ‏»ستصلب بني اإلنسان عىل صليب من الذهب«‏ (4) .

وهكذا أيضا وُجِّ‏ ه اللوم،‏ عىل نطاق واسع،‏ إىل قاعدة الذهب عىل دورها يف

تعميق ومتديد الكساد العظيم ‏)٭(‏ . وكانت البلدان التي تخلَّت عن قاعدة الذهب

مبكرا هي التي تعافت اقتصاديا برسعة أكرب (5) .

وعىل الرغم من هذا التاريخ قررت دول أوروبا تقييد نفسها معا بعملة موحدة،‏

خالقني بذلك داخل أوروبا النوع نفسه من عدم املرونة الذي أوقع األذى بالعامل.‏

فقد فشلت قاعدة الذهب،‏ وفيام عدا قلة من األشخاص،‏ الذين يُعرَفون ب»مهاويس

الذهب«‏ ،Gold bugs ال يود أحد رؤيتها وهي تُستَعاد مرة أخرى.‏

فأوروبا ليست يف حاجة إىل أن تُصلَب عىل صليب اليورو؛ ألن اليورو يف

وسعه النجاح.‏ واإلصالحات الرئيسة الرضورية هي يف هيكل االتحاد النقدي ذاته،‏

وليست يف اقتصادات الدول األعضاء.‏ ويبقى أمر ما إذا كان هناك ترابط سيايس

وتضامن كافيان من أجل تبني هذه اإلصالحات محل تساؤل.‏ ويف غياب اإلصالح

يصبح الطالق الودي مفضال بكثري عىل املنهج الحايل القائم عىل الرتتيبات املرتجلة

واملتخبطة.‏ وسوف أبني كيف ميكن إدارة االنفصال بأفضل الطرق املمكنة.‏

يف العام 2015 كانت الدول الثامين والعرشون األعضاء يف االتحاد األورويب تشكل

ثاين أكرب اقتصاد يف العامل - بعدد سكان يبلغ 507.4 مليون مواطن،‏ وبناتج محيل

إجاميل يبلغ 16.2 تريليون دوالر،‏ وهو ما يقل مبقدار ضئيل عن الناتج يف الواليات

املتحدة (6) . وتتشارك داخل االتحاد األورويب 19 دولة يف عملة موحدة هي اليورو.‏

و»تجربة«‏ املشاركة يف عملة موحدة تعد حديثة نسبيا؛ مل يبدأ تداول اليورو إال يف

العام 2002، عىل الرغم من أن أوروبا ألزمت نفسها بالفكرة قبل ذلك بعَقد عند

التوصل إىل معاهدة ماسرتيخت (7) . وقبل تداول اليورو بثالث سنوات ثبَّتتْ‏ بلدان

منطقة اليورو أسعار رصف عمالتها بعضها مقابل بعض.‏ ويف العام 2008 اجْ‏ تُذِب

اإلقليم،‏ بجانب بقية العامل،‏ إىل دائرة الركود.‏ واليوم بينام تعافت الواليات املتحدة

‏)٭(‏ احتفظتُ‏ عىل مدار الكتاب بتعبري الكساد العظيم Great Depression لألزمة االقتصادية العاملية التي انفجرت

يف الواليات املتحدة األمريكية وأوروبا يف نهاية العرشينيات من القرن العرشين،‏ بينام احتفظت بتعبري الركود

الكبري Great Recession للتدهور يف النشاط االقتصادي السيام يف أوروبا بعد األزمة املالية العاملية يف العام 2008.

ويعد الكساد حالة أكرث عمقا وأطول أمدا يف التدهور االقتصادي مقارنة بالركود.‏ ‏]املرتجم[.‏

11


12

اليورو

إىل حد بعيد - تعافيا متأخرا وهزيال،‏ ولكنه تعافٍ‏ عىل أي حال - تبقى أوروبا،‏

خاصة منطقة اليورو،‏ متوحِ‏ لة فيه وسط جمود النشاط االقتصادي.‏

وهذا الفشل مهم لبقية أرجاء العامل،‏ وليس فقط لهذه البلدان التي أضحت

التسمية التي تطلَق عليها هي:‏ بلدان منطقة اليورو .Eurozone وبالطبع تعد

األوضاع مريعة يف البلدان املأزومة،‏ حيث يبقى عدد منهم يف حالة كساد.‏ ويف عاملنا

املتعومل يؤدي أي يشء إىل جمود يف النشاط االقتصادي يف مثل هذا الجزء املهم من

االقتصاد املعومل يؤذي الجميع.‏

ويف بعض األحيان،‏ كام يقدم مثال ألكسيس دو توكفيل Alex de Tocqueville يف

كتابه ‏»الدميوقراطية يف أمريكا«‏ ،Democracy in America ميكن للشخص

الغريب أن يقدم تحليال أكرث دقةً‏ وتجردا،‏ أي غري متأثر بالعواطف فيام يخص

الثقافة والسياسة،‏ مقارنة بهؤالء املشتبكني مبارشة يف األحداث الجارية.‏ واألمر أيضا

صحيح إىل حد ما فيام يخص علم االقتصاد.‏ فأنا أسافر إىل أوروبا منذ العام - 1959

ويف العقود األخرية أزورها عدة مرات يف السنة الواحدة - وقد قضيت ست سنوات

يف الدراسة والتدريس هناك.‏ وعملت من قرب مع العديد من الحكومات األوروبية

‏)غالبا من يسار الوسط،‏ وإن كان بشكل غري نادر مع حكومات ميني الوسط(.‏

ومع األزمة املالية العاملية يف العام 2008 تخمرت أزمة اليورو واندلعت،‏ وتفاعلت

من قرب مع عدد من البلدان املأزومة ‏)حيث خدمت ضمن املجلس االستشاري

لرئيس الوزراء اإلسباين السابق لويس رودريغيز ثاباتريو،‏ وكنت صديقا منذ زمن

بعيد ومستشارا لرئيس الوزراء اليوناين السابق جورج باباندريو(.‏ ولقد رأيت مبارشة

ما الذي كان يحدث داخل البلدان املأزومة ويف مجالس منطقة اليورو التي كانت

تضع السياسات تجاوبا مع هذه األزمة.‏

وباعتباري اقتصاديا،‏ كانت تجربة اليورو مثرية لالهتامم (8) . وحيث إنه ال يتسنى

لالقتصاديني إجراء تجارب معملية؛ علينا اختبار أفكارنا بناء عىل التجارب التي تلقي

بها الطبيعة - أو السياسة.‏ واليورو،‏ وفقا العتقادي،‏ قد علمنا الكثري؛ إذ إنه تشكَّ‏ ل

من مزيج من الخلل العلمي االقتصادي واأليديولوجيات.‏ فقد كان نظاما مل يستطع

العمل فرتة طويلة - إذ بحلول وقت الركود الكبري كانت جميع عيوبه معروضة يك

يراها الجميع.‏ ويف اعتقادي أن القصور املتأصل كان ظاهرا منذ البداية لكل شخص


متهيد

راغب وقادر عىل النظر.‏ وأسهم هذا القصور املتأصل يف تراكم االختالالت التي

مارست دورا مركزيا يف الكشف عن األزمة،‏ وهي األزمة التي سوف تقتيض سنوات

عدة من أجل التغلب عليها.‏

وكانت التجربة مهمة بشكل خاص بالنسبة إيل،‏ حيث إنني فكرت وكتبت عن

التكامل االقتصادي سنوات عديدة،‏ وبوجه خاص منذ أن خدمتُ‏ بوصفي مستشارا

اقتصاديا للرئيس بيل كلينتون،‏ يف منصب الرئيس ملجلس مستشاريه االقتصاديني

يف التسعينيات.‏ فقد عملنا عىل فتح الحدود للتجارة بني الواليات املتحدة وكندا

واملكسيك من خالل اتفاقية التجارة الحرة لشامل أمريكا ‏»النافتا«‏ .NAFTA وقد

عملنا أيضا عىل خلق منظمة التجارة العاملية التي أُنشئت يف العام 1995، والتي

مثَّلت بداية حكم التجارة بقواعد قانونية دولية.‏ والنافتا التي أُنشئت يف العام 1994

كانت أقل طموحا مقارنة باالتحاد األورويب،‏ حيث يسمح األخري بحرية حركة العامل

عرب الحدود.‏ كام كانت أقل طموحا بكثري من منطقة اليورو-‏ فال تتشارك أي من

دول النافتا الثالث يف عملة واحدة.‏ ولكن حتى هذا التكامل املحدود أثار العديد من

املشاكل.‏ واألكرث أهمية أنه أصبح واضحا أن اسم ‏»اتفاقية تجارة حرة«‏ كان يف ذاته

عرضة للدعاية املغرضة:‏ إذ كانت يف الحقيقة اتفاقية تجارة مدارة،‏ وهي مدارة بشكل

خاص لتحقيق مصالح خاصة للرشكات،‏ وخاصة يف الواليات املتحدة.‏ وبدأ آنذاك

إحسايس بالنتائج الناجمة عن التباين بني التكاملني االقتصادي والسيايس،‏ ونتائج

االتفاقيات الدولية التي يصنعها الرؤساء - الذين ليسوا حَ‏ سَ‏ نِي النية كام يفرتض أن

يكونوا - ويف سياق أبعد ما يكون عن أن يوصف باعتباره عملية دميوقراطية سليمة.‏

وقد انتقلتُ‏ من العمل مع الرئيس بيل كلينتون إىل العمل يف وظيفة كبري االقتصاديني

بالبنك الدويل.‏ وهنا اصطدمتُ‏ بفئة جديدة من املوضوعات يف مجال التكامل االقتصادي

التي تفتقر إىل االنسجام مع التكامل السيايس.‏ فقد رأيت مؤسستنا الشقيقة،‏ صندوق

النقد الدويل ،)IMF( تحاول أن تفرض ما تراه ‏)مع املانحني اآلخرين(‏ من سياسات

اقتصادية جيدة عىل البلدان التي تكون يف حاجة إىل املساعدة.‏ وكانت وجهات نظرهم

خاطئة - وأحيانا خاطئة للغاية - إذ أدى فرض صندوق النقد الدويل هذه السياسات يف

أغلب األحيان إىل حاالت الركود والكساد.‏ ولقد تعاملتُ‏ مع هذه السياسات محاوال فهم

هذا الفشل املتكرر وفهم ملاذا تفعل املؤسسة ما تفعله (9) .

13


14

اليورو

وكام أوضحتُ‏ يف نقاط متعددة يف هذا الكتاب،‏ هناك أوجه تشابه وثيقة بني

الربامج التي يفرضها صندوق النقد الدويل ‏)وأحيانا باالشرتاك مع البنك الدويل(‏

عىل البلدان النامية وبلدان األسواق الناشئة،‏ وبني تلك الربامج التي فُرِضَ‏ ت عىل

اليونان والبلدان األخرى التي عانت يف أعقاب الركود الكبري.‏ كام رشحتُ‏ أيضا ملاذا

توجد تشابهات ملحوظة يف أسباب كون هذه الربامج تستمر يف تخييب اآلمال،‏ ويف

معارضة الرأي العام لها يف البلدان التي فُرِضت هذه الربامج عليها.‏

واليوم يُعَد العامل محارصَ‏ ا باملبادرات الجديدة املصمَّ‏ مة من أجل تسخري

العوملة ملصلحة القلة.‏ وهذه االتفاقيات التجارية التي متتد عرب املحيط األطلنطي

واملحيط الهادئ،‏ والتي يُطلق عليها اتفاقية الرشاكة يف التجارة واالستثامر عرب

األطلنطي )TTIP( ،Transatlantic Trade and Investment Partnership

واتفاقية الرشاكة عرب الهادئ )TPP( ،Trans-Pacific Partnership صاغها

أيضا قادة سياسيون وراء أبواب مغلقة،‏ مع طرح مصالح الرشكات عىل طاولة

املفاوضات.‏ وتعد االتفاقيات مصداقا للرغبة الدامئة يف التكامل االقتصادي بعيدا

عن التزامن مع التكامل السيايس.‏ وأكرث مالمح هذه االتفاقيات إثارةً‏ للخالف هو

متكني الرشكات من تهديد البلدان بدعاوى قضائية حينام تتأثر أرباحهم املتوقعة

سلبا بضوابط تنظيمية جديدة - وهو يشء لن تسمح به أي حكومة ضمن حدود

بلدها.‏ فالحق يف إصدار الضوابط التنظيمية - ويف تغيري هذه الضوابط وفقا

للظروف - هو جانب رئيس يف سري عمل أي حكومة.‏

وكان مرشوع منطقة اليورو،‏ عىل أي حال،‏ مختلفا عن هذه األمثلة األخرى

التي رضبتها يف جانب أسايس:‏ كانت وراءه نية جادة للتحرك نحو مزيد من التكامل

السيايس.‏ بينام مل تكن خلفَ‏ اتفاقيات التجارة نية لوضع معايري تنظيمية منسجمة

يُتَوصَّ‏ ل إليها عن طريق هيئة برملانية تعربِّ‏ عن املواطنني املوجودين يف كل املنطقة

التجارية.‏ واألجندة الخاصة بالرشكات هي ببساطةٍ‏ التوقفُ‏ عن التدخل يف الضوابط

التنظيمية،‏ أو حتى يكون األمر أفضل،‏ هي الرتاجع عن الضوابط املوجودة بالفعل.‏

ولكن مخطط ‏»مرشوع العملة املوحدة«‏ كان واقعا تحت تأثري شديد أليديولوجية

ومصالح فشلت،‏ ليس فقط يف تحقيق طموحاتها االقتصادية بتوفري الرخاء،‏ ولكن

أيضا يف طموحها بشأن تقريب البلدان األعضاء بعضها من بعض سياسيا.‏


متهيد

وهكذا بينام ينصبُّ‏ هذا الكتاب عىل مسألة اليورو املهمة،‏ تبقى غايته أوسع نطاقا:‏

فهي بيان كيف ميكن للجهود ذات النوايا الحسنة يف التكامل االقتصادي أن تؤدي حتى

إىل نتيجة عكسية،‏ حينام يقود جدول األعامل مذاهب اقتصادية هي محل للتساؤل

وشُ‏ كِّلت عرب األيديولوجيا واملصالح أكرث من تشكُّ‏ لها عرب الربهان وعلم االقتصاد.‏

والقصة التي أرويها هنا هي توضيح درامي ملوضوعات متعددة استولت عىل

تفكريي يف السنوات األخرية - موضوعات كان يجب أن تكون لها أصداء عاملية:‏

املوضوع األول هو تأثري األفكار،‏ وبوجه خاص كيف أن األفكار حول كفاءة

واستقرار األسواق الحرة وغري املقيدة ‏)مجموعة من األفكار يشار إليها أحيانا باسم

‏»النيوليربالية«(‏ مل تشكِّل السياسات فقط،‏ بل أيضا املؤسسات خالل ثلث القرن

الفائت.‏ وقد وصفت يف مكان آخر السياسات التي هيمنت عىل خطاب التنمية،‏

والتي تسمى سياسات توافق واشنطن،‏ وشكَّ‏ لت الرشوط التي فُرِضت عىل البلدان

النامية )10( . وهذا الكتاب هو عن كيف شكلت هذه األفكار نفسها ما نُظر إليه عىل

أنه الخطوة التالية يف هذا املرشوع الهائل للتكامل األورويب،‏ وهو التشارك يف عملة

واحدة،‏ وهو ما جعل هذا التكامل ينحرف عن مساره أيضا.‏

واليوم تُخاض معركة األفكار نفسها يف مناوشات ال تعد وال تحىص.‏ والواقع،‏ يف

بعض الحاالت،‏ أننا نجد حتى الحجج والرباهني التي تُقدَّ‏ م تكون هي ذاتها من حيث

الجوهر.‏ ومعركة التقشف يف أوروبا متاثل تلك املعركة يف الواليات املتحدة،‏ حيث

حاول املحافظون تخفيض اإلنفاق الحكومي،‏ مبا يف ذلك اإلنفاق عىل البنية التحتية

التي هناك حاجة ماسة إليها،‏ وحتى يف الوقت الذي مازالت فيه البطالة مرتفعة

ومازالت فيه املوارد معطلة.‏ واملعارك حول اإلطار السليم للموازنة يف أوروبا مامثلة

للمعارك التي انغمستُ‏ فيها مع صندوق النقد الدويل خالل مدة عميل يف البنك

الدويل.‏ والحقيقة أن فهم البعد العاملي لهذه املعارك يُعَدُّ‏ واحدا من األسباب التي

جعلتني أكتب هذا الكتاب.‏

وتُشكَّ‏ ل األفكار املستخدمة يف هذه املعارك ألكرث من مجرد الدفاع عن املصالح

االقتصادية.‏ واملنظور الذي أستخدمه هنا أوسع من الحتمية االقتصادية الضيقة:‏

فاملرء ال ميكنه تفسري معتقدات الفرد ببساطة عن طريق معرفة ما الذي سوف

يجعله يف وضع أفضل اقتصاديا.‏ ولكن اليزال من الصحيح أيضا أن أفكارا معينة

15


16

اليورو

تخدم بالفعل مصالح معينة،‏ ولذا ليس علينا أن تتملكنا املفاجأة من أن نجد

السياسات متيل بقدر كبري إىل خدمة مصالح من وضعوها،‏ حتى لو استخدموا أفكارا

أكرث تجريدا يف الجدال بشأنها.‏ ويقود هذا التحليل إىل خالصة ال مفر منها:‏ ال ميكن

فصل االقتصاد عن السياسة - كام يود بعض االقتصاديني أن يكون عليه األمر.‏

والسبب الرئيس وراء فشل العوملة عادةً‏ يف توليد منافع ألعداد كبرية من الناس يف

كل من العامل املتقدم والعامل النامي هو أن العوملة االقتصادية منت بنحو أرسع من

العوملة السياسية،‏ وهكذا األمر أيضا،‏ بالنسبة إىل اليورو.‏

وهناك موضوع آخر يتصل بأبحايث األكرث حداثة عن عدم املساواة (11) . فاالقتصاديون،‏

وأحيانا حتى السياسيون،‏ يركزون عىل املتوسطات،‏ وما الذي يحدث للناتج املحيل

اإلجاميل أو لنصيب الفرد من الناتج املحيل اإلجاميل.‏ ولكن من املمكن أن يتجه الناتج

املحيل اإلجاميل إىل أعىل،‏ ومع ذلك يصبح معظم املواطنني أسوأ حاال.‏ وقد كان هذا

حادثا يف الواليات املتحدة خالل ثلث القرن املايض،‏ وبشكل متزايد هناك اتجاهات

مشابهة يف كل األنحاء.‏ وقد اعتاد االقتصاديون املجادلة بأنه ليس من املهم كيف

تُوزع مثار االقتصاد؛ فرمبا تكون مثل هذه النتيجة أمرا محل اهتامم عالِم السياسة أو

عالِم االجتامع،‏ ولكنها أمر ال يهم االقتصادي.‏ وقد مىض روبرت لوكاس بعيدا يف هذا

االتجاه بقوله،‏ ‏»من بني االتجاهات التي تُعَد ضارة إن بدت اقتصادية،‏ واألكرث إغراء،‏

واألكرث خطورة - يف رأيي - االتجاه الذي يركز عىل أسئلة التوزيع«‏ (12) .

ونحن نعرف اآلن أن عدم املساواة يؤثر يف األداء االقتصادي،‏ ولذا ليس يف إمكان

املرء أن ينحي هذه األمور جانبا،‏ بل يجب عليه أال يفعل ذلك (13) ، ويؤثر عدم

املساواة أيضا يف كيفية عمل دميوقراطياتنا ومجتمعاتنا.‏ وأنا أعتقد،‏ عىل أي حال،‏ أننا

يجب أن نهتم بعدم املساواة ليس فقط بسبب هذه العواقب:‏ فهناك موضوعات

أخالقية جوهرية عىل املحك.‏

لقد أدى اليورو إىل زيادة يف درجة عدم املساواة.‏ ومن الحجج الرئيسة يف هذا

الكتاب أن اليورو قد عمَّ‏ ق االنقسام،‏ وهو ما نجم عنه أن أصبحت الدول الضعيفة

أكرث ضعفا،‏ بينام أصبح األقوياء أكرث قوة:‏ فعىل سبيل املثال صعد الناتج املحيل

اإلجاميل األملاين من 10.4 أمثال الناتج يف اليونان يف العام 2007 إىل 15 مثالً‏ يف العام

2015. وأدى االنقسام أيضا إىل زيادة يف عدم املساواة داخل بلدان منطقة اليورو،‏


متهيد

وخاصة يف البلدان التي وقعت يف األزمة،‏ بل حتى يف البلدان األوروبية التي كانت

قد حققت تقدما يف تخفيض عدم املساواة قبل بداية العمل باليورو.‏

ورمبا ينبغي أال ميثل ذلك أي مفاجأة:‏ فالبطالة املرتفعة أرضت بهؤالء

القابعني يف القاع،‏ حيث تضع البطالة املرتفعة ضغوطا نزولية عىل األجور،‏ وتؤثر

التخفيضات يف النفقات الحكومية املرتبطة بالتقشف سلبيا بشكل خاص يف

األفراد متوسطي ومنخفيض الدخول الذين يعتمدون عىل برامج الحكومة.‏ وهذا

أيضا موضوع متشعب يف وقتنا الحارض:‏ فرمبا مل تنجح األجندة النيوليربالية يف

زيادة معدالت النمو املتوسطة،‏ ولكنها - وهذا ما ميكننا أن نكون متأكدين منه

متاما - نجحت يف زيادة عدم املساواة.‏ ويقدم اليورو حالة دراسية مفصلة حول

كيف أُنجِ‏ ز ذلك.‏

وهناك موضوعان آخران ميتان بنحوٍ‏ أكرث مبارشةً‏ إىل البحث يف مجال النظم

االقتصادية،‏ وهو مجال كنت مرتبطا به فرتة طويلة.‏ فهناك استيعاب واسع اآلن

‏)أخريا(‏ بأن األسواق يف حد ذاتها ليست كُفْئةً(‏‎14‎‏)‏ . فاليد الخفية آلدم سميث - والتي

بواسطتها يحقق األفراد مصلحتهم الخاصة والتي من املفرتض أن تقود،‏ إجامال،‏

إىل رفاهة املجتمع بكامله - هي خفية ألنها ببساطة ليست موجودة.‏ وقد أُوليَت

اهتامما ضئيال للغاية لعدم استقرار اقتصاد السوق.‏ فاألزمات كانت جزءا من

الرأساملية منذ بدايتها (15) .

والنموذج املعياري الذي يستخدمه االقتصاديون يفرتض ببساطة أن االقتصاد

يف حالة توازن،‏ وبعبارة أخرى:‏ لو حدث أي تدهور عىل اإلطالق يف االقتصاد فإنه

رسعان ما سيعود إىل مساره الطبيعي (16) . ومفهومُ‏ ‏»أن االقتصاد رسعان ما يعيد

االقرتاب من التوازن بعد أي اضطراب«‏ يعد مفهوما رئيسا يف فهم بنية منطقة

اليورو.‏ وقد رشحتْ‏ أبحايث الخاصة ملاذا ال تقرتب االقتصادات عادة من التوازن،‏ وما

حدث يف أوروبا يقدم توضيحا رائعا،‏ وإن كان حزينا،‏ لهذه األفكار.‏

ويُعد دور النظام املايل جزءا ال يتجزأ من القصة التي تُروى هنا.‏ فالنظم املالية

تُعد بكل وضوح جزءا أساسيا يف االقتصاد الحديث.‏ ولكني وصفت يف عمل آخر

كيف أنها إن مل تُدَر بحرص،‏ ففي وسعها أن تؤدي فعليا إىل عدم استقرار االقتصاد

يف حاالت ازدهاره وكساده (17) . ما حدث يف أوروبا مرة أخرى يقدم توضيحا لهذه

17


18

اليورو

املوضوعات وكيف عمل املخطط والسياسات التي اتُّبعت يف مواجهة األزمة عىل

تفاقم املشكالت املوجودة دوما يف اقتصادات السوق الحديثة.‏

واملوضوع األخري الذي كنت مهتام به منذ فرتة طويلة والذي ميكن فقط مجرد

التطرق إليه يف هذا الكتاب يرتبط بالقيم التي تكمن خلف علم االقتصاد:‏ ‏)أ(‏

فاالقتصاد من املفرتض أن يكون وسيلة لغاية زيادة رفاه األفراد واملجتمع.‏ ‏)ب(‏

ال يعتمد رفاه األفراد عىل املفاهيم املعيارية للناتج املحيل اإلجاميل فقط،‏ حتى لو

وُسِّ‏ ع هذا املفهوم ليتضمن األمن االقتصادي،‏ ولكنه يعتمد عىل فئة أكرث اتساعا

من القيم تتضمن التضامن االجتامعي والرتابط والثقة مبؤسساتنا االجتامعية

والسياسية،‏ واملشاركة الدميوقراطية.‏ ‏)ج(‏ من املفرتض أن يكون اليورو وسيلة لغاية

وليس غاية يف حد ذاته،‏ فقد كان من املفرتض أن يزيد من األداء االقتصادي ومن

الرتابط السيايس واالجتامعي يف جميع أرجاء أوروبا.‏ وهذا بدوره كان من املفرتض

أن يساعد عىل تحقيق أهداف أوسع تتضمن تعزيز الرفاه ومؤازرة القيم األساسية

التي سبقت اإلشارة إليها.‏ ولكن ينبغي أن يكون من الواضح أن كل يشء قد حدث

بطريقة خطأ.‏ فالوسائل أضحت غايات يف حد ذاتها،‏ وقُوضت األهداف الجوهرية،‏

وفقدت أوروبا بوصلتها.‏ وهذا االنحراف عىل أي حال ال يُعد ظاهرة أوروبية فريدة

من نوعها؛ فقد حدث كثريا يف عديد من األماكن:‏ إذ يبدو كأنه تقريبا مرض عاملي

يف معظم األوقات.‏

ومبعنى ما إذن تُعدَ‏ قصة منطقة اليورو مرسحية أخالقية:‏ فهي توضح كيف أن

القادة الذين فقدوا صلتهم بجمهورهم االنتخايب استطاعوا تصميم نظم ال تخدم

مواطنيهم بشكل جيد.‏ وتبني القصة أيضا كيف أن املصالح املالية سادت يف أوقات

كثرية عىل مؤازرة التكامل االقتصادي،‏ وكيف أن األيديولوجيا واملصالح املندفعة

بجنون ميكن أن تنجم عنها بنى اقتصادية تفيد القلة بينام تُعرِّض أقساما واسعة

من املواطنني للخطر.‏

إنها أيضا قصة تفاهات يتلفظ بها سياسيون مل يتلقوا تدريبا يف االقتصاد يخلقون

الواقع الخاص بهم،‏ ومبواقف تحقق مكاسب سياسية قصرية األجل،‏ ولكن بعواقب

هائلة عىل املدى الطويل.‏ واإلرصار عىل أن منطقة اليورو ينبغي أال تُصمَّ‏ م بطريقة

تجعل من األمور املتوقعة أن تساعد الدولُ‏ القوية هؤالء الذين لديهم مشاكل


متهيد

مؤقتة رمبا تكون لها جاذبية خاصة لدى الناخبني األنانيني.‏ ولكن من دون درجة

دنيا من تقاسم املخاطر ال ميكن ألي اتحاد نقدي أن يعمل.‏

بالنسبة إىل معظم األوروبيني،‏ كان املرشوع األورويب،‏ أي التكامل األعمق لبلدان

القارة،‏ هو الحدث السيايس األكرث أهمية خالل الستني عاما املاضية.‏ ورؤية هذا

املرشوع وهو يفشل،‏ أو اإلشارة إىل أنه رمبا يفشل أو أن جانبا واحدا من املرشوع

- نظام عملته - رمبا يفشل،‏ يُنظر إليه يف األغلب باعتباره هرطقة.‏ ولكن الواقع

يسلم أحيانا رسائل مؤملة:‏ فقد تحطم نظام اليورو،‏ وتكلفة عدم إصالحه برسعة

سوف تكون هائلة.‏ والنظام الحارض،‏ حتى بعد اإلصالحات األخرية،‏ غري قابل للحياة

عىل املدى الطويل من دون أن يفرض تكلفة ضخمة عىل أعداد كبرية من مواطنيه.‏

والتكلفة متتد إىل ما هو أبعد بكثري من االقتصاد:‏ وقد أرشت سابقا إىل التغيريات

املزعجة يف السياسة واملجتمع:‏ صعود التطرف والشعبوية اليمينية.‏ وبينام ال يعد

فشل اليورو سببا وحيدا وراء هذه االتجاهات،‏ أعتقد أن العبء االقتصادي الضخم

الذي فُرض عىل عدد كبري جدا من املواطنني هو واحد من األسباب املهمة جدا إن

مل يكن السببَ‏ األكرث أهمية.‏

وهذه التكلفة تُعَد مرتفعة خصوصا عىل شباب أوروبا الذين وُضِ‏ ع مستقبلهم

موضع الخطر،‏ والذين دُمرت طموحاتهم.‏ ورمبا ال يفهم هؤالء الشباب بشكل

كامل ما حدث،‏ ورمبا ال يفهمون بشكل كامل األساس االقتصادي،‏ ولكنهم يفهمون

هذا:‏ لقد كُذب عليهم عن طريق هؤالء الذين حاولوا إقناعهم بدعم نشأة اليورو

واالنضامم إىل منطقة اليورو،‏ والذين وعدوا بأن اليورو سوف يحمل رخاء غري

مسبوق،‏ وأنه مادامت البلدان متمسكة بالقيود األساسية املتمثلة يف إبقاء العجز

والدين منخفضني قياسا إىل الناتج املحيل اإلجاميل،‏ فإن البلدان األكرث فقرا ضمن

منطقة اليورو سوف تتقارب شيئا فشيئا مع البلدان األغنى.‏ واآلن يقال لهم،‏ وغالبا

عن طريق السياسيني أنفسهم أو سياسيني من األحزاب نفسها:‏ ‏»ثقوا بنا.‏ نحن

لدينا وصفة،‏ مجموعة من السياسات التي رمبا تؤدي إىل وقوع بعض األمل يف األجل

القصري،‏ بيد أنها سوف تؤدي إىل جعل الجميع أفضل حاال يف األجل الطويل«.‏

عىل الرغم من اآلثار الكئيبة املرتتبة عىل تحلييل ملا سوف يحدث إذا مل تتغري

منطقة اليورو - بل حتى اآلثار األسوأ إذا ما تغريّ‏ ت منطقة اليورو وفقا للطرق

19


اليورو

التي يدافع عنها عديدون اآلن يف أملانيا وأماكن أخرى - فهذا الكتاب يعد يف نهاية

املطاف متفائال.‏ إنه رسالة أمل مهمة خاصة لشباب أوروبا ولهؤالء الذين يؤمنون

باملرشوع األورويب واملؤمنني بفكرة أن أوروبا املتكاملة أكرث سياسيا ميكنها أن

تكون أوروبا أقوى وأكرث ازدهارا.‏ وهناك طريق آخر للتقدم إىل األمام وهو طريق

مختلف عن الطريق الذي دُفع نحوه اآلن من قِبل القادة األوروبيني.‏ والحقيقة

أن هناك طرقا متعددة للميض إىل األمام،‏ وكل طريق منها يتطلب درجة مختلفة

من التضامن األورويب.‏

وقد اقرتفت أوروبا خطأ بسيطا ومفهوما:‏ فقد اعتقدت أن أفضل الطرق تجاه

قارة أكرث تكامال هو من خالل الوحدة النقدية والتشارك يف عُ‏ ملة موحدة.‏ ومنطقة

اليورو وعملة اليورو - من حيث الهيكل والسياسات – ال بد من إصالحهام بعمق

إذا ما كان الهدف هو إنقاذ املرشوع األورويب،‏ وميكن بالفعل تحقيق ذلك.‏

وهيكل اليورو هو هيكل من صنع البرش.‏ ومعامل هذا الهيكل ليست نتيجة

لقوانني الطبيعة التي ال ترحم.‏ إذ ميكن إعادة صياغة الرتتيبات النقدية األوروبية،‏

بل حتى ميكن التخيل عن اليورو كليا إذا ما كان ذلك رضوريا.‏ ويف أوروبا كام يف

كل مكان آخر ميكننا إعادة ضبط بوصلتنا،‏ وميكننا إعادة كتابة قواعد اقتصادنا

وسياساتنا،‏ وذلك من أجل تحقيق اقتصاد يتضمن رخاء أكرث وتوفري مشاركة أفضل

يف هذا الرخاء مع دميوقراطية ومتاسك اجتامعي أكرث قوة.‏

كُتب هذا الكتاب عىل أمل أن يقدِّم بعض التوجيه بشأن كيف ميكن ألوروبا

تحقيق هذا - وهو يقدم بعض قوة الدفع إىل أوروبا،‏ ليك تأخذ عىل عاتقها هذه

األجندة الطموحة برسعة.‏ ويجب عىل أوروبا استعادة الرؤية الخاصة بالغايات

النبيلة التي سعت إليها عند نشأة االتحاد األورويب.‏ فاملرشوع األورويب أكرث أهمية

من أن يُدمَّر بواسطة اليورو.‏

20


أزمة اليورو

اجلزء األول

أوروبا يف أزمة

21


اليورو

22


أزمة اليورو

1

أزمة اليورو

‏»إن اإلصالحات املطلوبة واألكرث

إلحاحا هي يف بنية منطقة اليورو

ذاتها،‏ ال يف البلدان فرادى«‏

إن أوروبا،‏ مصدر التنوير،‏ ومكان ميالد العامل

الحديث،‏ يف أزمة.‏ لقد تحولت األزمة املالية العاملية

يف العام 2008 بكل سالسة إىل ‏»أزمة اليورو«‏ يف

2010. وعاىن هذا الجزء من العامل،‏ الذي استضاف

الثورة الصناعية التي أدت إىل تغيريات غري مسبوقة

يف مستويات املعيشة خالل القرنني املاضيني،‏ فرتةً‏

طويلةً‏ بسبب وضع يقرتب من الجمود يف النشاط

االقتصادي.‏ وقُدِّر أن نصيب الفرد من الناتج املحيل

اإلجاميل ‏)املعدل وفقا ملستوى التضخم(‏ يف منطقة

اليورو (1) - البلدان األوروبية التي تتشارك يف

استخدام اليورو عملةً‏ لها - ال يكاد يرتفع يف العام

2015 عام كان عليه يف العام )2( 2007 . وكان بعض

البلدان يعاين الكساد عدة سنوات (3) .

23


24

اليورو

حينام بلغ معدل البطالة يف الواليات املتحدة األمريكية 10 يف املائة يف أكتوبر

2009 كان معظم األمريكيني يرون أن هذا املعدل ال يُحتمل.‏ وقد انخفض هذا

املعدل فيام بعد ليبلغ 5 يف املائة.‏ وبينام بلغ معدل البطالة يف منطقة اليورو

10 يف املائة يف العام 2009 أيضا،‏ فإنه ظل عالقا عند مستوى يبلغ 10 يف املائة

فأكرث منذ ذلك الوقت (4) . ويوجد،‏ يف املتوسط،‏ أكرث من شاب من بني كل خمسة

شباب يف قوة العمل عاطل عن العمل،‏ ولكن يف البلدان األكرث ترضرا من غريها

من األزمة كان شاب من بني كل شابني يبحثان عن العمل ال ميكنه العثور عىل

وظيفة (5) . وتحمل اإلحصاءات الجافة حول بطالة الشباب يف طياتها أحالما

وتطلعات محطمة ملاليني الشباب األوروبيني الذين عمل ودرس الكثريون منهم

بجدية شديدة.‏ تُطلعنا هذه اإلحصائيات عىل عائالت تفككت،‏ حيث إن هؤالء

الذين كان يف إمكانهم املغادرة هاجروا من بلدانهم بحثا عن العمل يف بلدان

أخرى.‏ إنها تنذر مبستقبل أورويب تكون فيه معدالت النمو ومستويات املعيشة

أدىن،‏ ورمبا يستمر ذلك عقودا مقبلة.‏

ولهذه الحقائق االقتصادية،‏ بدورها،‏ تداعياتها السياسية.‏ فقد تزعزعت أسس

أوروبا ما بعد الحرب الباردة.‏ وتتصاعد أحزاب اليمني واليسار املتطرف،‏ وأحزاب

أخرى مؤيدة لتفكيك الدولة-األمة،‏ خاصة يف إسبانيا بل أيضا يف إيطاليا.‏ وما قد

بدا حتميا يف قوس التاريخ - تكوين الدولة-األمة يف القرن التاسع عرش-‏ يوضع

موضع املساءلة اآلن.‏ وتثار أسئلة أيضا حول اإلنجاز الضخم يف أوروبا ما بعد الحرب

العاملية الثانية،‏ أي تأسيس االتحاد األورويب.‏

كانت األحداث التي عجّ‏ لت بأزمة اليورو الحادة أعراضا ملشكالت أعمق يف

بنية ‏)هيكل(‏ منطقة اليورو،‏ وليست أسبابا لها:‏ االرتفاع الكبري يف أسعار الفوائد

عىل السندات التي أصدرها بنك اليونان املركزي وعدد آخر من بلدان منطقة

اليورو،‏ حيث وصلت إىل الذروة يف اليونان ببلوغها 22.5 يف املائة يف العام

)6( 2012 . ويف بعض األحيان مل تستطع بعض البلدان أن تجد أي مدخل للحصول

عىل التمويل بأي رشوط - إذ مل ميكنها الحصول عىل املال الذي تحتاج إليه

إلعادة دفع الديون السابقة.‏ وأتت أوروبا إىل خطط اإلنقاذ،‏ أي إتاحة التمويل

القصري األجل،‏ برشوط قاسية.‏


أزمة اليورو

بادر قادة أوروبا بعد اندالع أزمة اليورو يف بداية العام 2010 باتخاذ عدة قرارات

متتابعة،‏ وبدا أن كل قرار من هذه القرارات قد عمل عىل تهدئة األسواق برهةً.‏

وعندما كان هذا الكتاب عىل وشك الذهاب إىل املطبعة تراجعت حتى أزمة اليونان

إىل الخلف مع آمال أوروبا بأن االتفاقية األخرية،‏ يف صيف 2015، سوف تنجح أخريا،‏

ومع صعود أزمات أخرى إىل موقع الصدارة:‏ أزمة املهاجرين التي انفجرت واحتلت

مقدمة املرسح،‏ وكذلك األزمة التي فرضها تهديد بريطانيا بالخروج من االتحاد

األورويب وتهديدات اإلرهابيني التي بدت واضحة للغاية مع الهجامت يف كل من

باريس وبروكسل.‏ وكان من املفرتض أن تؤدي العملة املوحدة إىل تكامل اقتصادي

وسيايس أوثق،‏ وتساعد أوروبا عىل مواجهة أي تحديات يواجهها اإلقليم.‏ وكام سوف

نبني يف الفصل التايل كان الواقع عىل خالف ذلك:‏ إخفاق اليورو جعل من الصعب

أكرث عىل أوروبا مواجهة هذه األزمات األخرى.‏ وهكذا عىل الرغم من أن هذا

الكتاب هو عن االقتصاد - االقتصاد الذي يكمن وراء إخفاق أوروبا،‏ وما الذي ميكن

فعله حيال ذلك - فإن االقتصاد متشابك بقوة مع السياسة.‏ وتجعل السياسة من

الصعب وضع الرتتيبات االقتصادية التي متكن اليورو من النجاح.‏ وهناك بالتبعية

عواقب سياسية خطرية لهذا الفشل.‏

وسوف يبني هذا الكتاب بجالء ملاذا كانت اإلجراءات املتخذة حتى اآلن

ل ‏»حل«‏ أزمة اليورو مجرد مسكِّنات مؤقتة؛ إذ كان األكرث احتامال هو انفجار األزمة

التالية لليورو،‏ ولن يكون ذلك بعد وقت بعيد يف املستقبل.‏

األطروحة املركزية

بينام هناك العديد من العوامل التي أسهمت يف املعاناة األوروبية املريرة،‏ يبقى

هناك خطأ واحد أسايس:‏ خلقُ‏ العملة املوحدة،‏ اليورو.‏ أو،‏ بشكل أكرث دقة،‏ خلقُ‏

عملة موحدة من دون تأسيس مجموعة من املؤسسات التي متكّ‏ ن إقليم أوروبا

املتنوع من العمل بكفاءة مستخدما عملة واحدة.‏

الجزء الثاين من هذا الكتاب ‏)الفصول من الرابع إىل السادس(‏ يبحث يف

متطلبات الوحدة النقدية،‏ وما فعلته أوروبا فعال،‏ وكيف ميكن إغالق الفجوة بني ما

هو مطلوب عمله وما نُفِّذ فعال وأدى إىل إخفاق اليورو،‏ باإلضافة إىل بحث األزمة

25


26

اليورو

التي أعقبت خلق اليورو بفرتة قصرية،‏ وبحث التباين،‏ حيث أصبح األغنياء أكرث غنى

والفقراء أكرث فقرا؛ مام جعل من الصعب عىل نظام العملة املوحدة العملَ‏ أكرث من

أي وقت مىض.‏ والجزء الثالث ‏)الفصالن السابع والثامن(‏ ينظر بتمعن أكرث يف كيفية

استجابة منطقة اليورو لألزمة،‏ مع بلوغها عىل ما يبدو مرحلة ‏»اإلنقاذ«،‏ مع برامج

أدت يف الحقيقة إىل تعميق ومتديد التدهور االقتصادي.‏ والجزء الرابع ‏)الفصول من

التاسع حتى الثاين عرش(‏ يرشح ما الذي ميكن عمله إلعادة أوروبا إىل الرخاء.‏

حاشية حول تاريخ اليورو ونطاق هذا الكتاب

يف هذا الكتاب ال أقدم تاريخا مفصال لليورو،‏ كام ال أقدم وصفا مفصال ملؤسساته.‏

ولكن عىل سبيل االستبصار من املفيد ذكر بعض الحقائق القليلة عن التسلسل الزمني

وتأسيس اليورو.‏ لقد كانت العملة املوحدة مثرة جهود بدأت يف منتصف القرن العرشين،‏

عندما كانت أوروبا ترتنح من آثار مذابح واضطراب خلفتهام حربان عامليتان ذهب

ضحيتَهام 100 مليون نفس.‏ وأدرك قادة أوروبا أن مستقبال أكرث سلمية سوف يتطلب

إعادة تنظيم شاملة للسياسة،‏ واالقتصاد،‏ وحتى للهويات الوطنية يف القارة.‏ أضحت هذه

الرؤية أقرب إىل أن تكون الواقع مع توقيع معاهدة روما يف العام 1957 التي أسست

الجامعة االقتصادية األوروبية )EEC( والتي تكونت من بلجيكا،‏ وفرنسا،‏ وإيطاليا،‏

ولوكسمبورغ،‏ وهولندا،‏ وأملانيا الغربية.‏ وخالل العقد التايل الذي هيمنت عليه الحرب

الباردة انضم العديد من بلدان أوروبا الغربية األخرى إىل الجامعة االقتصادية األوروبية.‏

وخطوة فخطوة خُ‏ فِّفت القيود املفروضة عىل انتقال العاملة،‏ والسفر،‏ والتجارة بني

بلدان القامئة اآلخذة يف التوسع للجامعة االقتصادية األوروبية.‏

ولكن مل يكتسب التكامل األورويب قوة دفع حقيقية إال بعد انتهاء الحرب

الباردة.‏ فسقوط حائط برلني يف العام 1989 أظهر أن عرص الروابط األوروبية الوثيقة

واألقوى قد اقرتب.‏ وكانت اآلمال يف مستقبل سلمي يعمه الرخاء أعىل مام كانت

عليه يف أي وقت مىض،‏ سواءٌ‏ أكان ذلك بني القادة أم بني املواطنني.‏ وقد أدى ذلك

إىل التوقيع،‏ يف العام 1992، عىل معاهدة ماسرتيخت التي أسست رسميا االتحاد

األورويب وخلقت جزءا كبريا من هيكله االقتصادي ومؤسساته،‏ مبا يف ذلك البدء يف

تحريك عملية تبني عملة مشرتكة والتي ستُعرف فيام بعد باسم اليورو.‏


أزمة اليورو

وعىل الرغم من ذلك كان هناك خالف حول الكيفية التي يجب أن تُحقَّق بها

هذه الوحدة األكرب نطاقا.‏ واليوم رمبا يبدو التاريخ الرسمي لالتحاد األورويب كأنه

قامئة نقاط باألحداث الرئيسة التي تؤدي حتام إىل إنشاء سوق مشرتكة آخذة يف

التوسع ومنطقة عملة مشرتكة:‏ منطقة اليورو.‏ ولكن تكوين هذه املؤسسات كان

يف الحقيقة نتيجة سنواتٍ‏ من املفاوضات املشحونة بالخالفات حول مدى التكامل

األورويب وشكله.‏ وكانت النتائج ممكنة فقط بسبب دخول القادة األوروبيني يف

مساومات وتسويات.‏ ويف حالة اليورو أفادت التقارير بأن املستشار األملاين هيلموت

كول Helmut Kohl وافق عىل إنشاء اليورو مقابل قبول الرئيس الفرنيس فرانسوا

ميرتان François Mitterrand إعادة توحيد أملانيا.‏ وكان كل من الرجلني محوريا يف

تعزيز فكرة التكامل - ويف وضع العديد من السياسات التي سأناقشها يف هذا الكتاب.‏

وكل هذا التاريخ مهم،‏ ولكن معظمه يقع خارج اختصاص هذا الكتاب.‏ والنقطة

التي أود إثارتها - والتي سأعود إليها عىل امتداد الكتاب - هي أن اليورو كان مرشوعا

سياسيا،‏ ومثلام هو الوضع يف حالة أي مرشوع سيايس تكون للسياسة أهميتها.‏

ولألشخاص يف السياسة أهميتهم كذلك - يفكر املرء،‏ عىل سبيل املثال،‏ يف جاك

ديلور ،Jacques Delors الذي وضعت مفوضيته خطة إنشاء اليورو يف العام 1989

- عىل الرغم،‏ مرة أخرى،‏ من أن هذا ليس موضع تركيزي هنا.‏ ويف توضيح عملية

إنشاء اليورو أنا ال أعرف بشكل كامل ما الذي كان يدور يف أذهان هؤالء الذين

كانوا موجودين عند تأسيسه.‏ فمن الواضح أنهم فكروا يف أن النظام سوف ينجح،‏

وإال المتنعوا عن املوافقة عليه.‏ ورمبا سيبدون ساذجني إذا ما كانوا قد تصوروا أنه

لن تكون هناك مشاكل عىل امتداد الطريق،‏ ولكن من املفرتض أنهم اعتقدوا أن

أي مشاكل ميكن - بل يجب - أن تُعالَج.‏ وقد اعتقدوا أن العملة املوحدة،‏ اليورو،‏

واملؤسسات التي تدعمها،‏ وخاصة البنك املركزي األورويب ،)ECB( سوف تكون سمة

من السامت الدامئة لالتحاد األورويب.‏ ولكن هذا الكتاب ليس كتابا عن التاريخ،‏ كام

أنه ليس كتابا عن فهم األفراد املؤسسني لطريقة عمل النظام الجديد.‏

عوضا عن ذلك ينصب اهتاممي عىل نتائج هذا التاريخ:‏ ما الذي ميكن قراءته

من هذه النتائج،‏ وما الذي ميكننا عمله بشأنها.‏ هذا الكتاب هو عن االقتصاد

واأليديولوجيات االقتصادية وتداخلها وتفاعلها مع السياسة:‏ إنها دراسة حالة حول

27


28

اليورو

كيف ميكن للنتائج أال تكون مخيبة لآلمال فقط،‏ بل تكون كارثية أيضا حتى مع

توافر أفضل النوايا،‏ حينام تُؤسَّ‏ س مؤسسات وسياسات جديدة عىل أساس نظرات

مبسطة للغاية حول كيفية عمل االقتصاد.‏

مصابة بعيب خلقي

كانت منطقة اليورو مصابة بعيب خلقي.‏ فبنية منطقة اليورو-‏ القوانني،‏ والضوابط

التنظيمية،‏ واملؤسسات التي تحكمها - هي التي يجب أن تُالم عىل األداء الضعيف

للمنطقة،‏ مبا يف ذلك أزماتها املتعددة.‏ لقد كان التعدد يف أوروبا هو مصدر قوتها.‏ ولكن

نجاح عملة موحدة يف العمل عىل نطاق إقليم يتسم بتنوع اقتصادي وسيايس كبري

ليس أمرا سهال.‏ إذ تتضمن العملة املوحدة تثبيت أسعار الرصف بني البلدان األعضاء

ووجود سعر فائدة واحد.‏ وحتى لو وُضِ‏ عت هذه األمور بحيث تكون قادرة عىل ترجمة

األحوال يف معظم البلدان األعضاء،‏ ومع الوضع يف االعتبار التنوعَ‏ االقتصادي،‏ فسيكون

األمر يف حاجة إىل نسق من املؤسسات التي ميكنها مساعدة البلدان التي قد ال تناسبها

السياسات املتبعة متاما.‏ وقد فشلت أوروبا يف إيجاد هذه املؤسسات.‏

عالوة عىل ما سبق ينبغي أن تكون هناك مرونة يف القوانني للسامح بالتأقلم

مع االختالفات يف الظروف،‏ واملعتقدات،‏ والقيم.‏ وعموما فقد أوردت أوروبا ذلك يف

البدء بالتفويض الذي ينطوي عىل نقل املسؤولية عن السياسة العامة إىل املستوى

الوطني،‏ وليس املستوى األورويب،‏ ألوسع مدى ممكن من القرارات (7) . والحقيقة،‏

ومع ميزانية لالتحاد األورويب تبلغ فقط نحو 1 يف املائة من ناتجه املحيل اإلجاميل (8) ،

‏)عىل النقيض من الواليات املتحدة حيث يبلغ إنفاقها الفدرايل أكرث من 20 يف املائة

من ناتجها املحيل اإلجاميل(‏ (9) ، أن القليل من اإلنفاق هو الذي يحدث عىل مستوى

االتحاد األورويب.‏ ولكن يف الساحة ذات األهمية الفائقة يف تحديد رفاه املواطنني

األفراد - السياسات النقدية التي تعد حاسمة يف تحديد مستوى البطالة وقواعد

موارد الرزق - مُركِزت السلطةُ‏ يف البنك املركزي األورويب الذي أُسِّ‏ س يف العام 1998.

ومع فرض قيود قوية عىل اإلنفاق بالعجز مل متُ‏ نح الدول فرادى مرونةً‏ كافية يف وضع

سياساتها املالية ‏)الرضائب واإلنفاق(‏ لتمكني البلد من مواجهة الظروف املعاكسة،‏

ومن أجل تجنب حدوث ركود اقتصادي عميق (10) .


أزمة اليورو

ومايزال األسوأ هو أن بنية منطقة اليورو ذاتها بُنيت عىل أفكار محددة

حول ما هو املطلوب لتحقيق النجاح االقتصادي - عىل سبيل املثال ينبغي

للبنك املركزي أن يركز عىل التضخم،‏ عىل النقيض من التكليف املمنوح لنظام

االحتياطي الفدرايل يف الواليات املتحدة الذي يتضمن الرتكيز عىل البطالة،‏

والنمو،‏ واالستقرار أيضا (11) . وليس أمرا بسيطا أن منطقة اليورو مل تُهيكَل للتالؤم

مع تنوع أوروبا االقتصادي،‏ فبنية اليورو هذه،‏ والقواعد والضوابط التنظيمية،‏

مل تُصمَّ‏ م بحيث تحفز عىل النمو،‏ والتشغيل،‏ واالستقرار.‏

وقد تفاقمت مشكالت بنية منطقة اليورو عن طريق السياسات التي انتهجتها

املنطقة،‏ وخاصة يف أعقاب األزمة،‏ وداخل البلدان املأزومة.‏ وحتى مع اإلقرار بالبنية

املعيبة للمنطقة كانت هناك خيارات ميكن اتخاذها.‏ وقد اتخذت أوروبا الخيارات

الخاطئة.‏ فقد فرضت التقشف املايل - استقطاعات مفرطة من اإلنفاق الحكومي.‏

فقد طلبت ‏»إصالحات هيكلية«‏ معينة،‏ وتغيريات يف كيف ميكن،‏ عىل سبيل املثال،‏

للبلدان املنكوبة أن تدير أسواق العمل ونظم املعاشات فيها.‏ ولكنها يف أغلب

األحيان فشلت يف الرتكيز عىل اإلصالحات التي كان من املحتمل أكرث أن تنهي الركود

العميق الذي تواجهه بلدانها.‏ وحتى لو طُ‏ بِّقت هذه اإلصالحات بشكل مثايل فلم

يكن بوسع السياسات التي أُصِ‏ َّ عىل تطبيقها يف البلدان املأزومة أن تستعيد للبلدان

املنكوبة أو منطقة اليورو عافيتها االقتصادية.‏

وهكذا،‏ إن اإلصالحات املطلوبة واألكرث إلحاحا هي يف بنية منطقة اليورو ذاتها

- ال يف البلدان فرادى - وقد اتُّخِ‏ ذ القليل من الخطوات العرجاء يف هذا االتجاه.‏

ولكن هذه الخطوات كانت قليلة جدا وبطيئة جدا.‏ وقد حاولت أملانيا وبلدان

أخرى لوم الضحايا،‏ أي تلك البلدان التي عانت نتائج السياسات الخاطئة والهيكل

املعيب ملنطقة اليورو.‏ ولكن من دون اإلصالحات الرضورية يف بنية منطقة اليورو

ذاتها ال ميكن ألوروبا أن تعود إىل النمو.‏

الحفر عىل عمق أكرب:‏ ملاذا كانت البنية والسياسات املعيبة؟

ملاذا خلق رجال دولة كانوا حسني النية،‏ بشأن تشكيل أوروبا أقوى وأكرث

توحدا،‏ شيئا كان له أثر عكيس متاما؟ هذا الكتاب ليس فقط عن هذا الحدث

29


30

اليورو

الرئيس - أي أزمة اليورو - الذي عمل عىل تحويل أوروبا،‏ وعلم االقتصاد الكامن

وراء هذا التحويل،‏ إنه كتاب عن التداخل ما بني السياسة واالقتصاد،‏ وعن دور

األفكار واملعتقدات.‏

فبينام يُعَد اليورو مرشوعا سياسيا،‏ مل يكن التامسك السيايس - خاصة بشأن

مفهوم تفويض السلطة من البلدان ذات السيادة إىل االتحاد األورويب - قويا

مبا فيه الكفاية لخلق املؤسسات االقتصادية التي رمبا كان بإمكانها منح اليورو

فرصة للنجاح.‏

عالوة عىل ما سبق كان مؤسسو اليورو يسرتشدون مبجموعة من األفكار واملفاهيم

حول كيفية عمل االقتصادات،‏ وهي أفكار ومفاهيم كانت رائجة آنذاك،‏ لكنها كانت

ببساطة خاطئةً(‏‎12‎‏)‏ . كان لديهم إميان باألسواق بينام كانوا يفتقرون إىل فهم حدود

هذه األسواق،‏ وما الذي كان مطلوبا حتى ميكنها العمل بنجاح.‏ هذا اإلميان الراسخ

باألسواق يُشار إليه أحيانا بتعبري أصولية السوق،‏ وأحيانا بالنيوليربالية (13) . ويؤمن

أصوليو السوق،‏ عىل سبيل املثال،‏ بأنه فيام لو ضمنت الحكومة فقط بقاء التضخم

منخفضا ومستقرا،‏ فسوف تضمن األسواق تحقيق النمو والرخاء للجميع.‏ وبينام

فقدت أصولية السوق مصداقيتها يف معظم أنحاء العامل،‏ وخاصة عقب األزمة املالية

العاملية يف العام 2008، نجت هذه املعتقدات وازدهرت داخل القوة املهيمنة يف

منطقة اليورو،‏ أملانيا.‏ وقد دُوفع عن هذه املعتقدات باقتناع ويقني،‏ مام جعلها

محصنة ضد األدلة الجديدة املناقضة لها،‏ ولذا وُصِ‏ فت هذه املعتقدات عن حق

بكونها أيديولوجيا.‏ وكام أرشت يف التمهيد أدى الدفع بأفكار مامثلة،‏ عن طريق

صندوق النقد الدويل والبنك الدويل،‏ إىل ما يطلق عليه ‏»ربع القرن الضائع«‏ يف

أفريقيا،‏ و»العَقد الضائع«‏ يف أمريكا الالتينية،‏ و»التحول من الشيوعية إىل اقتصاد

السوق«‏ يف االتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الرشقية.‏ وهو ما مثّل،‏ عىل أقل

تقدير،‏ خيبة أمل.‏

وعىل ذلك ميكن أن تُعزى اإلخفاقات يف منطقة اليورو،‏ يف كل من البنية

والسياسات،‏ إىل حد بعيد،‏ إىل املزج بني أيديولوجيا اقتصادية مُضلِّلة كانت سائدة

إبان إنشاء اليورو واالفتقار إىل تضامن سيايس قوي.‏ وقاد هذا املزج إىل خلق اليورو

بطريقة بذرت بذور دماره الذايت.‏


أزمة اليورو

التصورات الخاطئة حول عملية التغري االقتصادي والسيايس

كانت للمعتقدات الخاطئة حول عملية اإلصالح مساهمتها كذلك.‏ فقد

عرف القادة أن مرشوع منطقة اليورو غري مكتمل.‏ ولكن نُظر إىل املرشوع

عىل أنه جزء من عملية طويلة األمد،‏ وأن الديناميات التي ستُطلَق بواسطة

اليورو سوف تُجرب أعضاء منطقة اليورو عىل خلق أي مؤسسات رضورية غري

موجودة.‏ وسوف يعمل هذا النجاح بعدئذ عىل تحقيق مزيد من التكامل

السيايس واالقتصادي.‏

خالل فرتة عميل كبريَ‏ االقتصاديني يف البنك الدويل تعلمت أن املرء عليه أن

يراعي،‏ بحرص بالغ،‏ توقيتَ‏ ووترية اإلصالح (14) . فالفشل األويل يزيد من املقاومة

ضد اإلصالحات اآلتية.‏ وهذه هي قصة اليورو.‏

الطريق إىل األمام

بنحوٍ‏ أسايس قال داعمو السياسات الحالية داخل منطقة اليورو،‏ بقيادة

أملانيا:‏ ‏»ليس هناك بديل«‏ للبنية الحالية ‏)مع التغايض عن بعض التعديالت

الطفيفة التي كان من املمكن قبولها(،‏ كام أنه ليس هناك بديل للسياسات

التي فُرِضت.‏ وقد قيلت هذه العبارة كثريا إىل درجة أنه صار لها اختصار

مريب مييزها هو ‏»تينا«‏ TINA ‏)٭(‏ . ويبني الجزء الرابع ‏)الفصول من التاسع

وحتى الثاين عرش(‏ أن هناك بدائلَ‏ للنهج الحارض - إصالحاتٍ‏ ميكنها أن

تجعل اليورو يعمل جيدا ‏)الفصل التاسع(،‏ أو إجراءَ‏ طالق ودي ‏)الفصل

العارش(،‏ أو حالًّ‏ يف منتصف الطريق،‏ ولكنه يختلف بشكل ملحوظ عن

املوقف الحايل ‏)الفصل ال 11(، إذ هو حل ميكن عربْ‏ ه التحول بسهولة أكرب

إىل العملة املوحدة فيام لو توافر حل كافٍ‏ لقضية جعْل مثل هذا النظام

يعمل بنجاح.‏ ولكن موقف منتصف الطريق الحايل - عملة موحدة من

دون املؤسسات املطلوبة ملنطقة عملة موحدة - مل يعمل بنجاح،‏ ومن غري

املحتمل أن يعمل بنجاح مستقبال.‏

‏)٭(‏ يشري االختصار إىل األحرف األوىل من كلامت عبارة Alternative“ ”There Is No التي تعني ‏»ليس هناك

بديل«.‏ ‏]املرتجم[.‏

31


اليورو

أسوأ من عقد ضائع؟

من وقت إىل آخر - حينام تندلع األزمات - يقتيض األمر سنوات حتى ميكن

لالقتصادات أن تعود إىل مستويات النمو والبطالة التي كانت قامئة قبل األزمة.‏ وما

تواجهه أوروبا هو أسوأ من هذا:‏ ففي أغلب البلدان األوروبية من املؤكد تقريبا

أال تصل مستويات املعيشة أبدا إىل املستوى الذي كان ميكنها بلوغه إذا مل تكن

تعرضت ألزمة اليورو،‏ أو إذا أُديرت أزمة اليورو بشكل أفضل،‏ ولكن فشل اليورو

مىض حتى إىل مستويات أعمق.‏

ويجادل مؤيدو اليورو عن حق بأن اليورو مل يكن مجرد مرشوع اقتصادي قُصد

به تحسني مستويات املعيشة عن طريق زيادة كفاءة تخصيص املوارد،‏ واتباع مبادئ

املزايا النسبية Comparative Advantage ‏)٭(‏ ، وتعزيز املنافسة،‏ واالستفادة من

مزايا النطاق أو الحجم ‏)٭٭(‏ ، وتدعيم االستقرار االقتصادي؛ إذ كان املرشوع السيايس

هو األكرث أهمية،‏ حيث كان من املفرتض تعزيز التكامل السيايس ألوروبا،‏ وجعل

بلدان ومواطني أوروبا أكرث قربا من بعضهم وضامن التعايش السلمي.‏

وقد فشل اليورو يف تحقيق أي من الهدفني الرئيسني،‏ أي الرخاء والتكامل

السيايس:‏ فهذان الهدفان اآلن باتا أكرث بُعدا مام كانا عليه قبل إنشاء منطقة اليورو.‏

وبدال من السالم واالنسجام تنظر دول أوروبا كل منها إىل األخرى اآلن بعدم ثقة

‏)٭(‏ املزايا النسبية:‏ مصطلح من ابتكار االقتصادي اإلنجليزي الكبري دافيد ريكاردو ،David Ricardo ظهر أول مرة

يف كتابه الشهري ‏»مبادئ االقتصاد السيايس والرضائب«‏ Taxation( )Principles of Political Economy and

الصادر يف العام ‎1817‎م.‏ ويرشح ريكاردو مصطلح املزايا النسبية مستخدما مثاال لبلدين هام الربتغال وإنجلرتا

وسلعتني هام العصري والنسيج.‏ فإذا كان إنتاج كمية معينة من العصري يف الربتغال يقتيض 100 ساعة عمل،‏ وكان إنتاج

كمية معينة من النسيج يف الربتغال أيضا يستلزم 110 ساعات عمل،‏ بينام كان إنتاج العصري يف إنجلرتا يقتيض 120

ساعة عمل وتكلفة إنتاج النسيج تقتيض 130 ساعة عمل،‏ أي أن الربتغال أكفأ يف إنتاج كل من السلعتني ‏)أي لديها

ميزة مطلقة فيهام(،‏ فسيظل من مصلحة الربتغال التخصص يف السلعة التي لديها ميزة نسبية أكرب فيها وهي هنا

العصري،‏ ألن تكلفة اإلنتاج أقل نسبيا من إنجلرتا مقارنة بالنسيج )120/100 أقل من 130/110( فتوجه لها مواردها

اإلنتاجية بدال من توزيعها بني السلعتني،‏ وتنتج كمية إضافية من العصري تصدرها إىل إنجلرتا مقابل استرياد كمية أكرب

من النسيج من إنجلرتا مقارنة مبا كانت تستطيع إنتاجه،‏ بينام تتخصص إنجلرتا بدورها يف السلعة التي لديها ميزة

نسبية أعىل يف إنتاجها وهي هنا النسيج النخفاض تكلفة إنتاجها النسبية مقارنة بتكاليف اإلنتاج النسبية يف الربتغال

)110/130 أقل من 100/120(، فتعمل لتوجيه مواردها إلنتاج كمية أكرب من النسيج تصدرها وتحصل مقابلها عىل

كمية أكرب من العصري الذي كان ميكنها إنتاجه بنفسها.‏ وهكذا عىل الرغم من التفوق املطلق للربتغال يف إنتاج كل من

السلعتني،‏ سيكون من مصلحتها ‏)وفقا ملزاياها النسبية(‏ التخصص يف إنتاج إحدى السلعتني واسترياد األخرى،‏ والعكس

بالنسبة إىل إنجلرتا.‏ وبذلك تؤكد نظرية املزايا النسبية تحقيق جميع البلدان مصلحتها عرب التبادل التجاري.‏ ‏]املرتجم[.‏

‏)٭٭(‏ املقصود هو انخفاض التكلفة املتوسطة الكلية مع زيادة حجم اإلنتاج.‏ ‏]املرتجم[.‏

32


أزمة اليورو

وغضب.‏ وأُحْ‏ يِيَتْ‏ جميع القوالب والصور النمطية القدمية،‏ حيث تنتقد أوروبا

الشاملية الجنوب باعتباره كسوال وال يُعتمَد عليه،‏ كام استُدعيت عىل الجهة املقابلة

الذكريات املتعلقة بسلوك أملانيا خالل فرتات الحروب العاملية.‏

األداء االقتصادي البائس

كان األداء االقتصادي لبلدان منطقة اليورو مخيبا لآلمال،‏ فمنطقة اليورو كانت

يف األساس يف حالة ركود،‏ وكان أداؤها االقتصادي بائسا بشكل خاص منذ تفجر

األزمة املالية العاملية،‏ واالنتقادات املوجهة إىل اليورو كانت تقول دامئا إن اختباره

سيكون يف اللحظة التي ستواجه فيها بلدان منطقة اليورو صدمة غري متامثلة،‏ أي

تغريا يصيب بعض البلدان بنحو مختلف عن إصابته للبلدان األخرى.‏ وقد بينت

األمور يف أعقاب األزمة املالية العاملية يف العام ‎2008‎م تحقُّق هذه املخاوف،‏ وأن

بعض االقتصادات يف منطقة اليورو كان أداؤها أكرث ضعفا حتى مام تنبأت به أعظم

االنتقادات.‏ وقد بدأت األزمة يف الواليات املتحدة،‏ لكن الواليات املتحدة تعافت

(15)

منها،‏ عىل الرغم من أنها تعافت بوترية ضعيفة؛ حيث كان الناتج املحيل اإلجاميل

يف العام ‎2015‎م أعىل بنسبة 10 يف املائة من الناتج يف العام ‎2007‎م،‏ بينام ال يكاد

الناتج املحيل اإلجاميل يف منطقة اليورو (16) يتغري منذ العام 2007. الحقيقة،‏ كام

أرشنا سابقا،‏ أن نصيب الفرد من الناتج املعدل انخفض وفقا لنسب التضخم،‏ بل

شهدت منطقة اليورو دوريت ركود متتاليتني بينام كان أداء بعض االقتصادات خارج

منطقة اليورو مثل السويد والرنويج جيدا جدا،‏ وهناك عامل رئيس أسهم يف األداء

الضعيف ملنطقة اليورو:‏ هو اليورو ذاتهُ.‏

حتى أملانيا فاشلة

قدمت أملانيا نفسها باعتبارها قصة نجاح والنموذج الذي عىل البلدان األخرى

احتذاؤه.‏ لقد منا االقتصاد األملاين بنسبة 6.8 يف املائة منذ العام ‎2007‎م،‏ وهو ما

يعني معدلَ‏ منو متوسطا (17) يبلغ نحو 0.8 يف املائة فقط سنويا،‏ وهذا املعدل،‏ يعد

يف ظل الظروف العادية قريبا من الفشل (18) . ومام يستحق الذكر أيضا أن التطورات

يف أملانيا قبل األزمة،‏ أي يف األعوام األوىل من األلفية الثانية - عندما طبقت البالد

33


34

اليورو

إصالحات خفّضت برضاوة مخصصات شبكة األمان االجتامعي - أتت عىل حساب

العامل العاديني،‏ وخصوصا هؤالء القابعني يف الرشائح الدنيا.‏ وبينام عانت األجور

الحقيقية الركود ‏)انخفضت يف الحقيقة وفقا لبعض الحسابات(،‏ وزادت الفجوة بني

هؤالء القابعني يف القاع واملوجودين يف الوسط،‏ زادت الفجوة بنحو 9 يف املائة خالل

فرتة زمنية قصرية تبلغ أقل من عقد.‏ وخالل السنوات األوىل من األلفية الثانية،‏ زاد

الفقر وعدم املساواة،‏ أيضا (19) . ويدور الحديث عن أملانيا باعتبارها قصة ‏»نجاح«‏

فقط مبقارنتها بالبلدان األخرى يف منطقة اليورو.‏

كيف خلق اليورو ‏»أزمة اليورو«‏

يرد أنصار اليورو بالقول إن اليورو قد استطاع العمل جيدا بالفعل فرتة قصرية

فقط.‏ بني العامني 1999 و‎2007‎م (20) ، ساد التقارب،‏ مع منو البلدان األضعف برسعة

بسبب انخفاض أسعار الفائدة التي يجب عىل الحكومات واملرشوعات دفعها إىل

القروض.‏ ونجح اليورو يف التشجيع عىل التكامل االقتصادي،‏ حيث تدفق رأس املال

تجاه البلدان األكرث فقرا.‏ كان اليورو بالنسبة إىل أنصاره،‏ ضحية لعاصفة مؤسفة

هبت من الجانب اآلخر من األطلنطي ‏)٭(‏ ، وهو إعصار يحدث مرة واحدة يف القرن.‏

والحقيقة أن ما نجم عن اإلعصار من دمار ينبغي أال يُلقَى باللوم فيه عىل اليورو؛

فالنظم االقتصادية الجيدة تُبنَى عىل أساس الصمود أمام العواصف العادية،‏ ولكن

حتى أفضل النظم من حيث التصميم ال ميكنها مواجهة مثل هذه األحداث النادرة.‏

هكذا ادّعى مناصو اليورو.‏

وقد كشفت األزمة املالية العاملية حقيقة الجانب األكرث ضعفا يف اليورو:‏

الطريقة التي تعرقل التكيف مع الصدمات التي تؤثر يف بقاع منطقة اليورو بصورة

مختلفة.‏ لكن مل يكن اليورو الضحية الربيئة ألزمة نشبت يف مكان آخر.‏ فاألسواق

التي كانت عرضة دوما للحامسة والتشاؤم غري العقالنيَّني،‏ افرتضت بشكل خطأ وغري

عقالين أن إزالة مخاطر سعر الرصف ‏)إذ مع تبني العملة املوحدة،‏ مل تعد هناك

أي مخاطر مرتبطة بالتغري يف قيمة العملة اإليطالية اللرية – مثال - مقابل العملة

‏)٭(‏ اإلشارة هنا إىل أن األزمة املالية العاملية اندلعت أوال يف الواليات املتحدة األمريكية ثم انترشت يف العامل بعد

ذلك.‏ ‏]املرتجم[.‏


أزمة اليورو

اإلسبانية،‏ البيزيتا(‏ إمنا تعني إزالة املخاطر السيادية،‏ أي خطر عدم قدرة الحكومة

عىل إعادة سداد ديونها.‏ وقد شاركت األسواق يف نشوة خلق اليورو،‏ ومثلها يف ذلك

مثل السياسيني الذين ساعدوا عىل خلقه،‏ مل تفكر األسواق بعمق يف اقتصاديات ما

تحقق خلقه.‏ فلم يُدرك أن الطريقة التي خُ‏ لق اليورو بها قد زادت يف واقع األمر

من املخاطر السيادية ‏)انظر الفصل الرابع(.‏

ومع خلق اليورو يف العام ‎1999‎م،‏ اندفعت األموال نحو بلدان املحيط ‏)البلدان

الصغرية مثل اليونان وإسبانيا،‏ والربتغال وأيرلندا،‏ التي تحيط ب ‏»قلب«‏ أوروبا:‏

فرنسا،‏ وأملانيا واململكة املتحدة(،‏ وانخفضت أسعار الفائدة.‏ مكررةً‏ بذلك النمطَ‏

نفسه الذي شُ‏ وهد حول العامل حينام تُحرَّر األسواق،‏ إذ كان اندفاع املال نحو أي

بلد يعقبه اندفاع املال خارجه،‏ مع استيعاب األسواق فجأة أنها كانت يف حالة

نشوة مفرطة.‏ ويف هذه الحالة كانت األزمة املالية العاملية هي الحدث املعجل،‏

فعىل حني غرة وجدت كل من اليونان وإسبانيا والربتغال وأيرلندا نفسها من

دون أي مداخل للوصول إىل االئتامن،‏ ومتر بأزمة مل يكن مؤسسو منطقة اليورو

قد خططوا لها.‏ وعند اندالع أزمة رشق آسيا قبل عقد من الزمن،‏ حينام حدثت

تغيريات فجائية يف أمزجة وميول املستثمرين،‏ حدثت تدفقات عكسية لرأس املال،‏

وتهاوت أسعار الرصف يف البلدان املتأثرة باألزمة،‏ مام ساعد هذه البلدان عىل

التكيف،‏ بينام يف بلدان املحيط يف منطقة اليورو،‏ كان ال ميكن حدوث ذلك (21) .

فقادة منطقة اليورو مل يتحسبوا ملثل هذا الحدث،‏ ولهذا تحديدا مل يكن لديهم

خطة للعب.‏

خلق منطقة يورو متباينة

هناك كم ضخم من األدب االقتصادي يتساءل:‏ ما املطلوب ملجموعة من البلدان

ليك يتشاركوا يف عملة موحدة وتكون لديهم مشاركة يف الرخاء؟ (22) . وهناك توافق

بني االقتصاديني عىل أنه ليك تعمل العُ‏ ملة املوحدة بنجاح،‏ املطلوب هو أن يكون

هناك تشابُه كافٍ‏ بني البلدان املشاركة يف هذه العملة.‏

وميكن أن يكون هناك جدال حول منط هذا التشابه،‏ ولكن يكفي القول هنا

إن ما اعتقده كثري من األوروبيني ‏)خاصة األملان(‏ مطلوبا - التحرك صوب ما يُطلق

35


36

اليورو

عليه الحصافة املالية،‏ عجوزات يف املوازنات العامة وديون منخفضة - مل يكن كافيا

لضامن أن اليورو سوف يعمل بنجاح،‏ بل من املحتمل أن ذلك مل يكن حتى رضوريا.‏

فقد أُضفيت الكثري من األهمية عىل هذه االعتبارات املالية والتي سيطلق

عليها الحقا معايري التقارب .Convergence Criteria ولكن الطريقة التي خُ‏ طط

اليورو بها أدت إىل التباين والتباعد،‏ فحينام تواجه بعض البلدان ‏»صدمة«‏ شديدة،‏

تحقق البلدان القوية كسبا عىل حساب البلدان األضعف.‏ والقيود املالية املفروضة

باعتبارها جزءا من معايري التقارب - وضعت هذه املعايري حدودا عىل مقدار

العجوزات والديون قياسا إىل الناتج املحيل اإلجاميل - تسهم هي ذاتها يف التباين.‏

وسوف يرشح الفصل الخامس،‏ بنحو خاص،‏ كيف أدت بنية منطقة اليورو

باملواطنني - خصوصا األكرث موهبة واألعىل تعليام - وبرأس املال إىل التدفق من

البلدان الفقرية وذات األداء الضعيف إىل البلدان الغنية ذات األداء الجيد.‏ وميكن

للبلدان الغنية وذات األداء الجيد أن تستثمر يف بناء مدارس وبنية تحتية أفضل.‏

كام ميكن ملصارفها أن تُقرض أكرث،‏ مام يجعل من األسهل عىل رواد األعامل فيها

البدء يف أعامل جديدة.‏ ورمبا حتى األسوأ من ذلك،‏ هو أن ضوابط االتحاد األورويب

تحظر عىل البلدان املتخلفة عن الركب اتخاذ سياسات معينة قد تؤدي إىل متكينها

من اللحاق بالبلدان األكرث تقدما.‏

وبوضع التعبريات البالغية عن التضامن جانبا،‏ يبقى الواقع هو وجود أوروبا أكرث

انقساما،‏ وبفرص أقل يف اتخاذ نوعية السياسات التي ميكنها إعادة اإلقليم إىل الرخاء.‏

لوم الضحية

أدت اآلثار السلبية لبنية منطقة اليورو،‏ التي كان من املستحيل تقريبا تجنبها،‏

إىل التباين،‏ وتفاقمت هذه اآلثار عن طريق السياسات التي اختارت منطقة اليورو

اتباعها،‏ خصوصا استجابة ألزمة اليورو.‏ وحتى ضِ‏ من ضوابط منطقة اليورو،‏ كان ميكن

انتهاج سياسات بديلة.‏ لذا ليست هناك مفاجأة؛ إن األطروحة املركزية لهذا الكتاب

هي أن منط التفكري نفسه الذي أدى إىل بنية معيبة قد أدى أيضا إىل سياسات معيبة.‏

رمبا يكون من الطبيعي أن قادة منطقة اليورو يريدون لوم الضحية،‏ لوم البلدان التي

متر بحالة ركود أو كساد عىل أنها هي التي جلبت مثل هذا الوضع.‏ وهم ال يريدون أن


أزمة اليورو

يلوموا أنفسهم وال املؤسسات الكبرية التي ساعدوا عىل تأسيسها والتي يرأسونها حاليا.‏

ولكن لوم الضحية لن يحل مشكلة اليورو؛ فهو إىل حد بعيد أمر غري منصف.‏ ومع مثل

هذه العقلية من ‏»لوم الضحية«،‏ ليس من املستغرب أن التضامن قد تعرَّض لإلضعاف.‏

مع دخول اليونان يف األزمة،‏ كان من السهل توجيه اللوم إليها.‏ فلو طبّقت اليونان

اإلصالح – يف حال أنها فقط التزمت بالقواعد وتخفيض مستوى مديونيتها،‏ وأعادت

النظر يف نظم الرفاه والتقاعد والصحة - لكانت ستزدهر،‏ وسيمكن بسهولة حل

مشكالتها.‏ وكان هناك،‏ بالطبع،‏ كثري مام يُشىك منه يف سياسات ومؤسسات اليونان.‏

ووفق معظم التقديرات كان االقتصاد مهيمنا عليه من قبل أوليغاركية ‏)مجموعة

قليلة نسبيا من العائالت لديها مقادير ضخمة من الرثوة،‏ ومتارس نفوذا هائال عىل

االقتصاد،‏ وتهيمن عىل قطاعات اقتصادية حيوية،‏ شاملة يف ذلك املصارف واإلعالم(.‏

وأدارت حكومات متعاقبة عجوزات يف املوازنة غري معقولة،‏ ورمبا فاقم من ذلك نظام

تحصيل رضيبي أسوأ من بلدان أخرى تؤدي فيها أيضا املرشوعات الصغرية دورا كبريا.‏

والقضية ليست التساؤل حول ما إذا كانت اليونان تتسم بالكامل.‏ فهذه املشكالت

ابتُليت بها اليونان حتى حينام كانت تحقق منوا أرسع من بقية أوروبا.‏ وكانت هذه

املشاكل قامئة حينام قررت أوروبا السامح لليونان باالنضامم إىل االتحاد األورويب

ومنطقة اليورو.‏ وكان السؤال املطروح:‏ ما الدور الذي مارسته هذه املشكالت يف

األزمة؟ قد تكون القصة القائلة إن هناك عيوبا يف اليونان قد جلبت أزمة اليورو

مقنعة إذا كانت اليونان هي الدولة الوحيدة يف منطقة اليورو التي تواجه صعوبات.‏

لكن الوضع مل يكن كذلك،‏ فكل من أيرلندا وإسبانيا والربتغال وقربص،‏ بل واآلن حتى

بلدان مثل فنلندا وفرنسا وإيطاليا تواجه صعابا شديدة.‏ ومع مواجهة عدد كبري من

البلدان ملشكالت،‏ ال يسع املرء سوى االشتباه يف أن املشكلة تكمن يف مكان آخر.‏

وإنه ملن سوء الحظ أن أوىل الدول التي وقعت يف األزمة كانت اليونان،‏ حيث

إن مشكالت اليونان مكّنت أملانيا واآلخرين من الرتكيز عىل اإلخفاقات املزعومة

لليونان،‏ وخصوصا إرسافَها املايل،‏ بينام جرى تجاهل املشكالت التي أصابت البلدان

األخرى التي مل يكن لديها مديونية وعجوزات مرتفعة ‏)عىل األقل قبل وقوع األزمة(.‏

فقبل وقوع األزمة،‏ كانت إسبانيا وأيرلندا تشهدان تحقق فوائض يف موازناتهام

العامة - حيث كانت إيراداتهام تفوق إنفاقهام - وكانت لدى كل منهام نسبة

37


اليورو

منخفضة من الدَّ‏ ين قياسا إىل الناتج املحيل اإلجاميل.‏ فلو كانت نظرية أملانيا بأن

العجوزات والديون هي السبب يف األزمات - وعىل ذلك تكون السياسة املثىل لتوقي

األزمة هي فرض قيود عىل العجوزات والديون - صحيحة،‏ إذن فلم يكن عىل إسبانيا

وأيرلندا أن تقعا يف أزمةٍ‏ أساسا.‏ يف أعقاب األزمة املالية العاملية يف العام ‎2008‎م،‏

شهد كل من البلدين عجوزات وديونا مرتفعة،‏ ولكن عمق األزمة وطول مداها

الزمني كانا هام ما أدى إىل العجوزات والديون وليس العكس.‏

فشل هربرت هوفر ‏)٭(‏ مجددا

ركز االنتقاد املوجَّ‏ ه إىل اليورو عىل ‏»الربامج«‏ التي فُرضت عىل البلدان املأزومة

التي طلبت الدعم:‏ الربتغال وأيرلندا واليونان وإسبانيا،‏ ثم قربص الحقا.‏ وتشرتط

فعليا هذه الربامج التي صُ‏ ممت عن طريق الرتويكا ‏)٭٭(‏ - وهي السلطة الثالثية

املكونة من صندوق النقد الدويل،‏ والبنك املركزي األورويب،‏ واملفوضية األوروبية -

عىل البلدان املأزومة أن تسلم الكثري من عناص سيادتها االقتصادية ل»رشكائها«‏ يف

مقابل مساعدتها.‏ ويُقرَض البلد املأزوم املالَ‏ ‏)عىل رغم أنه نادرا ما أُقرض(،‏ لكن

برشوط قاسية.‏ فالقرض،‏ إىل جانب رشوطه،‏ والجدول الزمني الذي يلتزم به البلد

للوفاء بالرشوط أُطلق عليه ‏»الربنامج«‏ .The Program

وعىل خالف القروض التقليدية،‏ حينام يضيف املقرضون عادة رشوطا تعمل

عىل ترجيح إعادة سداد القرض،‏ كانت املرشوطية التي فرضها فرعا ‏)٭٭٭(‏ منطقة

اليورو يف مجاالت ال ترتبط مبارشة بإعادة سداد القرض.‏ إذ حاوال ضامن توافق

38

‏)٭(‏ هربرت كالرك هوفر )10 أغسطس ‎1874‎م - 20 أكتوبر ‎1964‎م(‏ هو الرئيس الحادي والثالثون للواليات املتحدة

‏)‏‎1929‎م – ‎1933‎م(.‏ اندلعت أزمة الكساد العظيم بعد انتخابه للرئاسة بنحو مثانية أشهر،‏ وقد تشوهت سمعته

باعتباره شخصا صاحب نزعة إنسانية - اكتسبها خالل الحرب العاملية األوىل وبعدها حينام أنقذ املاليني من األوروبيني

من املجاعة - يف اإلدراك العام حينام فشلت إدارته يف التخفيف من البطالة املنترشة والترشد والجوع يف الواليات

املتحدة خالل السنوات األوىل من الكساد العظيم،‏ وفشل يف االنتخابات الرئاسية يف العام ‎1932‎م أمام املرشح

الدميوقراطي فرانكلني ديالنو روزفلت.‏ ‏]املرتجم[.‏

انظر:‏ .The Editors of Encyclopædia Britannica, Herbert Hoover, Encyclopædia Britannica

عىل الرابط:‏ http://www.britannica.com/biography/Herbert-Hoover

‏)٭٭(‏ عربة روسية تجرها ثالثة خيول ،Troika ويطلق تعبري الرتويكا عىل أي خطط أو برامج أو مفاوضات...‏ إلخ

تتضمن ثالثة أطراف.‏ ‏]املرتجم[.‏

‏)٭٭٭(‏ املقصود هنا هو البنك املركزي األورويب واملفوضية األوروبية.‏ ‏]املرتجم[.‏


أزمة اليورو

املامرسات االقتصادية للبلد مع ما فكر وزراء مالية بلدان منطقة اليورو ‏)املهيمَن

عليها بنحو خاص عن طريق أملانيا(‏ يف أنه يجب عىل البلد عمله.‏ وكانت لهذا اإلكراه

نتائج عكسية،‏ فالرشوط التي فُرضت أدت يف األغلب إىل انكامش اقتصادي،‏ مام

جعل إعادة سداد ما اقرتُ‏ ض أقل احتامال.‏

وقد استطاعت هذه الربامج بالفعل إنقاذ البنوك واألسواق املالية،‏ ولكن فيام

عدا ذلك كانت متثل فشال:‏ فاألمور التي كان ينبغي لها أن تتجه إىل االنخفاض

اتجهت إىل االرتفاع،‏ واألمور التي كان ينبغي لها أن تتجه إىل االرتفاع اتجهت

إىل االنخفاض.‏ فقد ارتفع الدين،‏ سواء يف قيمته املطلقة أو من حيث نسبته

إىل الناتج املحيل اإلجاميل،‏ وبالتايل كانت القدرة عىل احتامله أقل.‏ ويف كثري من

البلدان املأزومة،‏ ارتفعت درجة عدم املساواة،‏ وكذلك حاالت االنتحار )23( واملعاناة

الجامهريية واسعة النطاق،‏ بينام انخفضت الدخول.‏ ويف الوقت الذي كان فيه

هذا الكتاب يذهب إىل املطبعة،‏ كان بلد واحد فقط ‏)أيرلندا(‏ هو الذي عاد إىل

مستويات الناتج املحيل اإلجاميل التي كانت مسجلة فيه قبل اندالع األزمة.‏ وكانت

إسقاطات الرتويكا اإلحصائية باستمرار بعيدة للغاية عن الصواب،‏ فقد تنبأوا بأن

البلدان املأزومة سوف تعود رسيعا إىل النمو،‏ بينام كان عمق ومدى الركود أكرب

بكثري مام توقعته مناذجهم.‏

التقشف

كان هناك جزآن أساسيان يف كل برنامج من الربامج:‏ الجزء املتعلق باالقتصاد

الكيل،‏ والذي يركز عىل خفض اإلنفاق،‏ والجزء املتعلق باإلصالحات الهيكلية.‏

ومل تعتقد القوى املهيمنة يف منطقة اليورو ‏)اعتقادا خاطئا(‏ أن العجوزات

والديون األقل ستحول دون األزمة فقط،‏ بل اعتقدت أيضا أن الطريق األفضل

لالتجاه صوب استعادة صحة البلد الواقع يف الركود هو يف تناوله جرعة كبرية من

التقشف؛ وهو خفض يف اإلنفاق يهدف إىل خفض العجز.‏ كان هربرت هوفر رئيسا

للواليات املتحدة وقت وقوع االنهيار يف سوق األوراق املالية يف العام 1929، وقد

حولت سياساته التقشفية هذا االنهيار إىل ‏»الكساد العظيم«.‏ ومنذ زمن هوفر،‏

جُ‏ ربت هذه السياسات بشكل متكرر،‏ وقد فشلت بشكل متكرر أيضا:‏ وقد جرب

39


40

اليورو

صندوق النقد الدويل هذه السياسات أخريا يف األرجنتني ورشق آسيا.‏ وسوف يرشح

الفصل السابع ملاذا فشلت هذه السياسات هناك - وأيضا ملاذا فشلت يف أوروبا.‏

فقد فشلت هذه السياسات يف استعادة االزدهار،‏ واألكرث سوءا أنها عمّ‏ قت من

الركود.‏ لقد كان دوما للتقشف يف كل مكانٍ‏ اآلثارُ‏ االنكامشية نفسها التي لُوحظت

يف أوروبا:‏ فكلام كان التقشف أكرب،‏ كرب معه االنكامش االقتصادي.‏ أما ملاذا اعتقدت

الرتويكا أن األمر سيكون هذه املرة يف أوروبا مختلفا،‏ فهو أمر محري.‏

اإلصالحات الهيكلية

كان الجزء الثاين يف كل برنامج عبارة عن خليط من التغيريات يف ‏»قواعد

اللعبة«‏ االقتصادية والقانونية،‏ وهو ما يطلق عليه اإلصالحات الهيكلية.‏ وبينام

اعتقد أطراف الرتويكا أن اإلنفاق املفرط هو جذر األزمة،‏ أدركوا أيضا املشكلة

التي يطرحها جمود اليورو.‏

فالبلدان التي وقعت يف األزمة ال ميكنها تخفيض سعر الرصف،‏ وهو ما كان

سيعمل عىل حفز تجارتهم بجعل أسعار الصادرات أرخص.‏ وهكذا،‏ من وجهة

نظر الرتويكا،‏ من أجل استعادة ‏»التنافسية«‏ كان عىل هذه البلدان خفض األجور

واألسعار وإعادة هيكلة اقتصاداتها ليك تصبح أكرث كفاءة،‏ عىل سبيل املثال،‏ بالتخلص

من االحتكارات.‏ ولسوء الحظ عمدت الرتويكا إىل عمل فظيع يف تحديد اإلصالحات

الهيكلية الجوهرية.‏ فبعض اإلصالحات ركّزت عىل أمور تافهة،‏ وبعضها اآلخر رمبا

كان مهام بالنسبة إىل مستويات املعيشة عىل املدى الطويل،‏ ولكن كان لها أثر

ضئيل يف عجز الحساب الجاري يف املدى القصري )24( . وسوف يبني الفصل الثامن أن

بعض اإلصالحات أدت حتى إىل نتائج عكسية،‏ عىل األقل يف املدى القصري،‏ فيام

يتعلق باستعادة االقتصادات صحتَها.‏

وبالطبع أدت بعض إصالحات الرتويكا إىل خفض األجور مبارشة ‏)عن

طريق إضعاف حقوق العامل التفاوضية(‏ وبشكل غري مبارش ‏)عن طريق زيادة

البطالة(.‏ وكان األمل يحدو الرتويكا أن يؤدي خفض األجور إىل خفض أسعار

سلع التصدير،‏ ومن ثم إىل ارتفاع الصادرات.‏ عىل رغم ذلك كانت الزيادة يف

الصادرات،‏ يف أغلب الحاالت،‏ مخيبة لآلمال.‏


أزمة اليورو

كانت هناك بالطبع طرق بديلة ميكن بها ملنطقة اليورو تحقيق التكيف.‏ ولو

كانت األجور واألسعار األملانية قد ارتفعت لكانت قيمة اليورو قد انخفضت،‏ وبهذا

كان ميكن للبلدان املأزومة أن تصبح أكرث تنافسية عىل املستوى العاملي.‏ وكان هذا

طريقا أكرث كفاءة يف تحقيق التكيف - فالتكلفة التي كانت ستُفرض عىل أملانيا

كان من املمكن أن تكون ضئيلة قياسا إىل تلك التكلفة املفروضة اآلن عىل البلدان

املأزومة.‏ ولكن هذا كان سيلقي قليال من عبء التكيف عىل أملانيا،‏ ومل تكن أملانيا

لتوافق عىل هذا.‏ فقد أصبحت أملانيا الدولة املهيمنة داخل منطقة اليورو،‏ ولهذا

كان بإمكانها ضامن وقوع كل أعباء التكيف عىل عاتق ‏»الرشكاء«‏ األكرث فقرا،‏ أي

البلدان التي متر باألزمة.‏

وهكذا فشل كل من التقشف واإلصالح الهيكيل يف استعادة البلدان املأزومة

مرةً‏ أخرى االزدهارَ.‏ وبتوجيه اللوم إىل البلدان والرتكيز عىل العجوزات املالية كانت

أملانيا وبلدان أخرى يف منطقة اليورو قد أساءت تشخيص مصدر املشكلة.‏ وما

كان مطلوبا ليس اإلصالح الهيكيل يف البلدان فرادى - وخاصة حينام يكون هذا

اإلصالح يف الغالب سيئ التخطيط،‏ ويف الوقت الخطأ،‏ بل يؤدي حتى إىل نتائج

عكسية - بقدر ما كانت الحاجة هي إىل إصالح هيكيل ملنطقة اليورو.‏ ويحتاج كل

بلد،‏ بالطبع،‏ إىل إصالحات هيكلية.‏ ففي الواليات املتحدة ينبغي علينا إصالح نظام

الرعاية الصحية،‏ والتعليم،‏ والطاقة،‏ وحقوق امللكية الفكرية،‏ ووسائل املواصالت.‏

والبلدان التي ال تعمد إىل مثل هذه التغيريات يف الوقت املناسب ستعاين انخفاض

مستويات املعيشة.‏ ومثل هذه اإلصالحات من املحتمل أن تكون مالمئة بوجه خاص

للبلدان األفقر مثل اليونان.‏ ومن الواضح أن هناك شيئا ما يعيقها.‏ وليست القضية

هي مدى الرغبة يف مثل هذه اإلصالحات.‏ ولكن عىل أي حال يتطلب اإلصالح

الناجح دقةً‏ يف التسلسل ووترية تطبيقه،‏ وكسب تأييد املواطنني وقدرتهم عىل أن

يروا مزايا هذه السياسات.‏ ولن يكون من املفيد القول إنه يف األمد الطويل سوف

تجعل هذه السياسات املرء أفضل حاال )25( . وقد اضطلعت الرتويكا – بنحو مذهل -

بعمل سيئ؛ إذ باعت اإلصالحات الهيكلية التي حاولت فرضها عىل مواطني البلدان

املأزومة،‏ ألن توقيت وتتابع سلسلة اإلصالحات كان خاطئا،‏ وجزئيا أيضا بسبب

أن الكثري من اإلصالحات كانت،‏ يف أفضل األحوال،‏ موضعَ‏ شك.‏ فليس هناك رجل

41


42

اليورو

مبيعات،‏ مهام كانت مهارته،‏ كان ميكنه ‏»بيع«‏ هذه اإلصالحات.‏ وسوف نرى أدلة

وافرة عىل ذلك يف الفصول التالية.‏

لغز السياسات ذات املردود العكيس

عىل املرء التساؤل،‏ يف حالة برامج البلدان املأزومة،‏ ملاذا يفرض املقرضون

‏)الرتويكا(‏ رشوطا ذات مردود عكيس تؤدي إىل خفض احتامالت سداد هذه

القروض.‏ هل كان األمر أن املقرضني يعتقدون فعال أنها سوف تؤدي إىل استعادة

االزدهار برسعة؟ الحقيقة أن كون توقعاتهم كانت خاطئة،‏ بل كانت كذلك بشكل

متكرر ومبقادير كبرية،‏ يتسق مع هذه الفرضية.‏ ولكن مع الوضع يف االعتبار تاريخ

فشل برامج التقشف،‏ عىل املرء التساؤل:‏ ملاذا كان عىل أي شخص االعتقاد أنها

سوف تنجح يف أوروبا بينام فشلت يف كل مكان آخر؟

وقد قدمت بالفعل جزءا من اإلجابة:‏ األيديولوجية،‏ املعتقدات الدفينة حول

كيف يعمل االقتصاد،‏ التي تغريت بشكل ضئيل،‏ إن كانت قد عرفت أي تغيري

عىل اإلطالق،‏ مع تراكم الشواهد ضد هذه املعتقدات.‏ وحتى ‏»واضعو النامذج«‏

املدفوعون أكرث بالناحية األكرث فنية الذين يقدمون إسقاطات رقمية عن االقتصاد

يتأثرون إىل حد ما مبثل هذه املعتقدات (26) .

ورمبا ال يقدم هذا تفسريا كامال.‏ ومن ناحية أخرى رمبا كانت هناك أجندة

سياسية:‏ اإلطاحة بالحكومات اليسارية،‏ وتعليم الناخبني يف بلدان أخرى العواقب

املرتتبة عىل انتخاب مثل هذه الحكومات،‏ وجعل جدول األعامل االقتصادية

واالجتامعية املحافظة هو األكرث احتامال ألن يسود بشكل أكرث اتساعا داخل أوروبا.‏

واملناقشات التي أجريتها مع قادة أوروبيني مندمجني يف أزمة اليورو ولّدت لدي

االنطباع بأن هذه األجندة السياسية تؤدي دورا ما (27) .

عالوة عىل ذلك تعد الحكومات مؤسسات مركبة.‏ والرتتيبات التي يقوم عليها

النموذج االجتامعي األورويب - النظام االقتصادي األورويب الذي يجمع بني اقتصاد

السوق ونظم قوية للحامية االجتامعية،‏ وغالبا املشاركة النشطة أكرث للعامل

يف عملية صنع القرار االقتصادي مقارنة مبا تتسم به ‏»رأساملية املساهمني«‏

األمريكية (28) - غالبا ما يكون الدعم األقل لها هو الذي تقدمه وزارة املالية يف


أزمة اليورو

كل بلد،‏ وهذه الوزارات هي املصمم الحقيقي للربامج التي فُرضت عىل البلدان

املأزومة.‏ ورمبا ترى وزارات املالية هذا فرصةً‏ تستطيع عربْ‏ ها أن تعمل يف الخارج ما

ال تستطيع عمله يف وطنها.‏

وأخريا جادل الكثريون بأن هناك عنرصا انتقاميا،‏ وغالبا غضبا - عىل األقل يف الرشوط

املفروضة عىل اليونان - مام بدا أنه تحد من قبل قادتها،‏ مثل لجوئهم إىل االستفتاء

لتقييم التأييد الشعبي للربامج التي فُرضت ‏)انظر الفصل العارش(.‏ ومن الصعب تصديق

أن املسؤولني الرسميني يف منطقة اليورو سوف يجعلون أمة بأكملها تعاين،‏ ألنهم

ال يتفقون ببساطة مع اختيار البلد قادتَه،‏ أو أنهم سوف يفرضون رشوطا عىل البلد

يعتقدون أنها رمبا ال تكون يف خدمة املصالح املثىل لهذا البلد بدافع الحقد.‏ ومع هذا

كانت لهجة بعض املناقشات قد تركت االنطباع بأنه رمبا تكون هذه هي الحالة فعال.‏

التضامن والتفاهامت االقتصادية املشرتكة

حينام تتشارك مجموعة من البلدان يف عملة مشرتكة يتطلب النجاح أكرث من

مجرد مؤسسات جيدة.‏ ‏)سوف تُناقَش ماهية هذه املؤسسات بشكل مكثف يف الفصول

التالية(.‏ وليك تنجح اإلصالحات ال بد من اتخاذ قرارات،‏ وسوف تعكس هذه القرارات

تفاهامت وقيم صانعي القرار.‏ وال بد من أن تكون هناك تفاهامت مشرتكة حول ما

يصنع اقتصادا ناجحا وحدا أدىن من ‏»التضامن«،‏ أو التامسك االجتامعي،‏ حيث عىل

البلدان التي تعد يف موقف قوي مساعدةُ‏ هؤالء الذين هم يف حاجة إىل املساعدة.‏

واليوم ال توجد مثل هذه التفاهامت،‏ وليس هناك إحساس حقيقي بالتضامن.‏

فأملانيا تكرر القول إن منطقة اليورو ليست ‏»اتحادا للتحويالت«،‏ أي تجمعا

اقتصاديا يحوّل فيه بلدٌ‏ املوارد إىل بلدٍ‏ آخر،‏ حتى لو بشكل مؤقت يف وقت االحتياج.‏

ويف الواقع كام أدت السنوات التي مرت منذ بداية األزمة إىل تباين اقتصادي بني

البلدان األعضاء فقد أدت أيضا إىل تباين يف االعتقادات.‏

وبالطبع أشار قادة منطقة اليورو مرارا إىل ‏»نجاحهم«‏ يف الوصول إىل اتفاقات

صعبة.‏ وقد جادلوا عن حق بأن التنازالت املتبادلة والحلول الوسط هي جوهر

الدميوقراطية،‏ وأن هذه العملية تتسم بالبطء.‏ ولكن ميكن أحيانا للحلول الوسط

أن تهزم نفسها بنفسها،‏ إذا ما كان هناك افتقار إىل أدىن من الرتابط الرضوري

43


44

اليورو

إلنجاز النجاح االقتصادي.‏ وما يتباهى به قادة منطقة اليورو يوصف عىل نحو أكرث

اعتيادية بأنه ترتيبات مرتجلة.‏ ومن املحتمل أن يستمر مثل هذا الطريق من الحل

الوسط عىل األقل بضع سنوات.‏ ويف كل مرحلة ميكن للبلد املنكوب باألزمة القول:‏

‏»ألنه استُثمِر الكثري للبقاء يف منطقة اليورو،‏ من املؤكد أنه سيُدفَع لنا لإلقدام عىل

القليل املتبقي الذي نُطالَب به - حتى لو أدى ذلك إىل تعميق ومتديد أجل الركود.‏

وبهذا املنطق هُ‏ م ال يعريون املبدأَ‏ االقتصادي األسايس القايض برتك املايض مييض

اهتامما (29) . فهم يجمعون األخطاء القدمية مع مزيد من األخطاء.‏ فكل طرف من

األطراف يتشبث بقشة مرتقبا تأكيد نجاح الربنامج (30) .

وال تريد الحكومات يف البلدان التي تعاين األزمة إبالغ مواطنيها أن معاناتهم كانت

بال طائل.‏ فهؤالء الذين كانوا بالحكومة عند اتخاذ القرار برتك العملة يعلمون أنه سوف

يكون هناك اضطراب،‏ ويعلمون أن هناك فرصة كبرية لطردهم من الحكم يف أعقاب

ذلك.‏ وهم يعلمون أنه بغض النظر عمن ميكن إلقاء اللوم عليه،‏ فإنهم سيتحملون

العبء األكرب من االنتقادات لو مل متض األمور بشكل حسن.‏ وهكذا كانت هناك حوافز

قوية من جميع األنحاء ليس فقط لتجنب الفشل،‏ ولكن أيضا الدعاء االنتصار عىل أساس

من أوهَ‏ ى األدلة،‏ انخفاض طفيف يف معدل البطالة،‏ أو ارتفاع طفيف يف الصادرات:‏ أي

عالمة حياة يف االقتصاد اآلن تسوغ االدعاء بأن برامج التقشف تحقق نجاحا.‏

ويف نهاية املطاف سوف تبلغ فرتات الركود غايتها.‏ فهي عادة ما تفعل.‏ ولكن

ينبغي الحكم عىل نجاح السياسة االقتصادية مبدى عمق وطول دورة الهبوط

قبل التعايف،‏ ومدى املعاناة،‏ والكيفية التي تؤثر بها اآلثار السلبية للركود يف األداء

االقتصادي املستقبيل.‏ بهذا املعنى،‏ ومهام حاول قادة أوروبا السياسيون رسم صورة

وردية حول الربامج التي فرضوها عىل البلدان املأزومة،‏ كانت هذه الربامج فاشلة.‏

وقد كان هناك بعض اإلصالحات يف منطقة اليورو التي احتُفِي بها بإنصاف.‏

متُ‏ ‏َوَّل آلية االستقرار األورويب ،The European Stability Mechanism وهي

مؤسسة جديدة لالتحاد األورويب،‏ عن طريق بيع السندات (31) ورأس مال من بلدان

منطقة اليورو،‏ لتُقرض البلدان التي تواجه متاعب،‏ وقد ساعدت اآللية عىل إعادة

رسملة البنوك اإلسبانية.‏ ولكن بعض ما ووفِق عليه حتى اآلن هو مجرد حل وسط

آخر،‏ أقيم بحيث رمبا كان أسوأ من عدم فعل أي يشء عىل اإلطالق.‏ وسوف نرشح


أزمة اليورو

يف الفصل الثامن كيف أن اإلصالحات الحارضة يف النظام املرصيف رمبا تكون من

الناحية الفعلية قد أدت إىل تفاقم مشكلة التباين االقتصادي التي أُشريَ‏ إليها سابقا.‏

املشكلة األساسية:‏ أصولية السوق - القواعد األيديولوجية

ال تكمن املشكلة فقط يف غياب توافق واسع النطاق فيام هو مطلوب لتأمني

أداء أي اقتصاد ومنطقة اليورو لوظائفهم بشكل سليم.‏ فاملشكلة هي أن أملانيا

استخدمت هيمنتها االقتصادية لفرض وجهات نظرها،‏ ومل تُرفض وجهات النظر

هذه من قِبل أجزاء كبرية من منطقة اليورو فقط،‏ ولكن رُفِضت أيضا من قِبل

أغلبية االقتصاديني.‏ وبالطبع يف بعض املجاالت - مثل توقع حدوث أزمة - 2008 مل

يكن أداء أغلبية االقتصاديني جيدا.‏ ولكن الحقا يف هذا الكتاب سوف أفرس ملاذا

كانوا عىل حق بوجه خاص فيام يتعلق بآثار التقشف (32) .

وتفرتض أصولية السوق،‏ التي أرشنا إليها سابقا،‏ أن األسواق بحد ذاتها كفؤة

ومستقرة.‏ وقد جادل آدم سميث الذي غالبا ما نُظر إليه باعتباره األب الروحي لهذا

املنظور،‏ يف الحقيقة،‏ عىل النقيض من ذلك:‏ بأن هناك دورا مهام للحكومة.‏ والبحث

يف مجال االقتصاد عىل مدار نصف القرن املايض مل يبنيَّ‏ فقط أن هناك قرينة عىل أن

األسواق ليست كفؤة ومستقرة،‏ بل أوضح أيضا ملاذا يكون الوضع عىل هذا النحو،‏

وما الذي ميكن للحكومات فعله حتى تحسن من الرفاه املجتمعي (33) .

واليوم حتى أصوليو السوق ‏)يُشار إليهم أحيانا باسم ‏»النيوليرباليون«(‏ يعرتفون

بأن هناك حاجة إىل تدخل الحكومة للحفاظ عىل استقرار االقتصاد الكيل - عىل

الرغم من أنهم يجادلون عادة بأن تدخالت الحكومة يجب أن تقترص عىل وضع

قواعد للسياسة املالية تركز عىل استقرار األسعار - وضامن حقوق امللكية وإنفاذ

العقود.‏ أما فيام خال ذلك فينبغي التخلص من اللوائح والقيود.‏ وليس هناك أي

منطق اقتصادي ملثل هذا االستخالص؛ فهو يتعارض مع جسد ضخم من البحث

االقتصادي الذي يبني أن هناك حاجة إىل دور أوسع للحكومة.‏

وقد دفع العامل مثنا غاليا ملثل هذا التفاين يف دين أصولية السوق/النيوليربالية،‏

وحان اآلن دور أوروبا.‏ وسوف نرى،‏ يف الفصول الالحقة،‏ الدور الذي مارسته هذه

األفكار الخاطئة يف تشكيل بنية منطقة اليورو،‏ ويف تخطيط سياسات التصدي لألزمة

45


46

اليورو

عند تطورها واالختالالت والتشوهات التي نشأت قبل العام 2008. وقد احتضنت

منطقة اليورو العديد من هذه األفكار النيوليربالية يف ‏»دستور«‏ العملة – من دون

أن تقدم املرونة الكافية ليك تستجيب لتغري الظروف أو تنقيح التفاهامت بشأن

سري عمل االقتصادات.‏ ونتيجة لذلك ركز البنك املركزي األورويب فقط عىل التضخم

- حتى يف وقت ارتفاع معدل البطالة.‏

ويعني االعتقاد بأن األسواق كفئة ومستقرة،‏ أيضا،‏ أن البنك املركزي األورويب

والبنوك املركزية داخل كل بلد من البلدان األعضاء تجنبت بحرص شديد اإلقدام

عىل فعل أي يشء بشأن الفقاعات العقارية التي كانت تتزايد يف العديد من

هذه البلدان منذ أوائل العقد األول من القرن الحادي والعرشين إىل منتصف

ذلك العقد.‏ والحقيقة أن املبدأ األسايس ملنطقة اليورو كان هو قدرة رأس املال

عىل التحرك بيرس عرب الحدود - حتى حينام كان يُستخدَم املال يف خلق فقاعات

يف قطاع العقارات.‏ ولكن بالطبع كانت أيديولوجية أصولية السوق هي:‏ األسواق

ال تخلق فقاعات.‏

وأتذكر أنني يف وسط الفقاعة العقارية اإلسبانية - ومن املفرتض أنه كان من

الواضح ألي شخص أنها كانت هناك فقاعة - اقرتحت عىل املسؤولني الكبار يف البنك

املركزي اإلسباين أن عليهم اتخاذ إجراءات ملحاولة تنفيسها.‏ وكام بات واضحا اآلن

كانت املخاطر عىل االقتصاد من انفجار الفقاعة هائلة.‏ وقد اقرتب رد الفعل من

الحرية:‏ أمل أقرتح أن الحكومة أكرث ذكاء من السوق؟

وكانت ملسؤويل البنوك املركزية - بإميانهم القوي بحرية األسواق - تعويذة

موحدة،‏ تبدأ بكفاءة واستقرار األسواق،‏ وهي:‏ أن املرء ال ميكنه الجزم مبا إذا

كانت هناك فقاعة.‏ حتى لو كانت هناك فقاعة ال ميكن ألدوات السياسة

الوحيدة املتاحة فعل الكثري حيالها و/أو تشويه االقتصاد.‏ إن تنظيف الفوىض

بعد انفجار الفقاعة ببساطة أفضل بكثري من تشويه االقتصاد عىل أساس القلق

من أنه رمبا تكون هناك فقاعة.‏

وقد كانت هذه املعتقدات هي السائدة عىل الرغم من أن أزمة رشق آسيا

يف التسعينيات كانت قد أوضحت أن سوء ترصف القطاع الخاص - ال سوء ترصف

الحكومة - ميكنه أن يجلب أزمة اقتصادية.‏


أزمة اليورو

تتسم املعتقدات بشأن سري عمل االقتصاد بأهمية قصوى،‏ وينبغي أال تكون هناك

أي مفاجأة من أن محصلة أي مرشوع اقتصادي متأثر بشدة باملفاهيم الخاطئة سوف

تكون دون مستوى التوقعات.‏ ورمبا كان اليورو سيفلح،‏ مهام شابه من عيوب يف منشئه،‏

لو أن بعض تفاصيل معينة وُضعت بشكل صحيح.‏ ولكن حتى هذا االفتقار إىل االنتباه

للتفاصيل ميكن عزوه جزئيا إىل األيديولوجيا التي ترى أن قوى السوق هي التي تقرر،‏

وأنها يجب أن تسود أيا كانت الرتتيبات املؤسسية،‏ رشيطة أن تكون األسواق قد أُعطيت

املجال الكايف ليك متارس سحرها.‏ وتؤدي األيديولوجيا إىل اإلميان بأنه مع حرية تنقل

العمل ورأس املال ستُضمَن الكفاءة االقتصادية.‏ وسوف نرى الحقا ملاذا – من دون

تأمني مشرتك للودائع يف النظام املرصيف ‏)حيث يؤمِّن كيان واحد الودائع يف جميع أرجاء

منطقة اليورو(‏ ومن دون بعضٍ‏ من النظام يف تشارك الديون – تضمن حرية تنقل العمل

ورأس املال أن الكفاءة االقتصادية لن ميكن الحصول عليها.‏

تلميحات حول العجز الدميوقراطي

بينام سادت األفكار النيوليربالية يف العديد من وزارات املالية والبنوك املركزية،‏

كام ذكرنا سابقا،‏ كانت أبعد ما تكون عن مشاركتها عامليا،‏ حتى داخل البلدان

نفسها التي كانت هذه األفكار قد فرضت سطوتها فيها عىل وزارات املالية.‏ فداخل

كل البلدان كانت هناك اختالفات يف اآلراء حول كيفية سري عمل االقتصاد،‏ وكانت

النيوليربالية أقوى ما تكون يف وزارات املالية والخزانة وأضعف ما تكون يف وزارات

العمل والتعليم.‏ والحقيقة أن النموذج االجتامعي األورويب،‏ مع نظمه القوية

للحامية االجتامعية،‏ كان مقبوال قبوال حسنا يف كل أرجاء اإلقليم.‏

وداخل الدميوقراطيات كان ينبغي مراجعة املنظورات الخاصة بوزارات املالية

والبنوك املركزية وتلطيفها.‏ وعادة ما كان يجري ذلك.‏ لكن مع وضع بنية عملية

صنع القرار داخل الهيئات فوق القومية مثل االتحاد األورويب ومنطقة اليورو يف

االعتبار،‏ كان مثل هذا التلطيف أقل ظهورا.‏ فضِ‏ من البنية الحالية ملنطقة اليورو

واالتحاد األورويب،‏ وخاصة مع التقييد املتزايد لسلطة البلدان املأزومة عىل عملية

صنع القرار االقتصادي وتفويض الرتويكا بها،‏ أضحت منظورات وزارات املالية

والبنك املركزي األورويب هي املهيمنة.‏

47


48

اليورو

وقد نُظِ‏ ر إىل كل من اإلصالحات الهيكلية وعمليات تكيف االقتصاد الكيل

عىل أنها برامج اقتصادية تُصمَّ‏ م من قِبل خرباء من وزارات املالية والبنك املركزي

األورويب.‏ ولكن هذه الربامج أثرت تقريبا يف كل جانب من جوانب املجتمع بصورة

جوهرية.‏ فعىل سبيل املثال حينام كانت الربامج تُصمَم لليونان وغريها من البلدان

املأزومة األخرى مل تكن وزارات العمل تُرشَك عادة بشكل فعال عند صياغة البنود

الخاصة بسوق العمل والنقابات.‏ ورمبا كانت أوروبا تتظاهر،‏ يف النهاية،‏ بأنه متت

مشاورة الجميع،‏ وبعد كل هذا ال يدخل الربنامج حيز النفاذ إال بعد املوافقة عليه

من قبل برملان البلد املعني.‏ ولكن هذه املوافقة متُ‏ نح من قِبل أعضاء الربملان كأن

شخصا يحمل مسدسا مصوبا إىل رؤوسهم:‏ فقد كان القرار بنعم أو ال،‏ وعادة مع

مهلة زمنية قصرية،‏ ويف الخلفية تتأرجح حقيقة أنه ليس هناك صوت سيجرؤ عىل

أن يلقي بالبلد يف أزمة عميقة.‏

نظريات اإلصالح

إن واحدا من إخفاقات النيوليربالية هو افرتاض أنه مادام منوذج األسواق املثالية

هو املثل األعىل الذي ينبغي أن نسعى جاهدين نحوه،‏ فإن أي ‏»إصالح«‏ ينقلنا يف

اتجاه هذا النموذج يعد مرغوبا فيه.‏ ولكن منذ أكرث من نصف قرن فقدت هذه

الفكرة مصداقيتها فيام بات يُعرف بنظرية ثاين أفضل بديل،‏ وبريادة جيمس ميد

االقتصادي الحاصل عىل جائزة نوبل،‏ وزمييل يف جامعة كولومبيا كيلفن النكسرت،‏

وريتشارد ليسبي (34) . وقد بينا أن إزالة واحد من التشوهات،‏ يف ظل استمرار وجود

التشوهات األخرى،‏ قد تجعل االقتصاد حتى أسوأ حاال.‏ عىل سبيل املثال يف غياب

أسواق جيدة للمخاطر ‏)حيث ميكن للمرء رشاء التأمني عىل كل املخاطر التي

يواجهها بسعر معقول(،‏ يؤدي خفض العوائق أمام التجارة عادة إىل مخاطر أكرب،‏

وتُحفِّز املخاطر األكرب املرشوعات عىل تحويل اإلنتاج إىل نشاطات تحقق إيرادات

أقل ولكنها أكرث أمانا،‏ واألثر الصايف هو أن كل شخص سيصبح أسوأ حاال،‏ يف تناقض

واضح مع املواقف التي تكون فيها أسواق املخاطر مثالية (35) .

وقد أدت األمثلة األخرى القتصاد ثاين أفضل بديل دورا مهام يف فشل أوروبا:‏ فحرية

انتقال عنرص رأس املال رمبا يكون لها معنى لو كانت هناك معلومات كاملة.‏ إذ عندها


أزمة اليورو

سيتدفق رأس املال من االستخدامات ذات العائد األقل إىل االستخدامات ذات العائد

األعىل.‏ وحينام يدخل البلد يف ركود سيتدفق املال إليها ليك يساعدها عىل الخروج منه.‏

فتدفق رأس املال سيحدث يف عكس اتجاه الدورة االقتصادية - حيث يزيد يف أوقات

الضعف،‏ ويتقلص يف األوقات الجيدة،‏ ليوازن الدورة االقتصادية ويساعد عىل استقرار

االقتصاد.‏ بينام كانت األدلة الواقعية عىل العكس من ذلك.‏ والسبب وراء ذلك هو

أن أسواق رأس املال كانت مملوءة بأوجه القصور.‏ ويعرف كل مرصيف أنك ال تُقرض

املال للشخص الذي يحتاج إليه.‏ ويفرس هذا ملاذا ارتبط تكامل سوق رأس املال عادة

بالزيادة يف التقلب وعدم االستقرار االقتصادي؛ فالتدفقات مسايرة للدورة وتزيد من

حدة التقلبات االقتصادية.‏ وبوجه عام،‏ ويف كل أرجاء العامل،‏ كان رأس املال يتدفق من

البلدان الفقرية،‏ حيث رأس املال أكرث ندرة،‏ إىل البلدان الغنية،‏ وهو عىل العكس متاما من

االتجاه الذي تنبأت به النظريات النيوليربالية.‏ وسوف نفحص يف الفصل الخامس أسبابا

أخرى ملساهمة التدفقات الحرة لرأس املال - يف عاملنا الذي يتبوأ مرتبة ثاين أفضل بديل

- يف التباين،‏ حيث تصبح الدول الغنية يف أوروبا أكرث غنى عىل حساب الدول الفقرية.‏

هناك عامل بديل ممكن

تواجه أوروبا موقفا يتعني عليها فيه االختيار؛ فهناك بدائل للبنية والسياسات

الراهنة.‏ ومن املمكن تقديم اقرتاحات لإلصالحات يف بنية منطقة اليورو،‏ وكذلك

سياسات منطقة اليورو يف هذا الفصل ‏)ثم نطورها أكرث يف الفصل التاسع(،‏ بهدف

منح اليورو فرصة الكفاح من أجل النجاح.‏

وتبدأ هذه اإلصالحات من الفرضية القائلة إن اليورو هو مرشوع عىل النطاق

األورويب،‏ وإن هذا املرشوع يف حاجة إىل إصالحات جوهرية يف كل من بنية

وسياسات منطقة اليورو.‏ وقد نشأت املشكالت بصورة جامعية.‏ والحل الوحيد لها

سيكون جامعيا كذلك.‏

وتقوم اإلصالحات عىل قاعدة من التفاهامت االقتصادية تختلف عن تلك

التفاهامت التي تستند إليها بنية منطقة اليورو حاليا.‏ وقد وُضِ‏ عت هذه التفاهامت

عىل أساس تشجيعِ‏ التقارب وتضَ‏ مُّ‏ نِ‏ نظامٍ‏ مرصيف موحد لإليداع يف جميع أرجاء

منطقة اليورو وشكلٍ‏ ما من أشكال االقرتاض املوحد،‏ مثل سندات اليورو.‏

49


50

اليورو

وتدرك هذه اإلصالحات أن التقشف يف حد ذاته ال يجلب النمو،‏ وأن هناك

سياسات ميكنها أن تضطلع بالعمل برسعة،‏ ومبقدار أقل من املعاناة،‏ الستعادة

االزدهار للبلدان املنكوبة باألزمة.‏ وتبني مثل هذه السياسات يتطلب حدا أدىن من

التضامن داخل منطقة اليورو.‏

وهناك بديل آخر يتمثل يف نهاية مخططة بعناية لليورو بالشكل املوجود عليه

اآلن،‏ رمبا بخروج بعض بلدان قليلة،‏ ورمبا مع تقسيم منطقة اليورو إىل منطقتي

عملة Currency Areas أو أكرث.‏ وهذا التقسيم سيكون مكلفا.‏ ولكن سيكون من

املكلف،‏ أيضا،‏ البقاء معا من دون اإلقدام عىل اإلصالحات الرضورية.‏ واالسرتاتيجية

الحالية،‏ وهي االرتجال والتخبط،‏ اسرتاتيجية مكلفة للغاية.‏ وليس هناك بديل جيد.‏

وقد وُصِ‏ ف اليورو كثريا بأنه زواج سيئ،‏ ويف أماكن مختلفة يف هذا الكتاب سوف

ألجأ إىل استخدام هذا التعبري املجازي.‏ ويضم الزواج السيئ فردين ما كان ينبغي أن

تربطهام معا عهود بارتباط من املفرتض أنه غري قابل لالنفصام.‏ واليورو أكرث تعقيدا

من ذلك:‏ فهو عبارة عن اتحاد بني 19 دولة مختلفة اختالفا بيِّنا يرتبط بعضها ببعض.‏

حينام يذهب زوجان يعانيان املشاكل إىل مستشار الزواج سوف يحاول املستشار

العتيق الطراز اكتشاف ما الذي ميكن أن يجعل هذا الزواج ناجحا،‏ ولكن املستشار

‏»الحديث«‏ سوف يبدأ بطرح السؤال التايل:‏ هل يجب إنقاذ هذا الزواج؟

ورمبا تكون تكاليف فسخ هذا الزواج - كل من التكاليف املالية والعاطفية - مرتفعة

جدا.‏ ولكن تكاليف البقاء معا رمبا تكون حتى أكرث ارتفاعا.‏ وواحد من الدروس األوىل يف

علم االقتصاد هو ترك املايض للاميض.‏ فعىل املرء أن يسأل دامئا:‏ مع وضع ما نحن عليه

يف االعتبار ما الذي يجب علينا عمله؟ وبالسؤال عام يجب أن تعمله أوروبا،‏ فسيكون

أمرا قليل الجدوى إبداء رأي مثل:‏ ‏»ما كان عليهم الزواج مطلقا«.‏ ومن الخطأ،‏ أيضا،‏

تجاهل الروابط العاطفية التي نشأت خالل سنوات الزواج.‏ ولكن التزال هناك مواقف

يكون من األفضل فيها االفرتاق،‏ مع أخذ التاريخ يف االعتبار.‏

وهناك الكثريون الذين يقلقون من أن نهاية اليورو سوف تعني اضطرابا يف أوروبا

ويف أسواق املال العاملية،‏ مام يزيد من حدة املشكالت التي تواجهها أوروبا بالفعل.‏

وقد يحدث هذا يف الحقيقة،‏ ولكن حدوثه ليس من الرضوري:‏ فهناك طرق إلنهاء هذا

الزواج بسالسة،‏ ومن دون صدمة،‏ وأنا أطرح واحدة من هذه الطرق يف الفصل العارش.‏


أزمة اليورو

ولو اختارت أوروبا هذا الطريق أو دُفِعت إليه فإن الفسخ ال يتطلب من أوروبا

أن تكون لكل دولة عملتها الخاصة بها.‏ فمن املمكن لعدد من البلدان أن تتشارك يف

العملة نفسها - رمبا بلدان أوروبا الشاملية أو بلدان أوروبا الجنوبية.‏ ولكن منطقة

اليورو ذات ال 19 أمة،‏ والتي كان من املقرر حتى توسيعها أكرث،‏ رمبا ينبغي التفكري فيها

بوصفها تجربة مُشوِّقة - مثلها يف ذلك مثل العديد من تجارب الرتتيبات النقدية - مثل

اآللية األوروبية ألسعار الرصف ،(ERM) Exchange Rate Mechanism التي سبقت

منطقة اليورو خالل الفرتة من العام 1979 حتى العام 1999، والتي حاولت الحفاظ

عىل معدالت الرصف بني عمالت الدول األعضاء يف اآللية تتحرك داخل نطاق ضيق (36) .

وهناك بديل آخر سأعرضه يف الفصل الحادي عرش:‏ ‏»اليورو املرن«‏ The

،Flexible Euro وهو ترتيب نقدي يظل مبقتضاه كل بلد يتعامل باليورو،‏ ولكن

اليورو اليوناين رمبا ال تجري معادلته باليورو القربيص أو اليورو األملاين.‏ وألجل هؤالء

الذين استثمروا يف إبقاء شعلة االتحاد النقدي مشتعلة يقدم اليورو املرن سبيال

جديدا للميض قدما.‏ فهو يدرك أنه ليس هناك اآلن تضامن سيايس كافٍ‏ وتوافق

عريض حول األساسيات االقتصادية لتنفيذ اإلصالحات املطلوبة لنجاح العملة

املوحدة،‏ ولكنْ‏ هناك تفاهم مشرتك كافٍ‏ وتضامن سيايس كبري بحيث ال ميكن أن

يُتَخىلَّ‏ ببساطة عن فكرة العملة املوحدة.‏ واليورو املرن يبني عىل ما تحقق من

إنجازات ونجاحات ملنطقة اليورو،‏ ولكنه يقوم عىل أساس من الواقع.‏

ومن دون استخدام هذه املصطلحات،‏ ومن دون الوعي الكامل بآثار ما يفعلونه،‏

عمدت أوروبا فعليا - بشكل جزيئ – إىل خلق مثل هذا النظام ‏)عىل أساس مؤقت(‏

يف كل من قربص واليونان.‏

ورمبا يكون الطموح طويل األجل لليورو املرن ‏)أو للنظام األورويب متعدد أسعار

الرصف الذي جرى توضيحه آنفا(‏ هو خلق عملة موحدة واتحاد نقدي كامل يف

نهاية املطاف.‏ ولكن تحديد املراحل والوترية أمر بالغ األهمية.‏ ففي املراحل األوىل

من التكامل بدا أن أوروبا قد أدركت هذا:‏ فقد تطور تجمع الفحم والصلب ‏)الذي

أُسِّ‏ س يف العام 1952( بصورة تدريجية ليصبح االتحاد األورويب.‏

وقد مضت أوروبا برسعة بالغة باالتحاد النقدي الكامل،‏ ومن دون ضامن أنه

قد أُدخِ‏ لت التغيريات الرضورية الالزمة لنجاح االتحاد النقدي.‏ ولو كانت أوروبا

51


52

اليورو

ملتزمة حقا بالتكامل النقدي ميكن لهذه التغيريات أن تتحقق،‏ عىل رغم أنه من

املحتمل مرور سنوات،‏ بل رمبا عقود،‏ قبل أن يحدث هذا.‏ ويُبقِي اليورو املرن عىل

مفهوم العملة املوحدة مفهوما رئيسا،‏ لكنه ينشئ إطارا ذا مرونة كافية بحيث

يكون هناك احتامل للنجاح الفعيل؛ إذ عوضا عن أن يؤدي إىل اإلحباطات املرتبطة

)37(

بالنظام الحايل،‏ سوف يعمل عىل استعادة التشغيل الكامل Full Employment

والنمو املرتفع.‏ وحينام يزيد التضامن بني الرشكاء األوروبيني،‏ وحينام تُلبى الرشوط

املطلوبة التي تعمل عىل نجاح نظام العملة املوحدة فإن النطاقات التي ستتقلب

فيها اليوروهات املختلفة ميكن العمل عىل تضييقها تدريجيا حتى نصل إىل النقطة

التي ال يكون موجودا عندها سوى عملة واحدة فقط.‏

الرضورة امللحة

لن يجدي نفعا القول:‏ نعم،‏ نحن نعرف أننا يف حاجة إىل وحدة مرصفية ‏)وهو

إصالح مهم سينَاقَش الحقا يف هذا الكتاب(،‏ ولكن ينبغي أن نبني هذه الوحدة

بحرص،‏ وسوف يستغرق ذلك عدة سنوات.‏ وستكون هذه سنوات تتضخم فيها

املعاناة،‏ سنوات ستقع خاللها أرضار يتعذَّ‏ ر إصالحها،‏ سنوات ستُحْ‏ بَط خاللها أكرث

اآلمال التي كانت معقودة عىل املرشوع األورويب.‏ وبصعوبة ميكن يف ذهني التمييز

بني عواقب مثل هذا النهج والرتتيبات املرتجلة،‏ واإلبقاء عىل باب األمل مفتوحا أمام

اإلصالح يف املستقبل للتأكد من أن اليورو لن ينهار،‏ ولكن بطرق تُلحق رضرا غري

مقبول باملواطنني يف البلدان املأزومة.‏

وباختصارٍ‏ عىل أوروبا أن تتحرك يف أحد االتجاهني:‏ فإما أن تكون هناك ‏»أوروبا

أكرث«‏ وإما ‏»أوروبا أقل«.‏ ويعني هذا االختيار بني:‏ ‏)أ(‏ تنفيذ اإلصالحات التي تجعل

من اليورو عملة لكل أوروبا.‏ وإلحداث هذا يتطلب األمر تغيريات ال يف كيفية عمل

منطقة اليورو فقط،‏ بل أيضا يف خلق مساحة أكرب من التكامل االقتصادي:‏ عىل

سبيل املثال وضع نظام موحد للتأمني عىل الودائع لكل أوروبا.‏ وهذه التغيريات

هي بالكاد تغيريات ثورية - فقد طبقت يف كل مكان خارج أوروبا،‏ وميكن للدور

‏»املركزي«‏ للسلطات أن يظل أقل بكثري مام هو عليه عرب األطلنطي يف الواليات

املتحدة،‏ ولكنه سيكون أكرث بكثري مام هو عليه اليوم يف منطقة اليورو.‏ أو ‏)ب(‏


أزمة اليورو

تقليص مرشوع العملة.‏ وميكن تنفيذ ذلك بعدة طرق مختلفة ستُرشَح يف الفصول

التالية.‏ وميكن تنفيذ ذلك،‏ عىل سبيل املثال،‏ بخروج عدد قليل فقط من البلدان -

سأرشح الحقا ملاذا يعد الطريق األيرس واألقل تكلفة،‏ هو خروج أملانيا من منطقة

اليورو.‏ وميكن،‏ بديال لهذا الطريق وبتكلفة أكرب،‏ تنفيذُ‏ ذلك بخروج بعض األعضاء

من بلدان ‏»املحيط«.‏ ويتمثل البديل الثالث يف تشكيل كتلتني مع استخدام اليورو

الشاميل واليورو الجنويب.‏ أما النهج الرابع فيتمثل يف اليورو املرن الذي أطرحه يف

الفصل الحادي عرش.‏ ولكن وضع الحل الوسط الحايل غري املستمر،‏ ومحاوالت

العمل عىل استدامته برتتيبات مرتجلة متخبطة سوف يؤديان إىل تكاليف اقتصادية،‏

واجتامعية،‏ وسياسية باهظة.‏

وميكن تقديم حجة مقنعة بأن النهج املثايل من املنظور االقتصادي/‏ التكنولوجي

البحت هو النهج األول،‏ خلق منطقة يورو تعمل بنجاح.‏ وسأضع كمتنبئ سيايس،‏

عىل أي حال،‏ رهانايت عىل نهج الرتتيبات املرتجلة،‏ واإلقدام عىل حد أدىن من

اإلصالحات التي تحول دون انهيار اليورو،‏ ولكنها ال تسمح بانتعاش حقيقي،‏ عىل

األقل ليس يف أي وقت قريب.‏ ورمبا يتعني عىل املرء أن يطلق عىل هذا النهج نهجَ‏

حافة الهاوية،‏ مبنح البلدان ما يكفي من املساعدة ليك تُبقِي عىل أملها،‏ ولكن ليس

مبا يكفي لدعم تحقيق تعافٍ‏ قوي.‏ ولكن خطر حافة الهاوية هو أن عىل املرء أحيانا

تخطي الهاوية.‏

ولو كان التحليل املتضمن يف هذا الكتاب صحيحا فأزمة اليورو تُعَد أبعد ما

يكون عن االنتهاء،‏ فسوف تبقى اليونان يف ركود ولن تتمكن من سداد ديونها.‏ ورمبا

تدعي أملانيا عكس ذلك فتقول إن الديون ينبغي أن ‏»يُعاد تشكيلها«،‏ أي متديد

فرتة سدادها فرتةً‏ تبلغ عدة عقود.‏ ولكن مثل هذه األحاجي ليست أكرث صحة من

أي رياء آخر،‏ فسوف تُرضَب منطقة اليورو بصدمات أخرى،‏ ورمبا سيُلقَى بالبلدان

األضعف مرة أخرى يف أزمة؛ فليست هناك ببساطةٍ‏ مرونة كافية داخل منطقة

اليورو،‏ وفقا لوضعها الراهن،‏ تكفل نجاح األضعف،‏ ومن املحتمل أن منطقة اليورو

ذاتها ستحقق منوا بطيئا للغاية عىل أفضل تقدير.‏

وكان اليورو دامئا وسيلة من أجل غاية،‏ وليس غاية يف حد ذاته.‏ فالرتتيبات

النقدية تأيت وتذهب.‏ واإلنجاز األكرب لعرص ما بعد الحرب العاملية الثانية،‏ نظام

53


اليورو

بريتون وودز النقدي ،The Bretton Woods Monetary System دام أقل من

ثالثة عقود.‏ وبادئ ذي بدء يجب أن تبقى يف أذهاننا األهداف النهائية:‏ الرخاء

املشرتك داخل أوروبا والتكامل االقتصادي والسيايس األوثق.‏ وتظهر الوحدة النقدية

بشكل متزايد كانحرافٍ‏ حسن النية يف محاولة تحقيق هذه األهداف السامية.‏

وهناك بدائل وطرق أفضل لتعزيز التكامل السيايس األورويب عوضا عن الوحدة

النقدية التي إذا كانت قد فعلت أي يشء فهو أنها أضعفت حقيقة املرشوع

األورويب برمته.‏ وأفضل سبيل للميض قدما يتطلب خلق تفاهم مشرتك حول األسس

االقتصادية التي تذهب إىل أبعد من أصولية السوق التي استند إليها مرشوع منطقة

اليورو حتى وقتنا الحارض.‏ وسوف يتطلب هذا السبيل قدرا أكرب من التضامن -

لنوع مختلف من االلتزام املشرتك بعيدٍ‏ عن االلتزام باالتباع األعمى ملجموعة من

القواعد سيئة التصميم والتي تضمن فعليا تحقق الركود والتباين.‏

وال بد من النظر إىل املسار الحايل باعتباره مسارا غري مقبول.‏ وليس عىل أوروبا

التخيل عن اليورو ليك توفر للمرشوع األورويب تكامال أوثق - وهو املرشوع املهم

جدا ليس ألوروبا فقط،‏ بل للعامل أجمع.‏ ولكن عىل أقل تقدير هناك حاجة إىل

تغيريات أكرث جذرية وعمقا من تلك التغيريات التي هي قيد املناقشة حاليا.‏ ولكن

إذا كانت هذه اإلصالحات األعمق ال ميكن إجراؤها - إذا ما بدا أنها غري ممكنة من

الناحية السياسية بسبب االفتقار إىل التضامن و/أو التفاهم املشرتك حول ما هو

مطلوب من أجل نجاح عملة موحدة – فإمنا ينبغي إذن إعادة النظر يف املسألة

األكرث جوهرية املتعلقة باليورو ذاته.‏

54


اليورو:‏ األمل والواقع

2

اليورو:‏ األمل والواقع

‏»قد يعيق التكامل االقتصادي األكرب

قدرة البلدان املختلفة عىل تحقيق

الرفاه املجتمعي بتطوير مفاهيمها

الخاصة«‏

كان اليورو قد أُنشئ لتحقيق ثالثة آمال:‏

)1( أنه سوف يجعل أوروبا أكرث تقاربا مقارنة

بأي وقت مىض،‏ وكان اليورو الخطوة التالية

يف تكامل أوروبا؛ )2( أن التكامل االقتصادي

األوثق سيؤدي إىل منو اقتصادي أرسع؛ )3(

أن هذا التكامل االقتصادي األكرب،‏ وما يرتتب

عليه من تكامل سيايس أكرب،‏ سوف يضمنان

أوروبا املساملة.‏

كان مؤسسو اليورو حاملني حاولوا تأسيس

أوروبا جديدة.‏ وكانوا مغامرين يبحرون يف

مياه مجهولة،‏ مسافرين إىل مكان مل يبلغه

أحد من قبل.‏ فلم يسبق أن حاول أحد تجربة

الوحدة النقدية عىل مثل هذا النطاق بني

55


56

اليورو

هذا العدد الكبري من البلدان التي كانت يف غاية االختالف.‏ ولذا رمبا مل يكن

باليشء املفاجئ أن األمور قد تحوّلت لتصبح مختلفة بشدة عام كان هؤالء

الحاملون قد فكروا فيه.‏

سوف أجادل يف هذا الفصل بأنه حتى مع أفضل تصميم ممكن ملرشوع

اليورو،‏ تبقى فوائد العملة املوحدة أكرث محدودية مام ادّعى منارصوها،‏ فآثارها

يف التكامل االقتصادي الشامل من املحتمل أن تكون غامضة،‏ وينبغي أال يفاجَ‏ أ

املرء بكون اليورو عامل فرقة أكرث منه عامل وحدة،‏ وهو ما يؤدي إىل انتكاس

التكامل السيايس.‏ وكان السبب ذاته الذي أدى باليورو إىل أن يكون مرشوعا

غري مكتمل هو السبب املرجح ألن يكون عامال إلثارة الفرقة.‏ وبعيدا عن أن

يكون خطوة مهمة يف خلق أوروبا املوحدة التي ستؤدي دورا حاسام يف االقتصاد

العاملي الحايل،‏ كان ينبغي توقع أن اليورو سيكون له أثر عكيس.‏

والتكامل السيايس،‏ مثله مثل التكامل االقتصادي،‏ ليس هدفا يف حد ذاته

بل وسيلة لتحقيق غايات اجتامعية أوسع؛ فمن بني أشياء أخرى سيعمل هذا

التكامل عىل تقوية الدميوقراطية ومُثُلها يف جميع أرجاء أوروبا.‏ وسوف أخلُص

يف هذا الفصل إىل مالحظة أن إنشاء اليورو قد أدى بدال من ذلك إىل زيادة

إدراك العجز الدميوقراطي يف أوروبا وإىل زيادة الفجوة بني ما تفعله أوروبا وما

يريده مواطنوها.‏

وقد علقنا مرارا عىل االرتباط بني السياسة واالقتصاد.‏ وكام ذكرنا،‏ كان واحدا

من أسباب فشل منطقة اليورو هو أن التكامل االقتصادي قد سبق التكامل

السيايس.‏ وكان األمل أن السياسة سوف تلحق باالقتصاد.‏ ولكن مع منو الفُرقة

والعجز الدميوقراطي،‏ تقلصت احتاملية حدوث ذلك.‏

كان اليورو قد وُلد مع آمال عظيمة.‏ وأثبت الواقع عكس ذلك.‏

الحجج املؤيدة لليورو

طرح من يؤيدون اليورو بقوةٍ‏ بعضَ‏ الحجج،‏ وهي حجج سبق أن

تعرضت لها مرارا وتكرارا يف السنوات التي عملت فيها مع القادة والسياسيني

واالقتصاديني األوروبيني.‏


اليورو:‏ األمل والواقع

أوروبا املوحدة سوف تكون صاحبة نفوذ أكرب عىل املرسح العاملي

يالحظ مؤيدو اليورو أن الدول الكبرية الناجحة،‏ مثل الواليات املتحدة،‏ تشرتك يف

عُ‏ ملة موحدة.‏ ويرتتب عىل ذلك،‏ مبثل هذا املنطق،‏ أنه إذا كان عىل أوروبا أن تؤدي

دورا مامثال لدور الواليات املتحدة عىل املرسح العاملي،‏ فعليها أيضا أن تتشارك يف عملة

واحدة.‏ ويتساءلون،‏ هل ميكن للمرء تخيُل أن تكون لدى أمريكا عمالت متعددة؟

يالحظ عديد من األوروبيني أنه لو كانت بلدان أوروبا موحدة،‏ فستكون واحدة من أكرب

قوتني اقتصاديتني (1) ، مع القلق من أن أوروبا ال متتلك النفوذ الذي تستحقه يف االقتصاد

العاملي،‏ ببساطة ألنها منقسمة سياسيا.‏

ولكن هذا األمر يطرح عدة أسئلة بالغة األهمية:‏ ما الرشوط املسبقة

الرضورية املطلوب توافرها ألداء دور عاملي مناظر للدور الذي تؤديه الواليات

املتحدة؟ وهل توافر الوحدة النقدية هو ما سيُحرك أوروبا بحيث تصبح أكرث

قربا من تحقيق هذه الرشوط؟ هل الوحدة النقدية رضورية لتحقيق مثل هذا

الهدف؟ وما مدى أهمية أن متارس أوروبا مثل هذا الدور؟

الحجة املضادة

خالل القرون املاضية،‏ كانت للقدرة عىل مامرسة ‏»القوة«‏ عىل النطاق

العاملي أهمية كبرية.‏ إذ كانت ثروة األمم تعتمد إىل حد بعيد عىل قوتها

العسكرية.‏ كان غزو املستعمرات هو السبب يف أن جزيرة صغرية نسبيا،‏ مثل

بريطانيا العظمى،‏ أصبحت قوة عاملية مهيمنة.‏ ولحسن الطالع،‏ أننا لدينا توازن

جديد للقوى يحجّ‏ م إىل حد بعيد من استخدام القوة العسكرية.‏ وحتى حينام

تنترص دولة يف الحرب،‏ فإن قدرتها عىل الحصول عىل غنائم من تلك الحرب تعد

محدودة.‏ وعىل سبيل املثال،‏ رمبا تحصل رشكات النفط األمريكية عىل مداخيل

أفضل بنحو طفيف يف العراق بسبب الحرب،‏ ولكن تكلفة الحرب تفوق مبراحل

أي منافع محتملة (2) .

وحتى بالنسبة إىل الواليات املتحدة،‏ التي تنفق مبالغ أكرب بكثري عىل جيشها

من أي دولة أخرى يف العامل،‏ ال ميكنها فرض إرادتها عىل اآلخرين يف ظل قواعد

اللعبة الجديدة.‏ وقد أُحبطت محاولتها فعل ذلك يف العراق،‏ يف مواجهة أعداء

57


58

اليورو

لديهم قدر ضئيل مام لدى الواليات املتحدة من سكان وموارد.‏ ومل تستطع

وقف الهجامت الروسية ضد أوكرانيا.‏ وما إذا كانت أوروبا املوحدة يف إمكانها

تغيري هذه الصورة بنحو كبري هو أمر محل جدل - وعىل أقل تقدير،‏ سيتطلب

سعيُ‏ أوروبا إىل مامرسة مثل هذا التأثري زيادات هائلة يف اإلنفاق العسكري.‏

لو كان هناك توافق أورويب،‏ فسوف يكون

النفوذ األورويب حارضا حتى من دون وحدة نقدية

يف املقابل،‏ لو كانت هناك زيادات هائلة يف اإلنفاق العسكري واتفاق عىل األهداف

العسكرية،‏ فحتى من دون وحدة سياسية،‏ سيكون وزن أوروبا أكرب،‏ ولكن كام يف مثال

الواليات املتحدة،‏ سيكون بالكاد حاسام.‏ واملشكلة األكرب هي أنه من الصعب الوصول

إىل توافق بشأن األهداف العسكرية:‏ وهو جانب آخر من جوانب التعددية يف أرجاء

أوروبا.‏ فأملانيا التي تعتمد بقوة شديدة عىل الغاز الطبيعي الرويس،‏ من املنتظر أن

تكون أكرث ترددا يف دعم أي إجراءات قوية ضد روسيا (3) .

لو كان هناك إجامع بني البلدان األوروبية،‏ لكانت وجهة نظرهم املوحدة ستُسمع

بالطبع بقوة أكرب.‏ ولكن غياب التكامل السيايس ليس هو مصدر املشكلة:‏ بل غياب

التوافق.‏ فلو كان هناك توافق،‏ لكانت هناك مؤسسات داخل أوروبا تسمح بالفعل

بالترصفات املنسقة وب»الصوت«‏ املنسّ‏ ق الفعال (4) .

ووفق هذا املنظور،‏ ميكن للنفوذ األورويب أن يكون حارضا،‏ بل سوف يكون حارضا،‏

يف املجاالت التي يتحقق فيها توافق أورويب (5) . والتحدي األكرب يف سبيل تعزيز النفوذ

األورويب هو تقوية التفاهامت املشرتكة،‏ ولو أدى اليورو،‏ كام يجادل هذا الكتاب،‏ إىل

فُرقة أكرب،‏ فاليورو إذن يف هذا املقام يؤدي إىل نتائج عكسية.‏

دور القواعد

تعتمد القرارات التي يتعني عىل أوروبا املوحدة اتخاذها،‏ بالطبع،‏ عىل القواعد

السياسية التي تُعرِّف االتحاد.‏ فلو مل يكن بد من توافر اإلجامع بني البلدان األوروبية،‏

ففي غياب التوافق العريض بشأن السياسات تكون النتيجة املحتملة هي الجمود.‏ ولو

أعطى النظام السيايس سلطة غري متناظرة ملصالح الرشكات األوروبية،‏ فإن ما ستدور


اليورو:‏ األمل والواقع

‏»املساومة«‏ عليه يف االتفاقات التجارية هو القواعد التي تعزز من مصالح هذه الرشكات.‏

وبينام من املستحسن لهذه الرشكات أن ترى أوروبا أكرث قوة وتوحُّ‏ دا،‏ فإنه ليس من

الواضح ما إذا كانت النتيجة املحتملة سوف تخدم مصالح املواطنني أيضا.‏

وسوف ترتجم القوة العظمى ألوروبا املوحدة يف شكل رفاهية أكرب للمواطنني

األوروبيني فقط إذا ما كان النظام السيايس دميوقراطيا حقيقة.‏ وهناك أسباب وجيهة

للقلق بهذا الشأن،‏ آخذين يف االعتبار الهيكل السيايس القائم حاليا يف أوروبا.‏

اليورو والسالم

الحجة الثانية من أجل تكامل سيايس أكرب تركز عىل الدور الذي مارسه االتحاد

األورويب يف استدامة السالم يف قلب أوروبا.‏ فمع أخذ حجم الدمار الذي خلّفته الحربان

العامليتان يف القرن املايض يف االعتبار،‏ يصبح من املفهوم ملاذا يحظى هذا األمر بأهمية

قصوى.‏ فالبعض يالحظ غياب الحرب يف قلب أوروبا خالل األعوام السبعني املاضية

ليمنح مصداقية لالتحاد األورويب.‏ ورمبا يكون هذا هو الوضع،‏ عىل الرغم من أن هناك

تغيريات عديدة حدثت أيضا:‏ إقامة األمم املتحدة،‏ الردع النووي،‏ والتغريات يف املواقف

تجاه الحرب.‏ وسؤالنا،‏ عىل هذا،‏ هو سؤال أضيق نطاقا:‏ ليس هناك دليل عىل أن التشارك

يف عملة موحدة،‏ أو التكامل األقرب الناجم عن التشارك يف عملة موحدة ‏)إذا كان ذلك

قد حدث حقيقة(،‏ سيقلل من احتاملية النزاع،‏ ليس هناك دليل يشري إىل أن العملة

املوحدة ستشكل فرقا سواء بنحو مبارش أو غري مبارش.‏ وحتى افرتاض أن تبني عملة

موحدة يعزز التكامل،‏ فليس من الواضح،‏ يف حال حدوث ترافق للتكامل االقتصادي مع

تعزيز السالم،‏ أن األول سبب للثاين.‏ سوف يجادل هذا الكتاب بأن اتحاد العملة رمبا

يتعارض حقيقة مع كونه السبب يف تكامل اقتصادي أكرب (6) .

اليورو وتحديد الهوية األوروبية

هناك مجموعة مختلفة متاما من الحجج تدافع عن العملة املوحدة،‏ ورمبا

تعكس بنحو أفضل الدافع السيايس وراءها:‏ فحينام يستخدم األفراد العملة كل

يوم،‏ يُذكَّرُون بهويتهم باعتبارهم أوروبيني.‏ ومع تشجيع هذه الهوية وتعزيزها،‏

يصبح من املحتمل تحقيق مزيد من التكاملني السيايس واالقتصادي.‏ ورمبا

59


60

اليورو

تكون أهمية هذا األمر قد تقلّصت بكل تأكيد مع تحركنا نحو استخدام النقود

اإللكرتونية واستخدام بطاقات الخصم واالئتامن.‏ والشباب نادرا ما يستخدمون

تلك القطع الطريفة من الورق التي نسميها النقود.‏

ولكن ينبغي أن يكون واضحا منذ البداية أن مثل هذه الفوائد النفسية،‏ يف حال

وجودها،‏ مل يكن ليُلتفت إليها لو فشل اليورو يف وعده األسايس بتحقيق مزيد من

الرخاء.‏ وبالتأكيد لو أدى اليورو بالفعل إىل جعل األداء االقتصادي أسوأ،‏ فعىل املرء أن

يتوقع حدوث عواقب وخيمة،‏ ليس فقط ضد اليورو،‏ بل ضد املرشوع األورويب بأكمله.‏

التكامل االقتصادي

رشح الجزء السابق ملاذا كانت الحجج املبسطة املؤيدة لليورو - تلك الحجج التي

تذهب إىل أن اليورو سوف يؤدي إىل أوروبا أكرث قوة ونفوذا من خالل أوروبا أكرث

توحدا،‏ وأنها سوف تعزز من قدرتها عىل الحفاظ عىل السالم - حججا غري مقنعة.‏

وسوف أتعرض هنا ملنظور أعرضَ‏ بشأن التكامل االقتصادي،‏ ألرشح ملاذا كان اليورو ‏)يف

حد ذاته(‏ من غري املحتمل أن يشجع عىل نوعية التكامل االقتصادي املعزز للنمو والرفاه

االجتامعي،‏ وملاذا كان ينبغي توقع أن اليورو رمبا يحُ‏ ول حقيقةً‏ دون تحقيق مزيد من

التكامل االقتصادي والسيايس.‏

الحجج التقليدية املدعمة لفوائد التكامل االقتصادي

هناك حجة قدمية بأن التكامل االقتصادي األوثق سوف يؤدي إىل ترسيع النمو

االقتصادي،‏ وذلك بناء عىل فكرة أن األسواق األوسع تؤدي إىل زيادات يف مستوى

املعيشة نتيجة القتصاديات الحجم ‏)أي انخفاض تكلفة إنتاج الوحدة من املنتج مع

الزيادات يف حجم اإلنتاج(،‏ واالستفادة من املزايا النسبية ‏)أي،‏ تحقيق مكاسب ناجمة

عن زيادة الكفاءة مع تخصص كل بلد يف إنتاج ما ميتلك فيه مواطن قوة نسبية(.‏

ويرجع هذا املفهوم إىل أواخر القرن الثامن عرش وبدايات القرن التاسع عرش،‏ كام

سطرته أعامل اثنني من عظامء االقتصاديني الكالسيكيني هام آدم سميث (7) ودايفيد

ريكاردو (8) . ولكن هناك أخطاء عدة يف تطبيق تحليالت سميث وريكاردو املرتبطة

باقتصادات كانت يف أغلبها زراعية عند نهاية القرن الثامن عرش وبداية القرن التاسع


اليورو:‏ األمل والواقع

عرش عىل أوروبا يف بداية القرن الحادي والعرشين.‏ إذ تعد الرسوم الجمركية والعوائق

التجارية بداية أقل بالفعل،‏ ويشري قانون تناقص الغلة The Law of Dimimishing

Returns ‏)٭(‏ إىل أن املكاسب النسبية الناجمة عن مزيد من التخفيض يف هذه الرسوم

والعوائق سوف تكون ضئيلة.‏

واألكرث أهمية،‏ أن هناك بالفعل حرية حركة للسلع،‏ والعمل،‏ ورأس املال داخل

االتحاد األورويب:‏ واليورو منبت الصلة إذن بهذا التحليل.‏

ثانيا،‏ تجاهل كل من سميث وريكاردو فوائد تصميم السياسات،‏ مبا يف ذلك نظم

وقواعد توفري السلع العامة (9) ، مع مراعاة الفروق املحلية يف األذواق والتفضيالت.‏ فبعض

املجتمعات قد تفضل مزيدا من االستقرار ونظام أفضل للحامية االجتامعية،‏ وإنفاقا أكرب

عىل التعليم والصحة العامة،‏ ورمبا يكون هناك آخرون ملتزمون أكرث بالحفاظ عىل أوجه

عدم املساواة القامئة.‏

والتكامل االقتصادي األكرب،‏ أو ينبغي أن أقول:‏ أشكال معينة من التكامل االقتصادي

- كام سرنى الحقا - قد تعيق قدرة البلدان املختلفة عىل تحقيق الرفاه املجتمعي

بتطوير مفاهيمها الخاصة عام ينبغي للدولة أن تفعله وكيف ينبغي عليها فعل ذلك (10) .

وعىل أيام آدم سميث ودافيد ريكاردو،‏ كان الدور االقتصادي للدولة دورا محدودا

للغاية،‏ بينام هو اليوم دور أكرث أهمية بكثري - جزئيا بسبب التغريات يف هيكل االقتصاد

نفسه،‏ وجزئيا بسبب أن االرتفاعات يف مستوى املعيشة قد أدت ببعض املجتمعات إىل

طلب أكرث عىل هذه السلع الجامعية التي تقدمها الحكومة.‏

والواقع أن التقدم الحادث يف مستويات معيشتنا نجم،‏ إىل حد بعيد،‏ عن

خَ‏ لقِنا مجتمع التعلم )11( Learning Society ، وعن التقدم يف التكنولوجيا

واملعرفة،‏ وهي تعد يف حد ذاتها وبطبيعتها سلعا عامة،‏ سلعا ينبغي تطويرها

جامعيا:‏ فكل األفراد ميكنهم االستفادة من مثل هذه التطويرات (12) . واألسواق

مبفردها لن ينجم عنها تقديم مستويات فعالة من االستثامر يف البحث والتعليم،‏

‏)٭(‏ يذهب قانون تناقص الغلة إىل أنه مع زيادة عنرص من عنارص اإلنتاج املستخدمة يف عملية اإلنتاج مع استمرار

العنارص األخرى ثابتة،‏ فسوف تحدث زيادة يف كمية اإلنتاج حتى نقطة معينة،‏ ثم يبدأ بعدها حدوث تناقص يف

كمية اإلنتاج.‏ واملثل الكالسييك الذي يرضب عىل ذلك،‏ هو إذا ما زِيد عنرص العمل عىل املساحة نفسها من األرض

الزراعية،‏ فسوف تزيد يف البداية كمية اإلنتاج،‏ بيد أنه عند نقطة معينة ومع استمرار زيادة عنرص العمل ستبدأ

كمية اإلنتاج يف االنخفاض.‏ ‏]املرتجم[.‏

61


62

اليورو

بل رمبا ال ينتج عنها ميض التعليم والبحث يف االتجاه الصحيح.‏ فسوف يكون

هناك قليل جدا من البحث األسايس وكثري من البحث الذي يحاول اكتشاف

كيف ميكن زيادة القوة السوقية،‏ مبا يف ذلك املستمد من براءات االخرتاع.‏

وأنا أشدد جزئيا عىل هذه التغيريات يف اقتصادنا ويف فهمنا االقتصادي بسبب

وجودها يف جذر فشل تجربة اليورو،‏ التي تأثرت بأفكار حول كيفية سري عمل

االقتصاد،‏ وهي أفكار،‏ مع أن اليورو كان قيد التصميم بالفعل،‏ كانت قد فقدت

مصداقيتها وكان الزمن قد عفَّى عليها بدرجة كبرية للغاية.‏ يف عامل سميث وريكاردو،‏

كان هناك دور ضئيل للدولة – عىل الرغم،‏ كام قلت،‏ من إدراك سميث أن هناك

دورا للدولة أكرب بكثري مام يقول به محبوه املعارصون.‏ ففي عامل سميث وريكاردو،‏

حيث كانت هناك حاجة أقل إىل العمل الجامعي،‏ كان هناك فارق ضئيل يف حال

أُنجز العمل الجامعي عىل مستوى األمة-الدولة،‏ أو عىل املستوى األورويب األوسع.‏

واالختالفات يف اآلراء بشأن ما الذي ينبغي عىل الدولة عمله أو كيفية اضطالعها

به،‏ مل تكن لتشكل فارقا كبريا أيضا.‏ بينام اليوم يشكل هذا فارقا كبريا جدا.‏ ويعد

هذا هو السبب وراء أن من يقطنون يف جزء واحد من منطقة اليورو،‏ مثل اليونان،‏

يُعَدون غري سعداء عند إبالغهم مبا عليهم فعله عن طريق آخرين ميتلكون أفكارا

مختلفة حول طبيعة املجتمع ودور الحكومة،‏ ومع التكامل االقتصادي األوثق،‏

ميكنهم حتى التأثر بنحو ملموس مبا تفعله الحكومات األخرى يف بلدان اليورو،‏

خاصة حينام - كام هو عليه الحال يف أملانيا - تكون لقرارات الحكومة آثار بالغة

يف البلدان األصغر.‏ وكام سرنى يف الفصول التالية،‏ كان لقرار أملانيا كبح األجور،‏

الذي هو يف حقيقته تخفيض تنافيس للعملة،‏ يجري ضد مصلحة البلدان األخرى يف

منطقة اليورو،‏ وخاصة هؤالء الذين لديهم عامل أقل طواعية.‏

تكلفة وعائد التكامل مع العمل الجامعي

إذا كان العمل الجامعي،‏ اليوم،‏ أكرث أهمية بكثري مام كان عليه أيام سميث

وريكاردو،‏ فإن االختالفات يف وجهات النظر بشأن ما يجب عىل الدولة عمله

ميكن أن تكتسب،‏ بدورها،‏ أهمية من الدرجة األوىل.‏ ولهذا أثران مهامن:‏ واحد

منهام أدركته أوروبا،‏ بينام مل تدرك األثر الثاين.‏ األثر األول هو مبدأ تفويض


اليورو:‏ األمل والواقع

السلطة الذي نُوقش سابقا:‏ ينبغي أن تُتخذ القرارات العامة عند أقل مستوى

ممكن من السلطة.‏ فالقرارات بشأن الطرق الرسيعة املحلية واملدارس املحلية،‏

وإدارات الرشطة ومكافحة الحريق املحلية،‏ بل وحتى البيئة املحلية ينبغي أن

تكون عىل مستوى املجتمعات املحلية،‏ وليس عن طريق السلطات الوطنية أو

فوق الوطنية.‏ واملشكلة هي أنه عادة ما تكون هناك آثار غري مبارشة لإلجراء

الذي يتخذه أحد املجتمعات املحلية ‏)أو حكومة وطنية واحدة(‏ عىل اآلخرين،‏

ويف هذه الحالة هناك حاجة إىل أن يكون هناك عىل األقل بعض التنسيق،‏ بينام

بعض اإلجراءات ينبغي اتخاذها عند مستوى أعىل من السلطات.‏

وعند تأسيس اليورو،‏ كان هناك قلق من أنه مع اليورو،‏ سوف تكون هناك

آثار خارجية كبرية،‏ خاصة يف الحاالت التي تكون فيها لإلجراء الذي تتخذه إحدى

الدول آثار سلبية يف اآلخرين.‏ وعند وضعهم القواعد والضوابط التنظيمية التي

تحكم اليورو،‏ كانوا يعتقدون أنهم قد ركزوا عىل احتواء أكرث اآلثار السلبية

أهمية،‏ بينام الواقع أنهم مل يفعلوا ذلك.‏

اآلثار الخارجية التي ركز عليها من صمموا اليورو هي تلك التي تنشأ حينام

تستدين البلدان بكثافة.‏ ولو أن االقرتاض عُ‏ مِد إىل ‏»تنقيده«‏ monetized

‏)تحويله إىل نقود بواسطة البنك املركزي(،‏ بنحو ما فسوف يكون هناك تضخم،‏

وكان التضخم هو الشغل الشاغل ألملانيا منذ وقت طويل.‏ فقد كان موضع

فخرهم أن البوندزبنك Bundesbank ‏)بنكهم املركزي(‏ يُحكم السيطرة عىل

عرض النقود،‏ وأن أملانيا مل تواجه عىل مدى عقود تضخام مرتفعا (13) . فقد كانوا

قلقني من أن التخيل عن بنكهم املركزي واالنضامم إىل اآلخرين،‏ الذين كان

البعض منهم ليس لديه مثل هذه الضوابط،‏ لن يكون أمرا صحيحا.‏ ويفرس هذا

ملاذا كان عىل البلدان التي تنتمي إىل اليورو إلزامُ‏ نفسها مبستويات منخفضة

من العجوزات والديون.‏

وكان الهوس بالعجوزات،‏ عىل أي حال،‏ مجرد أيديولوجيا:‏ هناك دالئل قليلة،‏

إن وُجدت،‏ عىل أن مثل هذه العجوزات والديون ‏)عىل األقل عند مستويات

معتدلة - ومع ذلك مستويات تظل مرتفعة كثريا عن حد ال 3 يف املائة من الناتج

املحيل اإلجاميل التي اتفقت عليها أوروبا(‏ ستكون لها آثار جانبية يف اآلخرين.‏

63


64

اليورو

من جانب آخر،‏ كانت سياسات األجور مثل تلك القامئة يف أملانيا،‏ حيث

مل يكن هناك،‏ إىل وقت قريب،‏ حد أدىن لألجر وحيث كانت للجهد املتضافر

لخفض مستويات األجور خالل التسعينيات لجعل االقتصاد ‏»أكرث تنافسية«،‏ آثارٌ‏

سلبية كبرية بالفعل.‏ ومثل هذه السياسات،‏ كام سأرشح يف الفصل الرابع،‏ هي

نسخة أخرى من التنافسية عن طريق خفض سعر رصف العملة،‏ أو سياسات

‏»إفقار الجار«‏ ‏)٭(‏ التي أدت دورا كارثيا يف الكساد العظيم.‏ ومع ‏»سعر الرصف

الثابت«‏ لليورو،‏ مل يعد يف استطاعة أملانيا خفض سعر رصف عملتها.‏ بل ميكنها

خفض تكلفة اإلنتاج بوضع السياسات التي تخفض األجور.‏ وألسباب مختلفة،‏

كانت هذه هي السياسات التي ميكن أن تقدم عليها أملانيا بسهولة أكرب عام

ميكن لبلدان اليورو األخرى فعله،‏ مام جعل هذه السياسات جذابة جدا لصنّاع

السياسة األملان كأدوات لكسب مزايا نسبية مقارنة بجريانهم.‏ ولألسف مل يوجه

من أنشأوا اليورو أي اهتامم عىل اإلطالق إىل مثل هذا األثر الخارجي السلبي

األكرث أهمية بكثري من غريه من اآلثار الخارجية.‏

أما األثر الثاين فهو أنه لو كانت هناك اختالفات كبرية يف الهياكل االقتصادية،‏

والقيم بني البلدان املختلفة،‏ واختالف يف وجهات النظر حول كيفية عمل

االقتصاد،‏ فسوف يكون املدى املتاح لزيادة العمل الجامعي من أجل الرفاه

‏)٭(‏ سياسة إفقار الجار Beggar-thy-neighbor policy مصطلح يستخدم لإلشارة إىل السياسة التي تتبعها إحدى

الدول ملعالجة مشكالتها االقتصادية،‏ بطريقة تؤدي عمليا إىل جعل املشكالت االقتصادية للدول األخرى أكرث سوءا.‏

وتشري سياسة إفقار الجار عادة إىل السياسة التجارية التي تفيد البلد الذي يتبعها،‏ بينام تلحق األذى بالبلدان املجاورة

أو الرشكاء التجاريني.‏ والسياسة هدفها األهم هو توفري حل للركود االقتصادي يف أي بلد وارتفاع معدالت البطالة فيه.‏

والفكرة الرئيسة هي زيادة الطلب عىل الصادرات ويف الوقت ذاته تخفيض االعتامد عىل الواردات.‏ ويعني ذلك زيادة

استهالك السلع املنتجة محليا مقابل خفض استهالك السلع املستوردة.‏ ويتحقق ذلك عادة بفرض بعض العوائق أمام

الواردات مثل فرض رسوم جمركية مرتفعة،‏ أو فرض حصص كمية من الواردات،‏ أو اللجوء إىل التخفيض التنافيس

لسعر الرصف،‏ وذلك من أجل خفض سعر الصادرات وزيادة أسعار الواردات.‏

وينسب املصطلح إىل الفيلسوف واالقتصادي األسكتلندي آدم سميث الذي استخدم املصطلح يف كتابه ‏»ثروة األمم«‏

يف توجيه النقد إىل السياسات املركانتيلية وسياسات الحامية التجارية.‏ وقد انترش استخدام هذه السياسة قبيل ويف

أثناء فرتة الكساد العظيم يف أواخر عرشينيات وثالثينيات القرن املايض،‏ بلجوء كثري من البلدان املتقدمة إىل انتهاج

سياسة تخفيض تنافيس لسعر رصف عمالتها،‏ إذ كان أحد البلدان يُخفض سعر رصف عملته لزيادة صادراته وخفض

وارداته لريد رشكاؤه التجاريون بدورهم بخفض أكرب يف أسعار رصف عمالتهم،‏ وهكذا.‏ ويرى البعض أن الكساد

العظيم وانتشار استخدام سياسة إفقار الجار بالخفض التنافيس ألسعار رصف العمالت من بني أسباب اندالع الحرب

العاملية الثانية.‏ انظر أيضا:‏ https://www.investopedia.com/terms/p/protectionism.asp

‏]املرتجم[.‏


اليورو:‏ األمل والواقع

عىل مستوى أوروبا بأكملها محدودا.‏ فلتأخذ يف االعتبار املهمة األبسط للبنك

املركزي:‏ وضع أسعار الفائدة بحيث يوازن بني مخاطر التضخم يف مقابل مستوى

البطالة.‏ ففي حال كانت ظروف البلدان التي يعد البنك املركزي مسؤوال عنها

مختلفة،‏ ستكون حينئذ السياسة املناسبة لبلد يحارب التضخم غري مناسبة

عىل اإلطالق للبلد األكرث قلقا بشأن البطالة.‏ وبالتايل ميكن أن تشكل املشاركة

يف عملة موحدة وبنك مركزي - مشاركة يف سلعة عامة - كارثة.‏ ورمبا يكون

الحل الوسط الدميوقراطي سيئا لكليهام:‏ معدالت تضخم غري مقبولة يف بلد،‏ مع

معدالت بطالة غري مقبولة يف البلد اآلخر.‏

ولكن حتى لو كانت الهياكل االقتصادية يف البلدان املختلفة هي ذاتَها،‏

فاآلراء بشأن مسار السياسة املالمئة ميكن أن تختلف يف غياب اتفاق واسع

النطاق بشأن كيفية عمل االقتصاد.‏ فقد يعتقد الناس يف أحد البلدان أنه لو

انخفض معدل البطالة تحت عتبة محددة،‏ فسوف يندلع التضخم.‏ ورمبا يريد

مثل هذا البلد دفع معدل البطالة إىل االنخفاض حتى مستوى هذه العتبة

ولكن ليس ألكرث من ذلك.‏ بينام البلدان األخرى قد تعتقد أن مثل هذا البلد رمبا

يتمسك بدفع معدل البطالة إىل االنخفاض أكرث.‏ ويعني وضع أرضية أو حد أدىن

ملعدل البطالة فرض تكاليف غري مقبولة عىل العامل.‏ ودفع البلدان التي لها

مثل هذه املنظورات املختلفة إىل القبول بالسياسة نفسها سيكون شيئا أحمق.‏

ومرة أخرى سيرتك الحل الوسط كليهام يف حالة تعاسة.‏

أخريا لو كانت الهياكل االقتصادية هي ذاتها،‏ وكان فهمهم سلوك االقتصاد

هو نفسه،‏ كام رأينا،‏ فقد تكون لدى البلدان املختلفة قيم مختلفة.‏ فأحدها رمبا

يكون مهتام بالتضخم وآثاره يف حاميل السندات،‏ بينام رمبا يكون اآلخر مهتام

بالبطالة وآثارها يف العامل.‏ ومثل هذه املجموعات املختلفة من القيم ستنطوي

عىل سياسات نقدية مختلفة متاما.‏

ويف كل حالة من هذه الحاالت،‏ إذا مل يُظهر املرء سببا قاهرا ليك تكون

للبلدان املختلفة السياسات نفسها - ليك تكون لديها عملة موحدة - فيبدو أنه

لن يكون هناك معنى لفعل ذلك.‏ فهناك تكاليف ضخمة،‏ ومثل هذه التكاليف

تنبغي مقارنتها بالعوائد.‏

65


66

اليورو

األبعاد املتعددة للتكامل االقتصادي

تعتمد مكاسب التكامل عىل شكل هذا التكامل؛ فهناك أشكال مختلفة

للتكامل االقتصادي والسيايس.‏ وهذه التعددية واضحة بالفعل يف أوروبا.‏ فهناك

حرية هجرة بني الكثري من البلدان األوروبية،‏ ولكن ليس بينها جميعا.‏ ففي

داخل منطقة الشنغن،‏ ميكن لألفراد االنتقال بحرية خاصة يف حال مل يكن هناك

أي حدود عىل اإلطالق (14) . وتضم منطقة الشنغن معظم بلدان االتحاد األورويب،‏

ولكنها ال تضم اململكة املتحدة وأيرلندا،‏ وتضم بعض البلدان التي ال تعد

جزءا من االتحاد األورويب،‏ تحديدا أيسلندا والرنويج وسويرسا (15) . ومع أزمة

املهاجرين،‏ كانت الحدود املتاحة للهجرة الحرة موضع جدال،‏ بل حتى الجدال

بشأن ما الذي تعنيه الهجرة الحرة.‏

هناك منطقة تجارة حرة.‏ وكل من سويرسا،‏ والرنويج،‏ وليختنشتني،‏

وأيسلندا أعضاء يف رابطة التجارة الحرة األوروبية،‏ ولكنهم ليسوا أعضاء يف

االتحاد األورويب.‏ وهناك محاكم تنظر يف املنازعات بني أيسلندا،‏ فلنَقُل،‏ من

جانب وأعضاء االتحاد األورويب ‏)مثل هولندا أو اململكة املتحدة(‏ من جانب

آخر.‏ وهذه املحكمة،‏ محكمة رابطة التجارة الحرة األوروبية،‏ حكمت بأنه

ليس عىل أيسلندا أن تعوض املدخرين يف بريطانيا وهولندا بعد أن أعلنت

املصارف األيسلندية التي وضع فيها هؤالء املدخرون أموالهم إفالسها،‏ وذلك

فيام يتجاوز مقدار األموال املوجودة بصندوق التأمني عىل الودائع.‏ وهناك

محاكم أيضا تقيض يف املوضوعات الخاصة بحقوق اإلنسان يف أي مكان يف أوروبا

‏)عىل سبيل املثال املحكمة األوروبية لحقوق اإلنسان(.‏ ويعد االتحاد األورويب

غري طبيعي يف أخذه بعضَ‏ أشكال التكامل إىل مدى بعيد جدا - ومع ذلك

مييض ببطء يف بعضها اآلخر.‏ وكام ذكرنا،‏ عىل سبيل املثال،‏ تعد امليزانية املركزية

لالتحاد األورويب - املشابهة للميزانية الفدرالية األمريكية - محدودة للغاية،‏

حيث تشكل أقل من 1 يف املائة من الناتج املحيل اإلجاميل لالتحاد األورويب،‏ مع

ذهاب النصيب األكرب من األموال إىل تقديم الدعم الزراعي (16) .

وهناك أجندة غنية بالربامج التي من شأنها تعزيز التكامل االقتصادي

والسيايس.‏ فربنامج إيراسموس Erasmus الذي ييرس عملية تعلم الطالب يف


اليورو:‏ األمل والواقع

البلدان األوروبية األخرى هو مثال عىل الربنامج الذي يعزز هوية وتكامل

القارة.‏ والرضيبة األوروبية الشاملة املفروضة عىل مستوى االتحاد األورويب عىل

الدخول العالية التي تُستخدَم يف إعادة التوزيع هي خطوة أخرى مهمة يف

دفع التكامل االقتصادي وتعزيز األداء االقتصادي لالتحاد األورويب مبعالجة عدم

املساواة املتزايد يف اإلقليم.‏ ‏)سوف نناقش هذا بتوسع يف الفصول التالية(.‏

وقد نُفِّذ مرشوع التكامل االقتصادي األورويب بأسلوب ‏»خطوة فخطوة«،‏

بالتدريج،‏ عىل مدى فرتة زمنية طويلة.‏ وهذا الكتاب هو عن واحدة فقط

من هذه الخطوات - ما قد وصفته بالزلة:‏ خلق اليورو،‏ العملة املوحدة،‏ التي

حدثت قبل األوان وقبل الوفاء بالرشوط املطلوبة،‏ وبطرق أدت إىل متزق أوروبا.‏

هل املشاركة يف عملة واحدة تُحسِّ‏ ن من الرفاه

وتشجع عىل مزيد من التكامل؟

رشح الجزء السابق أن هناك عدة أشكال مختلفة للتكامل االقتصادي،‏ وأنه

يف بعض األحيان رمبا يكون التكامل األوثق،‏ عىل األقل يف بعض هذه األشكال،‏

غري مرغوب فيه.‏

من املمكن إنجاز تكامل اقتصادي وثيق من دون التشارك يف عملة.‏ فقد

كان لدى الواليات املتحدة وكندا اتفاقية للتجارة الحرة منذ العام 1988. وقد

استفادت كندا أيضا،‏ كام أعتقد،‏ من عدم التشارك يف عملة موحدة مع جارتها

الجنوبية.‏ وقد عززت مرونة العملة من قدرتها عىل التأقلم مع الصدمات

املتعددة التي يواجهها حتام االقتصاد القائم عىل قاعدة املوارد الطبيعية.‏ وقد

أدت مرونة عملتها دورا مهام يف متكني صادراتها من أن تحل محل اإلنفاق

الحكومي مع ترتيب كندا أمورَها املالية يف بداية التسعينيات.‏

وبعض الدول يف االتحاد األورويب أعضاء يف منطقة اليورو،‏ لكن دوال كثرية

من االتحاد ‏)الدمنارك،‏ والسويد،‏ واململكة املتحدة،‏ وبلغاريا،‏ وكرواتيا،‏ وجمهورية

التشيك،‏ واملجر،‏ وبولندا،‏ ورومانيا(‏ ليست أعضاء يف املنطقة.‏ فالسويد عىل سبيل

املثال منت بشكل أرسع مقارنة تقريبا بكل البلدان األعضاء يف منطقة اليورو،‏

وتجادل الفصول التالية بأن النجاح كان بسبب وجود السويد خارج منطقة

67


68

اليورو

اليورو.‏ وسوف يرشح الفصل الثالث أن منطقة اليورو بكاملها كان أداؤها أسوأ

بكثري من هذه البلدان األعضاء يف االتحاد األورويب،‏ وليست أطرافا يف منطقة

اليورو،‏ وأنا أعتقد أن العملة املوحدة من بني األسباب املهمة وراء هذا الوضع.‏

كيف ميكن لليورو أن يعوق بشكل مبارش التنويع االقتصادي

يبدو ببساطة أنه كان هناك بني مهنديس اليورو افرتاض بأن املشاركة يف

عملة واحدة سوف تعزز كل جانب من جوانب التكامل االقتصادي.‏ مل تكن

هناك نظرية عامة ميكن ملؤيدي الوحدة النقدية االستفادة منها،‏ كام مل تكن

هناك حتى خربة تاريخية ميكنهم االستشهاد بها.‏ فلم تكن هناك أي تجربة تشبه

هذه التجربة متاما.‏

وامتالك عملة مشرتكة يزيل واحدا فقط من مصادر املخاطر االقتصادية:‏

مخاطر التغري يف أسعار الرصف (17) . ومخاطر سعر الرصف هي واحدة من

املخاطر املهمة التي تعمل املرشوعات عىل تدبر أمرها.‏ وكيفية تدبرها أمرَ‏ هذه

املخاطر - سواء من خالل القرارات املُتخَ‏ ذة يف األسواق املالية أو تلك الخاصة

بهيكل اإلنتاج - ميكن أن يكون لها نظريا آثار مهمة يف مدى التكامل االقتصادي

الحقيقي،‏ مبا يف ذلك عملية تنويع اإلنتاج عرب اإلقليم.‏ واتضح أن تأسيس منطقة

عملة ‏)مثل اليورو(‏ رمبا يؤدي حقيقة إىل تركُّز أكرب يف اإلنتاج االقتصادي يف عدد

محدود من البلدان أطراف املنطقة.‏ بينام كان األمل،‏ بالطبع،‏ هو عىل العكس:‏

إزالة واحد من مصادر املخاطر املهمة،‏ سوف يُسمح للمرشوعات باإلنتاج يف

بلدان مختلفة.‏

ومن أجل فهم آثار التغريات يف نظام ما لسعر الرصف يتعني عىل املرء أن

يفهم الطرق املختلفة التي تتعامل بها املرشوعات مع مخاطر سعر الرصف.‏

وواحد من الطرق التي تدبر بها املرشوعات أمر هذه املخاطر يف األجل القصري

هو من خالل البيع والرشاء اآلجل للعمالت األجنبية،‏ أي املتاجرة يف أسواق

املعامالت اآلجلة،‏ و»تثبيت«‏ سعر الرصف يف وقت عقد الصفقة.‏ وهكذا،‏ لو

كان أحد املرشوعات يف الواليات املتحدة يستغرق يف عملية إنتاج قطع آالت

يصدِّرها إىل كندا نحو ستة أشهر،‏ فهو ال يعرف ما الذي ستكون عليه قيمة


اليورو:‏ األمل والواقع

الدوالر الكندي ‏)مقابل الدوالر األمرييك(‏ يف ذلك الوقت.‏ ولكن ينبغي للقامئني

عىل هذا املرشوع أال يقلقوا يف الحقيقة:‏ إذ ميكن للمرشوع توقيع العقد لتسليم

البضاعة خالل فرتة ستة أشهر مع الدفع بالدوالرات الكندية،‏ وميكنه تحويل

هذه الدوالرات الكندية اآلجلة اآلن إىل دوالرات أمريكية.‏ وهناك،‏ بالطبع،‏

تكلفة لهذه العملية املالية ‏)التي ميكن النظر إليها بوصفها نوعا من التأمني ضد

تقلبات أسعار الرصف(.‏ ولكن يف ظل األسواق التي تعمل بشكل جيد تعد مثل

هذه التكلفة،‏ عىل أي حال،‏ منخفضة نسبيا.‏

ولكن مثل هذه امليكانيزمات ال تعمل بشكل جيد للغاية يف حالة االستثامرات

طويلة األجل،‏ ويرجع هذا جزئيا إىل عدم وجود األسواق الرضورية أو إىل أنها

تحمل تكلفة مرتفعة للمعامالت.‏

وهناك طريق بديل لتدبر أمر مثل هذه املخاطر:‏ تنويع اإلنتاج عرب األسواق

التي يتعامل فيها املرء،‏ أي التي يعمد إىل البيع والرشاء فيها.‏ فاملرشوع األمرييك

يقيم جزءا من عملية اإلنتاج يف كندا،‏ ومع إقدامه عىل ذلك،‏ يصبح االقتصاد

الحقيقي لكل من أمريكا وكندا أكرث تكامال.‏ وحينام يفعل املرشوع ذلك يعمل

عىل خفض التقلبات يف تكلفة إنتاجه ويف أرباحه.‏

وعىل أي حال ال يكاد يوجد اتحاد للعملة حتى تصبح مثل هذه الحجة

يف تنويع اإلنتاج غري منطبقة.‏ فلو كانت هناك مزايا يف تركيز اإلنتاج يف موقع

واحد أو مواقع قليلة،‏ كام هو الحال غالبا،‏ فإن اإلنتاج قد يغدو أكرث تركزا.‏ فرمبا

ينتقل اإلنتاج،‏ عىل سبيل املثال،‏ إىل بلد لديه بنية أساسية أفضل،‏ وهو ما ميُ‏ كِّن

البلدَ‏ األغنى ذا البنية األساسية األفضل من زيادة حصته يف اإلنتاج،‏ بل يعزز من

قاعدته الرضيبية مبا يسمح له حتى باالستثامر يف بنية أساسية أفضل وأفضل.‏

عدم االتساق الفكري داخل املرشوع األورويب

يف تحليل فوائد العملة املوحدة ال ميكن للمرء الهرب من وجود عدم اتساق

أسايس يف املرشوع األورويب:‏ كان تصميم اليورو قد حدث بناء عىل اعتقاد بتوافر

األسواق التي تعمل بشكل جيد.‏ ولكن مع األسواق التي تعمل بشكل جيد من

املفرتض أن تكون تكلفة تدبر أمر مخاطر أسعار الرصف منخفضة.‏ ومع األسواق

69


70

اليورو

التي تعمل بشكل جيد ستعكس عمليات مواءمة أسعار الرصف التغريات يف

املعلومات األساسية فقط،‏ وهي تلك املعلومات التي يُكشَ‏ ف عنها تدريجيا.‏ وهكذا

سوف تكون التعديالت يف أسعار الرصف بطيئة وتدريجية.‏ والتعديالت يف ‏)أسعار(‏

الرصف هي،‏ بدورها،‏ ميكانيزم مهم تُوائم من خالله االقتصادات التي تعمل بشكل

جيد نفسها مع األحداث التي رمبا تؤثر يف أحد البلدان بشكل مختلف عن تأثريها

يف البلد اآلخر ‏)يشري االقتصاديون إىل مثل هذه األحداث ب ‏»الصدمات«،‏ من دون

أي إيحاءٍ‏ أنها كارثية بطبيعتها(.‏ فعىل سبيل املثال ميكن تدبر أمر الزيادة يف الطلب

الصيني عىل السلع التي تنتجها أملانيا وتخفيض الطلب عىل السلع التي تنتجها

إيطاليا بسهولة عربْ‏ زيادة سعر الرصف يف أملانيا وخفض سعر الرصف يف إيطاليا.‏

وسيمكِّن هذا إيطاليا من أن تبيع أكرث،‏ مام يعمل عىل دعم اقتصادها.‏

هناك فرضية إذن تقول إن نزع ميكانيزمات تكيف األسعار يؤدي إىل

نظام اقتصادي ضعيف األداء.‏ وحينام تختار مجموعة من البلدان أن تكون

لديها عملة موحدة فهي عمليا تثبت أسعار رصف عمالتها.‏ إنها تنزع ميكانيزم

التكيف.‏ وينطوي هذا عىل اقتصاد ذي أداء أكرث ضعفا.‏

ما كان ينبغي أن يكون موجودا يف أساس تصميم اليورو هو إدراك إخفاقات

السوق ونقائصه،‏ واالعرتاف بأن منوذج املنافسة املعياري الذي نوقش سابقا يفتقر

إىل الصالبة،‏ وهو ما أدى دورا مهام للغاية يف ‏»تصميم«‏ اليورو - فأوجه قصور طفيفة

للسوق ميكن أن تؤدي إىل نظام اقتصادي يترصف بطريقة مختلفة عن الطريقة التي

يترصف بها يف حالة ‏»األسواق املثالية«‏ الخالية من العيوب،‏ وميكن أن تؤدي أيضا إىل

فهم نظرية ثاين أفضل بديل التي نوقشت يف الفصل السابق.‏ وميكن القول إن الكثري

من الدرجة املرتفعة من التذبذب يف أسعار الرصف التي نالحظها هي دليل عىل عدم

رشادة األسواق وقصورها.‏ فعند لحظة ما رمبا تكون هناك نشوة بالتوقعات حول أداء

االقتصاد األمرييك،‏ مثال،‏ ثم بعد ذلك بوقت قصري تتغري األهواء.‏

ولو كان قد توافر إدراك قصور األسواق فلرمبا كان مؤسسو اليورو أكرث حذرا

يف عملية خلقه،‏ ولرمبا وجهوا اهتامما أكرب إىل التفاصيل،‏ ولرمبا ركزوا أكرث عىل

التأكد من أن املؤسسات التي سوف متكنه من العمل بنجاح قد وُضِ‏ عت قيد

العمل بشكل متزامن.‏


اليورو:‏ األمل والواقع

اليورو:‏ بعض املزايا حتى يف األسواق التي تعمل

بصورة جيدة،‏ ولكن مع أحد املخاطر الرئيسة

كانت هناك،‏ بالطبع،‏ جاذبية شعبية معينة للعملة املوحدة.‏ فالناس ميكنهم

السفر من بلد إىل آخر من دون تحويل عمالت.‏ فتحويل العمالت أمر مزعج

وغالبا ما يكون مكلفا.‏ وحقيقة أن تحويل العمالت كان أمرا مكلفا ينبغي

أن تقول شيئا عن سري عمل األسواق املالية:‏ فتكاليف تحويل العمالت ينبغي

أن تكون قليلة للغاية،‏ وذلك إذا كانت األسواق تعمل فعليا بكفاءة،‏ كام هو

مفرتض يف النموذج املعياري.‏

ولكن بينام كانت تكلفة املعامالت تعد مزعجة للمسافرين اليوم،‏ فهي غري

ذات أثر اقتصادي ملموس.‏ فمعظم املعامالت ‏)من حيث األرقام والقيم(‏ تحدث

بوساطة إلكرتونية - من خالل التحويالت املرصفية وبطاقات الخصم واالئتامن.‏

فتكلفة الكومبيوتر لالنتقال من عملة إىل أخرى ال تكاد تذكر.‏ ‏)بينام األسعار

التي تتقاضاها البنوك تعد أكرب بشكل ملحوظ،‏ وهو ما يعد مرة أخرى شاهدا

عىل أوجه قصور السوق املتفشية يف النظام املايل.‏ ولكن رد الفعل املالئم ليس

هو إعادة صياغة ترتيبات الرصف بكاملها بل تنظيم وإصالح القطاع املايل(.‏

هناك نوع آخر من تكاليف املعامالت التي ميكن أن تنخفض يف حالة

املشاركة يف عملة واحدة:‏ مخاطر أسعار الرصف متىض قدما لتتعلق باالستثامر

األطول أجال وهي املخاطر التي ناقشناها سابقا يف هذا الفصل.‏ ولكن هذه

التكاليف كان لها يف أفضل األحوال أثر من الدرجة الثانية يف قرارات سلسلة

اإلنتاج والتوريد الرئيسة.‏ فالصني،‏ عىل سبيل املثال،‏ قد أصبحت مندمجة

بالكامل يف سلسلة التوريد العاملية،‏ عىل الرغم من مخاطر أسعار الرصف إىل

جانب املخاطر السياسية ومخاطر جانب العرض.‏ ولو كانت عوائد التكامل

محدودة فسوف تكون هذه التكاليف إذن عائقا،‏ ولكن باملنطق نفسه يف هذه

الحالة من املرجح أيضا أن تكون الخسائر يف الرفاه ‏)عىل سبيل املثال،‏ من زيادة

تكاليف اإلنتاج(‏ الناجمة عن االفتقار إىل التكامل ضئيلة.‏

ولكن مخاطرة اقتصادية واحدة تطغى عىل جميع هذه العوائد الصغرية.‏ فمع

املرونة - سواء كانت مرونة تامة لتحرك أسعار الرصف أو أسعار الرصف املرنة ‏»املدارة«‏

71


72

اليورو

- ميكن ألسعار الرصف أن تتكيف مع تغري الظروف.‏ ورمبا تحدث التعديالت يف أسعار

الرصف بشكل يومي أو كل ساعة أو بشكل أقل تواترا.‏ ولكن غالبا ما تجري هذه

التعديالت وهي عادة ما تكون صغرية،‏ وقد تعلّم األفراد واملرشوعات كيفية التعامل

بسهولة معها - أحيانا مبساعدة من األسواق املالية.‏

ولكن يف غياب هذه التعديالت تؤدي معدالت الرصف يف نهاية املطاف إىل الذهاب

بعيدا عن التواؤم إىل حد عدم أدائها وظيفتَها (18) . يف حالة األرجنتني التي ثبتت سعر

رصف عملتها يف العام 1990 يف مقابل الدوالر أصبح عدم التواؤم أمرا ال ميكن احتامله

بحلول العام - 2001 كان هناك تداخل بني أزمة العملة،‏ واألزمة املالية،‏ وأزمة الديون

التي كانت مكلفة للغاية،‏ ولكن بعد تخيل الدولة عن ربط العملة بالدوالر،‏ وترك عملتها

لالنخفاض مبقدار 75 يف املائة،‏ والوفاء بالديون التي تراكمت يف وقت املغاالة يف سعر

الرصف،‏ سجلت األرجنتني أرسع معدالت منو يف العامل،‏ وتالية يف ذلك فقط للصني (19) .

حتى اآلن بقيت كل البلدان األعضاء داخل منطقة اليورو ولكن بتكلفة هائلة.‏

وباختصار تُعَد الحجة االقتصادية التي تدعو إىل العملة املوحدة بعيدة عن أن

تكون مقنعة.‏ فالتوفري يف تكلفة املعامالت من غري املحتمل أن يكون ملموسا.‏ فبلدان

االتحاد األورويب املختلفة من حيث أسعار رصف عمالتها كانت قد شهدت بالفعل

تكامال اقتصاديا كبريا مع تكوين االتحاد األورويب،‏ وقد رأينا كيف أن عملة موحدة ميكن

حتى،‏ يف بعض الجوانب،‏ أن تعوق التكامل،‏ عىل سبيل املثال،‏ يف اإلنتاج عرب اإلقليم.‏

والفوائد املتواضعة التي تتحقق بالفعل تتجاوزها تكلفة األزمة التي كثريا ما تنشب

نتيجة عدم توافق أسعار الرصف الحقيقية.‏

التكامل االقتصادي يفوق التكامل السيايس

يهتم اآلخرون خارج أوروبا بشدة ب»تجربتها«‏ يف التكامل.‏ فقد خدم النجاح

األورويب املبكر يف تقليص العوائق أمام حركة السلع،‏ والخدمات،‏ ورأس املال

بوصف ذلك مثاال ينبغي احتذاؤه،‏ ومشاكلها الراهنة املنبثقة عن اليورو تخدم

باعتبارها تحذيرا من انحراف التكامل عن طريقه.‏ وبصورة أشمل يقدم التكامل

األورويب أفكارا بشأن العوملة بشكل عام.‏ فالعوملة ليست أكرث من تقارب أوثق

لبلدان العامل - ومل يأخذ هذا التكامل يف أي مكان يف العامل مدى أبعد مام أخذه يف


اليورو:‏ األمل والواقع

أوروبا.‏ وهناك جدال دائر:‏ ما املطلوب من أجل نجاح العوملة؟ ما الذي ميكن أن

يحدث إذا مل تعمل العوملة بشكل جيد؟ ما التكاليف والعوائد،‏ ومن الذي يحصل

عىل هذه العوائد؟ ومن الذي يتحمل التكاليف؟ وقد نُظر إىل النجاحات والفشل

األورويب باعتبارها دروسا لكل من التكامل اإلقليمي والعوملة.‏ وعملت املشاكل

أمام تحقيق وحدة نقدية ناجحة يف أوروبا عىل تثبيط الحامس يف أماكن أخرى،‏

عىل سبيل املثال يف أفريقيا وآسيا،‏ ملثل هذا الشكل من التكامل االقتصادي.‏

الفكرة األساسية التي ميكن استخالصها هي أن التكامل االقتصادي – العوملة

- سوف يفشل لو فاق التكامل السيايس.‏ والسبب وراء ذلك بسيط:‏ حينام تصبح

البلدان متكاملة أكرث يصبح اعتامدها املتبادل بعضها عىل بعض أكرث.‏ وحينام

تصبح أكرث اعتامدا بعضها عىل بعض،‏ يكون لترصفات دولة واحدة آثارها يف

الدول األخرى.‏ وتكون هناك،‏ من ثم،‏ حاجة أكرب إىل العمل الجامعي للتأكد من

أن كل دولة تُقدِم أكرث عىل عمل األشياء التي تفيد البلدان األخرى األعضاء يف

االتحاد،‏ وتُقدم أقل عىل تلك األشياء التي تُلحق الرضر باألخرى.‏

عالوة عىل ذلك ملعظم السياسات آثار ملتبسة:‏ إذ يصبح بعض األفراد أفضل

حاال،‏ بينام يصبح آخرون أسوأ حاال.‏ ومع قدر كاف من التكامل السيايس،‏ ميكن

تحويل بعض املكاسب من الرابحني إىل الخارسين،‏ بحيث يُعمَل عىل أن يكون

الجميع أفضل حاال،‏ أو عىل األقل أال يكون هناك من أصبح أسوأ حاال.‏ ومع قدر

كاف من التكامل السيايس ميكن أن تتوافر الثقة ملن خرسوا من جراء واحد من

اإلصالحات يف سياسة ما بأنهم يف اإلصالح التايل سوف يربحون،‏ وهكذا يف األجل

الطويل سيكون الجميع أفضل حاال.‏

وهكذا نجد أن هناك مشكلتني:‏ يف غياب تكامل سيايس بقدر كاف يفتقر

االتحاد االقتصادي إىل املؤسسات التي تأخذ عىل عاتقها العمل الجامعي

الرضوري لجعل التكامل يعمل من أجل الجميع،‏ ويف غياب قدر كاف من

التكافل من املؤكد أن جامعات معينة سوف تصبح أسوأ حاال مقارنة بوضعهم

يف حال غياب التكامل.‏ والواقع أن جزءًا من االعرتاض عىل العوملة هو أنه يف

بعض البلدان أصبح معظم املواطنني فعليا أسوأ حاال،‏ حتى لو أدت العوملة أداء

أفضل إجامال مَقيسا بالناتج املحيل اإلجاميل (20) .

73


74

اليورو

سوف نرشح يف الفصل الرابع الرشوط االقتصادية الرضورية ليك يعمل

االتحاد النقدي.‏ وقد تجاهل االقتصاديون برتكيزهم،‏ عىل أي حال،‏ عىل الرشوط

االقتصادية،‏ القضايا األكرث أهمية بكثري املتعلقة بالرشوط السياسية واالجتامعية

الرضورية للنجاح.‏ وقد أرشنا إىل الفشل يف إنشاء املؤسسات التي كانت ستمكن

االتحاد النقدي من العمل بنجاح.‏ ولكن الفشل يف تأسيس هذه املؤسسات

مل يكن مجرد مصادفة.‏ إذ كان نتيجة غياب االلتزام السيايس الكايف باملرشوع

األورويب.‏ ويف غياب التكافل من الصعب وجود تكامل سيايس،‏ وذلك تحديدا

ألنه ما من أحد سيكون واثقا بأن النظام سوف يعمل ملصلحته.‏

وعىل العكس من ذلك حينام يكون هناك مستوى مرتفع من التكافل سوف

تكون هناك ثقة أكرب بعملية صنع القرار جامعيا.‏ ومع هذا املستوى املرتفع من

التكافل سوف يكون هناك استعداد أكرب للتخيل عن مزيد من درجات السيادة

السياسية من أجل مزيد من التكامل السيايس.‏ ويصبح من املحتمل أكرث أن

يقبل املرء خسارته،‏ لو أسهمت هذه الخسارة،‏ بطريقة ما،‏ يف الرخاء العام.‏

وضمن قامئة الرشوط االقتصادية الرضورية من أجل نجاح االتحاد النقدي

رمبا يكون أكرثها أهمية أن يكون هناك متاثل اقتصادي كاف بني البلدان أعضاء

االتحاد.‏ فحينام تكون البلدان متشابهة جدا اقتصاديا من املحتمل أن تكون

االختالفات السياسية بينها أقل وسوف تؤثر السياسات فيهم جميعا بطريقة

مامثلة.‏ ويف مثل هذه الظروف يكون خلق مؤسسات سياسية مشرتكة - التكامل

السيايس - أيرس (21) . ولكن حينام تختلف الظروف االقتصادية بشكل ملحوظ -

حينام يكون بعض البلدان دائنا وبعضها اآلخر مدينا - يصبح التكامل السيايس،‏

مبا يف ذلك خلق املؤسسات السياسية الرضورية لجعل التكامل االقتصادي يعمل

بنجاح،‏ أمرا أكرث صعوبة.‏

ورمبا يعمل توافر هياكل اقتصادية متامثلة يف بلدين عىل ترجيح أكرث إلمكانية

تقاسم البلدان معتقدات مشرتكة،‏ ولكن ليست هناك ضامنة لذلك.‏ فهناك دالئل وفرية

عىل البلدان ذات النظم االقتصادية املتامثلة ومستويات املعيشة املتامثلة،‏ عىل األقل

اليوم،‏ ميكن أن يكون لديها معتقدات مختلفة ‏)عىل الرغم من أن العديد من املؤرخني

االقتصاديني قد اقتفوا أثر هذه االختالفات ليجدوا اختالفات يف الهياكل االقتصادية


اليورو:‏ األمل والواقع

يف عصور أبكر(.‏ ويُعد فهم طبيعة هذه االختالفات حاسام يف تحديد طبيعة التكامل

االقتصادي والسيايس املرغوب فيه،‏ أو حتى ذلك التكامل املمكن تنفيذه.‏

وما هو مطلوب إذن ليس فقط أن تكون لدى هذه البلدان هياكل اقتصادية

متامثلة،‏ ولكن أيضا نظم عقائدية متامثلة:‏ معتقدات حول العدالة االجتامعية وحول

كيفية عمل النظم االقتصادية.‏

ويف املناقشات يف الفصول التالية ستؤدي مجموعات مختلفة من املعتقدات دورا

مهام،‏ مبا يف ذلك بعض املعتقدات التي ناقشناها سابقا يف هذا الفصل بشأن ما يجعل

اقتصادا ما اقتصادا جيدا.‏

املفاهيم املتعلقة بكيفية عمل االقتصاد

من الصعب عىل اتحاد اقتصادي العمل لو كان أعضاء االتحاد املختلفون

لديهم وجهات نظر مختلفة عن القوانني االقتصادية - وهناك اختالفات أساسية

يف املفاهيم حول كيفية عمل االقتصاد بني بلدان منطقة اليورو التي كانت قامئة

حتى خالل الوقت الذي خُ‏ لق فيه اليورو،‏ ولكن حدثت التغطية عليها الحقا.‏

وقد حالت هذه االختالفات ليس فقط دون صياغة الربامج املالمئة استجابةً‏

ألزمة اليورو،‏ ولكنها كانت تعني أيضا أن الربامج التي وُضِ‏ عت عن طريق أملانيا

‏)أو كانت مقبولة لها(،‏ وهي البلد الذي أصبح القوة املهيمنة يف منطقة اليورو،‏

نُظِ‏ ر إليها باعتبارها برامج مفروضة عىل هؤالء الذين قبلوها.‏

وبالطبع يقبل البلد املأزوم الرشوط ‏»طواعية«،‏ ولكنه يقبل هذه الرشوط

ليس بسبب إميانه بأن ‏»الربنامج«‏ سوف يحل مشاكله،‏ ولكن بسبب أن عدم

قبوله الرشوطَ‏ سوف يؤدي إىل عواقب ال تحتمل،‏ مبا يف ذلك احتامل مغادرته

منطقة اليورو.‏ وهؤالء األعضاء يف منطقة اليورو،‏ وكذلك العديد من علامء

االقتصاد الثقات،‏ كانوا ناجحني يف إقناع البلدان املأزومة بأن مغادرة اليورو

سوف تكون أمرا مكلفا للغاية.‏

وكان هؤالء الذين ال يؤمنون بالنظرية االقتصادية التي تكمن وراء الربامج

‏»الطوعية«‏ يف البلد املأزوم طرحوا نتيجتني:‏ أن الربامج من غري املحتمل أن

تُنفَّذ بكفاءة،‏ وأنها من غري املحتمل أن تكون مستمرة سياسيا،‏ خاصة لو

75


76

اليورو

كانت هذه الربامج قد حققت نجاحا أقل مام وعدت به.‏ سوف نبني يف الفصل

الثالث أن هذه كانت هي الحال يف الواقع؛ فهذه الربامج مل تكن فقط أقل

نجاحا مام وعدت به،‏ بل كانت أسوأ حتى من بعض االنتقادات بالغة القسوة

التي كانت متوقعة لليورو.‏

ورمبا كان مفهوم ‏»التقشف«‏ هو أوضح مثال ملثل هذه االختالفات يف

املفاهيم حول كيفية عمل االقتصاد،‏ حيث ينرصف هذا املفهوم إىل االعتقاد بأنه

عربْ‏ خفض اإلنفاق أو زيادة الرضائب ميكن أن يشهد البلد الذي مير بحالة كساد

ولديه عجز مايل ‏)زيادة يف اإلنفاق عىل اإليرادات(‏ استعادةَ‏ حالته الصحية.‏

وقد دحض علم االقتصاد الحديث االقتصادَ‏ الهوفري ‏)٭(‏ الذي ناقشته يف الفصل

السابق.‏ والنقطة التي أطرحها هنا تعد مختلفة:‏ من الصعب عىل مجموعة من

البلدان املشاركة يف عملة موحدة العمل معا حينام يكون هناك هذا التباين

الكبري يف وجهات نظرها بشأن قوانني االقتصاد.‏ فالقرارات ينبغي أن توضع يف

استجابة لطائفة هائلة من الظروف غري املتوقعة.‏ إذ لن يكون هناك إجامع أبدا،‏

ولكن حني تكون هناك تباينات واسعة جدا من املحتم أن يحدث سخط شديد

أيا كان القرار الذي سيُتَّخَ‏ ذ.‏

هناك كم هائل من املوضوعات التفصيلية التي تتعلق باملفاهيم املختلفة

حول كيفية عمل االقتصاد،‏ وليس فقط موضوعات االقتصاد الكيل مثل التقشف

والتضخم التي سبقت مناقشتها.‏ ويتضمن أحدُ‏ جوانب األجندة النيوليربالية

الخصخصة.‏ وهناك حجج قوية بأن الحكومات ينبغي أن تركز اهتاممها عىل

تلك املناطق التي لديها فيها مزية نسبية،‏ وترتك القطاع الخاص ليدير البقية.‏

وعىل الرغم من وجاهة هذا املبدأ من الناحية النظرية فمن الصعب من الناحية

العملية تحديد أين متتلك الحكومة مزية نسبية.‏

وقد أظهرت الخربات حول العامل العديدَ‏ من النتائج املختلفة،‏ فرمبا كانت

أكفأ رشكات الصلب يف العامل يف التسعينيات هي املرشوعات التي كانت تديرها

الحكومة يف كوريا الجنوبية وتايوان،‏ وهناك أدلة ضئيلة عىل أن خصخصة

‏)٭(‏ نسبة إىل الرئيس األمرييك هوفر الذي كان يف الحكم عند بداية الكساد العظيم يف نهاية العرشينيات من القرن

املايض،‏ وكان يؤمن بأن عىل الحكومة أال تتدخل،‏ وأن االقتصاد سيستعيد وحده حالة االنتعاش من جديد.‏ ‏]املرتجم[.‏


اليورو:‏ األمل والواقع

الرشكة الكورية،‏ بوسكو ‏)وهي خصخصة حدثت بناء عىل طلب من صندوق

النقد الدويل بوصفها جزءا من خطة اإلنقاذ املايل التي أعدها لكوريا الجنوبية

يف العام 1997(، أدت إىل تحسني الكفاءة.‏ ويف كندا ليس هناك من دليل قوي

عىل أن رشكة السكك الحديد الوطنية الخاصة تعد أكرث كفاءة من الرشكة العامة

األكرب،‏ ويف شييل هناك أدلة ضئيلة عىل أن مناجم النحاس الخاصة أكرث كفاءة

من املناجم العامة.‏ ويف أمريكا الالتينية مل تؤد خصخصة رشكات االتصاالت إىل

إنتاجية أعىل،‏ عىل األقل يف تلك الحاالت التي مل تُخفَّض فيها االستثامرات بشكل

مفرط بسبب قيود املوازنة الحكومية (22) .

العديد من الرشكات التي تديرها الحكومة هي يف القطاعات التي توجد فيها

احتكارات طبيعية ‏)عىل سبيل املثال،‏ بسبب كرب اقتصاديات الحجم بحيث يقتيض

األمر وجود مرشوع واحد(،‏ ويف ظل مثل هذه االحتكارات،‏ تصبح القضية ليست

هي التساؤل عام إذا كانت الحكومة ستتدخل أو ال،‏ بل التساؤل هو حول الشكل

الذي سوف يأخذه مثل هذا التدخل.‏ وسواء من الناحية النظرية أو العملية فرمبا

يكون أداء االحتكارات الحكومية املدارة بشكل جيد بالكفاءة نفسها التي تتدخل بها

الحكومة عرب الضوابط التنظيمية يف عمل االحتكارات الخاصة (23) .

وهكذا فإن مطالبة الرتويكا بخصخصة بعض األصول اليونانية اململوكة

للحكومة قد أملتها األيديولوجيا أكرث بكثري مام أملتها الشواهد العملية والنظرية.‏

مرة أخرى،‏ إن املغزى هنا بسيط:‏ وهو أن هناك انقساما عميقا يف أوروبا

بشأن ما الذي يؤدي إىل اقتصاد جيد األداء.‏ فامدام كل بلد مسموحا له باالختيار

لنفسه تغدو األمور جيدة.‏ ولكنه لن يكون أمرا جيدا لو تضمن التكامل

االقتصادي منح بلد واحد ‏)أو مجموعة بلدان(‏ السلطة ليك ميُ‏ يل عىل اآلخرين

ما الذي ينبغي عليهم فعله.‏ وقد حدث هذا داخل منطقة اليورو يف األمور

املتعلقة بكل من االقتصادين الكيل والجزيئ،‏ وخاصة يف البلدان التي وقعت يف

األزمة.‏ وهو أمر مزعج خاصة حينام تكون السياسات التي فُرضت عىل البلد

ال تعمل بنحو طيب لألسباب نفسها التي يعتقدها مواطنو البلد،‏ فتكاليف

الخطأ بالطبع يتحملها البلد الذي فُرضت هذه السياسات عليه وليس هؤالء

الذين فرضوها.‏ وهذه هي قصة منطقة اليورو.‏

77


78

اليورو

سوف ترشح الفصول الالحقة ملاذا كانت هذه السياسات التي فُرضت

عن طريق الرتويكا عىل البلدان األخرى خاطئة،‏ ووُضِ‏ عت عىل أساس من فهم

خاطئ لعلم االقتصاد.‏ ولكن حتى لو كانت هذه السياسات صحيحة،‏ فعىل املرء

التساؤل:‏ هل مكاسب هذا الجانب من التكامل االقتصادي،‏ أي اليورو،‏ كبرية مبا

يكفي لتسويغ خسارة تقرير املصري؟ وقد حاجج هذا الفصل بأن الفوائد من

اليورو هي يف أفضل األحوال موضع تساؤل،‏ ولو كانت هذه هي الحالة فاإلجابة

عام إذا كانت فوائد اليورو تعادل تكاليفه تعد واضحة ال لبس فيها.‏

القيم:‏ العدالة االجتامعية وأهمية العمل الجامعي

بعض عمليات الخصخصة،‏ مثل خصخصة الخدمات األساسية،‏ تثري التساؤالت بشأن

القيم:‏ إذ قد يشعر املجتمع بأن له حقا أساسيا يف الحصول عىل حد أدىن من املياه

والكهرباء،‏ وهي حقوق وقيم قد يقوّضها املحتكر الذي يسعى إىل تعظيم األرباح.‏

وتبني حقوق العمل وحامية العامل جانبا آخر من جوانب الرصاع حول القيم.‏

وقد تساءل البعض عام إذا كانت الربامج التي فُرضت عىل البلدان املأزومة قد

ذهبت إىل أبعد مام تقتضيه تلك الربامج التي تُصمَّ‏ م بهدف رفع األداء االقتصادي.‏

وبدا أن الرتويكا مع عدم اقتناعها بانخفاض تكلفة العاملة يف اليونان مبا يقرب من

الخُ‏ مس (24) ، تريد أن تضعف من حقوق العامل التفاوضية،‏ وهو ما سوف يؤدي إىل

أجور أقل من ذلك.‏ ولغة برامج الرتويكا كانت أحيانا غامضة ورمبا تعتِّم عىل ما يُطرح

بالفعل داخل دوائر املفاوضات (25) . وقد كان هناك اهتامم بأن ما طُ‏ لب،‏ فلنقل من

اليونان،‏ رمبا يكون قد مثّل انتهاكا للمعايري األساسية ملنظمة العمل الدولية،‏ وهي

املعايري التي وافقت عليها جميع البلدان تقريبا (26) . ولكن كان هناك اهتامم أيضا

بأنه - ومع وضع توافر الشواهد عىل أن التنظيم النقايب رمبا يؤدي حقيقة إىل زيادة

اإلنتاجية يف االعتبار - قد تؤدي مثل هذه اإلجراءات إىل نتائج عكسية (27) .

ولدى املجتمعات املختلفة قيم مختلفة ومفاهيم مختلفة عن كيفية عمل

االقتصاد،‏ ويف الواقع،‏ لديها مفاهيم مختلفة حتى عن الدميوقراطية،‏ وما مكونات

املجتمع الذي يتسم بحسن األداء.‏ وقد شدد وزير مالية أملانيا،‏ فولفغانغ

شويبله ،Wolfgang Schäuble مرارا عىل أهمية القواعد،‏ وأنه لو كانت هناك


اليورو:‏ األمل والواقع

قواعد فينبغي احرتامها.‏ وبالطبع اقرتُ‏ فت أبشع الجرائم عن طريق هؤالء الذين

قالوا ببساطة إنهم كانوا فقط يطيعون القواعد.‏ ومن أجل عمل االقتصاد بنحو جيد،‏

ال بد أن تكون هناك قواعد مناسبة،‏ وكذا قدر مناسب من املرونة للخروج عىل

القواعد حينام يكون ذلك رضوريا.‏ ومع الوضع يف االعتبار معرفتنا املحدودة فليس

يف وسعنا التأكد قط مام إذا كان منوذجنا لالقتصاد مناسبا،‏ فهناك دامئا إمكانية

ألن تكون القواعد - التي كانت منطقية يف حال كان منوذجنا صحيحا - هي ذاتها

خاطئة للغاية يف حال كان منوذجنا خاطئا.‏ وحينام نكتشف أن منوذجنا خاطئ - أو

حتى محتمَل الخطأ - رمبا بسبب أن العامل نفسه قد تغري،‏ ينبغي أن تتوافر لدينا

املرونة لتغيري ما نفعله.‏ ورمبا تخلُص املجتمعات املختلفة إىل وجهات نظر مختلفة

يف كيفية التوصل إىل التوازن الصحيح ما بني إعامل القواعد وحرية التقدير (28) .

ومرة أخرى،‏ فالقضية الجوهرية هي إىل أي مدى يتضمن التكامل االقتصادي

التنازل عن جوانب مهمة من قدرة البلد عىل صنع قراراتها.‏ ولو كان هناك توافق واسع

عىل هذه األمور املتعلقة بالقيم،‏ فرمبا تكون االختالفات بشأن السياسات التي ينبغي

اتخاذها محدودة.‏ ولكن لو كانت بعض البلدان تعتقد أن حدا أدىن من التزود باملاء

والكهرباء هو حق من الحقوق األساسية،‏ أو أن العامل ينبغي أن تكون لهم حقوق

أساسية معينة يف العمل الجامعي،‏ فسوف تكون هذه البلدان تعيسة للغاية يف حال

فُرضت سياسات مناقضة لذلك عليهم - وينبغي أن يكونوا بالفعل تعساء للغاية.‏

العجز الدميوقراطي

كان املرشوع األورويب يهدف بطموح إىل جمع البلدان معا،‏ ولكن جمعها معا

يف اتحاد سيايس يعكس القيم األوروبية الجوهرية.‏ ولكن بعض هذه القيم،‏ عىل

أي حال،‏ كان واضحا أنه ليست هناك موافقة جامعية عليها أو عىل احرتامها،‏

وخاصة يف بعض البلدان أو أنحاء معينة يف بلدان معينة.‏ ومن القيم الليربالية

الجوهرية احرتام التعدد يف وجهات النظر.‏ وسوف يكون هناك،‏ بل ينبغي أن

يكون هناك تسامح أقل مع وجهات النظر التي ال تحرتم بعض القيم الجوهرية.‏

واألكرث إشكالية بكثري،‏ مع ذلك،‏ هو حق بلد واحد يف فرض قيمه عىل اآلخرين.‏

فبعمله ذلك تُقوَّض قيمة أوروبية جوهرية أخرى هي الدميوقراطية،‏ ويعد هذا

79


80

اليورو

موضع اهتامم خاص حينام يلحق ما تُطُ‏ رِّق إليه الرضر باملبادئ الجوهرية للعدالة

االجتامعية.‏ ومن بني القيم الجوهرية معايري العمل األساسية،‏ والتي - كام أُشري إليه

- يرى البعض أنه قد قُوضت عىل األقل يف واحد من برامج الرتويكا.‏ ومرة أخرى

السؤال هو:‏ هل مكاسب هذا الجانب من التكامل االقتصادي والوحدة النقدية

تعادل التكاليف؟ وهذه املرة،‏ ما هو عىل املحك أكرثُ‏ من مجرد أحكام بشأن األداء

االقتصادي؛ فهو بشأن قضايا أكرث جوهرية كالعدالة االجتامعية والدميوقراطية.‏

كان املرشوع األورويب،‏ منذ البداية،‏ منكوبا بالعجز الدميوقراطي.‏ فقد كان

مرشوعا مصمَّ‏ ام من أعىل إىل أسفل،‏ حيث صُ‏ وِّر من قِبل قادة ملهمني كانوا أقل

نجاحا يف مامرسة دورهم باعتبارهم رجال مبيعات للمرشوع.‏ ففي بعض البلدان

- خاصة تلك التي خرجت من الفاشية والشيوعية - كان هناك حامس ألن تكون

جزءا من أوروبا.‏ ويف الواقع وفر احتامل االنضامم إىل االتحاد األورويب قوة دفع

كبرية لإلصالحات املؤسسية التي مارست دورا مهام يف نجاح بلدان رشق ووسط

أوروبا يف االنتقال من الشيوعية إىل اقتصاد السوق (29) . ولكن وبنحو متكرر

حينام كانت مختلف جوانب املرشوع األورويب عُ‏ رضة لالستفتاء - االستفتاءات

يف الدمنارك والسويد حول اليورو واالستفتاءات يف فرنسا وهولندا بشأن الدستور

األورويب واالستفتاء الرنويجي بشأن االلتحاق بأوروبا املوحدة - كانت املشاعر

املعارضة ألوروبا املوحدة تسود (30) . وحتى حينام فازت القوى املنارصة ألوروبا

املوحدة،‏ كانت هناك نسبة معتربة من املصوتني عىل الجانب اآلخر.‏

وواحد من األسباب هو بناء أوروبا املوحدة ذاته،‏ فالقوانني والضوابط التنظيمية

تصدر عن املفوضية األوروبية والتي هي هيئة غري منتخبة انتخابا مبارشا.‏ بل إنه

حتى رأس املفوضية غري منتخب.‏ ومل يكن هناك مفر من أن تؤدي القواعد والضوابط

التنظيمية الصادرة،‏ والتي تعمل عىل امتداد كامل اإلقليم املتنوع واملختلف،‏ إىل

تعقيدات.‏ وبالطبع أدركت أوروبا هذا األمر،‏ وقد تقدمت ببطء ولكن بثبات تجاه

محاسبة دميوقراطية أكرب وباستثناء جبهة واحدة:‏ الوحدة النقدية.‏

وإذا كان عىل اليورو أن يحقق نجاحا فقد كان ينبغي أن يكون مرشوعا

اقتصاديا يتسق مع،‏ بل حتى يدعم،‏ القيم األساسية األخرى؛ إذ كان عليه أن

يقوي من الدميوقراطية،‏ ولكن اليورو فعل العكس.‏


اليورو:‏ األمل والواقع

واملؤسسة األكرث قوة داخل منطقة اليورو هي البنك املركزي األورويب الذي

أُقيم باعتباره مؤسسة مستقلة - غري مسؤول أمام القادة املنتخبني وال يخضع

لتوجيهاتهم - وهي فكرة نيوليربالية كانت رائجة وقت إقامة اليورو.‏ وعىل الرغم

من أنها ظلت فكرة رائجة يف بعض األنحاء أضحت محال للتساؤل بنحو متزايد.‏

وكام سرنى يف الفصل السادس،‏ كانت البالد ذات األداء األفضل خالل األزمة

املالية العاملية هي تلك التي كانت بنوكها املركزية أكرث عرضة للمساءلة.‏

هناك آثار سياسية وتوزيعية كبرية ألي أفعال يُقدِم عليها البنك املركزي،‏ وهو

ما متكن رؤيته بأوضح صورة يف أوقات األزمات.‏ وتعد البنوك املركزية جيدة يف

إخفاء قراراتها برطانة تشري إىل أن املسؤولني يف البنك ينفذون ببساطة التكليفات

والتفويض املمنوح لهم.‏ ولكن هناك اختيارات بشأن كيفية تنفيذ هذا التفويض.‏

وكان قرار البنك املركزي األورويب بقطع التمويل عن النظام املرصيف اليوناين يف

صيف العام ‎2015‎م عمال سياسيا مكثفا،‏ عىل الرغم من أن البنك يف األغلب

سوف ينكر ذلك.‏

وميكن رؤية القصور الدميوقراطي بأوضح شكل يف حقيقة أنه حينام كانت

تتاح لبلدان أوروبا الفرصة،‏ كانت تعارض بنحو متكرر السياسة التي فُرضت

عليها.‏ ففي العام ‎2015‎م صوت 61 يف املائة من الناخبني اليونانيني ملصلحة

معارضة الرشوط املفروضة عىل بالدهم،‏ ويف الربتغال وإسبانيا كانت نسب

مشابهة تؤيد املرشحني املعارضني للتقشف.‏ ولكن املعارضة كانت واضحة،‏ أيضا

يف عديد من االقرتاعات األخرى التي تضمنت إيطاليا حيث تحول الناخبون عن

الحزب املؤيد للتقشف وانتخبوا أحزابا تدعو إىل نهج بديل.‏

وعىل الرغم من هذه االقرتاعات ظلت السياسات عمليا من دون تغيري.‏ ويف

الربتغال كانت األوضاع حتى أكرث سوءا:‏ فقد رفض الرئيس يف البداية تنصيب

التحالف املضاد للتقشف عىل أساس أنه يضم أحزابا معارضة لليورو،‏ عىل الرغم

أن هذا التحالف فاز ب 62 يف املائة من األصوات،‏ وكان بذلك يسيطر عىل الربملان.‏

ويف كل بلد كانت تُبلّغ عمليا كل حكومة جديدة منتخبة بأنه ليس لديها

خيار:‏ اقبلوا بالرشوط املفروضة وإال فسيُدمَّر نظامكم املرصيف،‏ ويتحطم

اقتصادكم،‏ وسوف يكون عليكم ترك اليورو.‏ ما الذي تعنيه الدميوقراطية،‏ حيث

81


82

اليورو

ال يكون للمواطنني رأي بشأن القضايا األكرث أهمية بالنسبة إليهم،‏ أو الطريقة

التي يُدار بها اقتصادهم؟ وقد دمر هذا العجز الدميوقراطي الثقة يف العمليات

الدميوقراطية،‏ وشجع عىل منو األحزاب املتطرفة التي وعدت بطرح بديل.‏

ولكن االفتقار إىل االلتزام بالدميوقراطية أصبح واضحا بنحو متزايد مع

تطور الربامج التي فُرضت عىل البلدان املنكوبة.‏ وبدا ذلك بأوضح صورة يف

اليونان.‏ فمن وقت مبكر كانت هناك اقرتاحات من قبل أملانيا بأن عىل اليونان

التخيل عن صوتها باعتبارها عضوا يف منطقة اليورو حتى يُعاد تأهيلها،‏ وحتى

تكون خارج ‏»الربنامج«.‏ إنها تعيد إىل األذهان الواليات املتحدة،‏ غري العادية بني

الدميوقراطيات،‏ حيث يف أغلب الواليات ال يسمح للمسجونني بالتصويت،‏ ويف

واليات أخرى،‏ يفقد الناس حقهم يف التصويت لألبد فور إدانتهم بجنحة.‏ وكانت

اليونان بوضوح يف نظر أملانيا قد ارتكبت جرمية أنها أصبحت مفرطة املديونية،‏

وبينام مل تُطالب بالتخيل بنحو دائم عن صوتها،‏ فقد اقرتُ‏ ح حرمان اليونان من

حقوقها التصويتية حتى تعود ديونها إىل مستويات ميكنها التعامل معها مبفردها.‏

وقد أوضحت مطالب الربامج من اليونان هذا االفتقار الشديد إىل االلتزام

بالدميوقراطية بطرق أخرى.‏ فقد كان أحد املطالب هو أن متتنع اليونان عن

تقديم أي مرشوع قانون للمشورة من قبل الرأي العام حتى يُراجع هذا القانون

من قبل اللجنة الثالثية ‏»الرتويكا«.‏

وحينام اقرتح جورج باباندريو ،George Papandreou رئيس وزراء اليونان،‏

يف العام ‎2011‎م إجراء استفتاء للحصول عىل تأييد شعبه للربنامج املطلوب

تنفيذه،‏ شعر قادة الرتويكا حقيقة باإلهانة.‏ وترصفوا كأنهم قد تعرضوا للخيانة.‏

ماذا؟ نسأل الشعب؟ ومن مفارقات الواقع،‏ أن باباندريو كان يعتقد أنه سوف

يكسب تأييد الشعب للربنامج؛ فمن شدة متسك اليونانيني باليورو كانوا عىل

استعداد ملعاناة أمل ومهانة الربنامج ليك يبقوا ضمن أوروبا.‏ وقد اعتقد أنه مع

مثل هذا التأكيد سوف يكون هناك مزيد من ‏»ملكية البلد«‏ للربنامج،‏ ومع

االلتزام األكرب سوف يكون أمر تنفيذ الربنامج بفعالية أكرث سهولة.‏ وأنا أوافق عىل

ذلك.‏ وعند عميل بوصفي كبريا لالقتصاديني يف البنك الدويل،‏ رأيت الفارق الكبري

الذي يصنعه كون الربنامج ملكا للبلد،‏ ويف البنك عملنا بجهد شاق من أجل تنفيذ


اليورو:‏ األمل والواقع

ذلك يف أثناء وجودي هناك.‏ وقد انخرطنا مع املجتمع املدين ورشحنا اسرتاتيجيات

التنمية،‏ ونظمنا حلقات نقاش.‏ وعىل النقيض من ذلك حينام يُنظَ‏ ر إىل الربنامج

عىل أنه مفروض من الخارج،‏ تكون هناك محاوالت واسعة النطاق للتحايل عليه.‏

ورمبا أصبح املثال األسوأ لهذا املوقف ‏»غري الدميوقراطي«‏ واضحا بعد

انتخاب اليونان لحكومة يسارية يف يناير ‎2015‎م،‏ يرتأسها أليكس تسيرباس

الذي يبلغ من العمر 41 عاما،‏ وقد شاركت الحكومة يف االنتخابات عىل أساس

برنامج مضاد للتقشف،‏ وهو أمر غري مدهش مع الوضع يف االعتبار خمسة

أعوام من فشل الربامج السابقة،‏ مع هبوط الناتج املحيل اإلجاميل مبقدار الربع

ووصول البطالة بني الشباب إىل ذروة بلغت ما يزيد عىل 60 يف املائة.‏ وكانت

الرشوط واألحكام التي طرحت عىل حكومة ميني الوسط السابقة بقيادة أنتونيو

سامراس Antonis Samaras ‏)من حزب الدميوقراطية الجديدة،‏ وهو الحزب

املرتبط بنحو وثيق بالطغمة املالية وهو أيضا الحزب الذي كان ضالعا يف بعض

املامرسات املخادعة يف امليزانية التي جلبت األزمة اليونانية(‏ قد سُ‏ حبت وفُرضت

رشوط أقىس.‏ ومع منو التأييد لتسيرباس ووزير ماليته غري التقليدي،‏ يانيس

فاروفاكيس Varoufakis ‏)وهو اقتصادي ممتاز،‏ أىت من الحقل األكادميي حيث

كان يُدرِّس يف جامعة تكساس مبدينة أوسنت(،‏ وإذا كان ملثل هذا التأييد أي تأثري

يف موقف مفاويض منطقة اليورو فقد كان اتخاذهم موقفا أكرث شدة.‏ ورمبا مل

يجعل األمور أكرث يرسا أن يانيس فاروفاكيس رمبا كان االقتصادي الوحيد بني

وزراء املالية الذي كان من املفرتض أن ‏»يفاوضهم«.‏

ويف النهاية استسلمت اليونان.‏ فقد رفضت أملانيا إعادة هيكلة الدَّ‏ ين

اليوناين،‏ حتى بعد أن ذكر صندوق النقد الدويل أنه ال بد من إجراء ذلك.‏ وقد

رفضوا الرتاجع عن مطلبهم بتحقيق فائض مايل أويل يبلغ 3.5 يف املائة من الناتج

املحيل اإلجاميل ‏)ويعني الفائض األويل زيادة اإليرادات عىل اإلنفاق يف املوازنة،‏

قبل حساب مدفوعات الفوائد عىل الدين(‏ يف العام ‎2018‎م،‏ وهو الرقم الذي

يضمن حقيقة استمرار الركود (31) .

وقد أراد املواطنون اليونانيون شيئني ومل ميكنهم الحصول عىل أيٍّ‏ منهام:‏

فقد أرادوا وضع نهاية للتقشف واستعادة النمو والرخاء،‏ وأرادوا أن يظلوا

83


اليورو

ضمن منطقة اليورو.‏ وكان تسيرباس يعرف أن املطلب الثاين،‏ عىل األقل يف

الوقت الحارض،‏ أكرث أهمية من املطلب األول،‏ وكان هذا ما اختاره حينام أذعن

ملطالب منطقة اليورو.‏ فقد ظلوا،‏ يف الوقت الحارض،‏ داخل منطقة اليورو

وقد ظلت منطقة اليورو كال واحدا،‏ ولكن بتكلفة ضخمة عىل الدميوقراطية

األوروبية ‏)وبغض النظر عن التكلفة عىل شعب اليونان،‏ التي سوف نناقشها

بتفصيل أكرب فيام بعد(.‏

وحينام عاد تسيرباس مرة أخرى إىل الشعب اليوناين من أجل تأكيد

املوقف،‏ منحوه مرة أخرى تأييدا مدويا.‏ وقد نجا اليونانيون من اعتداء

جديد من برلني،‏ ولكن الحكومة والشعب اليوناين كان عليهم التضحية بقامئة

اهتامماتهم االقتصادية.‏ وكام اقرتحت مرارا فليست هناك قضية موضع اهتامم

أمة ومواطنيها أكرث من صياغة وتنفيذ السياسة االقتصادية.‏

وداخل االتحاد األورويب ومنطقة اليورو،‏ كان من املفرتض أن تبقي الحكومات

عىل نطاقات كبرية من السيادة.‏ وما حدث يف اليونان وما كان يحدث يف أماكن

أخرى داخل منطقة اليورو يُكذِّب هذه الفكرة.‏ وعىل األقل يف بعض الحاالت

حدث التنازل عن السيادة االقتصادية.‏ ويف حاالت أخرى عُ‏ مِد إىل التخيل عن

عنارص رئيسة منها.‏

ومؤسسات منطقة اليورو،‏ مثل بنك أوروبا املركزي،‏ التي حدث التنازل لها

عن تلك السيادة االقتصادية،‏ تعد بعيدة كل البُعد عن الدميوقراطية.‏ والعجز

الدميوقراطي الذي كان ظاهرا عند ميالد منطقة اليورو تزايد باطراد.‏ واآلمال

العريضة لليورو - بأنه سوف يجلب تكامال سياسيا أقوى عىل أساس تقوية القيم

الدميوقراطية - كانت بالتايل مجرد آمال.‏ بينام كان الواقع عىل خالف ذلك.‏

وتعد التكاليف السياسية واالجتامعية لليورو واضحة.‏ والسؤال هو:‏ ما

الفوائد التي تحققت؟ وسوف تقدَّ‏ م اإلحصاءات التي تفصح عن خيبة األمل

االقتصادية يف املرشوع األورويب يف الفصل التايل.‏

84


أداء أوروبا البائس

3

أداء أوروبا البائس

‏»ينبغي أن يُحْ‏ كَم عىل نجاح السياسة

االقتصادية مبقدار عمق التدهور

االقتصادي الذي حدث قبل االنتعاش

وطول فرتته،‏ ومبقدار املعاناة،‏ وكيف

كانت اآلثار السلبية يف مستقبل األداء

االقتصادي«‏

من املبكر للغاية القطعُ‏ مبا إذا كانت

آمال وأحالم مؤسيس اليورو ستتحقق يف نهاية

املطاف.‏ فاليوم،‏ عىل أي حال،‏ من اليسري رؤية

أن أداء أوروبا - أو عىل وجه أكرث دقة منطقة

اليورو - هو أداء يتسم بالبؤس.‏

وليس هناك ما يعرب عن مدى سوء األحوال

يف أوروبا من انطباعاتهم التي تسود حينام

تسري األمور سريا حسنا.‏ فأوهى العالمات عىل

النمو أو االنخفاض يف مستوى البطالة يُهلَّل لها

عىل أنها بشارة عىل االنتعاش االقتصادي الذي

طال انتظاره،‏ ليعقب ذلك إحباط مع ميل

االقتصاد إىل الركود.‏ وكام أُشري يف التمهيد من

الجيد انخفاض معدل البطالة يف إسبانيا من

85


86

اليورو

26 يف املائة يف العام 2013 إىل 20 يف املائة يف بداية العام 2016. ولكن حتى مثل

هذا ‏»التحسن«‏ يعود جزئيا إىل مغادرة الشباب اإلسبان البلد،‏ وحتى مع النمو

االقتصادي اإلسباين املزعوم كان نصيب الفرد من الناتج املحيل اإلجاميل أقل بنسبة

5.7 يف املائة من الذروة التي كان قد بلغها هذا النصيب يف العام 2007.

لقد استمر الرتاجع األورويب مثانية أعوام حتى وقت تأليف هذا الكتاب،‏ ومن

غري املحتمل أن تعود أوروبا إىل تسجيل معدل منو قوي قريبا.‏ وبينام من الواضح

أن أوروبا تواجه عقدا ضائعا من الزمن،‏ هناك خطر أننا خالل عدة أعوام قليلة

سوف نتكلم عن ربع القرن الضائع يف أوروبا.‏ ويف هذا الصدد يف وسعنا أن نكون

متأكدين من أن:‏ الناتج يف منطقة اليورو سوف يبقى إىل األبد أقل مام كان ميكن

أن يكون عليه من دون األزمة،‏ وسوف يبقى إىل األبد أقل مام كان ميكن أن يكون

عليه لو أديرت األزمة بشكل أفضل.‏ وعالوة عىل ذلك سوف تكون معدالت النمو

من اآلن فصاعدا أقل مام كان ميكن أن تكون عليه من دون وقوع األزمة،‏ وأقل

مام كان ميكن أن تكون عليه لو أديرت األزمة بشكل أفضل.‏

وهؤالء الذين احتفلوا،‏ عىل سبيل املثال يف أيرلندا،‏ بالعودة إىل النمو ‏)يف

العام 2015 كانت أيرلندا أرسع اقتصاد أورويب منوا(‏ (1) ، يف حاجة إىل أن يتذكروا:‏

أن كل االقتصادات ‏)أو جُ‏ لَّها عىل األقل(‏ تتعاىف من التدهور.‏ ولذا ال تُخْ‏ تَرب

السياسة بالتساؤل عام إذا كان قد حدث االنتعاش يف نهاية املطاف.‏ وكام قلنا

سابقا ينبغي أن يُحْ‏ كَم عىل نجاح السياسة االقتصادية مبقدار عمق التدهور

االقتصادي الذي حدث قبل االنتعاش وطول فرتته،‏ ومبقدار املعاناة،‏ وكيف

كانت اآلثار السلبية يف مستقبل األداء االقتصادي.‏ وكان النجاح العظيم لعلم

االقتصاد الكينزي ‏)٭(‏ هو أنه أدى إىل فرتات أقرص بكثري من التدهور االقتصادي

‏)وفرتات ازدهار أطول(‏ مقارنة بعلم االقتصاد ما قبل العرص الكينزي.‏ ومع

فرتات تدهور اقتصادي استمرت ما يقرب من عقد من الزمن - ومع ناتج محيل

إجاميل يف معظم البلدان املأزومة من املتوقع أن يكون يف العام 2017 أقل

مام كان عليه منذ عقد مىض - يصعب وصف إدارة هذه األزمة بأنها كانت

‏)٭(‏ نسبة إىل االقتصادي اإلنجليزي جون ماينارد كينز.‏ ‏]املرتجم[.‏


أداء أوروبا البائس

إدارة ناجحة.‏ وبعض البلدان،‏ مثل أيرلندا،‏ ينبغي أن تُشِ‏ يد بنفسها ألنها أبلت

بالء حسنا مقارنة ببلدان أخرى مثل الربتغال واليونان.‏ ولكن كان كل بلد من

هذه البلدان فاشال متاما بطريقته الخاصة،‏ وباستثناء حالة تقييمه باملقارنة مع

نظرائه الفاشلني اآلخرين.‏

وبينام يعد الناتج املحيل اإلجاميل هو املقياس املعتمد لألداء االقتصادي (2) ،

فهناك مؤرشات أخرى،‏ وفعليا ووفقا لكل مؤرش من هذه املؤرشات،‏ كان األداء

االقتصادي العام ملنطقة اليورو بائسا،‏ أما بالنسبة إىل البلدان املأزومة فكان

األداء كارثيا:‏ كانت معدالت البطالة مرتفعة جدا جدا،‏ ونصيب الفرد من الناتج

كان أقل مام كان عليه قبل األزمة بالنسبة إىل منطقة اليورو ككل،‏ وأقل بكثري

يف بعض البلدان املأزومة.‏

لو كان االنخفاض يف نصيب الفرد من الناتج أو العمل يف البلدان املأزومة قد

وُزِّع بنحوٍ‏ متساوٍ‏ بني السكان لكان األمر مفهوما،‏ ولكنه مل يكن كذلك.‏ فبعض

األفراد مل ميكنهم العثور عىل عمل مع الصعود الصاروخي يف معدالت البطالة،‏

بينام احتفظ آخرون بوظائفهم.‏ ولذا ليس أمرا يستدعي الدهشة،‏ وخصوصا يف

البلدان املأزومة،‏ أن عدم املساواة قد تزايد أيضا.‏

وكان أداء منطقة اليورو يف مختلف الجوانب أسوأ مام كان عليه يف أوروبا غري

املنضوية يف منطقة اليورو،‏ وأسوأ مام كان عليه الوضع يف الواليات املتحدة،‏ البلد

الذي كان أصل األزمة املالية العاملية،‏ والبلد الذي كان يحسب املرء أنه سيعاين

أكرث من الجميع.‏

يف هذا الفصل نقدم بعض اإلحصاءات الرئيسة التي نأمل أن تبني بوضوحٍ‏ كيف

كان أداء منطقة اليورو ضعيفا للغاية.‏ وحقيقة،‏ وكام ذكرنا يف الفصل األول،‏ حتى

أملانيا،‏ التي غالبا ما تُقدَّ‏ م عىل أنها منوذج للنجاح،‏ كان أداؤها ضعيفا.‏

وتتحدث البيانات عن نفسها.‏ فهي تبني كيف كانت األمور متيض عىل نحوٍ‏

سيئ.‏ وحقيقة أن منطقة اليورو كان أداؤها أكرث ضعفا من البلدان يف مناطق

أخرى،‏ مبا يف ذلك بلدان تبدو متامثلة،‏ تشري إىل أن هناك سببا مشرتكا ملتاعب

أوروبا:‏ اليورو.‏ ومعظم ما سيتبقى من هذا الكتاب يحاول ربط األداء االقتصادي

الضعيف ملنطقة اليورو،‏ باليورو وبهيكل منطقة اليورو ذاتها.‏ ويرشح القسم

87


اليورو

الذي يضم خالصة هذا الفصل ملاذا ينبغي أن تقع مسؤولية األداء االقتصادي

الضعيف ملنطقة اليورو عىل اليورو.‏

منطقة اليورو واألزمة

نبدأ تحليلنا بتوصيف الظروف االقتصادية يف منطقة اليورو اليوم،‏ وما الذي

حدث منذ بداية األزمة (3) . لقد الحظنا يف الفصل األول الخوف املشرتك الواسع

االنتشار من أن االختبار الحقيقي لليورو سوف يحدث حينام تواجَ‏ ه منطقة اليورو

بصدمة،‏ مع تأثري هذه الصدمة بشكل مختلف يف البلدان املختلفة.‏ ومل يكن جمود

اليورو وقواعد منطقة اليورو - كام كان يُعتَقد - ليمكّ‏ ن املنطقة من االستجابة

لألزمة.‏ وقد تبنيَّ‏ فيام بعد أن هذه املخاوف مربرة متاما.‏

ناتج محيل إجاميل راكد

يعد الناتج املحيل اإلجاميل ملنطقة اليورو راكدا منذ عقد تقريبا؛ فقد كان الناتج

املحيل اإلجاميل يف العام 2015 يزيد بشق األنفس مبقدار 0.6 يف املائة عىل الناتج يف

العام 2007 ‏)انظر الشكل )1 (4) .

88

الشكل )1(: الناتج املحيل اإلجاميل الحقيقي ملنطقة اليورو ‏)تريليون يورو بأسعار العام 2010(

ولكن بالنظر داخل منطقة اليورو سرنى منطا من التباين والتباعد الذي توقعناه

يف الفصل األول.‏ فبينام مل يكن أداء منطقة اليورو جيدا يف املتوسط،‏ حققت بعض

بلدان املنطقة منوا متواضعا،‏ فيام سجلت دول أخرى مثل اليونان انخفاضا مروعا


أداء أوروبا البائس

‏)انظر الشكل 2(، وأملانيا،‏ التي وُصِ‏ فت بأنها البطلة،‏ منت مبعدل 6.8 يف املائة عىل

مدار األعوام الثامنية منذ العام 2007، ولكن مبعدل منو سنوي يبلغ يف املتوسط نحو

0.8 يف املائة فقط بعد تعديله،‏ أخذا يف االعتبار معدل التضخم،‏ وهو معدل منو كان

سيوصف يف ظل الظروف العادية باعتباره قريبا من الجمود يف النشاط االقتصادي.‏

ولكن هذا املعدل يبدو جيدا فقط مقارنة بجريان أملانيا يف منطقة اليورو.‏

الشكل )2(: معدل منو الناتج املحيل اإلجاميل الحقيقي الرتاكمي خالل الفرتة 2015-2007 )%(

املقارنة بالكساد العظيم

ميكن القول إن فرتات الركود التي تواجه بعض دول منطقة اليورو تعد مشابهة

أو أعمق من الكساد العظيم.‏ ويقارن الشكل 3 بني األزمة الراهنة والكساد العظيم

لعدد من البلدان.‏

النمسا أملانيا فرنسا هولندا بلجيكا اليونان إسبانيا إيطاليا أيرلندا فنلندا الربتغال

اللون الفاتح

اللون الغامق

الشكل )3( )5( : مقارنة االنكامشات يف الناتج املحيل اإلجاميل الحقيقي لبعض بلدان منطقة اليورو

89


90

اليورو

(6)

املقارنة مع بعض البلدان األوروبية غري األعضاء يف منطقة اليورو

كان لهيكل وسياسات منطقة اليورو تأثري سلبي خاص يف إعاقة التكيف مع

الصدمات - وبشكل خاص صدمة األزمة املالية العاملية.‏ وميكننا رؤية ذلك باملقارنة

بني النمو يف بلدان منطقة اليورو والبلدان األوروبية غري األعضاء يف املنطقة

‏)وباستبعاد بلدان التحول االقتصادي يف رشق ووسط أوروبا(.‏ بحلول العام 2015

كان الناتج املحيل اإلجاميل للبلدان غري األعضاء يف منطقة اليورو أعىل بنحو 8.1

يف املائة مام كان عليه يف العام 2007، مقارنة بزيادة قدرها 0.6 يف املائة داخل

منطقة اليورو (7) . ولو أخذنا يف االعتبار بعض بلدان التحول االقتصادي يف رشق

ووسط أوروبا التي مل تعانِ‏ أيضا بسبب أن اليورو عملتها،‏ نجد أن هناك اختالفا أكرث

وضوحا:‏ فليس هناك بلد كان عملته اليورو اقرتب من النجاح الذي حققته بولندا

‏)منو بنسبة 28 يف املائة(‏ أو رومانيا ‏)منو 12 يف املائة(.‏

املقارنة بالواليات املتحدة

كام سبق أن ذكرنا بدأت األزمة،‏ بالطبع،‏ يف الواليات املتحدة،‏ ومع ذلك كان

االنتعاش،‏ عىل الرغم من كونه فاقدا للحيوية،‏ أقوى بكثري من ذلك الذي شهدته

منطقة اليورو.‏ فبينام ركد الناتج يف منطقة اليورو من العام 2007 حتى العام 2015

حقق ناتج الواليات املتحدة منوا بنسبة 10 يف املائة تقريبا.‏

مستويات املعيشة

يعد االرتفاع يف مستويات املعيشة عاما بعد آخر واحدة من العالمات املقبولة

منذ زمن بعيد عىل تحقق التقدم االقتصادي.‏

وحيث إن البلدان املختلفة تتحقق فيها معدالت مختلفة للنمو السكاين

فمن املستحسن قياس مستويات املعيشة بالنظر إىل نصيب الفرد من الناتج

املحيل اإلجاميل عوضا عن الناتج املحيل اإلجاميل نفسه.‏ ويبني الشكل )4(

نصيب الفرد من الناتج املحيل اإلجاميل بني العامني 2007 و‎2015‎ للواليات

املتحدة،‏ واالتحاد األورويب،‏ ومنطقة اليورو،‏ والبلدان األوروبية غري األعضاء

يف منطقة اليورو:‏ تَحَ‏ قُّق زيادة قدرها 3 يف املائة يف نصيب الفرد من الناتج


أداء أوروبا البائس

املحيل اإلجاميل يف الواليات املتحدة،‏ وانخفاض هذا النصيب يف منطقة اليورو

بنسبة 1.8 يف املائة.‏

وهذه األرقام،‏ عىل الرغم من السوء الذي هي عليه،‏ ال تلتقط بشكل كامل

مقدار االنخفاض يف مستويات املعيشة يف البلدان املأزومة،‏ وذلك للعديد من

األسباب.‏ إذ يعد األمن االقتصادي واحدا من العوامل املهمة يف الرخاء،‏ يف وقت كانت

فيه البلدان املأزومة تتسم بارتفاعات كبرية يف عدم األمان،‏ كام تعكسه الزيادات

املذهلة يف معدالت البطالة وتقليص اإلنفاق عىل نظم الحامية االجتامعية.‏

ويعد ‏»الرتابط«‏ عنرصا آخر مهام يف الرخاء،‏ خصوصا الروابط بني أعضاء األرسة.‏ وهنا

أيضا كانت توجد معاناة عظيمة يف البلدان األكرث ترضرا،‏ حيث كان عىل عدد كبري من

الشباب الهجرة إىل لندن أو برلني أو سيدين للحصول عىل عمل.‏ فقد شهدت أيرلندا زيادة

بنسبة 75 يف املائة تقريبا يف عدد املهاجرين أمَدا طويال من العام 2007 وحتى العام 2013.

وقد هاجر مئات اآلالف من اليونانيني منذ بداية األزمة،‏ حيث ارتفع عدد املهاجرين سنويا

مبا يزيد عىل مرتني ونصف املرة بني العامني 2008 و )8( 2013 . ومن املحتمل أال يعود كثري

من هؤالء املهاجرين أبدا.‏ وقد انخفض عدد سكان اليونان اإلجاميل جزئيا بسبب هذه

الهجرة (9) . وليس من املستغرب أن املهاجرين كانوا بشكل مفرط من هؤالء الذين يف سن

العمل،‏ مبا يف ذلك العديد من العامل اليونانيني األعىل مهارة - وهو من املحتمل أن يؤدي

ضمنا إىل معدالت منو أقل يف املستقبل وقدرة أقل عىل سداد الديون (10) .

الشكل )4(: منو نصيب الفرد من الناتج املحيل اإلجاميل الحقيقي )2015-2007(

91


92

اليورو

يشمل االتحاد األورويب أعضاء االتحاد يف العام 2007، ومجموعهم 27 بلدا،‏ بينام

تشري منطقة اليورو إىل ثالثة عرش بلدا كانت تستخدم اليورو يف العام 2007، ونشري

بغري األعضاء يف منطقة اليورو إىل الرنويج،‏ والسويد،‏ وسويرسا،‏ واململكة املتحدة.‏ ويف

كل حالة من الحاالت يشري النمو إىل الزيادة يف نصيب الفرد من الناتج املحيل اإلجاميل

الحقيقي،‏ باستخدام مكمش الناتج املحسوب يف كل بلد من هذه البلدان.‏

اإلنفاق الحكومي والتقشف

كان هناك مصدر إضايف آخر للتآكل يف مستويات املعيشة يف البلدان املأزومة،‏

وخصوصا يف اليونان،‏ إذ فرضت الرتويكا تخفيضات كبرية يف اإلنفاق الحكومي،‏ شاملة

يف ذلك الربامج العامة التي تقدم التعليم والخدمات األساسية األخرى.‏ وقد أدت

التخفيضات يف اإلنفاق عىل الربامج االجتامعية إىل مضاعفة عدم األمان.‏ ففي اليونان،‏

عىل سبيل املثال،‏ انخفض اإلنفاق الحكومي بنحو 22 يف املائة بني العامني 2007

و‎2015‎ )11( . وكان هذا مؤملا لليونانيني أصحاب الدخول املنخفضة واملتوسطة.‏

اإلنتاجية

كام رأينا،‏ كان من املفرتض مع خلق العملة املوحدة وحفز االنتقال الحر إىل

العمل ورأس املال،‏ أن تكون أوروبا أكرث إنتاجية.‏ وكان من املفرتض كذلك أن تؤدي

اإلصالحات الهيكلية التي فُرِضت عىل اليونان وإسبانيا والدول املأزومة األخرى إىل

زيادة اإلنتاجية.‏

وبسبب منو السكان يف سن العمل ‏)بني 15 و‎64‎ عاما(‏ يف البلدان املختلفة مبعدالت

مختلفة – إذ كان السكان يف سن العمل يف اليابان يتقلصون بنسبة 1 يف املائة سنويا،‏

بينام كانوا يزيدون يف الواليات املتحدة بنسبة 0.7 يف املائة سنويا،‏ وينخفضون يف أملانيا

مبعدل 0.3 يف املائة يف السنة (12) - رمبا يكون أمرا ذا داللة أكرب أن نقارن النمو الحقيقي

‏)أي بعد خصم معدل التضخم(‏ يف الناتج املحيل اإلجاميل بالنسبة إىل الفرد يف سن

العمل،‏ وليس فقط مقارنة النمو االسمي يف الناتج املحيل اإلجاميل.‏ ويتوقع املرء أن

يكون معدل النمو يف اليابان بالنسبة إىل السكان يف سن العمل أقل مقارنة بالواليات

املتحدة،‏ ببساطة ألن عدد العاملني أقل.‏ فلو كان معدل النمو بالنسبة إىل السكان يف


أداء أوروبا البائس

سن العمل يف اليابان أعىل فإنه يدلنا عىل يشء مهم:‏ إما أنه توافرت فرص عمل أكرث

لهؤالء السكان يف سن العمل وإما أن إنتاجيتهم قد زادت.‏

ومل يكن أداء منطقة اليورو جيدا حينام يُنظر إليه من هذا املنظور - فبالنسبة

إىل منطقة اليورو ككل زاد الناتج املحيل اإلجاميل بالنسبة إىل الفرد يف سن العمل

بنحو 0.6 يف املائة فقط خالل الفرتة 2015-2007، بينام كانت الزيادة للبلدان

األوروبية غري األعضاء يف منطقة اليورو تبلغ 3.9 يف املائة (13) . وتبدو املقارنة مع

الواليات املتحدة الفتة للنظر أكرث:‏ فبينام عاد معدل منو الناتج املحيل اإلجاميل

بالنسبة إىل الفرد يف سن العمل يف الواليات املتحدة يف العام 2011 إىل مستويات

ما قبل األزمة،‏ كان معدل النمو يف منطقة اليورو يف الواقع أقل من مستوياته

قبل األزمة بشكل ملحوظ،‏ وأقل بشكل كبري جدا ليس فقط باملعدل يف الواليات

املتحدة،‏ ولكن يف العامل ويف الدول مرتفعة الدخل (14) .

كان األداء يف البلدان املأزومة،‏ كام هو متوقع،‏ أكرث سوءا.‏ فلو كانت هناك أي زيادة

يف اإلنتاجية،‏ لكان أثرها قد اكتُسِ‏ ح باالرتفاع يف معدل البطالة.‏ وقد انخفض الناتج للفرد

يف سن العمل يف اليونان بنحو 23 يف املائة منذ العام 2007. وبالطبع واحد من األسباب

وراء مثل هذا األداء السيئ يف اليونان هو أن البطالة كانت مرتفعة جدا.‏ ولذا يكون األمر

الذي يستحق البحث هو ما حدث للناتج بالنسبة إىل الفرد املشتغل.‏ وحتى هنا ال يبدو

أن أفضل البلدان أداءً‏ يف منطقة اليورو كان أداؤه جيدا جدا.‏ فبينام انخفضت اإلنتاجية

يف اليونان ‏)بالنسبة إىل العامل املشتغل(‏ بنسبة 6.5 يف املائة من العام 2007 وحتى

العام 2015، نجد أنه حتى يف أملانيا كان هناك انخفاض )0.7 يف املائة(،‏ بينام ارتفعت

النسبة يف الواليات املتحدة مبقدار 7.9 يف املائة خالل الفرتة نفسها (15) .

البطالة

تعد البطالة مهمة ألنها متثل إهدارا للموارد - رمبا يكون هو مصدر عدم

الكفاءة األهم يف اقتصاد السوق،‏ حيث يوجد املاليني الذين يرغبون يف الحصول

عىل عمل مجزٍ‏ وال يستطيعون ذلك - وأيضا بسبب األمل الذي يلحق بغري العاملني

وأرسهم.‏ ومن املفرتض أن يسهم التأمني ضد البطالة يف مساعدة العاطلني،‏ ولكنه

مجرد مسكن جزيئ فقط.‏

93


94

اليورو

وكانت البطالة هي املجال الذي كان أداء منطقة اليورو فيه بائسا بنحوٍ‏ خاص،‏

حيث بلغ معدل البطالة يف املتوسط 11 يف املائة يف العام 2015، وهو ما يعد قريبا

من الرقم القيايس املسجل لهذا املعدل.‏ بينام كان معدل البطالة يف البلدان املأزومة،‏

ضعف هذا املعدل:‏ ففي اليونان بلغت البطالة معدال قياسيا بتسجيله 27.8 يف

املائة يف العام 2013، وشهد العام 2015 انخفاضات بسيطة عن هذه الذُّ‏ را التي كان

قد بلغها هذا املعدل (16) .

بطالة الشباب

األمر الذي يعد أكرث إزعاجا هو الزيادة يف بطالة الشباب التي بلغت ضعف

املستوى العام للبطالة.‏ فاستمرار معدالت البطالة املرتفعة،‏ خصوصا بني الشباب،‏

سوف تكون لها آثار طويلة املدى:‏ هؤالء الشباب لن يكون يف استطاعتهم أبدا

تحقيق الدخول التي كان يف إمكانهم تحقيقها لو كانت ظروف سوق العمل أفضل

عند تخرجهم (17) .

ساعات العمل

انخفض متوسط عدد ساعات العمل بالنسبة إىل العامل يف منطقة اليورو كاملةً‏

- وهو ما يعني أداءً‏ أكرث سوءا:‏ فعدد أقل من األفراد كانوا يعملون،‏ وكان هؤالء

الذين يشتغلون يعملون ساعات أقل.‏ وحتى يف الدولة التي أُطلق عليها ‏»نجمة

األداء«،‏ أملانيا،‏ انخفض عدد الساعات التي يشتغلها العامل بنحو 4 يف املائة تقريبا

بني العام 2007 والعام 2014. ‏)ومن الجدير بالذكر أن من يُزعَم أنهم ‏»يونانيون

كساىل«‏ عملوا ساعات تزيد بنسبة 50 يف املائة تقريبا عىل من يُطلَق عليهم ‏»العامل

األملان املجدون«(‏ (18) .

عدم املساواة

لقد ركزنا حتى اآلن عىل األداء االقتصادي العام.‏ ولكن كان وقع األزمة أشد

عىل هؤالء الذين يقعون يف وسط وقاع الطيف االقتصادي.‏ فقد واجهوا مخاطر

عالية لها شأن بالبطالة.‏ وكان كثريون منهم معرّضني لخطر فقدان منازلهم.‏ وحينام


أداء أوروبا البائس

تزايدت معدالت البطالة خُ‏ فِّضت األجور،‏ أو عىل األقل مل ترتفع باملعدل الذي كانت

سرتتفع به يف ظروف أخرى.‏ وخُ‏ فِّضت ساعات العمل.‏ وكام سبق أن أملحنا فإن

هؤالء الذين يقعون عند الوسط والقاع هم األكرث اعتامدا عىل الخدمات العامة،‏

وقد عاىن اإلنفاق العام تخفيضاتٍ‏ هائلة بصفة خاصة يف البلدان األكرث ترضرا من

األزمة ‏)ولكن ذلك حدث حتى يف البلدان التي مل تكن يف أزمة(.‏

ليست تحت أيدينا بيانات موثوقة لرؤية كيف كانت أحوال هؤالء املواطنني،‏

ولكن بالنسبة إىل عدد قليل من البلدان لدينا بيانات عام حدث لعدم املساواة.‏

وتشري هذه البيانات إىل أنه يف الواقع عاىن كثريون صعابا.‏ ففي إسبانيا،‏ عىل سبيل

املثال،‏ كان عدم املساواة يف انخفاض قبل سنوات األزمة،‏ ولكن بحلول العام 2014

كان معامل جيني،‏ وهو مقياس معتمد لعدم املساواة يف الدخل،‏ يبلغ 9 يف املائة

فوق مستواه يف العام 2007 ‏)٭(‏ . ويف حالة اليونان ارتفع معامل جيني مبقدار 5 يف

املائة يف الفرتة بني العامني 2010 و‎2014‎ فقط.‏ والوضع املعتاد أن األمر يقتيض مرور

سنوات وسنوات لتحريك معامل جيني مجرد نقاط مئوية قليلة.‏

وتعزز البيانات حول الفقر الحدسَ‏ بأن هؤالء يف الوسط والقاع قد عانوا للغاية.‏

وكان هناك فعليا يف كل بلد من بلدان منطقة اليورو تزايد يف الفقر،‏ خصوصا فقر

الطفولة.‏ بحلول العام 2012، وفقا ملنظمة أوكسفام،‏ كان ثلث اليونانيني تحت خط

الفقر،‏ و‎17.5‎ يف املائة من السكان،‏ أي أكرث من مليون شخص،‏ بني هؤالء الذين تقع

أعامرهم بني 18 و‎60‎ سنة يعيشون يف عائالت من دون أي دخل عىل اإلطالق (19) .

ووفقا لليونيسف زادت نسبة األطفال اليونانيني الذين يعانون الفقر بني العام

2008 والعام 2012 من 23 يف املائة إىل 40.5 يف املائة (20) .

اليورو وأزمة اليورو واألداء عىل املدى األطول

من الواضح بجالءٍ‏ اآلن أن االقتصاد األورويب مل يكن أداؤه جيدا،‏ ومل يكن

أداؤه جيدا عىل األقل منذ اندالع األزمة.‏ ولكن ماذا عن هذا األداء قبل األزمة،‏ وما

التوقعات املستقبلية؟

‏)٭(‏ كلام ارتفعت قيمة معامل جيني زاد عدم املساواة يف توزيع الدخل،‏ والعكس بالعكس.‏ ‏]املرتجم[.‏

95


اليورو

لإلجابة عن هذا التساؤل يبني الشكل )5( معدالت النمو يف منطقة اليورو

خالل العقدين السابقني عىل خلق اليورو يف 1 يناير 1999، ثم جرى استنباط

مستقبيل extrapolation لهذا النمو ‏)الخط املتصل يف الشكل 5(. وخالل الفرتة

من 1999 وحتى 2008 ميثل االستنباط تقديرا مبا كان ميكن أن يحدث لو مل يكن

اليورو موجودا.‏ ويف الفرتة التالية للعام 2008 ميثل االستنباط تقديرا مبا كان ميكن أن

يحدث لو مل يكن اليورو موجودا ومل تحدث األزمة املالية.‏ ويبني الشكل أيضا الناتج

الفعيل ‏)الخط املتقطع(.‏ كانت هناك فرتات قبل اليورو حينام كان الناتج أعىل قليال

من االتجاه العام،‏ ويف فرتات أخرى كان أقل قليال من االتجاه العام،‏ ولكن االبتعاد

عن االتجاه العام كان قليال نسبيا.‏ ومبقارنة الخط املتصل بالخط املتقطع ميكننا أن

نرى كيف كان األداء الفعيل لالقتصاد قياسا إىل االستنباط املستقبيل البسيط.‏

هناك ثالث مالحظات الفتة للنظر:‏ األوىل،‏ ليس هناك أي طفرة يف النمو بشكل

عام بعد تكوين منطقة اليورو.‏ ورمبا يكون اليورو قد ساعد عىل نشوء فقاعات يف

إسبانيا وأيرلندا،‏ ولكن ال يبدو أنه عمل عىل زيادة النمو يف منطقة اليورو كاملةً.‏

املالحظة الثانية هي أن الدخول اآلن تُعَدّ‏ أقل بكثري من اتجاه الناتج املحيل

اإلجاميل الذي كان قامئا قبل اليورو.‏ مع نهاية العام 2015 كانت الفجوة بني هذا

الرقم والناتج املحيل اإلجاميل الفعيل يف منطقة اليورو 18 يف املائة،‏ وهو ما ميثل

خسارة قدرها نحو 2.1 تريليون يورو )2.3 تريليون دوالر وفقا ملتوسط سعر

الرصف يف العام 2015 البالغ 1.1 دوالر لليورو(.‏ ولو أضفنا الفجوات عاما تلو

الناتج املحيل اإلجاميل ملنطقة اليورو االتجاه

األيس بناء عىل الفرتة 1998-1980

الناتج املحيل اإلجاميل

تريليون يورو بأسعار 2010

96

الشكل )5( (21) : تحليل االتجاه للناتج املحيل اإلجاميل ملنطقة اليورو


أداء أوروبا البائس

اآلخر فبحلول العام 2015 كانت الخسارة الرتاكمية تزيد عىل 11 تريليون يورو،‏

أو 12.1 تريليون دوالر.‏

املالحظة الثالثة هي أن الفجوة مازالت يف تزايد،‏ وأنا أعتقد أنها ستستمر يف التزايد

مادامت منطقة اليورو مستمرة يف سياساتها الحالية.‏ ولكن افرتض،‏ تفاؤال،‏ أنه بطريقة

ما استطاعت املنطقة العودة للنمو مبستوياتها السابقة نفسها ‏)وهذا احتامل غري وارد،‏

حتى يف أفضل السيناريوهات،‏ ألسباب عرضتُها بالفعل(.‏ حينها كانت القيمة اإلجاملية

لخسارة الناتج ستبلغ تقريبا 200 تريليون يورو )220 تريليون دوالر(‏ (22) .

لو اعتقد أحد أن هذا األداء ميكن أن يُعزى جزئيا إىل اعتامد اليورو فسيكون

هناك عبء ثقيل ملقى عىل عاتق مؤيدي العملة املوحدة بأن يبينوا أن الفوائد

السياسية واالقتصادية تفوق هذه األرقام الضخمة.‏

اليورو وأداء البلدان بشكل منفرد

تلقي أملانيا والبلدان التي كان حالها جيدا نسبيا مبسؤولية األزمة عىل عيوب

أساسية يف هيكل البلدان املأزومة.‏ فهذه البلدان تتسم بأسواق عمل جامدة

تفتقر إىل املرونة،‏ وهي عرضة للفساد،‏ وهي أمم من املتهربني من دفع الرضائب

واملرسفني الكساىل.‏ وبينام قد ال يكون املرء قادرا عىل فعل أي يشء يتعلق

بثقافة هذه البلدان،‏ يبقى يف إمكانه عىل األقل فعل يشء حيال هياكل اقتصادها

بإضعاف نقاباتها،‏ وتغيري قوانني الرضائب والعمل،‏ وهكذا.‏ فهذه ‏»اإلصالحات«‏

ستمكنها من العودة إىل النمو مرة أخرى.‏ والفرضية التي يستند إليها هذا

الكتاب مختلفة متام االختالف عن ذلك وبسيطة:‏ لقد حال اليورو دون تكيف

هذه البلدان مع الظروف املتغرية لالقتصاد العاملي،‏ خاصة األزمة املالية العاملية

يف العام 2008 ونهوض الصني.‏ فهذه البلدان مل يتغري طابعها القومي وال أطرها

القانونية واملؤسسية يف العام 2008، لذا لو كان هذا هو السبب وراء وقوع

املشكلة اآلن،‏ لتوقع املرء اتساقا يف األداء السيئ،‏ بحيث يكون حادثا قبل العام

2008 وبعده.‏ يبني الشكل )6( معدالت النمو يف فنلندا ويف البلدان املأزومة

الخمسة قبل األزمة ‏)متوسط معدل منو الناتج املحيل اإلجاميل الحقيقي،‏ 2000-

2007( وبعدها )2015-2007(. ويبني الشكل أن األداء يف كل من هذه البلدان

97


اليورو

كان جيدا للغاية يف الفرتة األوىل - بل يف بعض الحاالت كان أداءً‏ أفضل من

متوسط األداء يف منطقة اليورو.‏ ومن الواضح إذن أنه مل يكن هناك يشء يتعلق

بهياكل هذه االقتصادات يعوقها عن النمو.‏ وتتسق البيانات مع فرضيتنا أن

هناك شيئا يحول دون التكيف،‏ أال وهو اليورو.‏ ‏)تعرضت فنلندا،‏ كام سنرشح

بعد قليل،‏ عىل الرغم من أنها مل تكن مأزومة،‏ لعدة صدمات سلبية كبرية(.‏

وبالطبع،‏ كام ذكرنا،‏ كان هناك العديد من االختالفات،‏ مثل مستويات التعليم

واملوقع واالستثامرات السابقة وغريها،‏ التي رمبا أدت إىل أن يكون كل بلد من

هذه البلدان لديه مستوى معييش مختلف.‏ ولكن،‏ كام ذكرنا بالفعل،‏ حتى بعض

التصورات أو القوالب النمطية الثقافية ال تسندها البيانات.‏

98

الشكل )6(: متوسط معدل النمو للناتج املحيل اإلجاميل الحقيقي لبعض البلدان املأزومة

التوقعات املستقبلية

حينام يكون هناك تدهور اقتصادي قصري املدى وضحل،‏ يكون بوسع االقتصادات

عادة التعايف والتعويض عن الوقت الضائع.‏ فبعد حاالت الركود التي حدثت يف

الواليات املتحدة يف 1981-1980، كان هناك تعاف قوي،‏ حيث بلغ معدل النمو ما

يزيد عىل 7 يف املائة يف العام 1984. وكان الناتج مايزال يف األعوام الالحقة أقل مام

كان ميكن أن يكون عليه لو مل يحدث الركود،‏ ولكن التعايف كان ملموسا.‏

وعىل النقيض من ذلك حينام تكون حاالت التدهور طويلة املدى فقد يكون هناك

تعافٍ‏ محدود أو قد ال يكون هناك أي تعاف عىل اإلطالق.‏ ويف نهاية املطاف تبلغ

حاالت الركود نهايتها،‏ ولكن النمو يف أعقاب التعايف ال يكون يف وسعه التعويض عام


أداء أوروبا البائس

فُقِدَ‏ يف األثناء.‏ والواقع أن هناك احتامال مرتفعا بأن تكون معدالت النمو املستقبلية

أقل من العادية.‏ فرأس املال البرشي،‏ واملادي،‏ والثقايف للبلد يُدمَّر،‏ أو عىل أقل تقدير،‏

ال يزيد باملقدار نفسه الذي كان ممكنا أن يزيد به.‏ ولذا ليس من املستغرب أن النتائج

املتعلقة بالناتج،‏ والناتج لساعة العمل ‏)اإلنتاجية(‏ ومعدالت منو اإلنتاجية تكون أقل

مام كان ممكنا أن تكون عليه.‏ والبيانات التي عُ‏ رِضت سابقا يف هذا الفصل تتسق مع

هذا:‏ كانت أزمة اليورو عميقة وطويلة املدى،‏ وخلّفت آثارا عميقة ومستمرة.‏

ولكنّ‏ هناك لغزا مستقبليا:‏ بسبب انخفاض االستثامرات أثناء الركود أو األزمة،‏ فنحن

نتوقع أن تكون اإلنتاجية ‏)اإلنتاج لكل عامل(‏ أقل بعد الركود.‏ ولكن االنخفاض

يف اإلنتاجية هو أكرب مام ميكن تفسريه بسهولة.‏ فنحن نحصل عىل مستوى من

اإلنتاج أقل عند أي مستوى من مدخالت اإلنتاج،‏ مع أخذ رصيدٍ‏ أصغر من رأس

املال عىل سبيل املثال (23) . وبوسعنا تقدير األثر املحتمل للرصيد األقل من رأس

املال واملدخالت األخرى موضع املالحظة عىل اإلنتاجية.‏ ويظل الفارق بني مثل هذا

التقدير واالنخفاض الفعيل املالحظ يف اإلنتاجية هو نتيجة ليشء ما مفتقد ‏»مادة

سوداء«‏ ‏)٭(‏ . إذ هناك يشء ما مفتقد من الصعب مالحظته.‏

وحتى إذا مل يكن يف إمكاننا أن نحلل بدقة مكونات هذه املادة السوداء،‏ فهي

واقع ويجب أخذها يف االعتبار.‏ وهناك العديد من مكونات رأس املال املفتقد هذا.‏

فاألفراد يف فرتة العرشينيات من عمرهم يراكمون مهارات تزيد من إنتاجيتهم عىل

مدى عمرهم.‏ ولكن هذه املهارات تُكتسَ‏ ب إىل حد بعيد من خالل التدريب أثناء

العمل.‏ وحينام ال تكون هناك وظائف - وتتخطى نسبة الشباب العاطل يف البلدان

األكرث ترضرا من األزمة 50 يف املائة - فليست هناك فرصة للتعلم يف موقع العمل.‏

والواقع أنه هناك حتى تناقص يف املهارات ‏)مبا يف ذلك املهارات الدنيا املرتبطة بأن

يكون الشخص عضوا منتجا يف القوة العاملة(.‏

وتوضِّ‏ ح البيانات عىل املستوى الجزيئ هذه املالحظات:‏ فهؤالء الذين التحقوا بالقوة

العاملة يف عام سيئ ‏)ركود(‏ يكون دخلهم عىل مدى عمرهم أقل بشكل ملحوظ من

اآلخرين،‏ وهذا يعد صحيحا بشكل خاص بالنسبة إىل هؤالء الذين يبقون يف حالة بطالة

‏)٭(‏ ‏»املادة السوداء«‏ مصطلح ينتمي إىل علم الفلك،‏ ويشري به املؤلف إىل وجود عوامل ال ميكن مالحظتها تؤثر يف

اإلنتاجية.‏ ‏]املرتجم[.‏

99


اليورو

فرتاتٍ‏ ممتدة.‏ ونحن نعرف أيضا أن هؤالء الذين يفقدون عملهم أثناء الركود يواجهون

خسارة كبرية يف دخلهم املستقبيل،‏ وبخاصة لو واجهوا بطالة مزمنة.‏

وبنحوٍ‏ مشابه تزيد املرشوعات من إنتاجيتها عىل مدى الزمن بالتعلم يف أثناء

عملية اإلنتاج ‏)ما يطلق عليه التعلم باملامرسة(‏ (24) وباإلنفاق عىل البحث والتطوير.‏

ولكن حينام تدخل االقتصادات يف ركود،‏ حتى لو كان ركودا معتدال،‏ فاالنخفاضات

التي تحدث يف اإلنتاج تعني تعلام أقل،‏ وحينام يكون هناك تراجع اقتصادي شديد،‏

تواجه املرشوعات عادة عدة قيود تتعلق مبيزانيتها.‏ فاملرشوعات توفر من كل

البنود التي ميكنها التوفري منها،‏ حتى لو كان ذلك أمرا سيئا بالنسبة إىل املرشوع يف

املدى الطويل،‏ وعادة ما يكون اإلنفاق عىل البحث والتطوير من بني املجاالت التي

تؤثر فيها االقتطاعات األكرب يف اإلنفاق.‏ وتصبح مثل هذه االقتطاعات حتى أسوأ مع

انتقال األسواق إىل الرتكيز عىل إيراداتها ربع السنوية:‏ حينام يستفحل املنظور قصري

املدى (25) . وباملثل،‏ أيضا،‏ متيل املرشوعات إىل االقتطاع من اإلنفاق عىل أشكال أخرى

من االستثامرات طويلة األجل.‏ ويُفصَ‏ ل العامل لتحسني التدفقات النقدية للمرشوع،‏

ولكن هذا يضعف من والء العامل.‏ كام تزيد اإلفالسات،‏ ومع ميض املرشوع يف

اإلفالس يُدمَّر رأس املال التنظيمي واملعريف للمرشوع.‏

فقد كان هناك تدمري لرأس املال االجتامعي،‏ وهو األمر الذي مل تعكسه جيدا

مقاييسنا املعتادة،‏ والتي تركز عىل رأس املال املادي،‏ مثل اآلالت واملعدات.‏ وقد

لوحظ هذا بأقىص قدر من املأساوية يف اليونان،‏ البلد الذي شهد أعمق ركود.‏

فقد أجربته الرتويكا عىل متزيق العقد االجتامعي،‏ أي األوارص التي تربط بني أفراد

املجتمع.‏ فهؤالء الذين عملوا بكد،‏ عىل سبيل املثال،‏ عىل أساس افرتاض أنه ستُدفَع

لهم معاشات تقاعدية تكون متواضعة ولكنها مالمئة للمعيشة،‏ يجري إبالغهم اآلن

أن معاشاتهم سوف تُخفَّض إىل مستويات تقل عن مستويات حد الكفاف.‏ ومن

املحتم أن تكون ملثل هذا التدمري لرأس املال االجتامعي عواقب مهمة ليس فقط

عىل أداء املجتمع ولكن عىل أداء االقتصاد أيضا.‏

ومثل هذا التحليل له آثار قوية يف السياسات:‏ فهناك آثار مهمة طويلة املدى

لعدم اتخاذ سياسات قوية ملواجهة التقلبات الدورية يف النشاط االقتصادي ومن

أجل ضامن استعادة رسيعة لتوجه االقتصاد نحو التشغيل الكامل.‏ وأخذ هذه اآلثار

100


أداء أوروبا البائس

طويلة املدى يف االعتبار يتضمن أن أداء منطقة اليورو منذ خُ‏ لِق اليورو كان حتى

أسوأ - فقد كان هناك تدمري ل ‏»رأس املال«‏ البرشي والتنظيمي،‏ ويف الحد األدىن،‏

مل يزدد رأس املال البرشي واملعريف بالقدر نفسه الذي كان ميكن أن يزداد به يف

األحوال العادية ‏)٭(‏ .

أملانيا

يحدث أحيانا التمسك بأملانيا كمثال مضاد لألزمة التي عانتها بقية منطقة

اليورو.‏ وقد بدا أن قادتها قد جادلوا بأن اآلخرين عليهم أن يتبعوا منوذجها:‏ إذا

لعبْتَ‏ وفقا للقواعد،‏ وأبقيتَ‏ العجوزات والديون منخفضة،‏ فسوف تزدهر أحوالك.‏

ولكن أملانيا تبدو ناجحة عند مقارنتها باألعضاء اآلخرين يف منطقة اليورو فقط.‏

فلو مل نكن مننح الدرجات عىل أساس طبيعة التوزيع اإلحصايئ ألداء دول منطقة

اليورو-‏ أي التقييم عىل أساس األداء النسبي - لكانت أملانيا قد حصلت عىل درجة

‏»ضعيف جدا«‏ -)D(.

كام ذكرنا آنفا حققت أملانيا معدل منو سنوي بنسبة 0.8 يف املائة فقط بعد

تعديل هذا النمو وفقا ملعدل التضخم خالل الفرتة من 2007 إىل 2015. ومياثل هذا

املعدل معدل منو اليابان خالل الفرتة 2010-2001 حينام كان البلد اليزال يعاين

ضائقته االقتصادية املستمرة عرشين سنة.‏ ويبدو معدل منو أملانيا ضعيفا بوجه

خاص مبجرد األخذ يف االعتبار معدل منو سكانها يف سن العمل،‏ الذي كام ذكرنا سابقا

كان يتقلص بنسبة 0.3 يف املائة فقط سنويا،‏ مقارنة بتقلص هذا املعدل يف اليابان

بنسبة 1 يف املائة سنويا.‏

ولكن،‏ وكام أكدت اللجنة الدولية لقياس األداء االقتصادي والتقدم االجتامعي،‏ يعد

الناتج املحيل اإلجاميل مقياسا غري كاف لألداء االقتصادي الشامل.‏ فهو ال يأخذ يف االعتبار،‏

عىل سبيل املثال،‏ توزيع منافع النمو:‏ حتى يف أملانيا كانت أقسام واسعة من السكان

تعاين جمودا يف الزيادة،‏ بل حتى انخفاضات يف دخولها (26) . بينام ارتفع نصيب أغنى 1 يف

املائة من السكان من الدخل،‏ خالل الفرتة من 1992 حتى 2010، بنحو 24 يف املائة (27) ،

‏)٭(‏ أي يف حال مل يكن اليورو موجودا.‏ ‏]املرتجم[.‏

101


اليورو

ومن منتصف مثانينيات القرن العرشين حتى منتصف العقد األول من القرن الحادي

والعرشين،‏ ارتفع معامل جيني ومعدالت الفقر بنحو مطرد - ورمبا تكون معدالت الفقر

قد فاقت متوسطها لدول منظمة التعاون االقتصادي والتنمية (28) OECD . وقد أىت نجاح

أملانيا يف تحقيق قدرتها التنافسية جزئيا عىل حساب هؤالء السكان املوجودين عند قاع

توزيع الدخل،‏ عىل الرغم من أنها بذلت جهدا أفضل يف حامية هؤالء القابعني عند القاع

أكرث مام فعلت الواليات املتحدة (29) .

ويف حني ميكن بالكاد ألملانيا أن متثل قصة النجاح التي تحب أن تدعيها لنفسها،‏ نجد

أنه حتى نجاحها املتواضع هذا ال يقدم أي منوذج لآلخرين.‏ فنموها يستند جزئيا إىل

فوائض تجارية قوية،‏ وهو ما ال ميكن تحقيقه يف كل البلدان:‏ تظل املتطابقة األساسية

يف هذا املقام هي تساوي مجموع العجوزات التجارية مع مجموع الفوائض التجارية،‏

فينبغي إذن عىل بلدان أخرى أن تحقق عجزا.‏

مالحظات ختامية

كان من املفرتض أن تحسِّ‏ ن العملةُ‏ املوحدة األداءَ‏ االقتصادي للدول األعضاء يف منطقة

اليورو.‏ ومن الصعب الكشف عن أي أثر إيجايب لها يف سنوات ما قبل األزمة.‏ وقال النقاد

إن اختبار العملة سيأيت مع األزمة:‏ وعندئذ كانت هناك خسائر ضخمة،‏ مع إعاقة اليورو

لعملية التكيف.‏ وقد قدم هذا الفصل الدليل الدامغ عىل أن النقاد كانوا عىل حق.‏ فوفقا

ألي معيار يقاس به األداء عادة،‏ كانت منطقة اليورو فاشلة.‏ فأداؤها كان ضعيفا قياسا إىل

الواليات املتحدة،‏ التي نبعت منها األزمة أساسا،‏ وقياسا إىل بقية أوروبا غري املنضوية يف

منطقة اليورو.‏ حتى أملانيا ال ميكنها أن تفلت من مثل هذا الحكم.‏

التحليل املنايف للواقع

ال ميكن للمؤيدين لليورو إنكار هذه اإلحصاءات.‏ وبوسعهم فقط تدويرها

بشكل مختلف.‏ ورمبا يزعم البعض أنه:‏ نعم،‏ األمور سيئة،‏ ولكن لو مل يكن اليورو

موجودا،‏ لكانت األمور أكرث سوءا.‏ ويطلق االقتصاديون عىل مثل هذه التجارب

الفكرية - حيث يحللون ما الذي كان ميكن أن يكون عليه العامل لو كانت األمور

مختلفة بطريقة معينة - التحليل املنايف للواقع .Counterfactuals

102


أداء أوروبا البائس

وهنا النظرية والدالئل العملية هي بالكامل يف صف نقاد اليورو،‏ ومعظم ما

تبقى من هذا الكتاب مكرس لرشح أسباب ذلك.‏ وعىل ذلك تعد الفكرة األساسية

بسيطةً.‏ فلو مل تكن اليونان،‏ عىل سبيل املثال،‏ مربوطة باليورو،‏ إبان وقوع األزمة،‏

لكان بإمكانها خفض سعر رصف عملتها.‏ وكان السائحون،‏ لو قرروا أين يقضون

عطالتهم،‏ سيجدون اليونان أرخص بكثري،‏ ويتوافدون عىل البلد زرافات ووحدانا.‏

ولهذا فقد كان دخلها سيزيد،‏ وسيساعدها عىل التعايف برسعة.‏ وأكرث من هذا لكان

بنكها املركزي،‏ مع إدراكه لعمق ترديها االقتصادي،‏ قد أعطى مزيدا من التحفيز

لالقتصاد بخفض أسعار الفائدة برسعة،‏ وذلك عىل النقيض مام فعله البنك املركزي

األورويب،‏ الذي اتجه حتى إىل رفع أسعار الفائدة يف العام 2011. ويف وقت األزمة

عانت اليونان أزمةً‏ يف ميزان مدفوعاتها باستريادها أكرث مام صدّرت.‏ ولكان تعديل

أسعار الرصف،‏ أيضا،‏ قد فعل الكثري يف تصحيح ذلك،‏ بعدم تشجيعه للواردات

وتشجيعه يف الوقت ذاته للصادرات والسياحة.‏ كام كان حتى بالوسع حىك قصصا

أكرث إقناعا عن البلدان املأزومة األخرى.‏

ورمبا يكون رد مؤيدي اليورو باإلشارة إىل أنه لو كانت اليونان مدينة بأموال،‏

فلنقل،‏ ألملانيا بالعملة األملانية،‏ فسيزيد إضعاف سعر رصف العملة اليونانية من

املديونية الحقيقية لليونان.‏ صحيح - ولكن هذا ما يحدث اآلن بدقة،‏ حيث إن

سياسات الرتويكا خفّضت من دخول اليونانيني بأكرث من الربع.‏ واألكرث أهمية أنه

كان من املحتمل أال تستدين اليونان بالعملة األملانية،‏ ألنها ‏)ومن املحتمل أيضا

دائنوها(‏ كانت عىل دراية بدقة باملخاطر التي ينطوي عليها ذلك (30) .

االرتباط والسببية

من املمكن أن يُنسب األداء الضعيف ملنطقة اليورو،‏ سواء أكان بشكل مطلق أم

قياسا عىل اآلخرين،‏ بالطبع،‏ إىل عدد من العوامل األخرى بخالف اليورو.‏ فرمبا كانت

هناك تغريات يف االقتصاد العاملي أثرت يف منطقة اليورو،‏ وبشكل أكرث خصوصية،‏ يف

مجموعة واحدة من البلدان داخل منطقة اليورو مقارنة باآلخرين.‏ ولهذا يبدو طرح

أملانيا بأن الفشل يرجع إىل تبذيرهم املايل بعيدا كل البعد عن الواقع االقتصادي،‏

وموضحا جدا الفتقار مثل هذا الطرح التام إىل الدراسة التحليلية.‏ وكام أرشنا آنفا

103


اليورو

اليونان وحدها هي التي ميكن وصمها بالتبذير املايل.‏ ففنلندا كان أداؤها ضعيفا يف

السنوات األخرية،‏ حيث انخفضت بنسبة 5 يف املائة عن مستواها يف العام 2007،

ليس بسبب التبذير املايل ولكن بسبب إصابتها ثالث مرات بالحظ السيئ:‏ فرشكتها

الرائدة،‏ نوكيا،‏ تقهقرت ملصلحة رشكات التكنولوجيا املتقدمة األخرى،‏ مثل أبل،‏ ويف

صناعة رائدة أخرى،‏ الصناعة الحراجية،‏ واجهت ضعفا يف الطلب،‏ كام أن رشيكا

تجاريا رئيسا،‏ روسيا،‏ شهد كسادا ‏)بسبب انخفاض أسعار النفط(،‏ ثم صدمته

العقوبات الغربية.‏ وحتى زعْمُ‏ أملانيا أن نجاحها هو نتيجة لجهدها الخاص ليس

واضحا متاما:‏ إذ حالفها الحظ أنها ظلت سنواتٍ‏ عديدة تنتج سلعا يرتفع الطلب

عليها من الصني،‏ محرك منو االقتصاد العاملي،‏ بينام كانت بعض البلدان األخرى يف

منطقة اليورو التي مل يكن أداؤها جيدا تنتج سلعا تنافس السلع الصينية.‏

ستبني الفصول األخرية من الكتاب بنحوٍ‏ واضح العالقة التي تربط بني اليورو

واألداء الضعيف ملنطقة اليورو،‏ فتوقيت ضعف منطقة اليورو مل يكن محض

مصادفة.‏ وهي عالقة سببية،‏ وليست فقط مجرد عالقة ارتباطية.‏ وقد بني التحليل

السابق كيف أعاق اليورو عملية التكيف.‏ ولكن اليورو أسهم أيضا يف األزمة ذاتها،‏

حيث سهل العجوزات التجارية يف اليونان،‏ وإسبانيا،‏ والبلدان األخرى التي ابتُليت

باألزمة،‏ وأدت هذه االختالالت إىل زيادات يف األسعار يف هذه البلدان قياسا إىل

األسعار يف أملانيا.‏ وهذه االختالالت غري مستمرة - ومن غري املمكن استمرارها.‏

ولكن إبطال هذه االختالالت والتعامل مع آثارها ثبت أنه مؤمل بشكل غري عادي،‏

مع تكاليف تفوق بكثري املنافع الضئيلة التي تلقتها هذه البلدان يف األمد القصري،‏

وهي تكاليف كانت آخذة يف الرتاكم عىل هذه البلدان.‏

التكاليف الفعلية لليورو

ليس لدى أي اقتصادي كرة بلورية مثالية.‏ ورمبا يزعم املدافعون عن اليورو

أنه سيتيح تحقيق عودة اقتصادية قوية.‏ ومثل هذه الحجة رمبا كانت أكرث إقناعا

منذ بضع سنوات خلت.‏ ومع طول أمد األزمة،‏ الركود،‏ وما يقرب من الركود،‏ بينام

يف كل مكان آخر،‏ كان قد بدأ التعايف القوي،‏ ظهر العكس متاما:‏ كام الحظنا كان

مقررا ملنطقة اليورو أن تشهد عقدا ضائعا،‏ يف أفضل تقدير.‏ وقد رشحت ملاذا حتى

104


أداء أوروبا البائس

من املحتمل أن يكون معدل النمو يف الناتج املحيل اإلجاميل أقل يف املستقبل مام

كان عليه.‏

وال تضع اإلحصاءات االقتصادية الباردة يف هذا الفصل يدها عىل الفشل الحقيقي

(31)

ملنطقة اليورو.‏ فإحصائيات أخرى - مثل االرتفاع امللحوظ يف عمليات االنتحار

- رمبا تعطي إحساسا أفضل بالضغوط التي يشعر بها األفراد العاديون.‏ وقد بينت

مقاالت الصحف بالصور التكلفة االجتامعية لألزمة - صور ألعداد كبرية من املواطنني

يفتشون يف القاممة ويتسولون،‏ واملتاجر املغلقة،‏ واالضطراب االجتامعي الذي تبدى

يف شكل احتجاجات عنيفة.‏ تعد هذه هي آثار اليورو ومنطقة اليورو يف حياة

املواطنني يف أوروبا،‏ مبا يف ذلك البلدان املأزومة،‏ التي ينبغي أن نحتفظ بها يف ذهننا

ونحن نناقش أحيانا قضايا معقدة يف الفصول التالية مثل الرتتيبات النقدية وآثارها

يف األداء االقتصادي.‏ وينبغي أن نتذكر دامئا:‏ الرتتيبات النقدية هي وسائل من أجل

غاية محددة،‏ وليست غاية يف حد ذاتها.‏

105


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

اجلزء الثاين

معيب منذ البداية

107


اليورو

108


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

4

متى كان يف إمكان العُ‏ ملة

املوحدة العمل بنجاح؟

ق.‏ ي.:‏ قبل اليورو.‏ العامل الذي كنتَ‏ حينام

تسافر فيه من بلد أورويب إىل آخر،‏ من فرنسا

إىل أملانيا إىل هولندا،‏ تُغيِّ‏ دامئا العمالت من

الفرنك إىل املارك والغيلدر ‏)٭(‏ . ومع وصول

اليورو سُ‏ هِّلت حياة املسافر.‏ فقد استُبدِلت

عُ‏ ملة واحدة ب 19 عُ‏ ملة مختلفة يف 19 بلدا

مختلفا (1) .

ومل ينطوِ‏ خلق عُ‏ ملة موحدة،‏ عىل أي حال،‏

عىل مجرد تغيي قطع من الورق تُستَخدم يف

رشاء السلع،‏ بل شمل أيضا إنشاء بنك مركزي

‏)البنك املركزي األورويب(‏ ملنطقة اليورو كلها.‏

‏»تهدف بعض اإلصالحات يف تصميم

منطقة اليورو إىل محاولة تحريك

أوروبا نحو النموذج األمرييك«‏

‏)٭(‏ عمالت كل من فرنسا وأملانيا وهولندا عىل الرتتيب قبل إصدار

اليورو.‏ ‏]املرتجم[.‏

109


اليورو

ويحدد البنك املركزي األورويب أسعار الفائدة التي ستسود عىل امتداد املنطقة،‏

ويعمل باعتباره مقرض املالذ األخي للبنوك يف منطقة اليورو؛ حيث يقدم األموال

التي قد تحتاج إليها البنوك،‏ عىل سبيل املثال،‏ حينام يسحب املودعون ودائعهم،‏

ويفعل ذلك حتى حينام ال يقدِّم أي أحد آخر هذه األموال.‏ ويحدد البنك املركزي

أسعار الفائدة،‏ وميكنه رشاء وبيع العمالت األجنبية.‏ وكل من هذين األمرين يؤثر يف

سعر الرصف بني اليورو والعمالت األخرى،‏ مثل الدوالر (2) ، ‏)تحدد أسعار الرصف كم

وحدة من عُ‏ ملة ما ميكن مبادلتها مقابل عُ‏ ملة أخرى.‏ وهكذا يف بداية العام 2016

كان سعر رصف الدوالر مقابل اليورو 0.92، وهو ما يعني أنه لو ذهب أمرييك إىل

أوروبا ومعه 100 دوالر فسوف يحصل مقابلها عىل 92 يورو(.‏ وسعر الفائدة األعىل

سوف يؤدي إىل طلب أعىل عىل اليورو،‏ ومن ثم يؤدي إىل سعر رصف أعىل.‏ وتُعد

السياسة النقدية واحدة من أكرث األدوات أهمية يف مجموعة األدوات االقتصادية

التي متتلكها الحكومة.‏ وحينام يرغب البنك املركزي يف حفز االقتصاد يخفِّض أسعار

الفائدة ويعمل عىل إتاحة مزيد من االئتامن (3) . ويؤدي خفض أسعار الفائدة إىل

خفض سعر الرصف،‏ وهو ما يعمل عىل أن تكون الصادرات أكرث تنافسية ويثبط من

الطلب عىل الواردات.‏ ويف كلتا الحالتني يصبح االقتصاد أقوى.‏

وال تضمن األسواق وحدها تَحقُّق التشغيل الكامل أو االستقرار املايل واالقتصادي.‏

فجميع البلدان تنخرط يف شكل أو آخر من أشكال العمل الحكومي العام للتدخل يف

السوق من أجل تعزيز االستقرار الكيل.‏ واليوم وباستثناء املهووسني املتطرفين

ال يدور السؤال حول ما إذا كان ينبغي أن يكون هناك تدخل حكومي أو ال،‏ ولكن

عن كيف وأين ينبغي أن تتحرك الحكومة،‏ أخذا يف االعتبار قصور السوق.‏

وحينام تنضم بلدان ‏)أو 19 بلدا(‏ معا يف اتحاد عُ‏ ملة موحدة فإن كال منها

يتنازل عن تحكمه يف أسعار فائدته.‏ وألنهم يستخدمون العُ‏ ملة نفسها فليس

هناك سعر رصف،‏ وال سبيل إىل تعديل أسعار الرصف بحيث يجعلون سلعهم

أرخص وأكرث جاذبية.‏ وحيث إن التعديالت يف أسعار الفائدة وأسعار الرصف من

أهم الطرق التي تلجأ إليها البلدان للتكيف ومواءمة أوضاعها ألجل الحفاظ عىل

التشغيل الكامل فإن إنشاء اليورو يحرم هذه البلدان من أداتني من بني أكرث

األدوات أهمية يف ضامن تحقيق ذلك.‏

110


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

وألن استخدام عُ‏ ملة مشرتكة أطاح بالقدرة عىل استخدام سعر الرصف لتكييف

وتواؤم الصادرات مع الواردات،‏ كان العرض الواضح عىل أن هناك شيئا ما خطأ -

فهناك بعض التكيف الذي كان ينبغي أن يحدث لكنه مل يكن يحدث - هو استمرار

التباين بني صادرات وواردات البلد.‏ فعادة إذا كان هناك فائض يف الواردات ‏)٭(‏ يهبط

سعر الرصف،‏ مام يجعل الواردات أكرث تكلفة والصادرات أكرث جاذبية.‏ فلو كانت

اليونان،‏ عىل سبيل املثال،‏ تستورد أكرث مام تصدر،‏ فإن االختالل ميكن،‏ بل يجب،‏ أن

يُصحَّ‏ ح بإضعاف قيمة عُ‏ ملتها،‏ وهذا سيجعل الصادرات أكرث جاذبية،‏ والواردات أقل

جاذبية.‏ ومع أسعار الرصف الثابتة ال ميكن حدوث ذلك.‏ وال بد من متويل فائض

الواردات،‏ فإذا مل يستطع البلد الذي لديه عجز تجاري اقرتاضَ‏ األموال لتمويل هذا

العجز فسوف تكون هناك مشكلة.‏

التنازل عن التحكم يف سعر الرصف وأسعار الفائدة ميكن أن يكون مكلفا جدا

ألي بلد،‏ وسوف تكون هناك مشكالت ضخمة إذا مل يُفعَل يشءٌ‏ آخر.‏ ومدى ضخامة

التكاليف وطبيعة هذا ‏»اليشء اآلخر«‏ يعتمدان عىل عدد من العوامل،‏ ويُعَد

العامل األكرث أهمية من بينها هو مدى متاثل البلدان.‏ ومع الوضع يف الحسبان

تعددية أوروبا أصبح ‏»اليشء اآلخر«‏ الذي كان مطلوبا تنفيذه أكربَ‏ بكثي مام لجأت

إليه أوروبا أو مام كان من املحتمل أن تفعله.‏

لو كانت البلدان التي تتشارك يف عُ‏ ملة واحدة متامثلة بشكل كافٍ‏ ، فإن كل

البلدان،‏ بالطبع،‏ سوف تتعرض للصدمات نفسها زيادة أو انخفاضا يف الطلب عىل

منتجاتها من قبل الصني،‏ عىل سبيل املثال.‏ وبالطريقة نفسها فإن االستجابات لهذه

الصدمات التي تناسب واحدة من هذه البلدان ستناسب بالرضورة جميع البلدان.‏

ويف مثل هذا املوقف تكون تكلفة إنشاء عُ‏ ملة موحدة منخفضة.‏ وقد حصل زمييل

االقتصادي روبرت مانديل عىل جائزة نوبل لطرحه السؤال التايل وإجابته عنه:‏

ما الظروف التي ميكن فيها ملجموعة من البلدان أن تتشارك بسهولة يف العُ‏ ملة

نفسها؟ (4) ، ويبني تحليله بوضوح أن بلدان اليورو مختلفة بشدة بحيث يصعب

تشاركها بيرس يف عُ‏ ملة واحدة.‏

‏)٭(‏ أي أن الواردات تزيد عىل الصادرات.‏ ‏]املرتجم[.‏

111


اليورو

وكان مؤسسو منطقة اليورو قلقني بشأن هذه االختالفات.‏ فقد تطلبت

اتفاقية ماسرتيخت يف العام 1992، التي خلقت اليورو،‏ من البلدان املنضمة

إىل منطقة اليورو أن تفي مبا أُطلق عليه ‏»معايي التقارب«‏ Convergence

،Criteria وهي املعايي التي تهدف إىل التأكد من أن البلدان ستتقارب

بالفعل.‏ فقد كان عىل الحكومات التي تلتحق باليورو أن تحد من العجوزات

‏)املقدار السنوي الذي تقرصُ‏ فيه إيراداتها عن الوفاء بإنفاقها(‏ والديون

‏)املقادير املرتاكمة التي تكون مدينة بها(.‏ فقد كان يتعنيَّ‏ عليهم إبقاء العجز

أقل من 3 يف املائة من الناتج املحيل اإلجاميل،‏ والديون أقل من 60 يف املائة

من الناتج املحيل اإلجاميل (5) . وبالتبعية فقد عزَّزت جميع بلدان االتحاد

األورويب ‏)وليس فقط تلك البلدان املكونة ملنطقة اليورو(‏ التزامها بهذه القيود

الخاصة بالعجز والديون،‏ وذلك فيام أُطلق عليه معاهدة النمو واالستقرار

. )6( Growth and Stability Pact

من املنطقي أن بلدان منطقة اليورو كانت قلقة من أن تكون األوضاع فيها

جد متباينة.‏ وقد فهمت أن التباينات املفرطة سوف تشكل ضغوطا عىل اليورو:‏

فرمبا يواجه أحد األطراف ركودا عميقا،‏ بينام يواجه آخر تضخام،‏ ورمبا يكون

لدى أحد األطراف فائض تجاري كبي،‏ بينام يعاين آخر عجزا تجاريا كبيا.‏ وأي

سعر فائدة يعمل يف مصلحة أحد األطراف سوف يزيد من حدة مشاكل طرف

آخر.‏ وبنحوٍ‏ ما بدا أنهم يعتقدون أنه يف غياب عجز مفرط وديون حكومية

مفرطة لن تنشأ مبعجزةٍ‏ ما هذه التباينات،‏ وسوف يكون هناك منو واستقرار

عىل امتداد منطقة اليورو،‏ وقد آمنوا بنحوٍ‏ ما بأن االختالالت التجارية لن متثل

مشكلة ما مل تكن هناك اختالالت حكومية.‏

واألدلة اآلن تعد واضحة كل الوضوح،‏ فحتى البلدان التي ليس لديها عجز

ودَينها العام منخفض ‏)مثل إسبانيا وإيرلندا(‏ كانت تعاين أزمات،‏ والعديد من

البلدان التي ليست لديها عجوزات حكومية أو ديون كبية كانت لديها عجوزات

تجارية كبية،‏ والعديد من بلدان منطقة اليورو مل تتكيف - ومازالت - بنحو

جيد مع صدمة األزمة املالية العاملية يف العام 2008 وتداعياتها.‏ ومل يكن هناك

منو أو استقرار،‏ وتباعدت بلدان منطقة اليورو بدال من أن تتقارب.‏

112


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

وقد بنيَّ‏ الفصل السابق فشل اليورو يف تحقيق وعوده يف الرخاء األورويب.‏

ويبدأ هذا الفصل برشح ملاذا حدث ذلك.‏ وبعد أن أرشح كيف كان يف إمكان 50

والية مختلفة يف الواليات املتحدة التشاركُ‏ يف عُ‏ ملة موحدة،‏ سأبني أن الرشوط

الرضورية - فيام يتعلق بالرتتيبات والرشوط املؤسسية - لتحقيق هذا النجاح

مل تكن متوافرة يف أوروبا.‏ وسوف أرشح أيضا ملاذا يُعَدَّ‏ التشارك يف عُ‏ ملة موحدة

أمرا صعبا للغاية - وكيف أنه يف غياب املؤسسات املطلوبة ميكن لهذه العُ‏ ملة

أن تؤدي إىل مستويات مرتفعة ومستمرة من البطالة،‏ وأن تؤدي إىل عجوزات

يف الحساب الجاري ‏)حيث تستورد البالد بشكل مستمر أكرث مام تصدر(،‏ بل

حتى األسوأ من كل ذلك أن يف وسعها أن تؤدي إىل أزمات.‏ وهذه ليست مجرد

احتامالت نظرية؛ فقد مارست كل هذه االعتبارات دورا قويا يف أوروبا.‏

والسؤال الطبيعي املطروح هو:‏ هل كان عىل مؤسيس اليورو فرض رشوط

أخرى - عىل سبيل املثال،‏ ليست فقط رشوطا حول العجوزات املالية،‏ بل أيضا

رشوط حول عجوزات الحساب الجاري - لضامن حدوث التقارب؟ وهل كان يف

وسع هذه الرشوط ضامن النمو واالستقرار؟ سوف نرشح الحقا يف هذا الفصل

ملاذا كان ملثل هذا التقييد اإلضايف - عىل عجوزات الحساب الجاري - أال يفلح

بكل بساطة.‏ فهناك مجموعة من القواعد،‏ مجتمعة مع طائفة من املؤسسات

لبلدان منطقة اليورو،‏ كان يف إمكانها جعل العُ‏ ملة املوحدة تفلح حتى يف حالة

وجود طائفة متنوعة من البلدان.‏ وسوف أصف يف الفصل التاسع طائفة من هذه

القواعد،‏ التي ميكن تطبيقها ليس فقط يف البلدان التي لديها عجوزات تجارية،‏

ولكن أيضا يف البلدان التي تحقق فوائض تجارية.‏ وكام سوف نرى تختلف هذه

القواعد واملؤسسات كثيا عن تلك املعمول بها يف منطقة اليورو اليوم.‏

كام ذكرنا،‏ ليس هذا الكتاب عن الوقائع فقط،‏ أي عام هو حادث يف أوروبا،‏

ولكنه أيضا عن األفكار،‏ أي عن دور األيديولوجيا يف تشكيل عملية إنشاء

منطقة اليورو.‏ ويبدو أن مؤسيس اليورو اعتقدوا أن الوفاء مبعايي التقارب

يضطلع بدور رئيس يف صالحية وجدوى اليورو.‏ ومن الواضح أنهم كانوا عىل

خطأ.‏ ونحاول يف هذا الفصل أيضا رشح كيف أن النيوليربالية ‏)أصولية السوق(‏

قادتهم إىل الضياع.‏

113


اليورو

الواليات املتحدة بوصفها منطقة عُ‏ ملة

ينظر العديد من األوروبيني إىل الواليات املتحدة ويتساءلون:‏ إذا كان يف وسع

50 والية يف الواليات املتحدة التشارك يف الدوالر،‏ فلامذا ال يكون يف وسع 19 بلدا

أوروبيا التشارك يف عُ‏ ملة؟ وقد ذكرنا آنفا أنه لو كانت البلدان املكوِّنة ملنطقة

العُ‏ ملة متامثلة بشكل كافٍ‏ ، فإنه يف حال كانت السياسة النقدية سليمة بالنسبة

إىل بلد واحد،‏ فإنها ستفلح بالنسبة إىل البلدان األخرى.‏ ولكن كل والية مبفردها،‏

‏]يف الواليات املتحدة األمريكية[،‏ تعد مختلفة للغاية عن الواليات األخرى،‏ فهناك

واليات زراعية وأخرى صناعية،‏ وهناك هؤالء الذين ميكن أن يساعدهم االنخفاض

يف سعر النفط،‏ وهؤالء الذين ميكن أن يُلحِ‏ ق بهم هذا االنخفاض رضرا،‏ وهناك

الواليات التي تقرتض بصورة مزمنة من اآلخرين،‏ وهناك البعض الذين يُعَدُّ‏ ون

مقرضني صافني.‏ وتسفر هذه التباينات عن اختالفات جوهرية يف وجهات النظر

بشأن السياسة االقتصادية:‏ فالواليات التي تعد مدينة صافية،‏ والتي تكون الصناعة

فيها مهمة،‏ تدعو إىل أسعار فائدة منخفضة،‏ بينام الواليات الدائنة التي لديها قطاع

مايل كبي تدعو إىل أسعار فائدة مرتفعة.‏ وهناك فارق قديم العهد بني وول سرتيت

وماين سرتيت ‏)٭(‏ . وهكذا بينام قد يكون التامثل كافيا لنجاح منطقة العُ‏ ملة،‏ رمبا

ال يكون ‏]هذا التامثل[‏ رضوريا إىل هذا الحد.‏

هناك ثالث آليات مهمة للتكيف داخل الواليات املتحدة متُ‏ كِّن نظام العُ‏ ملة

املوحدة من العمل.‏ ولسوء الحظ ال يتوافر أي من هذه اآلليات داخل أوروبا،‏ أو

ال يتوافر عىل األقل بقوة كافية متُ‏ كِّن منطقة اليورو من العمل بنجاح.‏

حينام - لِنَقُل - تواجه والية داكوتا الجنوبية صدمة معاكسة ينتقل الناس.‏

وبسبب أن اللغة اإلنجليزية هي اللغة املشرتكة،‏ وألن العديد من الربامج الرئيسة،‏

‏)٭(‏ يشي الكاتب هنا إىل التعارض يف املصالح واألهداف بنحوٍ‏ عام.‏ ويعد ماين سرتيت مصطلحا دارجا يُستَخدم

لإلشارة إىل املستثمرين األفراد،‏ واملوظفني واملشتغلني يف االقتصاد ككل.‏ وتحدث معارضة ماين سرتيت عادة مع

وول سرتيت،‏ حيث يشي التعبي األخي إىل األسواق املالية،‏ واملؤسسات املالية الكربى والرشكات الضخمة،‏ إىل جانب

موظفي اإلدارة العليا،‏ أي املديرين واملسؤولني التنفيذيني يف هذه املؤسسات والرشكات.‏ وعادة ما يدور بنحوٍ‏ بالغي

الحديث عن ماين سرتيت يف مواجهة وول سرتيت بسبب االختالف يف األهداف،‏ ومدى توافر املعلومات املتاحة لكل

منهام،‏ وتباين املصالح والنفوذ السيايس بني هاتني املجموعتني.‏ ‏]املرتجم[.‏

انظر:‏ https://www.investopedia.com/terms/m/mainstreet.asp

114


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

مثل الضامن االجتامعي والرعاية الصحية،‏ هي برامج عىل املستوى الوطني،‏ تعد

الهجرة يسية نسبيا.‏ وهناك بالطبع تكاليف لالنتقال،‏ ويف بعض املهن مثل املحاماة

تعد الرتاخيص عائقا.‏ مع ذلك هناك وجه قليل الشبه بأوروبا:‏ فبينام هناك من

حيث املبدأ حرية الهجرة يف االتحاد األورويب،‏ تظل هناك عوائق لغوية وثقافية

ضخمة،‏ بل حتى اختالفات يف الرتاخيص.‏ واألمريكيون معتادون االنتقالَ‏ من إقليم

إىل آخر،‏ بينام األوروبيون ليسوا كذلك.‏

هناك مشكلة أخرى؛ يوجد قلة ‏]فقط[‏ من األمريكيني القلقني،‏ فلنقل،‏ من أن

تصبح داكوتا الجنوبية مهجورة (7) . لكن اليونان ستكون مشغولة وقلقة يف حال

ترك معظم اليونانيني،‏ أو حتى معظم الشباب اليونانيني املوهوبني،‏ البلد.‏ وينبغي

عليها أن تنشغل بهذا.‏ يف الواليات املتحدة ال يشكل فارقا كبيا،‏ وفقا للمنظور

األوسع لألشياء،‏ فيام إذا انتقل الناس إىل حيث توجد الوظائف،‏ أو انتقلت

الوظائف إىل حيث يوجد الناس (8) . يف أوروبا يرغب اليونانيون واإلستونيون

يف ضامن انتقال وظائف كافية لهذين البلدين الصغيين نسبيا للحفاظ عىل

اقتصاديهام،‏ وثقافتيهام،‏ وهويتيهام (9) .

االختالف الثاين الكبي هو أن سكان داكوتا الجنوبية ينظرون إىل أنفسهم أوال

وأخيا عىل أنهم أمريكيون،‏ وهذه الهوية ال تتغي حينام ينتقلون.‏ واملواطن من

داكوتا الجنوبية ال يُعامَل يف كاليفورنيا بوصفه ‏»ضيفا«،‏ ولكن باعتبار أن هذا

حق من حقوقه،‏ حق يُعَد إلغاؤه أمرا من غي املمكن تصوره.‏ وبعد فرتة قصية

للغاية ستكون له حقوقه الكاملة يف التصويت،‏ وهكذا ستكون له كل الحقوق

يف الحصول عىل املنافع التي متُ‏ نَح لقاطني كاليفورنيا.‏ وليس هناك أي متييز بني

ساكن كاليفورنيا األصيل و»املهاجر«‏ من داكوتا الجنوبية.‏ فكالهام ‏»كاليفورين«.‏

ويبني الجدل األورويب أخيا حول عدد السنوات التي ينبغي أن يقضيها املهاجر يف

بلده الجديد قبل الحصول عىل حقوق معينة يف برامج الرفاه،‏ أن األمر يف أوروبا

ال يجري عىل النحو نفسه الذي يجري عليه يف الواليات املتحدة.‏ وعىل الرغم

من سهولة عمله يف موقعه الجديد يظل البولندي يف أيرلندا،‏ من حيث األساس،‏

ضيفا.‏ عالوة عىل ذلك من األرجح أن تستمر هويته السياسية والثقافية - وآماله

يف املستقبل - بولندية.‏

115


اليورو

هناك آلية أخرى للتكيف يف الواليات املتحدة:‏ يف أعقاب الصدمة سيتلقى

الشخص املنتقل من داكوتا الجنوبية دعام ماليا من الحكومة الفدرالية بطريقة

أو بأخرى.‏ ويُعطَ‏ ى بعض هذا الدعم بنحو تلقايئ:‏ فمع التدهور االقتصادي سوف

يتحول العديد من األشخاص أكرث إىل برامج الرفاه الوطنية،‏ أي إىل برامج مثل

‏»مديكيد«‏ Medicaid ‏)الربنامج الوطني الذي يقدم الرعاية الصحية للمعوزين،‏

وهو برنامج يُدار محليا بينام ميُ‏ وَّل فدراليا إىل حد بعيد(،‏ و»ميديكي«‏ ‏)الربنامج

الوطني الذي يقدم الرعاية الصحية لكبار السن(،‏ والضامن االجتامعي ‏)الربنامج

الوطني للتقاعد لكبار السن(،‏ وبرنامج املعونة الغذائية التكميلية ‏)الربنامج الوطني

الذي يقدم معونة للفقراء لرشاء الغذاء(...‏ إىل آخره.‏ ويف حاالت التدهور الشديدة

تتحمل الحكومة الفدرالية قسام كبيا من تعويضات التأمني ضد البطالة.‏ بينام يف

أوروبا ميُ‏ وَّل كل برنامج من هذه الربامج عىل مستوى حكومة كل بلد،‏ ولذا لو عانت

اليونان أزمةً‏ فعىل حكومتها أن تغطي الزيادة يف مدفوعات الرفاه،‏ وهذا يكون

بالضبط يف الوقت عينه الذي تنخفض فيه إيرادات الحكومة.‏

وفيام هو أبعد من هذه الربامج التلقائية ميكن للحكومة الفدرالية ‏]األمريكية[‏

أن تستخدم صالحياتها التقديرية لدعم الواليات التي متر بأوضاع صعبة.‏ فلو كانت

كاليفورنيا تعاين ركودا ميكن إنفاق مزيد من أموال الجيش يف هذه الوالية ملحاولة

إنعاشها.‏ ولكن امليزانية الفدرالية األوروبية،‏ كام الحظنا،‏ ضئيلة.‏ وهناك ببساطة

أموال تقديرية قليلة بحيث ميكن استخدامها يف مواجهة التقلبات الدورية يف

النشاط االقتصادي.‏

وهناك يف الواليات املتحدة مصدر ثالث للمشاركة يف الدعم يف حالة حدوث

صدمة معاكسة:‏ فالنظام املرصيف هو،‏ إىل حد بعيد،‏ نظام مرصيف وطني.‏ فلو مر أي

بنك مبشكلة خطية ‏)كام حدث للعديد من املصارف يف العام 2008(، فمن يتكفل

بإنقاذ هذا البنك ليس الوالية ولكن هيئة فدرالية ‏)الرشكة الفدرالية لتأمني الودائع(.‏

ولو أُجربِ‏ ت والية واشنطن عىل إنقاذ بنك واشنطن لالستثامر املشرتك،‏ وهو أكرب بنك

يف البالد أخفق خالل األزمة املالية،‏ ملا كان يف وسعها فعل ذلك،‏ وكان األمر سيكون

مامثال ملحاولة آيسلندا إنقاذ بنوك رؤوس أموالها أكرب بعرش مرات من الناتج املحيل

اإلجاميل للبلد (10) . وباملثل رمبا متر كاليفورنيا بوقت صعب يف التعامل مع املشكالت

116


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

التي فرضها فشل رشكة كنرتي وايد املالية Country Wide Financial ‏)ثالثة كربى

رشكات الرهن العقاري يف الواليات املتحدة،‏ بعد كل من رشكتي فاين ماي Fannie

.)Freddie Mac وفريدي ماك Mae

مرة أخرى - وحتى اآلن - تعد كل دولة داخل أوروبا مسؤولة عن مصارفها.‏

وكام سوف نالحظ يف الفصل التايل يسهم هذا يف حلقة مفرغة هابطة:‏ تؤدي البنوك

الضعيفة إىل وضع أكرث سوءا ملوقف الحكومة املايل،‏ ويؤدي هذا بدوره إىل إضعاف

البنوك أكرث.‏

وتهدف بعض اإلصالحات يف تصميم منطقة اليورو التي نقدمها الحقا إىل

محاولة تحريك أوروبا نحو النموذج األمرييك،‏ أي إىل نظام يتوافر فيه االنسجام

بني سعر فائدة وسعر رصف موحدين وبني الرخاء املشرتك،‏ وتحريك منطقة اليورو

بشكل كافٍ‏ يف هذا االتجاه لجعل توقعات نجاح اليورو معقولة.‏

ملاذا تعد املشاركة يف عُ‏ ملة واحدة بني بلدان لديها اختالفات جوهرية

مشكلة؟ وكيف فشلت منطقة اليورو يف عمل ما هو مطلوب؟

حتى عند تأسيس اليورو أدركت األغلبية أن االختالفات بني بلدان منطقة اليورو

كانت كبية،‏ وأن االتحاد النقدي يفتقد نوعَ‏ الرتتيبات املؤسسية التي ستسمح لكيانات

اقتصادية متباينة بالتشارك يف عُ‏ ملة موحدة.‏ وقد كانت هناك اختالفات كربى حتى

عند البداية - لِنَقُل - بني الربتغال بنصيب للفرد من الناتج املحيل اإلجاميل يبلغ نحو

57 يف املائة من النصيب نفسه يف أملانيا،‏ وهي خالفات مشابهة للخالفات بني الواليات

األمريكية،‏ حيث نصيب الفرد من الناتج املحيل اإلجاميل يف والية ميسيسيبي ميثل نحو

48 يف املائة من النصيب نفسه يف والية كونكيتكت.‏ وإن كانت البلدان التي دخلت يف

مرحلة الحقة إىل منطقة اليورو كان من بينها بلدان أكرث فقرا:‏ فبلد مثل التفيا،‏ التي

التحقت مبنطقة اليورو يف العام 2014، كان نصيب الفرد من الناتج املحيل اإلجاميل فيها

يبلغ نحو 31 يف املائة فقط من النصيب نفسه يف أملانيا (11) .

وكان األمل منعقدا عىل إمكانية التقارب بني بلدان منطقة اليورو،‏ أي مبرور

الوقت،‏ كانوا سيصبحون أكرث تشابها،‏ ومع تقارب كافٍ‏ ميكنهم أن يكونوا منطقة

عمل موحدة ميكنها العمل بشكل معقول.‏ ولكن يف أحيان كثية فشل هذا األمل

117


اليورو

يف التحقق.‏ فمع حلول العام 2015، عىل سبيل املثال،‏ مل يقف األمر فقط عند

عدم حدوث تقارب بني الربتغال وأملانيا،‏ بل إن الربتغال حقيقة تعرضت ملزيد من

الرتاجع،‏ فنصيب الفرد من الناتج املحيل اإلجاميل فيها يقدر اآلن بنحو 49 يف املائة

فقط من النصيب نفسه يف أملانيا.‏ وكام أوضحت مناقشتنا لحالة الواليات املتحدة

يبقى املطلوب هو أكرث من مجرد ‏»تشابه كافٍ‏ «: فبغض النظر عن كيف أصبحوا

متقاربني أكرث،‏ بقيت هناك اختالفات كافية إىل حد أن مؤسسات إضافية أصبحت

مطلوبة،‏ مثل النظام املرصيف األمرييك املوحد.‏ ومن الواضح أن كثيين مل يستطيعوا

استيعاب هذا،‏ وافرتض هؤالء ببساطة أن هذه املؤسسات سوف تنشأ عند ظهور

الحاجة إليها.‏ فمنطقة اليورو ستقدم العرض من املؤسسات التي يُحتَاج إليها عند

توافر الطلب عليها.‏ وكان من املأمول أن قوة الدفع السيايس التي سيخلقها اليورو

سوف تكون من القوة مبا يكفي إلنجاز ذلك.‏

وهناك تحديان رئيسان أمام نجاح منطقة عُ‏ ملة موحدة ‏)كمنطقة اليورو(:‏ كيف

ميكن ضامن أن كل البلدان ميكنها الحفاظ عىل التشغيل الكامل،‏ وأنه لن يكون لدى أحد

البلدان عجز تجاري مزمن،‏ حيث تفوق الواردات الصادرات عاما بعد آخر.‏

واملشكلة مع سعر الفائدة املوحد وسعر الرصف املوحد بسيطة؛ فلو كانت بلدان

مختلفة يف أوضاع مختلفة،‏ فستكون يف حاجة من الناحية املثىل إىل أسعار فائدة مختلفة

للحفاظ عىل توازن االقتصاد الكيل وأسعار رصف مختلفة من أجل تحقيق توازن تجاري.‏

فلو ارتفعت حرارة االقتصاد األملاين وواجه البلد تضخام،‏ فرمبا يكون البلد راغبا يف رفع

أسعار الفائدة،‏ ولكن لو كانت اليونان تواجه ركودا وبطالة مرتفعة فسوف تكون يف

حاجة إىل انخفاض يف أسعار الفائدة.‏ ويجعل االتحاد النقدي عمل هذا مستحيال ‏)وكام

الحظنا يف حالة الواليات املتحدة،‏ لو كانت هناك طرق أخرى كافية للتكيف،‏ ومؤسسات

أخرى كافية ميكنها املساعدة يف مثل هذا املوقف،‏ لكان من املمكن التغلب عىل مساوئ

غياب القدرة عىل تحديد أسعار فائدة مختلفة.‏ وهنا تكمن املعضلة؛ فأوروبا مل تنتبه

جيدا للمؤسسات التكميلية الرضورية(.‏

ينبغي أن يكون واضحا أن هناك طائفة واسعة من الصدمات التي ترتك آثارا مختلفة

باختالف البلدان.‏ فالبلد الذي يستورد نفطا أكرث سوف يكون معرضا أكرث للتأثر سلبا

بالزيادة يف أسعار النفط.‏ والبلد الذي يستورد غازا أكرث من روسيا سوف يتأثر سلبا أكرث

118


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

بالزيادة يف سعر الغاز التي تفرضها روسيا.‏ وهذه االختالفات تعد نتيجة لهيكل االقتصاد

القائم يف كل بلد.‏ وبغض النظر عن مدى تقارب البلدان فيام يخص العجوزات والديون،‏

فسوف تستمر اختالفات كبية يف الهياكل االقتصادية يف الوجود.‏

وبالطبع تكون االختالفات بشأن العجوزات والديون مهمة أيضا.‏ ولكن

العجوزات والديون مهمة كذلك عىل مستوى قطاعي الرشكات والعائيل باإلضافة

إىل القطاع العام.‏ فالبلد الذي تستدين فيه العائالت والرشكات من الخارج سوف

يتأذى من ارتفاع أسعار الفائدة عامليا،‏ وعىل النقيض سيستفيد البلد الدائن

سيستفيد من هذا االرتفاع.‏ ورمبا تكون اآلثار محدودة أكرث لو اقرتُ‏ ض يف شكل

سندات طويلة األجل،‏ ولذلك فام تدفعه سوف يتزايد بنحو تدريجي فقط،‏ مع

استبدال السندات القدمية بأخرى جديدة.‏ ولو اقرتض البلد ديونا قصية املدى

فسوف يواجه مشكلة عىل الفور:‏ لو كانت الحكومة هي املقرتض فسوف تواجه

عجزا ماليا بسبب زيادة الفوائد التي تدفعها فورا.‏ بينام العائالت والرشكات

مرتفعة املديونية ستشهر إفالسها؛ ألنهم ال يستطيعون الوفاء بالتزامات ديونهم.‏

وتختلف بلدان أوروبا يف هذه األمور وأمور أخرى،‏ وهو ما يعني ضمنا أنه كان من

املستحيل فعليا بالنسبة إليهم تحقيق التشغيل الكامل والتوازن الخارجي يف الوقت

نفسه،‏ يف ظل غياب الرتتيبات املؤسسية األخرى عىل غرار النمط املوجود يف الواليات

املتحدة.‏ وقد فشلت منطقة اليورو يف وضع مثل هذه الرتتيبات املؤسسية موضع التنفيذ.‏

الحفاظ عىل التشغيل الكامل

لدى االقتصاد الذي يواجه ركودا اقتصاديا ثالثُ‏ آليات أولية الستعادة التشغيل

الكامل:‏ أسعار فائدة أقل،‏ وتشجيع االستهالك واالستثامر،‏ وأسعار رصف أقل لحفز

الصادرات،‏ أو استخدام السياسة املالية وزيادة اإلنفاق أو تخفيض الرضائب.‏ وتلغي

‏)٭(‏

العملة املوحدة اآلليتني األوليني،‏ وبعد ذلك تلغي املعايي املستخدمة لتحقيق التقارب

‏)٭(‏ نذكر أن هذه املعايي تتضمن عمل الحكومات التي تلتحق مبنطقة اليورو عىل الحد من العجوزات ‏)املقدار

السنوي الذي تقرص فيه إيراداتهم عن الوفاء بإنفاقهم(‏ والديون ‏)املقادير املرتاكمة التي يدينون بها(.‏ كان يتعني عىل

هذه الحكومات إبقاء العجز أقل من 3 يف املائة من الناتج املحيل اإلجاميل والديون العامة أقل من 60 يف املائة من

الناتج املحيل اإلجاميل.‏ ‏]املرتجم[.‏

119


اليورو

عمليا استخدام السياسة املالية.‏ واألسوأ من هذا أنه يف مواضع كثية كانت البلدان تُدفع

إىل أن تقْدم عىل العكس بالضبط:‏ خفضِ‏ اإلنفاق وزيادة الرضائب يف حالة الركود،‏ يف

الوقت الذي تنبغي فيه زيادة اإلنفاق وخفض الرضائب.‏

ويف حالة التباطؤ االقتصادي عىل غرار ما حدث يف 2009-2008، انخفضت اإليرادات

الرضيبية بينام ارتفع اإلنفاق عىل تعويضات البطالة ومدفوعات الرفاه،‏ ولذا ارتفع عجز

املوازنة.‏ وكام ذكرنا،‏ تتطلب معايي التقارب أن تحد البلدان من عجوزاتها لتكون يف

حدود 3 يف املائة من الناتج املحيل اإلجاميل،‏ وكانت كل بلدان منطقة اليورو تقريبا

تتجاوز هذا الحد يف وقت أو آخر حينام مرت بالركود.‏ وبني العامني 2009 و‎2014‎‏،‏ عىل

سبيل املثال،‏ تخطت جميع البلدان باستثناء لوكسمبورغ حد ال 3 يف املائة من العجز

مرة واحدة عىل األقل (12) . وكان عىل البلدان التي تخطت حد العجز أن ترفع الرضائب أو

تقلل من اإلنفاق،‏ وهو ما يضعف الطلب الكيل.‏ وقد عملت هذه السياسات االنكامشية

عىل الدفع نحو مزيد من إضعاف االقتصادات األوروبية.‏

‏»نظرية«‏ منطقة اليورو

لقد وصفت من فورها النظرية الكينزية القياسية يف الركود االقتصادي.‏ وعىل ما

يبدو،‏ كانت هناك افرتاضات أخرى وراء تأسيس منطقة اليورو بشأن كيف ميكن أن

نعيد االقتصاد ذا البطالة املرتفعة إىل االزدهار من دون زيادة إنفاق الحكومة ومن

دون املرونة التي يوفرها لها سعر رصف عملتها وسعر الفائدة:‏ ‏)أ(‏ خفض عجز الحكومة

سوف يستعيد الثقة،‏ التي سوف تزيد من االستثامر،‏ و)ب(‏ سوف تتكيف األسواق

بنفسها،‏ الستعادة التشغيل الكامل.‏

تعود نظرية الثقة تاريخيا إىل هربرت هوفر ووزير الخزانة أندرو ميلون Andrew

،Mellon وقد أصبحت نظرية أساسية بني رجال املال والخرباء املاليني.‏ أما كيف

حدث هذا فأمر مل يُوضّ‏ ح قط.‏ وعُ‏ رِّضت يف العامل الحقيقي،‏ نظرية الثقة لالختبار مرارا

وتكرارا وباءت بالفشل.‏ وابتكر بول كروغامن Paul Krugman مصطلح ‏»جني الثقة«‏

Confidence Fairy باعتباره ردة فعل عىل ذلك.‏

حينام حاول هوفر تخفيض العجز يف األعوام التالية النهيار سوق األوراق املالية يف

العام ‎1929‎م،‏ مل يستعد الثقة يف الحقيقة،‏ بل حوّل ببساطةٍ‏ انهيار سوق األوراق املالية

120


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

إىل الكساد العظيم.‏ وحينام يحمل صندوق النقد الدويل قرسا البلدان مبوجب برامجه -

يف رشق آسيا وأمريكا الالتينية وأفريقيا - عىل خفض عجوزاتهم،‏ فهو أيضا يحول حاالت

الرتاجع يف النشاط االقتصادي إىل حاالت ركود وحاالت الركود إىل حاالت كساد.‏

ليس هناك منوذج جدي لالقتصاد الكيل،‏ وال حتى يف تلك النامذج التي تطبّقها

البنوك املركزية األكرث نيوليربالية،‏ يتبنى هذه النظرية يف النامذج املستخدمة للتنبؤ

بالناتج املحيل اإلجاميل.‏

وهناك عدد قليل من االقتصاديني،‏ مع ذلك،‏ طرحوا ما يبدو أنه مفهوم متناقض هو

‏»االنكامشات التوسعية«‏ .Expansionary Contractions ويبني الفحص األكرث دقة

للحاالت املزعومة أن ما حدث أن عددا قليال من البلدان صادفها حظ سعيد للغاية.‏

فبمجرد أن بدأت يف تقليص النفقات الحكومية،‏ بدأت جاراتها تشهد طفرة يف النشاط

االقتصادي،‏ ولذا فإن ما عمله تزايد صادراتها لجاراتها كان أكرث من ملء الفراغ الذي

تركه خفض اإلنفاق الحكومي.‏ وقد قدمت كندا يف بداية تسعينيات القرن املايض مثاال

عىل ذلك.‏ واليوم،‏ حتى صندوق النقد الدويل يدرك أن التقشف يؤذي االقتصاد،‏ وبعمل

التقشف هذا،‏ فإنه يرض حتى بالثقة (13) .

لقد أرشت مرارا إىل الهوس املتعلق بالديون والعجوزات باعتباره صنمية وتقديسا

مريضا للعجز.‏ وال يعني هذا أن الحكومات يف وسعها إدارة عجز أو دين ضخم بالشكل

الذي يحلو لها.‏ ولكنه يعني أن القواعد الساذجة،‏ مثل تلك املتضمنة يف معايي التقارب،‏

هي بالفعل ساذجة وال تقدم أساسا لسياسة جيدة.‏

رمبا يكون من الرضوري فرض بعض القيود،‏ ولكن هذه القيود ينبغي تصميمها

بنحو مدروس وبحذر،‏ عىل سبيل املثال،‏ أخْ‏ ذ حالة دورة النشاط االقتصادي واألغراض

التي يُرصد التمويل لها يف االعتبار.‏ فقد كان ينبغي للذين صمموا اليورو،‏ عىل سبيل

املثال،‏ بدال من الرتكيز عىل العجز،‏ الرتكيز عىل العجز الهيكيل – أي ما الذي كان ميكن

أن يكون عليه العجز لو كانت البلد يف حالة التشغيل الكامل.‏

ومعايي التقارب،‏ كام هي عليه اآلن،‏ ال متنع البلد فقط من االستجابة للتدهور يف

النشاط االقتصادي،‏ بل خلقت أيضا آلية ذاتية تعمل عىل تعميق هذا التدهور.‏ فمع

اتجاه الناتج املحيل اإلجاميل إىل االنخفاض،‏ لنقل،‏ بسبب تقلص سوق صادرات البلد،‏ تتجه

إيرادات البلد الرضيبية إىل االنخفاض.‏ ووفقا ملعايي التقارب سيُ‏ غم هذا البلد عىل خفض

121


اليورو

اإلنفاق أو زيادة الرضائب،‏ وكالهام سيؤدي إىل اقتصاد أكرث ضعفا.‏ ويشي االقتصاديون إىل

مثل هذه األحكام عىل أنها ‏»عوامل ذاتية لزعزعة االستقرار«.‏ والنظم االقتصادية جيدة

التصميم لديها عوامل ذاتية معززة لالستقرار،‏ وليس لزعزعة هذا االستقرار.‏

وكان واحدا من االنتصارات االقتصادية إلدارة كلينتون،‏ حينام كنت أخدم فيها

باعتباري عضوا يف مجلس املستشارين االقتصاديني،‏ هو هذه القضية بالتحديد:‏ فقد

أراد الجمهوريون مترير تعديل دستوري ينص عىل عجز محدود،‏ متاما كام فعلت معايي

التقارب.‏ وبينام كنا يف فرتة ازدهار - كانت لدى الحكومة الفدرالية يف نهاية املطاف

فوائض ضخمة - كنا نعرف أن اقتصادات السوق متقلبة.‏ فإذا ما اصطدمنا بيشء ما،‏ وقد

اصطدمنا بيشء كبي يف العام ‎2008‎م،‏ فمن املهم أن يكون يف مقدورنا حفز االقتصاد.‏

وقد قدَّ‏ رنا بنحو صحيح أن اآلليات األخرى،‏ مثل السياسة النقدية،‏ لن تكون كافية.‏ ولو

كان قد مُرر مثل هذا التعديل الدستوري،‏ لبات الركود يف العام ‎2009‎م أكرث عمقا.‏

واملفارقة أنه بينام كان القصد من معايي التقارب هو العمل عىل مساعدة البلدان

عىل التقارب،‏ وكان القصد من التقشف املفروض هو خفض العجز املايل،‏ فبنحوٍ‏ منوذجي

كانت اآلثار عىل النقيض من ذلك متاما.‏ ويف أفضل األحوال،‏ كان مقدار الخفض يف العجز

أقل بكثي مام كان مأموال،‏ ببساطة ألن الخفض أدى إىل تراجع يف النشاط االقتصادي،‏

وهذا بدوره أدى إىل انخفاض العائدات الرضيبية وزيادة اإلنفاق عىل تعويضات البطالة

وعىل مدفوعات الرفاه.‏

املهمة املكلف بها البنك املركزي األورويب تُعمِّق املشكالت:‏

انحياز إىل البطالة

بيّنت املناقشة السابقة كيف أنه حتى إذا وضع البنك املركزي األورويب أسعار فائدة

تناسب منطقة اليورو ككل،‏ فإن االقتصادات األضعف سوف ترتك وحدها يف مواجهة

معدالت بطالة غي مقبولة.‏ فلو مل تكن هذه البلدان أعضاء يف منطقة اليورو،‏ لكان يف

استطاعتها خفض معدالت الفائدة لديها.‏

ولكن كام الحظنا يف الفصل األول،‏ كانت املهمة املكلف بها البنك املركزي هي

الرتكيز عىل التضخم وليس عىل البطالة.‏ ومادام هناك تضخم يف أوروبا برمتها،‏ خصوصا

يف أملانيا،‏ فال مينح البنك املركزي األورويب فقط اهتامما ضئيال ملحنة البلدان التي تعاين

122


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

معدالت بطالة مرتفعة،‏ بل وال حتى للبلدان التي تعاين معدالت بطالة متوسطة.‏ فلو

كان معدل البطالة مرتفعا - فإن منطقة اليورو ستكون يف حاجة إىل خفض سعر الفائدة

للعودة إىل معدل بطالة مقبول،‏ ولكن وفقا للتكليف املمنوح للبنك املركزي األورويب قد

ال يحدث ذلك.‏ والواقع،‏ كام ذكرنا بالفعل،‏ أن البنك رفع أسعار الفائدة مرتني يف العام

‎2011‎م ‏)يف أبريل ويوليو(‏ عىل الرغم من أزمة اليورو.‏

التخفيضات الداخلية ألسعار الرصف واالختالالت الخارجية

املشكلة الثانية التي تفرضها منطقة العملة املوحدة ترتبط باالختالالت الخارجية؛

حيث تفوق الوارداتُ‏ الصادراتِ‏ بنحو مستمر،‏ وهو ما يقتيض أن يقرتض البلد يك ميوّل

هذا الفارق بني الواردات والصادرات.‏ ومثل هذا االقرتاض،‏ كام سرنى الحقا،‏ يعد إشكاليا

ويعرِّض البلد ملخاطر التعرض ألزمات.‏ حينام ميكن تعديل أسعار الرصف يعمل خفض

سعر رصف عملة بلد ما ‏)أي انخفاض يف قيمة عملة بلد ما مقابل عملة بلد آخر(‏ عىل

جعل سلع هذا البلد أقل سعرا بينام تصبح أسعار الواردات أعىل،‏ وهو ما يؤدي إىل

خفض الواردات وزيادة الصادرات.‏ وهذه هي آلية السوق التي تصحح من االختالالت

الخارجية.‏ وهذه اآللية تُعاق يف منطقة العملة املوحدة.‏

الحظنا سابقا أنه حينام يقرر بلدان التشارك يف العملة نفسها،‏ فإن أيا منهام

ال يستطيع جعل منتجاته أكرث تنافسية يف مقابل منتجات اآلخر عن طريق تعديل سعر

الرصف.‏ ولكن لو انخفضت األسعار نسبيا يف بلد ما مقابل البلد اآلخر،‏ عندئذ تتغي

أسعار الرصف الحقيقية،‏ وتصبح سلع هذا البلد أكرث تنافسية،‏ وهذا يحدث مقابل سلع

البلدان األخرى يف منطقة اليورو وقياسا إىل سلع بلدان العامل األخرى (14) . وهذه اآللية

البديلة يف التكيف يُشار إليها تحت عنوان الخفض الداخيل لسعر الرصف Internal

،Devaluation وهؤالء الذين يؤمنون باليورو وضعوا ثقتهم يف هذه اآللية.‏ والحقيقة

أنه ميكن للمرء النظر إىل السياسات التقشفية عىل أنها تسهِّل من عملية التكيف.‏ فكلام

عظم ضعف االقتصاد،‏ كرب االنخفاض الحادث يف الطلب الكيل وبالتايل كانت الضغوط

النزولية عىل األسعار أكرب،‏ ولذا تكون قوى التكيف أشد.‏ وقد اعتقد أنصار اليورو أن

هذه سوف تكون اآللية التي ميكن عربها التخلص من االختالالت الخارجية،‏ فقط يف

حالة مل تُعِق الحكومة هذه اآللية عن طريق الحفاظ عىل اقتصاد قوي بنحو مفرط.‏

123


اليورو

وعىل الرغم من أن األمر يبدو غريبا،‏ اعتقدَ‏ منارصو اليورو من النيوليرباليني أنه

من بعض النواحي تعد البطالة أمرا جيدا.‏ فلتأخذ مثال بلدا يصدِّر األحذية،‏ ويكتشف

هذا البلد فجأة انخفاضا يف الطلب عىل منتجاته ‏)عىل سبيل املثال،‏ بسبب املنافسة

من األحذية الصينية(.‏ يف هذه الحالة سيواجه هذا البلد بنحو متزامن مشكلة بطالة

ومشكلة يف امليزان التجاري.‏ واملفهوم املشار إليه هنا أنه لو تركت الطبيعة تأخذ

مجراها،‏ فسوف تحل كل مشكلة من هاتني املشكلتني من تلقاء نفسها.‏ فالبطالة سوف

تؤدي إىل أجور أقل،‏ وبدورها ستؤدي األجور األقل إىل أسعار أقل،‏ وعندئذ سرتتفع

الصادرات وتنخفض الواردات،‏ حتى نصل إىل نقطة التوازن بني الواردات والصادرات.‏ ويف

الوقت ذاته،‏ سوف تساعد زيادة الطلب عىل الصادرات عىل استعادة االقتصاد للتشغيل

الكامل.‏ ومن املسلَّم به أن عملية التكيف قد تكون مؤملة،‏ فكل ما سبق ال ميكن تحققه

بني عشية وضحاها.‏ ويف أثناء ذلك سوف تعاين العائالت بسبب البطالة،‏ وسوف تُخرّب

حياة األطفال،‏ بسبب االفتقار إىل التغذية السليمة أو إىل إمكانية الحصول عىل الرعاية

الصحية املناسبة.‏ وقد أكدت الطبعات اإلنسانية من هذه السياسات ‏»الصعبة«‏ أهمية

شبكات الحامية االجتامعية،‏ ولكن بالطبع،‏ ويف وجود معايي التقارب - وغياب املساعدة

من قبل اآلخرين يف أوروبا - يعني تزايد اإلنفاق عىل مثل هذه املساعدة أن عليها أن

تأيت من مكان آخر يف املوازنة،‏ كبند االستثامرات العامة مثال،‏ مام يؤدي إىل اإلرضار

مبستقبل منو البلد.‏ وعمليا تربهن شبكات الحامية االجتامعية عىل أنها غي كافية،‏ وكام

سرنى يف الفصول الالحقة،‏ كانت املعاناة هائلة.‏

مع هذا،‏ سوف يجادل أنصار اليورو من النيوليرباليني بأن املثابرة لها عائدها،‏ فهناك

خالص من خالل األمل.‏ والتدخل يف هذه العملية الطبيعية للسوق سوف يخفّض من

معدل البطالة اليوم،‏ ولكنه سوف يعمل فقط عىل إطالة أمد فرتة التكيف.‏

التخفيض الداخيل لسعر الرصف ال يفلح

كان هناك العديد من عمليات التخفيض الداخلية يف سعر الرصف بني البلدان

األوروبية.‏ فاألسعار يف البلدان املأزومة كانت يف املتوسط تزيد مبعدالت أقل من زيادتها

يف معظم أنحاء منطقة اليورو األخرى (15) . ولكن هذا التخفيض للعملة مل يفلح،‏ أو عىل

األقل مل يفلح يف العمل بالرسعة الكافية يك يستعيد وضع التشغيل الكامل لالقتصادات

124


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

برسعة.‏ ويف بعض البلدان،‏ مثل فنلندا،‏ مل يكن حتى معدل التضخم منخفضا بنحو

كافٍ‏ مبا يسمح باستعادة صادرات السلع والخدمات للمستويات التي كانت عليها قبل

األزمة.‏ ويف بعض البلدان املأزومة،‏ رمبا مل يكن لسياسات الرتويكا آثار سلبية يف الطلب

فقط،‏ ولكن عىل العرض أيضا.‏ ويف البلدان األخرى،‏ مل تنمُ‏ الصادرات بالطريقة التي كان

من املأمول أن تنمو بها،‏ أي مل تنمُ‏ هذه الصادرات مبا يكفي ملوازنة اآلثار السلبية التي

انعكست عىل القطاع الذي ال تدخل منتجاته يف التبادل التجاري (16) .

لو كانت الصادرات قد منت مبعدالت صحية أكرث،‏ رمبا كان هذا قد حفّز االقتصاد

وساعد عىل استعادة وضع التشغيل الكامل.‏ ولكن كانت هناك طريقة أقل صحية

لخفض العجز التجاري.‏ فالواردات تنخفض حينام تتدهور مستويات الدخول بشدة:‏

ميكن للمرء تحقيق توازن يف ميزان الحساب الجاري عن طريق خنق االقتصاد.‏ وهذا

هو،‏ وليس تخفيض سعر الرصف الداخيل،‏ ما كان يف قلب النجاح الذي حققته

منطقة اليورو يف مجال ميزان التجارة.‏ بل حتى اليونان حققت ما يقرب التوازن

يف ميزان التجارة بحلول العام ‎2015‎م.‏ ولكن معظم الخفض الذي تحقق يف العجز

التجاري أىت من خفض الواردات وليس من زيادة الصادرات (17) .

ملاذا مل نستطع توقع عدم نجاح التخفيض الداخيل لسعر الرصف

لو كان التخفيض الداخيل لسعر الرصف بديال فعاال لتعديل أسعار الرصف،‏ ملا

كانت قاعدة الذهب ‏)٭(‏ لتمثل مشكلة عند وقوع الكساد العظيم.‏ ومع ذلك معظم

‏)٭(‏ تتسم قاعدة الذهب بتوافر رشوط معينة.‏ وكان أهم هذه الرشوط يتمثل يف وجود عالقة ثابتة بني قيمة الوحدة

النقدية وكمية معينة من الذهب من عيار معني،‏ وال يعني هذا أنه يشرتط أن تكون النقود الذهبية متداولة فعال

داخل االقتصاد القومي،‏ بل يكفي لسيادة هذه القاعدة أن تكون النقود الورقية املتداولة قابلة للتحويل إىل الذهب،‏

إما لالستعامل يف تسوية املعامالت يف الداخل والخارج معا،‏ وإما لالستخدام فقط يف تسوية املعامالت الخارجية.‏

ويجب أن يكون ذلك مقرتنا بحرية استياد الذهب وتصديره.‏

وحينام سادت قاعدة الذهب بهذه الرشوط يف معظم دول العامل ترتبت عليها ميزة مهمة تتعلق بثبات سعر الرصف

بني العمالت املختلفة.‏ لكن ميكن القول إن النظم النقدية التي مر بها العامل حتى اآلن مل تعرف نظاما تتمتع فيه

أسعار الرصف بالثبات واالستقرار مثلام كان عليه الحال يف قاعدة الذهب.‏ وال عجب يف هذا،‏ ذلك أنه مادام أن

الخصيصة الرئيسة لهذا النظام تتمثل يف أن العملة املحلية مرتبطة بنحو مبارش أو غي مبارش بوزن محدد من الذهب،‏

فإن مؤدى ذلك أن الدول التي تطبق قاعدة الذهب ترتبط عمالتها برباط واحد هو الذهب.‏ ولهذا يتحدد سعر

الرصف عند التوازن وفقا لنسبة كمية الذهب املوجودة يف عملة كل دولة إىل كمية الذهب املوجودة يف بقية عمالت

الدول األخرى«.‏ ‏]املرتجم[.‏ نقال عن:‏ د.‏ رمزي زيك،‏ التاريخ النقدي للتخلف،‏ سلسلة عامل املعرفة،‏ العدد 118، أكتوبر

1987، املجلس الوطني للثقافة والفنون واآلداب،‏ دولة الكويت،‏ ص 57.

125


اليورو

العلامء يعتقدون أن قاعدة الذهب كانت مشكلة كربى،‏ بل ذهب البعض منهم إىل

وضع معظم عبء الكساد العظيم عىل قاعدة الذهب (18) . ومن املنطلق ذاته لو

كانت التخفيضات الداخلية لسعر الرصف بديال فعاال للتعديالت يف سعر الرصف،‏

ملا كان تثبيت األرجنتني لسعر رصف عملتها مقابل الدوالر األمرييك قبل أزمة العام

‎2001‎م ميثل مشكلة.‏ فمع زيادة معدل البطالة يف األرجنتني - لتتخطى 20 يف املائة

- هبطت األسعار بالفعل داخل حدود البلد،‏ ولكن مرة أخرى،‏ مل تنخفض األسعار مبا

يكفي الستعادة البلد ملستوى التشغيل الكامل خصوصا أن الدوالر يف هذه السنوات

كانت قيمته يف تزايد.‏

تفسري سبب فشل التخفيض الداخيل لسعر الرصف

هناك أسباب عدة لعدم نجاح التخفيض الداخيل لسعر الصرف:‏ رمبا

ال تنخفض األجور،‏ أو رمبا ال يؤدي انخفاض األجور إىل انخفاض أسعار سلع

التصدير - أو عىل األقل ال يحدث ما يكفي من انخفاض يف أسعار هذه السلع،‏

ولهذا رمبا كان هذا االنخفاض ال يؤدي إىل زيادة يف الصادرات - أو عىل األقل

ما يكفي من زيادة يف الصادرات.‏ وقد أدى كل عامل من هذه العوامل دورا يف

أزمة اليورو.‏

بطء التعديالت يف األجور:‏ لوم الضحية

هناك الكثيون يف أوروبا ‏)مبن يف ذلك جان-كلود تريشيه،‏ رئيس البنك املركزي

األورويب بني العامني 2003 و‎2011‎‏،‏ وكان بذلك الشخص الذي توىل دفة القيادة

يف السنوات السابقة عىل األزمة مبارشة وخالل سنواتها األوىل(‏ كانوا يلقون باللوم

يف فشل آليات خفض سعر الرصف الداخيل عىل جمود األجور - أي الفشل يف

خفض األجور حتى يف ظل وجود نسبة مرتفعة من البطالة.‏ وهم يعتقدون أن

األسواق مبفردها،‏ ويف غياب تدخل نقابات العامل والحكومة،‏ سوف تكون مرنة.‏

ويف محاوالتهم انتقاد الضحية – إذ يُالم العامل عىل بطالتهم ألنهم يطالبون بأجور

مرتفعة للغاية،‏ ولوجود طرق عديدة لحامية الوظائف - تركز هذه االنتقادات عىل

القيود املفروضة بواسطة الحكومات والنقابات.‏ ولكن يف مختلف أرجاء أوروبا،‏

126


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

وحول العامل ميكن للمرء أن يرى ترافق معدالت بطالة مرتفعة مع تعديالت طفيفة

يف األجور عىل الرغم من ضعف النقابات وغياب القيود الحكومية.‏

جمود األسواق

كان هذا ‏»اللغز«‏ حول ملاذا ال تنخفض األجور عادة يف اقتصادات السوق حتى

يف ظل حدوث ارتفاع يف البطالة الحافز وراء أبحايث،‏ إىل جانب أبحاث عديد من

االقتصاديني اآلخرين،‏ حول جمود األجور.‏ والنظرية التي طورتها،‏ ويطلق ‏»عليها

نظرية األجر الكفء«‏ ،The Efficiency Wage Theory تركز عىل الحقيقة املوثقة

جيدا بأن خفض األجور يضعف من إنتاجية العامل.‏ وخفض األجور يرض مبعنويات

العامل،‏ خصوصا حينام يصبحون مشتتي الذهن بشأن مدى قدرتهم عىل الحفاظ

عىل بيوتهم وتضعف من الوالء للرشكة،‏ وتصبح الرشكات قلقة بسبب بحث العامل

عن وظائف ذات أجر أعىل،‏ وتزيد تكاليف األعامل وتضعف من قدرة الرشكات

عىل توظيف العامل الجيدين،‏ وتضعف من حوافز العامل (19) . ومع وضع ضخامة

حجم هذه اآلثار يف االعتبار،‏ كنتُ‏ قد فوجئت أكرث بضخامة حجم االنخفاضات يف

األجور،‏ وخصوصا يف اليونان،‏ بينام مل أُفاجأ باالنخفاضات املناظرة يف اإلنتاجية التي

أُشيَ‏ إليها يف الفصل الثالث (20) .

ملاذا تؤدي عادةً‏ التخفيضات الداخلية لسعر الرصف

إىل انخفاضات كبرية يف الناتج املحيل اإلجاميل؟

يُنظر إىل التخفيضات الداخلية لسعر الرصف،‏ كام أرشنا سابقا،‏ باعتبارها طريقة

لتصحيح االختالالت الخارجية وأيضا طريقة لدعم االقتصاد الكيل الضعيف،‏ ألنه مع

زيادة الصادرات،‏ سوف ينمو االقتصاد.‏ وقد تعرضت الرتويكا لخيبة األمل بشكل

مستمر؛ فالنمو يف الصادرات كان أصغر مام تُوُقِّع ‏)كام قد الحظنا ذلك من فورنا(،‏

ولكن االنخفاض يف الناتج املحيل اإلجاميل كان أكرب بكثي مام توقعوا،‏ بل أكرب حتى

مام ميكن نسبته إىل األداء املخيب لآلمال للصادرات.‏

وقد ارتكبت تحليالت الرتويكا خطأين فادحني.‏ فقد وجهت هذه التحليالت

أوال اهتامما غي كاف ملا قد يحدث للقطاع الكبي واملهم الذي ال تدخل منتجاته

127


اليورو

يف التجارة،‏ والذي يشمل كل يشء من املطاعم إىل صالونات الحالقة واألطباء

واملعلمني،‏ والذي عادة ما يصل حجمه إىل نحو ثلثي حجم الناتج املحيل اإلجاميل

‏)عىل النقيض،‏ فالسلع املصنعة،‏ مثل املنسوجات والسيارات،‏ يُطلق عليها السلع

‏»الداخلة يف التجارة«(.‏ وقد تجاوز االنكامش يف الطلب ويف ناتج القطاعات التي

ال تدخل يف التجارة االستجابةَ‏ البطيئةَ‏ يف قطاع التصدير - وهو ما يفرس االنخفاضات

الكبية يف الناتج املحيل اإلجاميل.‏

وحينام تستدين البلدان ‏)أو املرشوعات والعائالت داخل البلدان(‏ باليورو ‏)أو

بعملة أجنبية(،‏ يزيد التخفيض الداخيل لسعر الرصف من نسبة املديونية،‏ أي نسبة

ما تدين به العائالت والرشكات،‏ بل حتى الحكومات قياسا إىل دخولهم ‏)االسمية(.‏

ويُنظر إىل حد بعيد إىل نسبة املديونية املرتفعة عىل أنها أدت دورا حاسام يف جلب

الركود الكبي.‏ ويزيد التخفيض الداخيل لسعر الرصف من الهشاشة االقتصادية بدفع

مزيد من العائالت والرشكات إىل حافة اإلفالس.‏ وبصورة حتمية يُخفِّض هؤالء من

إنفاقهم عىل كل يشء.‏ ويعد الخفض املحقق يف الواردات أحد أسباب التحسن

يف ميزان التجارة،‏ بينام يعد خفض الطلب عىل السلع املنتجة محليا أحد أسباب

االنخفاض الشديد يف الناتج املحيل اإلجاميل.‏

وكانت النتائج واملظاهر املتعددة لهذه الهشاشة جلية يف أزمة رشق آسيا.‏ فمع

االنخفاض يف أسعار رصف عمالت بلدان األزمة،‏ مل يعد يف وسع العديد من الرشكات

والعائالت ببساطة سداد ما سبقت استدانته بالعمالت األجنبية.‏ وارتفعت حاالت

التخلف عن السداد واإلفالسات ارتفاعا بالغا.‏ ومام عمَّ‏ ق هذه املشكلة التخلف عن

السداد اإلسرتاتيجي من قِبل العائالت والرشكات التي كان يف إمكانها سداد ديونها

بتكلفة ضخمة.‏ فقد اغتنمت فرصة الرتدد املحيط بحاالت حبس الرهن وإشهار

اإلفالس الجامعية يف محاولة إعادة التفاوض عىل ديونها.‏

وكانت لهذا آثار ترتبت عليه.‏ فقد عاىن الدائنون أوال.‏ حيث تدهورت

ميزانياتهم مع تصاعد حاالت التخلف عن السداد.‏ وانخفضت قدرتهم ورغبتهم يف

منح القروض.‏ ويف االضطراب االقتصادي الذي أىت عقب خفض األجور والتغيات

االقتصادية األخرى املصاحبة لألزمة ارتفعت املخاطر،‏ وهذا،‏ أيضا،‏ أدى إىل عدم

التشجيع عىل اإلقراض (21) .

128


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

ويف أزمة اليورو مل يكن يف وسع سعر الرصف التغي ‏)يف أحد البلدان داخل

منطقة اليورو قياسا إىل عمالت اآلخرين(،‏ لكن التخفيض الداخيل لسعر الرصف،‏ يف

محاولة إحداث خفض حقيقي لسعر الرصف،‏ كان له األثر نفسه متاما،‏ مبا يف ذلك

جميع النتائج التي ترتبت عىل هذا التخفيض والتي ذُكِرت سابقا.‏

كانت واحدة من النتائج هي تلك التي ترتبت عىل النظام املرصيف،‏ وكان

اإلخفاق يف مراعاة هذه النتائج بشكل كاف هو السبب الرئيس الثاين لتقليل

الرتويكا من ضخامة حجم اآلثار السلبية للتخفيض الداخيل لسعر الرصف.‏ وكان

ينبغي ألطراف الرتويكا أن يكونوا عىل وعي بأن هذه اآلثار كان من املحتمل أن

تكون أسوأ يف أوروبا مقارنة برشق آسيا:‏ ألنه مع إضعاف البنوك نتيجةً‏ للتخلف

عن السداد وإشهار اإلفالسات،‏ كان بوسع األموال االنتقال من البنوك يف البلدان

الضعيفة إىل البنوك يف البلدان القوية داخل منطقة اليورو.‏ وكان باستطاعة هذا

بدوره أن يؤدي إىل مزيد من االنخفاضات يف اإلقراض ومزيد من االنخفاضات يف

الناتج املحيل اإلجاميل.‏

تفسري أداء الصادرات املخيب لآلمال

يساعد كل ذلك عىل تفسي أداء الصادرات املخيب لآلمال.‏ أوال،‏ نجد أنه حتى

حينام تنخفض األجور ال مترر الرشكات يف العادة هذا االنخفاض يف األجور لينعكس

يف أسعار املنتج.‏ حيث يكونون قلقني.‏ فهم يعرفون أنهم يف حالة حاجتهم إىل

التمويل لن ميكنهم التوجه إىل البنوك.‏ وأصبح من املحتم عليهم أن يعززوا مراكزهم

املالية.‏ وبالنسبة إىل العديدين منهم،‏ أدت األزمة ذاتها إىل اإلرضار البالغ برثواتهم

الصافية.‏ ورمبا تكون الرشكات التي تعمل يف الوقت ذاته يف كل من القطاعات

التي تدخل منتجاتها يف التجارة والقطاعات التي ال تدخل منتجاتها يف التجارة

عرضة للتأثر بشكل خاص،‏ ألنه حتى لو بقيت الصادرات قوية،‏ فاملبيعات املحلية

تنخفض.‏ وواحدة من الطرق القليلة التي ميكن للرشكات عن طريقها تقوية مركزها

املايل هي اإلبقاء عىل األسعار عىل ما هي عليه.‏ ومن املؤكد أن هناك تكلفة طويلة

املدى يف الحفاظ عىل األسعار مرتفعة،‏ ولكن املكاسب قصية املدى يف عامل التقشف

والتمويل املقيد الذي صنعته منطقة اليورو يف بلدان األزمة تفوق هذه التكاليف.‏

129


اليورو

ونحن نرى هذا الرتدد يف مترير خفض األجور يف هيئة أسعار أقل بشكل كبي يف

البيانات املتوافرة.‏ فلو كان قد حدث مترير كامل لتخفيضات األجور،‏ لكانت األجور

الحقيقية ‏)األجور املعدلة وفقا ملعدل التضخم(‏ قد بقيت عىل حالها،‏ حيث تنخفض

األسعار مبا يتامىش مع التخفيض يف كلفة العمل.‏ والواقع،‏ كام أرشنا آنفا،‏ أن تكلفة

وحدة العمل انخفضت بنحو 16 يف املائة من العام 2008 إىل العام 2014 يف

اليونان.‏ وبينام انخفضت األجور االسمية،‏ ومن ثم هبطت تكلفة العمل،‏ استمرت

األسعار يف االرتفاع،‏ وإن يكن ذلك قد حدث مبعدل أقل من املعدالت املسجلة يف

بقية أنحاء منطقة اليورو.‏

ومل يكن هذا هو التأثي الوحيد غي املقصود،‏ وإن كان مهام،‏ لجانب العرض

يف منطقة اليورو املعتمد عىل التخفيض الداخيل لسعر الرصف.‏ فقد وصفت سابقا

التأثي يف النظام املايل.‏ وتعد تكلفة رأس املال واحدة من التكاليف األكرث أهمية

للمرشوعات،‏ فبينام كان قادة منطقة اليورو يعظون بأهمية استعادة التنافسية

يف البلدان املأزومة،‏ كانوا يف الواقع يزعزعون التنافسية؛ ألن كال من هيكل منطقة

اليورو وسياساتها سببا تكلفةً‏ أعىل لرأس املال،‏ حيث أُضعِفت البنوك وهربت

األموال من البلدان املأزومة.‏

واملفارقة أن ‏»الحب القايس«‏ ‏)٭(‏ الذي أُدمِج جزئيا يف هيكل منطقة اليورو،‏

باعتباره شبه خيار من خيارات السياسة،‏ بينام كان يرمي إىل مساعدة الصادرات

‏)عن طريق خفض األجور(،‏ أرض بها بطريقة أخرى.‏ ومع مواجهة املرشوعات الصغية

بتزايد مخاطر إشهار إفالسها،‏ أحجم األجانب الذين رمبا كانوا يشرتون سلعهم،‏ مع

قلقهم من أنه رمبا حينام يحني وقت توريد البضاعة،‏ قد ال يكون بإمكان هذه

املرشوعات فعل ذلك.‏ فقد كانوا قلقني من أنه رمبا قبل هذا التاريخ،‏ قد تكون هذه

املرشوعات مجربة عىل إشهار إفالسها.‏ ويرغب محل البيع بالتجزئة يف التأكد من

‏)٭(‏ يُعرَّفُ‏ ‏»الحب القايس«‏ love( )tough بأنه تعزيز رفاه الشخص،‏ السيام املدمن أو الطفل أو املجرم،‏ عن طريق

فرض قيود معينة عليه،‏ أو إلزامه بتحمل املسؤولية عن أفعاله وترصفاته.‏ أي أن فرض بعض القيود هو يف مصلحة

رفاه الفرد ذاته.‏ واملؤلف هنا يشي إىل املوقف الداعي إىل التخفيض الداخيل لسعر الرصف عرب خفض األجور عىل

أنه نوع من ‏»الحب القايس«،‏ باعتبار أن ما يُدعى إليه هو أمر غي مرحبٍ‏ به.‏ ولكن من يروِّجون للتخفيض الداخيل

لسعر الرصف يرون أن ذلك يف مصلحة رفاه البلدان يف نهاية املطاف؛ ألنه سيؤدي إىل زيادة الصادرات،‏ ومن ثم زيادة

النمو يف الناتج املحيل اإلجاميل،‏ واستعادة التشغيل الكامل.‏ ‏]املرتجم[.‏

130


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

أن السلع سوف تكون موجودة يف املحل وقت احتفاالت الكريسامس.‏ فعدم توريد

السلع ميكنه أن ميثل خسائر هائلة ألرباح كان ميكن تحقيقها.‏ وهكذا يحدث،‏ مرة

أخرى،‏ تشابك وتداخل بني العرض والطلب (22) . وأدى اإلخفاق يف توفي عرض كاف

من رأس املال وارتفاع مخاطر إشهار اإلفالس إىل وضع مزيد من الصعوبات أمام

قدرة بلدان األزمة عىل التصدير.‏

ومل يكن هيكل اليورو والسياسة سيئني فقط يف املدى القصي:‏ فقد كانا سيئني

أيضا يف املدى الطويل،‏ فارتفاع املخاطر يعني أن املرشوعات كانت أقل قدرة عىل

االضطالع باالستثامر أو حتى زيادة التوظيف عند أي معدل للفائدة.‏

ولهذا مرة أخرى بينام كان التخفيض الداخيل لسعر الرصف يستهدف زيادة

التنافسية،‏ واستعادة التوازن الخارجي،‏ وتعزيز فرص العمل،‏ كان له يف الحقيقة أثر

معاكس متاما ليس فقط يف املدى القصي بل حتى يف املدى الطويل.‏

االختالالت داخل أوروبا:‏ الخفض التنافيس ألسعار الرصف

بسبب اختالف مرونة األجور بني بلدان منطقة اليورو،‏ فإن ترك هذه األجور ببساطة

لألسواق ليك تتوىل عملية تعديلها يعني،‏ يف املدى القصي عىل األقل،‏ أن االختالالت

التجارية ميكن أن تتفاقم.‏ فالدول التي تتميز مبرونة أكرب يف األجور واألسعار ستكون

لديها مزية تنافسية عن جيانها الذين ال يتميزون بالدرجة نفسها من املرونة.‏ فقد

استطاعت أملانيا الحصول عىل موافقة عاملها عىل خفض األجور واملزايا األخرى التي

يحصلون عليها يف تسعينيات القرن املايض.‏ ولكن األمر األكرث أهمية عادة هو مدى

فعالية النقابات يف مجرد مجاراة التضخم والحصول عىل حصة من اإلنتاجية املتزايدة.‏

وتنجم مثل هذه االختالفات من الرتتيبات املؤسسية ‏)عىل سبيل املثال،‏ الطريقة التي

يُتفاوض بها حول األجور:‏ ففي بعض البلدان يُتفاوض حول األجور عىل املستوى الوطني،‏

بينام يف بعض آخر يُتفاوض عىل املستوى القطاعي،‏ بينام اليزال بعضٌ‏ غيهام يتحدد

عىل مستوى املرشوع،‏ بل حتى عىل مستوى الوحدة اإلنتاجية(،‏ واالختالفات الثقافية

‏)يبدو العامل األملان أكرث استعدادا للقبول بخفض األجور من العامل يف البلدان األخرى(،‏

واالختالفات الهيكلية ‏)تعد العائالت األملانية أقل مديونية من عائالت البلدان األخرى،‏

لذا تُعَد اآلثار السلبية الرتفاع نسبة مديونية العائالت نتيجة لخفض األجور أقلَّ‏ بكثي(.‏

131


اليورو

وبالطبع مثل هذه االختالفات مل تكن لتعني اليشء الكثي لو مل تكن البلدان

قد انضمت معا للمشاركة يف عملة موحدة.‏ فحينئذ كان ميكن للبلدان التي تتسم

بجمود األجور التعويض عن ذلك بخفض أسعار رصف عمالتها.‏ وكان ميكن لهذه

البلدان مساندة اقتصاداتها عن طريق خفض سعر الفائدة.‏ ولكنها بانضاممها إىل

منطقة اليورو تخلت عن مثل هذه الخيارات.‏

ويف عامل تستطيع فيه البلدان تحديد سعر رصف عمالتها ‏)قيمة عمالتها،‏ فلنقل،‏

يف مقابل الدوالر(،‏ وحيث يستطيع البلد خفض سعر رصف عملته للحصول عىل مزية

تنافسية عىل حساب البلدان األخرى - للمساعدة عىل استعادة اقتصاد البلد ملستوى

التشغيل الكامل عىل سبيل املثال - نقول إن هذا البلد انخرط يف خفض تنافيس لسعر

الرصف.‏ وهذا الخفض يعد نوعا من سياسات إفقار الجار:‏ حيث يحقق بلد ما مكاسب

عىل حساب رشكائه التجاريني.‏ وقد وسمت سياسات إفقار الجار الكساد العظيم،‏

وكان واحد من أسباب تأسيس صندوق النقد الدويل هو كبحَ‏ مثل هذه التخفيضات

التنافسية يف قيم العمالت.‏ أما داخل منطقة العملة،‏ مثل منطقة اليورو،‏ فمن الواضح

أن البلدان ال تستطيع الدخول يف شكل تقليدي من أشكال الخفض التنافيس لسعر

الرصف.‏ ولكن ما سبق أن أوضحناه هو نوع آخر من الخفض التنافيس لسعر الرصف

حيث تُقمع األجور،‏ لذا يصبح سعر الرصف الحقيقي أقل يف مقابل عملة الجيان.‏ وهذا

الشكل من الخفض التنافيس لسعر الرصف مثل سياسة إفقار الجار بالضبط ولكنه أكرث

إرهاقا:‏ فالعبء املؤذي لهذه السياسة يُلقى عىل عاتق عامل البلد الذي يشارك فيها.‏

امليل نحو البطالة

هناك جانب واحد إضايف لتصميم منطقة اليورو جعل األمور أكرث سوءا.‏

فكام الحظنا يف الفصل األول كان املطلوب من البنك املركزي األورويب الرتكيز عىل

التضخم.‏ وحقيقة األمر أن منطقة اليورو كانت،‏ يف صلب بنائها ذاته،‏ متيل نحو

تحقيق معدالت بطالة مرتفعة - ومتيل تجاه أداء لالقتصاد الكيل أكرث ضعفا يف

املتوسط مقارنة مبا كان ميكن أن يكون عليه الحال لو كانت املهمة املكلف بها البنك

املركزي األورويب أكرث توازنا مثل املهمة التي كُلِّف بها نظام االحتياطي الفدرايل يف

الواليات املتحدة.‏ وقد زاد هذا ببساطة من حدة مشكلة البطالة يف البلدان املأزومة.‏

132


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

الحد األدىن الصفري

ولكن يف هذا الوقت حتى البلدان األقوى مسّ‏ ها الرض هي األخرى.‏ وكان االتحاد

األورويب قد نجح يف جعل أوروبا متكاملة أكرث اقتصاديا.‏ إذ إن جزءا كبيا من تجارة

كل بلد تحدث مع البلدان األخرى داخل أوروبا ‏)ما يقرب من ثلثي قيمة السلع

والخدمات املُصدَّ‏ رة تذهب إىل البلدان األخرى أعضاء االتحاد األورويب(‏ (23) . وارتد

الضعف،‏ ليس فقط يف البلدان املأزومة،‏ بل أيضا يف فرنسا وإيطاليا،‏ عىل البلدان

األقوى،‏ خاصة أن بعض البلدان األقوى - مثل أملانيا - تعاين صنمية العجز،‏ ولهذا

تحافظ عىل التقشف،‏ حتى حينام يكون باستطاعتها الحصول بسهولة عىل التمويل.‏

وتتعامل املذاهب ‏»القدمية«‏ مع هذا املوقف بالنحو التايل:‏ ال تقلقوا،‏ حتى لو كان

بلد ما ال يستطيع استخدام سياسته املالية،‏ فستكون السياسة النقدية كفيلة بحفز

االقتصاد.‏ فلو أصبحت أملانيا ضعيفة فمن الواضح أن البنك املركزي األورويب سوف

يتقدم لإلنقاذ عن طريق خفض أسعار الفائدة.‏

ولكن يف وقت تأسيس منطقة اليورو مل يكن أحد يتصور أن أسعار الفائدة رمبا

تصل إىل النقطة التي ال ميكن تخفيضها بعدها؛ حيث تبلغ مستوى الحد األدىن

الصفري (24) . وفور حدوث ذلك ال ميكن موازنة اآلثار الضارة للتباطؤ االقتصادي لدى

الجيان بواسطة السياسة النقدية.‏ ولهذا ال غرابة يف أن النمو األملاين كان مصابا بفقر

دم شديد،‏ كام رأينا يف الفصل الثالث.‏

العجز املزدوج

املناقشة يف هذا القسم - بل حتى أكرث يف القسم التايل حيث أحاول تفسي ملاذا

يؤدي العجز التجاري املزمن عادةً‏ إىل أزمة - تنطوي عىل لغز.‏ ينبغي علينا توقع أن

سلب القدرة عىل تعديل سعر الرصف قد يؤدي إىل عجز تجاري،‏ وأن هذا العجز

التجاري سوف يُعرِّض استقرار منطقة اليورو للخطر.‏ ملاذا إذن مل يركز هؤالء الذين

أنشأوا منطقة اليورو عىل هذه العجوزات التجارية؟ بل بدال من ذلك رُكِّز االنتباه

عىل العجوزات املالية.‏

وليك نفهم ملاذا رمبا يكونون قد فعلوا ذلك عىل املرء أن يرجع إىل املايض.‏ كانت

فكرة أن العجوزات الحكومية والعجوزات التجارية مرتبطتان بشدة فكرةً‏ شائعة جدا

133


اليورو

يف أوائل التسعينيات حينام أُسِّ‏ سَ‏ ت منطقة اليورو.‏ وقد شقت هذه الفكرة طريقا لها

يف كتب االقتصاد التعليمية املعتمدة تحت عنوان ‏»العجز املزدوج«.‏ وكان األساس

املنطقي لذلك بسيطا:‏ لو زادت الحكومات اإلنفاق مع بقاء األشياء األخرى عىل

حالها،‏ فسوف يزيد الطلب الكيل.‏ ولو كان االقتصاد عند مستوى التشغيل الكامل،‏

فسوف ميكن تلبية هذه الزيادة يف الطلب الكيل فقط عن طريق زيادة الواردات.‏ ولو

أن الصادرات مل تشهد تغريا ‏)فلنقل،‏ ألن سعر رصف العملة مل يتغي(،‏ حينئذ ينبغي

أن تكون هناك بالرضورة زيادة يف العجز التجاري.‏ وتبني العبارات السابقة املكتوبة

بأحرف مائلة الفروض الحاسمة لهذا األساس املنطقي للفكرة،‏ ولكن البحث الالحق

يف هذا املوضوع أظهر أن هذه الفروض كثيا ما تكون غي صحيحة.‏

نحن نفهم اآلن أن العجوزات التجارية عادة ما ال يكون السبب يف حدوثها

هو اإلرساف الحكومي،‏ ولكنها تحدث نتيجة تجاوزات القطاع الخاص،‏ وبناء عىل

ذلك لن يحول تحجيم اإلرساف الحكومي - وهو ما تحاول معايي التقارب عمله -

بالرضورة دون حدوث عجوزات تجارية كبية ومزمنة.‏

يف الواليات املتحدة،‏ عىل سبيل املثال،‏ هبط العجز الحكومي بصورة مذهلة يف

عهد إدارة كلينتون - فعند نهاية فرتة حكم كلينتون كان هناك فائض يف املوازنة –

وعىل رغم ذلك استمر العجز التجاري يف النمو.‏ وقد زادت االستثامرات لتحل محل

اإلنفاق الحكومي.‏

والحقيقة أن العالقة السببية بني العجز التجاري واإلنفاق الحكومي،‏ بالقدر

الذي ميكن أن توجد فيه مثل هذه العالقة،‏ كانت محل تساؤل.‏ فحينام يتعرض

بلد لعجز تجاري،‏ رمبا نتيجة النخفاض مفاجئ يف الصادرات بسبب تدهور النشاط

االقتصادي عند الرشكاء التجاريني،‏ تزيد البطالة بطبيعة الحال نتيجة للقصور يف

الطلب الكيل.‏ ولكن منذ عرص كينز متيل الحكومات الدميوقراطية إىل االستجابة ملثل

هذه الزيادات يف البطالة بزيادة اإلنفاق الحكومي.‏ ولهذا ليست الزيادة يف اإلنفاق

الحكومي هي التي تسبب الزيادة يف العجز التجاري،‏ بل إن الزيادة يف العجز

التجاري هي التي تسبب اإلنفاق الحكومي (25) .

وما حدث يف أوروبا يف ظل اليورو أكد هذه الرؤى.‏ يف اليونان فقط كان اإلنفاق

الحكومي مصدرا يعتد به للعجز التجاري الذي حققه البلد.‏

134


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

وكان هناك سبب آخر يفرس ملاذا كان العديد من مؤسيس منطقة اليورو رمبا

أقل قلقا من العجز التجاري الذي يسببه القطاع الخاص.‏ فقد اعتقدوا أنه لو قُدِّر

حدوثُ‏ ذلك فلن ميثّل مشكلة؛ ففي أيديولوجيتهم ال ميكن للقطاع الخاص أن

يرتكب أي خطأ.‏ إذ لو حدث أن سُ‏ جِّ‏ ل عجزٌ‏ تجاري،‏ فسوف يكون هذا أمرا جيدا.‏

فهو يعني،‏ عىل سبيل املثال،‏ أن املرشوعات تقرتض من أجل استثامرات إنتاجية

ستمكنها من توليد عائد أكرث من كافٍ‏ لتغطية الديون املطلوب متويلها.‏

وعىل هذا كانوا يعتقدون أن هذا يعد شهادة لقوة إميانهم يف األسواق:‏ هناك

تاريخ طويل من تجاوزات السوق،‏ حيث تُقدم فقاعات قطاع اإلسكان يف كل من

إسبانيا وإيرلندا ‏)من دون أن نأيت عىل ذكر تلك الفقاعة التي حدثت يف الواليات

املتحدة األمريكية(‏ أمثلة إضافية عىل هذا التجاوزات.‏

هل كان هناك بديل آخر؟

بينام يعاين البعض يف أوروبا،‏ وخصوصا يف أملانيا،‏ حالةَ‏ إنكارٍ‏ – مع استمرارهم

يف االعتقاد،‏ يف وجه العديد من الدالئل الدامغة التي تربهن عىل العكس،‏ بأنه

لو ضُ‏ بِطَ‏ ت العجوزات الحكومية،‏ فمن املمكن ضبط العجوزات التجارية - كان

اآلخرون أكرث واقعية.‏ فهم يعتقدون أن مشكلة العجوزات التجارية ينبغي أن تُعالَج

بشكل مبارش،‏ وهو ما يتطلب حتى قيودا أقوى لالقتصاد الكيل:‏ ليس فقط وجود

انضباط يف امليزانية،‏ بل يتطلب أيضا رشوطا أخرى،‏ مثل تلك الرشوط املرتبطة

بعجوزات الحساب الجاري ‏)الفجوات بني الواردات والصادرات(.‏

كانت هناك مشكلة لدى االقرتاحات الداعية إىل توسيع الئحة املتطلبات ‏)إىل جانب

املشكلة السياسية الواضحة املتعلقة بكيف ميكن ملنطقة اليورو املوافقة عىل مجموعة

القواعد املوسعة(؛ فأي من تلك القيود كانت تتناقض مع البنيان النيوليربايل لليورو.‏

فكيف ميكن للمرء التفرقة بني عجز تجاري ‏»جيد«‏ - وهو العجز الذي يُعَدُّ‏ نتيجة

طبيعية لتفاعل القوى االقتصادية - والعجز ‏»السيئ«؟ كان من الواضح أن العجوزات

اإلسبانية ‏»سيئة«،‏ ولكن بعد وقوعها.‏ فاألموال التي تدفقت عىل البلد استُخدمت

لتمويل الفقاعة العقارية.‏ وكانت تلك غلطة.‏ ولكنها كانت غلطة قطاع خاص،‏ متاما

كام كانت فقاعات التكنولوجيا واملساكن يف الواليات املتحدة غلطات قطاع خاص.‏

135


اليورو

ولكن بصورة مسبقة من الصعب معرفة االستثامرات الجيدة من تلك التي تعد جزءا

من موجة من الوفرة الالعقالنية.‏ فأصوليو السوق ال ميكنهم أبدا تحمُّ‏ ل الحكومة حتى

عند مجرد محاولتها وضع مثل هذا التمييز بني هذين النوعني من تدفق التمويل.‏

فهذا يتضمن االعتامد عىل تقدير بيوقراطي حكومي ما،‏ أكرث من االعتامد عىل تقدير

رجل األعامل الذي من املفرتض أنه وضع أمواله الخاصة واستثامراته عىل املحك.‏

والحقيقة أنه حتى إن بدا من الواضح أن السوق قد ضلت طريقها،‏ مع الفقاعات

العقارية يف إسبانيا وأيرلندا،‏ فقد كان قادة منطقة اليورو االقتصاديون النيوليرباليون

يدبجون شعرا عن معجزات السوق.‏ وحينام قلت إنه ينبغي عىل الحكومة أن تروِّض

مثل هذه التجاوزات،‏ قوبلت هذه الفكرة بالذعر،‏ وتساءلوا:‏ هل كنت أشي بذلك إىل

أن بيوقراطيي الحكومة أكرث حكمة من القطاع الخاص؟

هكذا يعَد اليورو عالقا بني نارين:‏ فاألسواق مبفردها ال ميكنها إدخال التعديالت

الرضورية الكفيلة بتحقيق التشغيل الكامل والتوازن الخارجي.‏ والتخفيض الداخيل

لسعر رصف العملة ال يفلح.‏ كام أنه ببساطة لن يكون ضبط العجوزات املالية

كافيا هو اآلخر:‏ فهو يجعل من ضامن تحقق مستوى التشغيل الكامل أكرث صعوبة

كام يفعل القليل لضامن تحقيق التوازن التجاري.‏ وتنظيم االقتصاد بطرق أخرى

لضامن متايش الواردات مع الصادرات،‏ سوف يتطلب تدخالت غي مقبولة يف اقتصاد

السوق،‏ عىل األقل من منظور األيديولوجيا النيوليربالية التي يرتكز عليها اليورو.‏

هناك تطورات مؤسسية أخرى تنطوي عىل مزيد من التكامل االقتصادي - التحرك

يف االتجاهات التي مكَّ‏ نت العملة املوحدة من النجاح يف الواليات املتحدة املتنوعة

واملتباينة - والتي قد متكن اليورو من النجاح.‏ وسوف نناقش هذه التطورات

املؤسسية يف هذا الكتاب فيام بعد.‏ ولكن أوال علينا أن نفهم عىل نحوٍ‏ أكمل مخاطر

عدم تصحيح عجوزات الحساب الجاري.‏

ملاذا تعَد مناطق العملة عُ‏ رضة لألزمات

ال تواجه البلدان التي تحاول تثبيت سعر رصف عملتها مقابل عمالت البلدان

األخرى فرتات مطولة من البطالة فقط - بسبب افتقارها إىل األدوات التي تعيدها

إىل مستوى التشغيل الكامل حينام تتعرض لصدمة عكسية – بل إنها تكون أيضا

136


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

عُ‏ رضة لألزمات.‏ ويصح األمر نفسه يف البلدان األعضاء يف منطقة عملة،‏ فهي أيضا

ال ميكنها تعديل أسعار الرصف.‏ والتكاليف االقتصادية لهذه األزمات هائلة،‏

وال يقترص وقعها عىل مجرد البطالة املرتفعة والخسارة يف الناتج اليوم،‏ ولكن يف

خفض معدالت النمو سنواتٍ‏ عدة،‏ بل يف بعض الحاالت عقودا.‏

وقد حدثت مثل هذه األزمات مرارا وتكرارا،‏ ويف هذا السياق تعد أزمة اليورو

هي مجرد األزمة األحدث واملثال األكرث سوءا.‏ يف الفصل الثاين،‏ عىل سبيل املثال،‏

قدمت وصفا ألزمة األرجنتني خالل الفرتة ‎2002-2001‎م.‏

ومن السهل تفهم ملاذا تعَد مثل هذه األزمات شائعة جدا مع ربط سعر رصف

العملة ‏)٭(‏ . فلو أصبح سعر الرصف بطريقة ما مرتفعا للغاية،‏ سوف يكون هناك عجز

تجاري،‏ إذ تفوق الواردات الصادرات.‏ وهذا العجز تتعني تغطيته بطريقة أو بأخرى،‏

حيث يحدث ذلك بواسطة ما يُطلق عليه تدفق رأس املال إىل الداخل.‏ وميكن لهذا

التدفق أن يأخذ شكل الديون أو االستثامرات املبارشة.‏ واملشكالت التي تفرضها الديون

هي األكرث وضوحا:‏ ففي نهاية املطاف تصل الديون إىل مستوى مرتفع جدا بحيث

تبدأ مشاعر الدائنني يف التغي.‏ فهم يقلقون من عدم سداد الديون.‏ وهذه التغيات يف

املشاعر ميكن أن تحدث بنحو تدريجي أو برسعة.‏ ومن املثي للدهشة - وهو ما يعد مرة

أخرى شاهدا عىل عدم رشادة السوق - أن هذه التغيات تحدث بنحو مفاجئ،‏ وليس

استجابة ألي ‏»أنباء«‏ حقيقية.‏ واللغز عادة ال يكمن يف تشاؤم الدائنني،‏ ولكن اللغز هو

ملاذا مل يكونوا أكرث تشاؤما يف وقت مبكر عن ذلك.‏ وقد أُطلق عىل مثل هذه التغيات

‏»التوقفات املفاجئة«‏ (26) ؛ فتدفق األموال عىل البلد يتوقف فجأة ويدخل البلد يف أزمة.‏

وعندما يحدث تغي يف املشاعر برسعة يكون من املرجح أن تتبع ذلك أزمةُ‏

ديون،‏ مع رفض الدائنني تأجيل سداد ديونهم عند حلول أجل سدادها،‏ وال يجد البلد

أي أحد لديه االستعداد إلقراضه.‏ وتكون خيارات البلد عندئذ محدودة:‏ فإما التخلف

عن السداد،‏ وإما الذهاب إىل صندوق النقد الدويل للحصول عىل حزمة إنقاذ،‏ بقبول

خسارة البلد سيادته االقتصادية مع القرض املصحوب برشوط قاسية (27) .

‏)٭(‏ يُقصد بربط سعر رصف العملة تثبيت سعر رصف عملة بلد ما مقابل عملة بلد آخر.‏ فإذا رُبط سعر رصف عملة

البلد بالدوالر األمرييك مثال،‏ يتحدد سعر الرصف لعملة هذا البلد إزاء بقية العمالت بالتحرك يف سعر رصف الدوالر

إزاء هذه العمالت يف ظل ثبات العالقة مع الدوالر.‏ ‏]املرتجم[.‏

137


اليورو

عادة ما تؤدي التجاوزات التي يقرتفها القطاع الخاص إىل عجز تجاري،‏

وعادة ما يحدث االقرتاض من الخارج من قِبل القطاع العائيل أو املرشوعات،‏ عرب

الوساطة التي تضطلع بها البنوك املحلية التي تقرتض،‏ فلنقل بالدوالر من الخارج

ليك تقرض هذه األموال،‏ عىل سبيل املثال،‏ للمستهلكني لرشاء سيارات ‏)مثلام

حدث يف أيسلندا(‏ أو سلع استهالكية أخرى.‏ ويف حال طالب الدائنون األجانب

بسداد أموالهم من البنوك،‏ ومل تستطع البنوك جمع املبلغ املطلوب،‏ فحينئذ تكون

لدينا أزمة مالية (28) .

والعجز التجاري ذاته يخلق مشكلة أخرى.‏ فالنسبة املرتفعة من الواردات

تضعف الطلب الكيل املحيل.‏ وإذا مل تكن هناك فورة استثامرية - مثل فقاعة رهن

عقاري - من أجل ضامن التشغيل الكامل،‏ فعىل الحكومة أن تنفق أكرث (29) . ويف هذه

الحالة يذهب رأس املال املتدفق إىل الداخل لتمويل الدين الحكومي الناشئ.‏ ولكن

إذا مل تنفق الحكومة األموال بحكمة،‏ عىل سبيل املثال،‏ عىل استثامرات عامة تزيد

من إنتاجية البلد وإنتاجه،‏ فسوف تتغي مشاعر املقرضني يف نهاية املطاف.‏

ومرة أخرى هناك أزمة ديون؛ فالحكومة ال تستطيع تأجيل سداد ديونها،‏ يف

حال كانت الديون قصية األجل.‏ ولكن حتى إذا مل تكن هناك مشكلة تأجيل سداد؛

ألن الديون كانت طويلة األجل،‏ فالبلد فجأة ال يستطيع متويل عجزه املايل.‏ وإذا

مل تكن الحكومة راغبة يف متويل إنفاقها بطبع النقود،‏ مبا يحتمل أن ينجم عنه من

تضخم،‏ فعليها أن تقلّص إنفاقها وتدفع باالقتصاد إىل حالة من الرتاجع والتدهور (30) .

وبنحو عام تكون األزمات املالية واملرصفية مرتافقة مع أزمة اقتصادية،‏ مع

هبوط الطلب الكيل والناتج وارتفاع كبي يف البطالة.‏ ويف حالة األزمة املالية أو أزمة

الديون ال تستطيع البنوك االستمرار يف اإلقراض،‏ ويكون عىل املرشوعات والعائالت

التي يعتمد إنفاقها عىل االقرتاض خفض هذا اإلنفاق.‏

ويف حالة اليورو،‏ بالطبع،‏ مل يكن خيار انخفاض سعر الرصف متاحا،‏ فلنقل،‏

بالنسبة إىل اليونان أو إسبانيا،‏ حتى ميكنه أن يصحح من الخلل التجاري.‏ وأدى

هذا إىل أن تكون األزمات االقتصادية واملالية والديون أكرث سوءا.‏ وكام سرنى الحقا،‏

ليك نستعيد شكال من أشكال ‏»التوازن«،‏ يُضحَّ‏ ى بهؤالء الذين يعيشون يف البلدان

املأزومة.‏ فمع ركود عميق مبا فيه الكفاية أو كساد،‏ تُواءَم الواردات مع الصادرات.‏

138


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

ويف كل حالة من الحاالت التي تندلع فيها األزمة،‏ قد يتساءل املرء حقا:‏ ملاذا مل

يرَ‏ املقرِضون أن البلد قد أصبح مثقال بالديون؟ وكيف تركوا الوضع ينحدر إىل هذا

املستوى؟ هنالك إجابتان عن ذلك.‏ األوىل هي أن األسواق املالية تعد قصية النظر.‏

فهي عادة ال ترى أو ال تفهم ما الذي يحدث يف فنائها الخلفي،‏ كام أوضحت ذلك

أزمة الواليات املتحدة املالية يف العام ‎2008‎م.‏ ورؤية أو فهم ما يجري يف أي مكان

آخر هو أمر أكرث صعوبة.‏ إذ تصبح األسواق أسية للرصعات واملوضات،‏ فإقراض

أمريكا الالتينية يف السبعينيات ورشق آسيا يف بداية التسعينيات،‏ عىل سبيل املثال،‏

نجمت عنه يف النهاية أزمات أمريكا الالتينية ورشق آسيا.‏

بالطبع،‏ ال يحب املرصفيون انتقاد أنفسهم،‏ ويلقون باللوم عىل املقرتضني.‏

ولكن هذه القروض هي صفقات اختيارية.‏ فلو كان هناك مقرتض غي مسؤول،‏

فهذا يعني يف الحد األدىن أن هناك مُقرضا غي مسؤول مل يولِ‏ األمر عنايته الكافية.‏

وكان الواقع أسوأ من ذلك.‏ فمن املفرتض أن يكون املقرضون خرباء يف إدارة

املخاطر.‏ ويف عديد من الحاالت استغلوا املشكالت السياسية املزمنة واستفادوا

منها (31) : وعادة ما يكون من السهل إغراء الحكومات ليك تقرتض بصورة مفرطة.‏

فالحكومة القامئة تستفيد من زيادة اإلنفاق،‏ والرخاء الناجم عنه بينام تتحمل

التكلفة مستقبال حكومة أخرى.‏

ويخلق التفاعل ما بني أسواق املال قصية النظر - مع هياكل محفزة تشجع

عىل االقرتاض املتهور غي املسؤول - والحكومات قصية النظر مزيجا تفجييا كامنا،‏

والذي،‏ عندما يجتمع مع ثبات أسعار الرصف يكون من شبه املؤكد انفجاره.‏ وتنشأ

هذه املشكالت داخل الحكومات النزيهة التي متتثل ببساطة للحوافز الطبيعية.‏

ولكن من الواضح أن الفساد ميكنه جعل األمور أسوأ،‏ حيث يدفع قطاع املال الفاسد

رشً‏ ا يف شكل أو آخر للسياسيني الفاسدين أو ألحزابهم السياسية.‏

والسبب الثاين وراء إفراط الحكومات يف االقرتاض هو أنه يُنقذ بنحو منتظم

املقرضون - بواسطة صندوق النقد الدويل،‏ أو بواسطة البنك املركزي األورويب

وبواسطة الحكومات.‏ ومع ترشيك الخسائر بهذا الشكل تتوافر حوافز منحرفة

وسيئة تدفع نحو االنخراط يف االقرتاض من الخارج.‏ وما حدث يف منطقة اليورو

هو مرة أخرى مجرد الحلقة األخية يف سلسلة طويلة من عمليات اإلنقاذ تلك.‏

139


اليورو

‏)وعمليات اإلنقاذ هذه بالطبع تنسب إىل أسامء البلدان التي أُنقذت،‏ مثل عملية

اإلنقاذ املكسيكية والكورية والربازيلية واإلندونيسية والتايلندية.‏ ولكن يف كل حالة

من هذه الحاالت،‏ كان اإلنقاذ هو يف حقيقة األمر مجرد إنقاذ للبنوك الغربية(.‏

وقد أدرك هذا،‏ بالطبع،‏ بعض املراقبني يف أوروبا.‏ وكان ذلك هو السبب وراء

مطالبتهم مبا أُطلقت عليه تورية ‏»مشاركة القطاع الخاص«‏ Private Sector

Involvement ‏)والذي كان له اسمه املخترص الخاص به:‏ .)PSI حيث كان عىل

مقريض القطاع الخاص أيضا تحمل الخسائر.‏ ولكن غالبا ما كانت تأيت هذه

املطالب متأخرة بعد أن تكون األموال قصية األجل الذكية قد حصلت عىل الفرصة

لالنسحاب.‏ ويلقي هذا بالعبء عىل هؤالء الذين قدموا قروضا أطول أجال.‏ ‏)بالطبع،‏

كان يلقى باللوم جزئيا عليهم يف حدوث األزمة نتيجة لإلقراض املفرط،‏ ولكن كان

ينبغي أيضا توجيه اللوم إىل مقريض األجل القصي،‏ بل ويف الواقع يف بعض الحاالت

كان ينبغي توجيه اللوم إليهم أكرث.‏ فرمبا تكون القروض طويلة األجل قد اتُفق

عليها يف وقت كانت تبدو فيه آفاق البلد رائعة.‏ وكان ينبغي أن تكون املشكالت

املحدقة أكرث وضوحا بالنسبة إىل مقريض األجل القصي(.‏ وغالبا كانت املطالب

املتعلقة باإلنقاذ تُفرض عىل األطراف الخاطئة.‏ ففي الفرتة ‎2013-2012‎م،‏ طالبت

أوروبا بقبول املودعني العاديني يف قربص خفضَ‏ مقدار ودائعهم،‏ أي شطب جزء من

قيمة ودائعهم.‏ وقد اعتقدت سلطات منطقة اليورو أنه بإجبار املودعني عىل تحمل

خسائر أكرب،‏ سوف يقللون من كمية األموال التي كان يتعني عليهم دفعها (32) . وحتى

ذلك الوقت كان من املفرتض أنه حينام متر البنوك بعملية إعادة هيكلة،‏ ستتحقق

حامية املودعني.‏ وكانت احتاملية تحمُّ‏ ل املودعني خسارة قد قوضت الثقة بالبنوك يف

البلدان الضعيفة يف منطقة اليورو وأسهمت يف ترك األموال لهذه البنوك،‏ وأسهمت

بذلك يف الوعكة األوروبية (33) .

دور األسواق - واليورو - يف خلق تباين يف أسعار الرصف

يعَد دور العملة املوحدة يف خلق األزمات أكرب مام تشي إليه املناقشة.‏ فقد

بدأنا بافرتاض أنه بنحو ما،‏ أصبح هناك تباين يف سعر الرصف،‏ فبعض البلدان كان

لديها سعر رصف مُغاىل فيه بشدة.‏ فمع انضامم البلدان إىل منطقة اليورو،‏ كانت

140


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

هناك محاولة لضامن أن يكون سعر الرصف ‏»مضبوطا«،‏ أي أن التحول من العملة

القدمية إىل اليورو حدث بنحو صحيح.‏

حتى حينام كانت الرشوط األولية لديهم صحيحة،‏ أدى اليورو نفسه،‏ عىل أي

حال،‏ إىل تباين مع سعر الرصف الحقيقي ‏)أخذا يف االعتبار مستوى األسعار املحلية(‏

الذي كان مرتفعا جدا يف عدد من البلدان،‏ ولذا كانت وارداتهم تتجاوز بنحو منتظم

صادراتهم.‏ واندفعت األموال،‏ عىل سبيل املثال،‏ نحو إسبانيا وأيرلندا يف السنوات

الالحقة عىل بدء العمل باليورو يف العام ‎1999‎م،‏ وبنحو خاص يف السنوات السابقة

عىل اندالع أزمة العام ‎2008‎م.‏ واعتقد املقرضون بشكل أو بآخر أن التخلص من

مخاطر سعر الرصف يعني التخلص من كل أنواع املخاطر.‏ وقد انعكس هذا يف شكل

أسعار الفائدة املنخفضة التي كان عىل هذه البلدان دفعها ليك تقرتض.‏ فبحلول

العام ‎2005‎م،‏ كانت عالوة املخاطرة عىل سندات الحكومة اليونانية ‏)مقارنة بسندات

الحكومة األملانية،‏ أي املقدار الزائد الذي يتعني دفعه للتعويض عن تصورات

املشاركني يف السوق للمخاطر األكرب املرتبطة بالسندات اليونانية مقارنة بالسندات

األملانية املضمونة أكرث(‏ قد هبطت إىل رقم تافه بلغ 0.2 يف املائة،‏ وهبطت أيضا عىل

السندات اإليطالية إىل 0.2 يف املائة،‏ وعىل السندات اإلسبانية إىل 0.001 يف املائة (34) .

وأسعار الفائدة املخفضة التي كان التمويل متاحا بها يف إسبانيا ‏)املقرتنة بنشوة

اليورو،‏ واإلميان بأن اليورو قد افتتح عهدا جديدا من الرخاء واالستقرار(‏ ساعدت عىل

خلق فقاعة عقارية يف السنوات السابقة عىل وقوع أزمة ‎2008‎م،‏ فقد بُنيت منازل يف

إسبانيا أكرث مام بُني يف كل من فرنسا وأملانيا وأيرلندا مجتمعة (35) . وقد أدت فقاعة

العقارات إىل تشويه االقتصاد اإلسباين.‏ فالوفرة الطائشة للقطاع الخاص،‏ وليس اإلنفاق

الحكومي،‏ وضعت االقتصاد اإلسباين يف حالة عدم توازن.‏ والحقيقة أن البعض يف

الحكومة كانوا قلقني،‏ وعملوا بجد من أجل تنويع االقتصاد،‏ وبذلك لو ثبت أنه كانت

هناك فقاعة عقارية،‏ فسيمكن للقطاعات األخرى ‏)يف إسبانيا،‏ مثل قطاع الطاقة الخرضاء

والقطاعات القامئة عىل املعرفة الجديدة(‏ أن متسك بزمام األمور حينام تنفجر الفقاعة.‏

وقد انفجرت الفقاعة قبل أن تنجح هذه الجهود متاما يف تنويع االقتصاد.‏

ويف غياب منطقة اليورو،‏ كان يف إمكان فيضان من األموال التي تسعى إىل

املضاربة أن يغمر البلد ويرفع من أسعار الفائدة للتخفيف من حدة وآثار فقاعة

141


اليورو

العقارات.‏ ولكن ألن إسبانيا جزء من منطقة اليورو فقد أدى ذلك إىل جعل هذا

الخيار أمرا مستحيال.‏ ودولة مثل إسبانيا أو أيرلندا تواجه فقاعة عقارية ميكنها،‏

بل كان يجب عليها،‏ فرض رضائب أرباح رأساملية أو فرض قيود عىل االقرتاض

بواسطة البنوك املحلية.‏ ولكن أيديولوجية أصوليي السوق املهيمنة يف منطقة اليورو

استبعدت مثل هذه اإلجراءات.‏

وميكن للحكومة،‏ عىل سبيل الخيار البديل،‏ أن تخفض من إنفاقها والسامح

باستثامرات مهدرة للقطاع الخاص لتزاحم االستثامرات العامة األعىل إنتاجية.‏ ولكن

كان للحكومات يف إسبانيا وأيرلندا دفق من العائدات الرضيبية املتولدة عن الطفرة،‏

وكانت تشعر بأنها ليست يف حاجة إىل أن تفعل ذلك.‏ وكان كل من البلدين لديه

فائض.‏ وكانت مهمة إدارة التضخم وظيفة البنك املركزي األورويب وليست وظيفتهم.‏

كانت وظيفتهم هي االلتزام بقيود املوازنة التي طالبت بها اتفاقية ماسرتيخت

وإنفاق األموال بنحوٍ‏ جيد،‏ وكانوا يفعلون ذلك.‏ وكان كل يشء وفقا ملعايي التقارب -

وأيديولوجية ذلك الوقت - عىل ما يرام.‏ وباختصار،‏ لقد خلقت القيود املفروضة من

قِبل منطقة اليورو،‏ مصحوبة باألسواق غي الرشيدة واإلطار األيديولوجي النيوليربايل

سعر رصف مغاىلً‏ فيه لليورو وهو ما أدى بدوره إىل األزمة.‏

االقرتاض بالعمالت األجنبية

خلق اليورو أزمة لسبب آخر،‏ وهو األمر الذي يبدو أنه مل يكن متوقعا إىل حد

بعيد،‏ ويُعزى هذا جزئيا إىل أنه خلق موقفا مل يحدث من قبل.‏ فأزمة الديون مل تكن

تحدث عادة يف بالد تكون ديونها بعمالتها الخاصة.‏ فعىل األقل ميكن لهذه البلدان الوفاء

بوعودها بطبع مزيد من النقود.‏ فالواليات املتحدة ال ميكن أن تشهد أزمة عىل النمط

اليوناين،‏ ألنها ببساطة ميكنها طبع النقود التي هي مدينة بها (36) .

يف املايض،‏ كان لدى البلدان الخيار من بني األمور التالية:‏ إصدار الديون

بعملة أجنبية،‏ ومواجهة مخاطر أن ترتفع هذه الديون - بالعملة املحلية - لو

انخفض سعر رصف عملتها،‏ وإذا تعرضت حتى للمخاطر األسوأ بالعجز عن

السداد لو انخفض سعر رصف عملتها بنسبة كبية جدا،‏ أو إصدار الديون

بعملتها الخاصة مع دفع أسعار فوائد أعىل.‏ وبالطبع لو كانت األسواق تعمل

142


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

بنحو جيد،‏ فلم تكن أسعار الفائدة األعىل لتفعل شيئا سوى تعويض املقرضني

األجانب عن مخاطر سعر الرصف - فاألموال التي تُدفع لهم سدادا للديون

رمبا تكون قيمتها أقل بكثي من قيمتها عند الوقت الذي أقرضوا فيه هذه

األموال (37) . ولكن الحكومات قصية النظر ‏)عادة تُرشَ‏ ق بالبيض بواسطة املمولني

الدوليني،‏ بل حتى بواسطة صندوق النقد الدويل(‏ تشجع االقرتاض بالعملة

األجنبية،‏ ألن عبء هذه الديون عىل امليزانية الحالية يكون أقل،‏ وذلك ببساطة

ألن مدفوعات الفائدة االسمية تكون أقل.‏

بعد موجة األزمات التي حدثت يف التسعينيات ويف بداية األلفية الجديدة،‏

تعلمت عديد من الحكومات الدرس.‏ فقد بدأت هذه الحكومات يف االقرتاض

بالعملة املحلية،‏ ومارست ضغوطا عىل الرشكات والعائالت يف بلدانها لالقرتاض

بالعملة املحلية (38) ، وتطورت من ثم أسواق العملة املحلية.‏

وقد خلقت منطقة اليورو موقفا جديدا.‏ فالبلدان والرشكات والعائالت داخل

البلدان تقرتض كلها باليورو.‏ ولكن عىل الرغم من أنهم كانوا يقرتضون بالعملة التي

يستخدمونها،‏ فإنها كانت عملة ال سيطرة لهم عليها.‏

وخلقت أوروبا بنحو غي مقصودٍ‏ املشكلة املألوفة التي تواجهها البلدان النامية مرتفعة

الديون واألسواق الناشئة.‏ فاليونان ال تتحكم يف املطابع التي تطبع العملة التي اقرتضت

بها.‏ وتدين اليونان بأموال باليورو.‏ ومقرضو اليونان ليس لديهم استعداد للموافقة عىل

تأجيل سداد ديونهم.‏ وكانت كمية اليوروهات املتولدة من عائدات التصدير غي كافية

لسداد ما تَدين به.‏ وببساطة مل يكن يف مقدور اليونان الوفاء بالتزاماتها.‏

ومن املفرتض أن تكون األسواق قد أدركت املوقف الخطر الجديد الذي خلقته

منطقة اليورو،‏ وأن تعمل عىل الحد من إقراضها استجابة لذلك املوقف.‏ ولكن،‏ كام

حدث كثيا،‏ كانت األسواق عالقة يف سلسلة أخرى من الوفرة الطائشة - نشوة اليورو.‏

فقد ركزت األسواق عىل فوائد التخلص من مخاطر سعر الرصف،‏ وليس عىل التكاليف

املرتبطة بزيادة مخاطر العجز عن سداد الديون،‏ وخاصة ديون السندات الحكومية.‏

وقد رأى الكثيون يف التدفقات الضخمة للتمويل عالمة عىل نجاح منطقة اليورو.‏ ومع

مراقبتي حاالت مشابهة من تدفق رأس املال عرب الحدود عند اإلطاحة بالقيود عىل حركة

رأس املال،‏ خصوصا من موقعي يف البنك الدويل،‏ مل أكن متفائال كثيا.‏

143


اليورو

ولتجنب مثل هذا املوقف كان ميكن ألوروبا قاطبة أن تقرتض باليورو،‏ ويف

توفي اإلقراض من العائدات لدول مختلفة،‏ والتي ستصبح عندها مسؤولة عن سداد

األموال.‏ ولكن أوروبا اختارت عدم منح القروض بنحو مركزي بهذه الطريقة.‏ ومع

إقدامهم عىل هذا االختيار عزز قادة منطقة اليورو من احتامالت وقوع أزمة ديون.‏

ومل يقترص األمر فقط عىل كون الدول التي وقّعت عىل االنضامم ملنطقة اليورو مل

تدرك متام اإلدراك عواقب االقرتاض بعملة خارج سيطرة أيّ‏ منهم،‏ بل إن هذه البلدان

مل تدرك أيضا اآلثار التي سترتتب عىل سيادتها الوطنية:‏ انتقال السلطة الذي حدث

ميكنه أن يؤدي – وقد أدى بالفعل - إىل إساءة استغالل هذه السلطة.‏ حينام ال يُقْدِم

الدائنون عىل إقراض،‏ فلنقل عىل سبيل املثال،‏ إسبانيا،‏ فاملالذ الوحيد املتاح للبلد هو

التحول نحو رشكائها يف منطقة اليورو،‏ للحصول عىل األموال إما من خالل البنك املركزي

األورويب وإما من خالل آليات أخرى (39) . وقد كان هذا تطورا مصييا وحاسام.‏

ومن دون توافر سبل للحصول عىل التمويل،‏ مييل البلد نحو اإلفالس.‏ ولكن ليس

هناك إطار قانوين دويل جيد يتعلق بإفالس الدول،‏ كام كانت قد تعلمت األرجنتني وعديد

من الدول األخرى مام أثار كدرهم وغمهم.‏ ويف غياب مثل هذا اإلطار،‏ ميكن لحاالت

التخلف عن سداد الديون أن تكون مكلفة للغاية.‏ رمبا يكون لدى الدائنني حافز إلفزاع

البلدان املعرضة للخطر لجعلها تعتقد أن تكلفة التخلف عن سداد الديون سوف تكون

تكلفة مرتفعة للغاية،‏ وأكرث ارتفاعا بكثي من تكلفة اإلذعان ملطالب الدائنني (40) .

وما كادت بعض البلدان يف منطقة اليورو تتحول لتصبح مدينة بأموال لدول

أخرى أعضاء يف املنطقة،‏ حتى تغي االتحاد النقدي:‏ فبدال من وضع الرشكاء

املتساوين الذين يسعون جاهدين من أجل تطبيق السياسات التي تحقق النفع

لكل واحد منهم،‏ أصبح البنك املركزي األورويب وسلطات منطقة اليورو وكاالت

لتحصيل الديون ملصلحة الدول املُقرضة،‏ مع تأثي ونفوذ خاص ألملانيا.‏ وعىل الرغم

من أن هذه مل تكن قط النية عند إنشاء منطقة اليورو،‏ فام قد حدث كان ينبغي

توقع حدوثه.‏ فهذا بكل بساطة يعكس القول املأثور القديم ‏»من يدفعْ‏ أجرة الزمار

يخرتْ‏ اللحن«‏ ‏)٭(‏ . وكان لدى أملانيا املال.‏ وينبغي أن يوافق الربملان األملاين عىل أي

tune. He who pays the piper calls the ‏(٭)‏

144


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

برنامج جديد مهم.‏ وقد أصبح واضحا أن الربملان سوف يوافق عىل هذه الربامج

الجديدة فقط لو كانت هناك ‏»رشوط«‏ كافية تُفرض عىل البلدان املأزومة.‏ وقد

تحدى األملان مرارا حتى دستورية تدابي البنك املركزي األورويب الرامية إىل مساعدة

البلدان املأزومة.‏

وأصبحت القوة املتمثلة يف القدرة عىل حجب منح الديون قوة إلجبار الدولة

عىل تسليم سيادتها االقتصادية فعليا،‏ وهذا بالضبط ما كانت الرتويكا،‏ التي كان

البنك املركزي األورويب من بني أطرافها،‏ قد فعلته بنحو أكرث وضوحا يف حالة اليونان

ومصارفها،‏ وإىل حد أقل يف بقية البلدان املأزومة األخرى.‏ فقد فرضت الرتويكا

سياسات مل تكن تهدف إىل التشجيع عىل تحقيق التشغيل الكامل والنمو،‏ بل تهدف

إىل خلق الفوائض التي رمبا متكن البلدان املدينة من سداد ما سبق أن اقرتضته.‏

ملاذا حتى تعد الفوائض التجارية مهمة؟

لقد رشحت ملاذا،‏ يف ظل نظام أسعار الرصف الثابتة،‏ رمبا ينتهي املطاف

بالدول محققة عجوزات تجارية ضخمة،‏ وكيف أن التوقف املفاجئ يف استعداد

اآلخرين لتمويل هذا العجز ميكنه أن يعجل بوقوع أزمة.‏ والطريق الذي اختارت

أوروبا أن تتخلص به من العجوزات التجارية هو وضع االقتصاد يف حالة ركود.‏

وحينام يكون البلد يف حالة ركود،‏ فهو يكف عن رشاء السلع من الخارج.‏ وتنخفض

بذلك الواردات.‏ ويف هذه الحالة يكون ‏»العالج«‏ سيئا بقدر املرض،‏ بل هو حتى

أسوأ منه.‏

ولكن حتى الفوائض التجارية تعد مشكلة.‏ وقد اعتادت أملانيا تحقيق فوائض

تجارية ضخمة،‏ وهي فوائض كانت بنحو مستمر أكرب حتى مام تحققه الصني إذا ما

نُسبت هذه الفوائض إىل الناتج املحيل اإلجاميل،‏ بل ويف عديد من السنوات كانت هذه

الفوائض مقومة بالدوالر أكرب حتى بنحو مطلق مام تحققه الصني.‏ والحقيقة أنه خالل

السنوات األخية،‏ وصلت الفوائض األملانية كنسبة من الناتج املحيل اإلجاميل إىل مثيلَ‏

ما حققته الصني تقريبا من فوائض (41) . وانتقدت الواليات املتحدة الفوائض الصينية،‏

بالقول إنها متثل مصدَر خطرٍ‏ لالستقرار الدويل.‏ والسبب وراء هذا االنتقاد بسيط:‏

بالنسبة إىل العامل ككل ينبغي أن يتساوى مجموع الفوائض مع مجموع العجوزات.‏

145


اليورو

فإذا كانت بعض البلدان تحقق فائضا،‏ أي تصدر أكرث مام تستورد،‏ فبلدان أخرى ينبغي

أن تحقق عجزا،‏ أي عليها أن تستورد أكرث مام تصدر.‏ إذن لو كانت العجوزات متثل

مشكلة فاألمر ذاته ينطبق عىل الفوائض (42) .

وباملثل فإنه لو حُ‏ دِّد سعر الرصف بحيث تكون منطقة اليورو ككل يف حالة

توازن تجاري،‏ وهو ما فعلته تقريبا يف السنوات السابقة الندالع األزمة،‏ وكان

لدى أملانيا فائض تجاري،‏ فيعني هذا أن بقية منطقة اليورو يجب أن يكون

لديها عجز.‏

وتعد الفوائض،‏ من بعض النواحي،‏ مشكلةً‏ أكرب حتى من العجوزات،‏ كام

جادل كينز بذلك (43) ، ألنها تسهم يف نقص الطلب العاملي.‏ وهذه البلدان التي

تحقق فوائض تنتج أكرث مام تشرتي،‏ وهي بهذا ال تنفق كل دخولها.‏ وبالطبع

بلدان العجز سوف تحب أن تشرتي أكرث.‏ لكن لو مل يكن لدى أي أحد االستعداد

إلقراض بلدان العجز،‏ فلن تستطيع ذلك،‏ أو لو كانت خاضعة لربنامج صندوق

النقد الدويل أو الرتويكا مينعها من اإلنفاق أكرث،‏ فلن تستطيع أيضا.‏ وحينام

تكون هناك اختالالت ضخمة ‏)مثل تلك املرافقة للفوائض التجارية األملانية(،‏

فالفوائض التي ال تُنفَق يف بلدان الفائض ال تُعوَّض بالكامل عرب اإلنفاق املفرط

لبلدان العجز.‏ تكون النتيجة يف هذه الحالة هي إضعاف الطلب العاملي الكيل.‏

قبل وقوع األزمة أعادت أملانيا تدوير فوائضها،‏ عمليا،‏ عرب إقراضها بلدان املحيط

األورويب،‏ كإسبانيا وأيرلندا،‏ وهو ما سمح لهذه الدول بإدارة عجوزاتها (44) . ولكن بفعلها

ذلك قد ساعدت عىل خلق أزمة اليورو وعززت من التباعد داخل أوروبا.‏ فقد أصبحت

بلدان املحيط مدينةً،‏ وكانت أملانيا الدائن األكرب.‏ وكام ذكرنا من قبل ليس هناك من

انقسام أكرب من االنقسام الحادث بني الدائنني واملدينني.‏

تركزت مناقشتنا هنا عىل االقرتاض واإلقراض بواسطة الدولة.‏ والتحليل ال مييز

بني االقرتاض الخاص والعام.‏ وهذا أمر مهم:‏ ميكن لالختالالت التجارية أن متثل

مشكلة بغض النظر عن موضع نشأتها سواء أكان القطاع العام ‏)كام هو الوضع يف

اليونان(‏ أم الخاص ‏)كام هو الحال يف إسبانيا وأيرلندا(.‏ وتركز معايي التقارب عىل

مشكلة القطاع العام فقط.‏ وتاريخيا كان اقرتاض القطاع الخاص مساويا يف األهمية

أو حتى أكرث أهمية من اقرتاض القطاع العام.‏

146


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

الفوائض:‏ فضيلة أو رذيلة؟

غالبا ما تنظر بلدان الفوائض إىل فوائضها التجارية - عدم الرشاء من الخارج

بقدر مامثل ملا تحصل عليه من عوائد من بيع سلعها وخدماتها - واملدخرات

املرافقة لهذا الوضع باعتبارها وسام رشف.‏ واملدخرات فضيلة.‏ وتقول أملانيا إن عىل

كل البلدان تقليد ما تفعله.‏ ولكن الفضيلة األملانية تعد فضيلة فريدة:‏ فكام سبق

أن رأينا بحكم التعريف ال ميكن لكل البلدان تحقيق فوائض،‏ وأي يشء تفعله أملانيا

لتحقيق فوائضها يؤدي،‏ عمليا،‏ إىل زيادة عجز بعض البلدان األخرى.‏ والبلد الذي

يكون يف حالة عجز،‏ بدوره،‏ من املحتمل أن يواجه طلبا ضعيفا،‏ ومن املحتمل حتى

بطالةً‏ مرتفعة وأزمة.‏ ولو كانت الصادرات تخلق وظائف،‏ إذن فالواردات تدمِّرها.‏

ويصعب اعتبار األمر فضيلةً‏ لو كان طرف ما ميكنه تحقيق تلك الفضيلة بإكراه

شخص آخر عىل أن يكون عاصيا،‏ أي لو كان من املحتم أن تؤدي أفعال بلد ما إىل

مشكالت يف بعض البلدان األخرى.‏

وعلم االقتصاد الحديث،‏ بدءا من كينز،‏ رشح أنه يف عامل من البطالة هناك لغز

االدخار The Paradox of Thrift ‏)٭(‏ . فلو حاول كل فرد أن يدخر أكرث،‏ ولكن كانت

االستثامرات ثابتة،‏ فكل ما يحدث هو انخفاض الدخول.‏ واملفارقة هي أن املدخرات

الكلية ال تزيد.‏ وسبب ذلك بسيط:‏ عند حالة التوازن يجب أن تتساوى املدخرات

مع االستثامر.‏ وهكذا إذا مل يتغي االستثامر،‏ فاملدخرات ال ميكنها التغي.‏ وإذا أرص

األفراد عىل ادخار جزء أكرب من دخلهم فالطريقة الوحيدة التي ميكن بها ملستوى

املدخرات التغي هي أن يُخفَّض مستوى الدخل.‏

والعامل اليوم مير بهذا املوقف الدقيق،‏ حيث يؤدي قصور الطلب الكيل إىل

إبطاء النمو ووجود نحو 200 مليون يف حالة بطالة حول العامل.‏ وهذا القصور

يف الطلب هو السبب وراء ما أشار إليه الكثيون عىل أنه جمود عاملي ممتد يف

‏)٭(‏ ابتُكِر املصطلح عىل يد االقتصادي الشهي جون ماينارد كينز.‏ ويذهب إىل أن محاولة األفراد زيادة االدخار

خالل مرحلة الكساد االقتصادي تؤدي باألساس إىل انخفاض يف الطلب الكيل،‏ ومن ثم يف النمو االقتصادي.‏ ومثل

هذا املوقف يعد ضارا لكل فرد مع تحقيق االستثامرات عائداتٍ‏ أقل من املعتاد.‏ وقد انتُقِدت هذه النظرية من

قِبل االقتصاديني غي الكينزيني عىل أساس أن الزيادة يف املدخرات تضخ يف البنوك مزيدا من األموال،‏ مام يدفع نحو

انخفاض أسعار الفائدة،‏ وهو ما يؤدي إىل زيادة اإلقراض ومن ثم اإلنفاق.‏ ‏]املرتجم[.‏ انظر:‏

https://economictimes.indiatimes.com/definition/paradox-of-thrift

147


اليورو

النشاط االقتصادي.‏ ‏)مصطلح ممتد Secular هنا يعني فقط أنه طويل األجل يف

مقابل مصطلح دوري ،cyclical وهو االنخفاض املؤقت يف النمو الذي يعد جزءا من

دورات األعامل املعتادة(.‏ وقد زادت ‏»فجوة«‏ الوظائف بشكل هائل منذ حدوث

الركود الكبي،‏ حيث هناك نحو 60 مليون وظيفة أقل اآلن مقارنة مبا كان ميكن توقع

توافره من وظائف يف حال عدم وقوع أزمة اقتصادية (45) .

وهناك سبب آخر لكون الفوائض تعد إشكالية عىل نحو خاص.‏ فعادة يكون من

السهل عىل بلد الفائض التجاري التعامل مع فائضها مقارنة بقدرة بلد العجز التجاري

عىل فعل يشء ما بشأن عجزها.‏ فهناك مجال واسع أمام كل من أملانيا والصني،‏ عىل سبيل

املثال،‏ لزيادة األجور،‏ وخاصة األجور التي هي عند القاع ‏)٭(‏ . وحتى وقت قريب مل يكن

لدى أملانيا حتى حد أدىن لألجر،‏ وحتى اآلن،‏ الحد األدىن هو فقط 8.5 يورو للساعة

‏)وهو ما يكافئ وفقا ملتوسط سعر الرصف يف العام 2015 نحو 9.35 دوالر(‏ (46) مقارنة

بحد أدىن يبلغ 9.47 يورو ‏)تقريبا 10.42 دوالر(‏ يف فرنسا.‏ ولو زادت أجور العامل األملان

فسوف يعمدون إىل الرشاء أكرث،‏ مبا يف ذلك رشاء كميات أكرب من السلع املستوردة.‏

بصفة عامة كان يف مقدور البلدان التي متر بأزمة،‏ بل حتى بلدان مثل

فرنسا وإيطاليا،‏ خفضُ‏ عجوزات موازين حساباتها الجارية،‏ مع حفاظ أملانيا

ليس فقط عىل مستوى الفائض الذي كانت تحققه،‏ بل زيادته،‏ ولدى منطقة

اليورو اآلن فائض إجاميل ضخم من املتوقع أن يبلغ 452 مليار دوالر يف العام

)47( 2015 . ولكن وفقا للحسابات األساسية للعجوزات والفوائض،‏ فقد تحقق

ذلك فقط بزيادة العجوزات يف بقية العامل.‏ وسوف يكون من الصعب،‏ إن

مل يكن مستحيال،‏ حفاظ منطقة اليورو عىل هذا الفائض إىل األبد من دون ظهور

مشكالت يف بقية العامل.‏ ال بد من تنازل ما.‏

اآلثار الخارجية وقضية حوكمة اليورو والعامل

حينام يفرض األفراد،‏ واملرشوعات،‏ أو البلدان تكاليف عىل اآلخرين - والتي

ال يكون عليهم هم أنفسهم دفعها - يقول االقتصاديون إن هناك أثرا خارجيا.‏ وقد

‏)٭(‏ أي أجور أقل العامل أجرا.‏ ‏]املرتجم[.‏

148


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

رشح التحليل السابق كيف أن الفوائض األملانية تفرض آثارا خارجية عىل بقية

العامل،‏ مبن يف ذلك رشكاؤها يف منطقة اليورو.‏ ونظام اقتصادي عاملي جيد التصميم

- ومنطقة يورو جيدة التصميم - كان سيطبق إجراءات للتعامل مع هذا األثر

الخارجي.‏ وحاليا ال تتوافر لنا عىل املستوى العاملي طريقة إلرغام البلدان عىل عدم

تحقيق فوائض (48) . وقد حاولت مجموعة العرشين - مجموعة االقتصادات العرشين

األكرب يف العامل التي ترى أن دورها هو املساعدة عىل تنسيق السياسات االقتصادية

الدولية - حضَّ‏ البلدان عىل عدم تحقيق فوائض.‏ واملفارقة أن املجموعة ركزت انتباهها

عىل الصني التي تعد فوائضها يف حالة انخفاض،‏ بدال من تركيز هذا االنتباه عىل أملانيا.‏

وداخل منطقة اليورو،‏ أيضا،‏ مل يُفعَل أي يشء للحد من الفوائض.‏ وكام ذكرنا

فقد كان تركيز االنتباه عىل أنشطة الحكومة،‏ وفقط عىل العجوزات.‏ وكانت الفرضية

الخاطئة هي أن العجوزات الحكومية تعد املصدر الرئيس لآلثار الخارجية،‏ وهي

أيضا الجانب الرئيس من سلوك البلد الذي يلقي بظالله عىل رفاه اآلخرين وعىل

طريقة عمل النظام االقتصادي.‏

تعليقات ختامية

عرف مؤسسو اليورو أن إنجاح عمل عُ‏ ملة موحدة يف مجموعة مختلفة من

البلدان لن يكون أمرا سهال.‏ لكن تحليلهم ملا يتطلبه هذا األمر كان مشوبا بعيوب

كثية:‏ فمعايي التقارب التي اعتمدوها،‏ بالحد من العجوزات والديون العامة

‏)املالية(،‏ جعلت من مهمة تحقيق التشغيل الكامل يف أوروبا ككل أمرا أكرث صعوبة.‏

وكانت مهمة الحد من عجوزات التجارة مام يزيد من هذه الصعوبة،‏ وهي املشكلة

التي كان اليورو نفسه،‏ عىل األقل جزئيا،‏ مسؤوال عنها.‏ واستمرار العجز التجاري هيأ

الجو لحدوث أزمات:‏ وكانت األزمات التي ميكن التنبؤ بها واألزمات املتوقعة قد

ظهرت فقط بعد عقد واحد من بدء العمل باليورو.‏

االستجابة

مع رؤية األمور تتحول لتصبح مختلفة للغاية عام كان قد وُعِد به - أزمات

وركود بدال من عهد جديد من الرخاء - كان يحدو املرء األمل يف أن قادة أوروبا

149


اليورو

سيدركون أن التحليل االقتصادي الذي أقيم عىل أساسه اليورو كان معيبا،‏ ولو

أريد لليورو النجاح فاملطلوب هو استكامل ‏»املرشوع غي املكتمل«،‏ وأن يحدث

ذلك برسعة.‏ وكان عليهم وضع الرتتيبات املؤسسية املطلوبة للتعويض عن الخسارة

يف قدرة البلدان عىل استخدام أسعار الفائدة وأسعار الرصف للحفاظ عىل وضع

التشغيل الكامل وألجل إبقاء الواردات متامشية مع الصادرات.‏

وعىل النقيض من ذلك حاولت أملانيا إلقاء اللوم يف أزمة اليورو عىل الفشل يف

فرض االنضباط يف امليزانية.‏ وقد حاجج تحليلنا بخالف ذلك:‏ فطبيعة بنية منطقة اليورو

ذاتها،‏ وليس حتى فشل الدول فرادى،‏ هي ما ينبغي إلقاء اللوم عليه.‏ وآليات السوق

‏)تخفيض سعر الرصف الداخيل(‏ ليست بديال كافيا لإلحالل محل خسارة القدرة عىل

تعديل أسعار الفائدة وأسعار الرصف.‏ وميكن القول إن اليورو قد خلق أزمة اليورو.‏

ووجب أن يكون خطأ هذه الرسدية التي تلقي باللوم يف أزمة اليورو عىل

العجوزات املالية واضحا:‏ فعدة بلدان يف أوروبا حافظت عىل انضباطها املايل،‏ وعىل

رغم أنها واجهت مشكلة بطالة حادة،‏ بل واجهت حتى أزمات،‏ وهذا ال يقترص عىل

البلدان املوصوفة بأنها مرسفة ومبذرة يف جنوب أوروبا،‏ بل يشمل حتى البلدان

التي تتحمل مسؤولية أكرب يف الشامل،‏ كأيرلندا وفنلندا.‏ وميكن القتصادات السوق

أن تعاين األزمات ببساطة نتيجةً‏ لديناميات الرأساملية،‏ ففي غياب ضوابط تنظيمية

كافية تكون هناك عادة فقاعات ائتامنية.‏ ولكن األيديولوجية النيوليربالية تتجاهل

مصادر االضطراب والتقلب هذه - كان ذلك هو مصدر الركود الكبي ذاته وكذلك

أزمة رشق آسيا - مع تركيزها بكل بساطة عىل اإلخفاقات املتعلقة بامليزانية يف

اليونان،‏ وهي اإلخفاقات التي كانت أسهل للفهم،‏ والشجب.‏

وكان هذا الفشل يف تشخيص مصدر مشكلة منطقة اليورو مرتبطا بنحو ال مفر

منه بالفشل يف اتخاذ القرارات التي ميكنها أن تتصدى ملثل هذه املشكالت.‏ وبدال

من تصحيح املشكلة األساسية استمروا يف تنفيذ السياسات القامئة عىل أساس نظرية

من الواضح أنها معيبة.‏ ومع تطور األزمة جددوا التزامهم مبعايي التقارب بإلزام

أنفسهم بتطبيق هذه املعايي بشكل أشد رصامة.‏

وبفعلهم هذا إمنا هم أشاروا إىل يشء واحد:‏ إنها مسألة أيديولوجيا،‏ ال علم

االقتصاد.‏ لقد كان فشال مع سبق اإلرصار بعدم النظر إىل األدلة.‏ ورمبا مل يكن فهم

150


متى كان يف إمكان العُ‏ ملة املوحدة العمل بنجاح؟

اإلخفاقات يف مصلحة أملانيا،‏ إذ كان سيرتتب عىل فهمها مطالبتها بفعل ما يتجاوز

مجرد إلقاء املحارضات عىل رشكائها.‏

التطلع إىل األمام

عىل الرغم من أن معايي التقارب كان من املفرتض أن ترسِّ‏ ع من عملية التقارب،‏

فقد أدت بنية منطقة اليورو إىل زيادة االختالفات بني بلدان اإلقليم يف عدة نواح

رئيسة،‏ مام أدى إىل زيادة حدة االختالفات الكبية التي كانت موجودة بالفعل

حينام شُ‏ كِّلت منطقة اليورو.‏ واألكرث أهمية هو أنها أدت إىل زيادة االنقسام بني

البلدان الدائنة والبلدان املدينة.‏ وسوف يرشح الفصل التايل الطرق التي مبوجبها

كانت بنية منطقة اليورو الحالية تفيض إىل أن تصبح الدول القوية داخل هذه

املنطقة أكرث قوة،‏ وتصبح الدول الضعيفة أكرث ضعفا.‏ وأصبحت البلدان الدائنة أكرث

غنى،‏ والدول املدينة أكرث فقرا.‏ والتقارب املنشود قد تحول إىل تباين.‏

151


اليورو:‏ نظام للتباين

5

اليورو:‏ نظام للتباين

‏»لقد تدفقت األموال تجاه الواليات

املتحدة بعد أزمة العام 2008 العاملية

عىل الرغم من أن إخفاقات نظام

الواليات املتحدة املايل هي التي كانت

قد عَجَّ‏ لت بوقوع األزمة«‏

كانت منطقة اليورو رصحا جميال أُقيم عىل

أساسات واهية.‏ وكانت الرشوخ واضحة منذ

البداية،‏ ولكن بعد أزمة العام 2008 أصبحت

هذه الرشوخ تصدعات.‏ وبحلول صيف العام

2015، بعد إطالق اليورو بستة عرش عاما،‏ بدا

األمر كأن عىل اليونان مغادرة منطقة اليورو.‏

وانفتحت حالة من االنقسام الحاد بني الدائنني

واملدينني،‏ واستقر النفوذ السيايس داخل منطقة

اليورو بني أيدي الدائنني،‏ وخصوصا أملانيا.‏

وأُرغِمت الدول املأزومة عىل الدخول يف حاالت

من الركود العميق والكساد.‏ وأرست أوروبا

نظاما للتباين يف الوقت الذي كانت تحسب فيه

أنها وضعت نظاما للتقارب.‏

153


اليورو

وكان هناك العديد من املالمح التي وسمت منطقة اليورو،‏ والتي كان يُعتَقد

أنها أساسية لنجاحها،‏ بينام كانت يف حقيقة األمر مركزا للتباعد بني أطرافها.‏ وقد

وُضِ‏ ع علم االقتصاد النموذجي عىل أساس مبدأ الجاذبية األرضية:‏ فاملال ينتقل من

الدول الغنية برأس املال - حيث يكون العائد عىل رأس املال ضعيفا - إىل الدول التي

تعاين شُ‏ حا فيه.‏ وكان االفرتاض هو أن العائدات،‏ معدلةً‏ وفقا ملستوى املخاطر ‏)٭(‏ يف

مثل هذه البلدان،‏ سوف تكون مرتفعة.‏ ولكن يف أوروبا،‏ ويف ظل اليورو،‏ يبدو أنه

ليست حركة رأس املال فقط،‏ بل حركة العمل أيضا،‏ كانت تتحدى مبدأ الجاذبية

األرضية.‏ فاملال يتدفق إىل أعىل (1) . وسوف أرشح يف هذا الفصل كيف خلقت أوروبا

هذا التحدي لنظام الجاذبية.‏ ويعد فهم مصادر التباين والتباعد أساسيا يف خلق

منطقة يورو ميكنها النجاح.‏

التباين يف أسواق رأس املال واألسواق املالية ومبدأ السوق املوحد

كانت كفالة حرية االنتقال لكل من عنرصي رأس املال والعمل داخل أرجاء

املنطقة واحدا من مصادر قوة منطقة اليورو.‏ ويسمى هذا أحيانا ‏»مبدأ السوق

املوحد«‏ .Single-Market Principle وكان من املفرتض أن تؤدي حرية االنتقال

إىل التخصيص الكفء للعمل ورأس املال،‏ وبذلك تعمل عىل تعزيز الرخاء األورويب.‏

حيث سيتجه كل عنرص من العنرصين إىل املكان الذي تتحقق له فيه أعىل عائدات.‏

ومع انتقال رأس املال من الدول الغنية ‏)وفرية رأس املال(‏ إىل الدول الفقرية

‏)التي تعاين ندرة يف رأس املال(،‏ كام تذهب النظرية،‏ سوف تصبح الدخول عرب

أوروبا أكرث متاثال،‏ كام سوف تعمل منطقة اليورو كاملة بنحو أفضل.‏ وسوف ينجم

التقارب عن عمل قوى السوق الطبيعية،‏ فلو أدَّت الحكومات ما يتعني عليها أداؤه

‏)٭(‏ يعد مفهوم ‏»العائدات معدلة وفقا ملستوى املخاطر »Risk-Adjusted Returns من حيث الجوهر وحدة

قياس تُوضَ‏ ع مبوجبها األصول االستثامرية املختلفة عىل قدم املساواة للمساعدة عىل تحديد مدى مناسبة العائدات

من استثامر ما يف ظل درجة املخاطر التي يجري تحملها.‏ وميُ‏ كِّن هذا املفهوم من ثم املستثمر من إجراء تحليل مقارن

بني أداء استثامر بدرجة مخاطر محددة واستثامر آخر بدرجة مخاطر أقل،‏ حيث يُفاضَ‏ ل بني االستثامرات املختلفة

عىل أساس ما تجنيه من عوائد يف ظل درجة معينة من املخاطر.‏ ومن الطبيعي أن يتجه املستثمر إىل االستثامر يف

أصلٍ‏ ذي درجة مخاطر أعىل،‏ إذا كان ما يجنيه من عائد يفوق بنسبة مقبولة العائدَ‏ الذي يتحقق من استثامر ذي

درجة مخاطر أقل.‏ وينطبق مفهوم ‏»العائدات معدلة وفقا ملستوى املخاطر«‏ عىل جميع األصول االستثامرية كاألسهم

والسندات وصناديق االستثامر.‏ ‏]املرتجم[.‏

154


اليورو:‏ نظام للتباين

- باإلبقاء عىل العجوزات والديون منخفضة - سوف يتكفل السوق بعمل البقية.‏

وكان عىل قادة أوروبا أن يعرفوا أن هناك كامَّ‏ كبريا من التحليل االقتصادي - النظري

والتطبيقي - الذي يبني أن هذه التوقعات كانت خاطئة.‏

والحقيقة أنه كان هناك مثال من العامل الواقعي عىل مرأى من الجميع:‏

فالظروف يف إيطاليا كانت مختلفة متاما عام يرد يف اقتصادات الكتب املدرسية.‏

فليست هناك حكومة فرضت قيودا عىل حركة رأس املال والعمل بني شاميل وجنويب

إيطاليا.‏ كام كان لهام اإلطار القانوين نفسه.‏ ومع هذا كان الجنوب اإليطايل يحقق

بشكل مستمر دخال أقل مقارنة بالشامل.‏ وعىل الرغم من وجود فرتات كان يتحقق

فيها بعض التقارب فإنه مل يحدث تقارب خالل العقود األخرية (2) .

السوق املوحد ومنطقة اليورو وعدم رشادة السوق

خلقت معا أزمة اليورو

رشح الفصل السابق كيف أن حرية تدفق رأس املال مع خلق منطقة اليورو

أديا إىل أزمة اليورو.‏ إذ اعتقدت أسواق رأس املال متناهية الحامقة أن التخلص

من مخاطر سعر الرصف يعني التخلص من كل املخاطر،‏ واندفعت نحو بلدان

املحيط ‏)٭(‏ . ويف بعض الحاالت خلقت فقاعات عقارية.‏ ويف كل الحاالت خلقت

ضغوطا تصاعدية عىل األسعار وعجوزات الحساب الجاري التي مل يكن من املمكن

تحملها.‏ ودخل بلد بعد اآلخر يف أزمة،‏ مع إدراك األسواق أخريا أن عجوزات

الحساب الجاري مل يكن ميكن تحملها،‏ ومع انفجار الفقاعات العقارية.‏ ولكن عند

هذا الوقت كان قد فات األوان:‏ فاألموال التي كان ينبغي توجيهها لجعل هذه

البلدان أكرث إنتاجية ذهبت بدال من ذلك لتمويل االستهالك والفقاعات العقارية

‏)يف إسبانيا وأيرلندا(‏ وعجوزات الحكومة ‏)اليونان(.‏

كام رشح الفصل السابق أيضا كيف أن األسعار يف هذه البلدان قد ارتفعت نسبيا

– لِنَقُل - مقارنة باألسعار يف أملانيا،‏ وزادت الواردات قياسا إىل الصادرات.‏ وأصبحت

العجوزات التجارية سمة معتادة يف حياة هذه البلدان.‏ وكان من املفرتض أن يعمل

‏)٭(‏ املقصود بلدان املحيط لالتحاد األورويب وتحديدا جنوب ورشق أوروبا.‏ ‏]املرتجم[.‏

155


اليورو

تخفيض سعر الرصف الداخيل عىل إلغاء الرضر الذي حدث (3) . ولكن كام سبق أن

رأينا عمل تخفيض سعر الرصف الداخيل،‏ يف أفضل األحوال،‏ ببطء وكان ميكن أن

يكون مكلفا للغاية،‏ فزيادة األجور واألسعار تعد أسهل بكثري من الحالة العكسية.‏

وأقدمت األموال نفسها غري الرشيدة التي عملت عىل خلق أزمة اليورو - مع

إدراكها الخطأ الفادح الذي ارتُكِب - عىل ما يفعله التمويل دامئا يف مثل هذه

املواقف:‏ الرحيل.‏

وال يصف هذا التحليل بالطبع كل البلدان التي واجهت ركودا اقتصاديا

وعجوزات تجارية كبرية.‏ وكام ذكرنا سابقا لقد عانت فنلندا مشاكل يف قطاعني من

قطاعاتها التصديرية الرائدة وضعفا يف بعض أسواقها الرئيسة.‏ ولكن حتى هنا يقع

اللوم عىل اليورو حيال فرتة االنكامش املطولة،‏ ألن وجوده أدى إىل غياب األداة

املعيارية ‏)٭(‏ التي كان ميكن عن طريقها العودة برسعة إىل التشغيل الكامل مع

تحقيق التوازن يف التجارة - ومل يُوضَ‏ ع أي يشء ليحل محل تلك األداة الغائبة.‏

هروب رأس املال

مع ظهور أزمة اليورو تركت األموالُ‏ النظمَ‏ املرصفية يف البلدان الضعيفة،‏

وذهبت إىل النظم املرصفية يف البلدان القوية.‏ ومع تدفق األموال خارج

نُظمها املرصفية كان عىل البنوك يف البلدان الضعيفة إبرام عقود إلقراضها.‏ وقد

أرشت إىل هذا التقلص يف اإلقراض بتعبري ‏»تقشف القطاع الخاص«‏ Private

.Austerity وكان حجم هذا التقلص هائال،‏ وأثر بشكل خاص يف املؤسسات

الصغرية واملتوسطة.‏ وليس هناك ما يبعث عىل الدهشة يف أن تكون البلدان

التي متارس فيها هذه املؤسسات دورا مُهام هي التي تأثرت عىل نحو سلبي

أكرث.‏ ‏)تستطيع املؤسسات متعددة القومية االقرتاض من األسواق الدولية،‏ وبهذا

فهي ال تعتمد عىل ما يحدث داخل أي بلد بعينه(.‏ وبحلول العام 2013 كان

حجم القروض الصغرية التي تقل عن مليون يورو - والتي تعترب مؤرشا إىل

اقرتاض املؤسسات الصغرية واملتوسطة )SMEs( - اليزال أقل بكثري من الذروة

‏)٭(‏ املقصود هنا القدرة عىل تخفيض سعر رصف العملة.‏ ‏]املرتجم[.‏

156


اليورو:‏ نظام للتباين

التي بلغتها قبل األزمة يف جميع البلدان املأزومة:‏ تقريبا كان نصفها يف الربتغال،‏

وأقل بنحو الثلثني يف اليونان وإسبانيا،‏ وأقل بأكرث من 80 يف املائة يف أيرلندا.‏

ولكن االنخفاض كان كبريا حتى يف العديد من البلدان القريبة من وضع األزمة:‏

انخفاض بنحو الخمس يف إيطاليا،‏ عىل سبيل املثال (4) .

بحلول العام 2015 كانت املفوضية األوروبية تحتفل ب ‏»الرباعم الخرضاء«‏

Green Shoots للمرشوعات الصغرية واملتوسطة يف القارة األوروبية،‏ والتي تعد

مسؤولة عن 67 يف املائة من الوظائف يف االتحاد األورويب (5) . ولكن بالنسبة إىل

كثريين كانت نغمة التفاؤل تلك سابقة ألوانها،‏ خصوصا يف البلدان املأزومة.‏

فاملؤسسات الصغرية واملتوسطة مل تتعافَ‏ يف اليونان،‏ حيث استمر أكرثُ‏ من ثلثها

يف اإلفادة بأن ‏»فرص الحصول عىل التمويل«‏ هي أكرب عقبة منفردة تواجهه

ملامرسة عمله (6) . وسوف نرى الحقا كيف أن البنك املركزي األورويب،‏ برئاسة ماريو

دراغي ،Mario Draghi قد اتخذ إجراءات شديدة من أجل استعادة الثقة بسوق

السندات،‏ وخصوصا سندات البلدان املأزومة،‏ ويف حني أن البنك قد يكون أنقذ

بذلك أسواق السندات والالعبني األثرياء يف هذه املباراة،‏ فإنه بالعودة إىل ماين

سرتيت فام فعله يبدو أنه مل يكن له أثر يُذكر.‏

تفسري التدفق عكس الجاذبية

يعد تدفق األموال خارج النظام املرصيف للبلدان املأزومة أمرا مفهوما.‏ فالثقة

بالنظام املرصيف ألي بلد تعتمد جزئيا عىل الثقة مبدى توافر القدرة والرغبة لدى

بنك الحكومة يف اإلنقاذ املايل للبنوك التي تقع يف أزمة.‏ ويعتمد هذا بدوره جزئيا

عىل وجود:‏ )1( أطر مؤسسية تقلل من احتاملية أن اإلنقاذ املايل سوف يكون

رضوريا.‏ )2( اعتامدات خاصة يُعمَد إىل تجنيبها يف حال كان اإلنقاذ رضوريا.‏ )3(

إجراءات قامئة ومعمول بها تضمن أن املودعني سوف يُعوَّضون تعويضا كامال (7) .

وعادة ما تستفيد البنوك من دعم ضمني يف املناطق التي متتلك الحكومات

فيها قدرة أكرب عىل اإلنقاذ.‏ والصلة بني الثقة بالبنوك والثقة بالحكومات التي تعمل

البنوك يف ظل سلطتها ميكن أن تُرَى يف العالقة الوثيقة بني عالوات املخاطر عىل

ديون الحكومة وعىل ديون البنك يف البلد نفسه (8) .

157


اليورو

لقد تدفقت األموال تجاه الواليات املتحدة بعد أزمة 2008 العاملية عىل الرغم

من أن إخفاقات نظام الواليات املتحدة املايل هي التي كانت قد عجلت بوقوع

األزمة.‏ ملاذا؟ مل يكن هذا ألن املستثمرين اعتقدوا أن البنوك األمريكية ذات إدارة

أفضل،‏ أو أنها تدير املخاطر بنحو أفضل.‏ ولكن ببساطة ألنه كانت هناك ثقة

أفضل برغبة وقدرة الواليات املتحدة عىل التدخل باإلنقاذ املايل ملصارفها ‏)وضعت

الحكومة برسعة،‏ مع توافر دعم من قبل الحزبني الدميوقراطي والجمهوري،‏ خطةَ‏

إنقاذ مايل بلغت قيمتها 700 مليار دوالر يف العام 2008، وكان واضحا أن مزيدا من

األموال سوف تُخصص الحقا يف حال الحاجة إىل ذلك.‏ وكان نفوذ وول سرتيت عىل

الحكومة األمريكية ملموسا(‏ (9) .

وباملثل يثار السؤال يف أوروبا اليوم:‏ ملاذا سيُبقي اإلسباين أو اليوناين الرثي عىل

أمواله يف بنوك محلية،‏ بينام سيكون لديه ‏)تقريبا(‏ القدر نفسه من التسهيالت مع

أمان أكرب إذا وضعها يف بنك أملاين؟ (10) .

وكانت آثار مغادرة رأس املال البلدانَ‏ املأزومة كبرية:‏ فعن طريق دفع أسعار

فائدة أعىل فقط أمكَن للبنوك يف هذه البلدان املنافَسة،‏ ولكن أسعار الفائدة األعىل

وضعت هذه البلدان ورشكاتها يف وضع تنافيس ضعيف.‏ وتال ذلك حدوث دوامة

متجهة إىل أسفل،‏ فمع مغادرة رأس املال كان عىل بنوك البلد الحد من اإلقراض،‏

وهو ما أضعف االقتصاد،‏ ومع ضعف االقتصاد ضعفت كذلك قوة االنطباع عن

مدى قدرة البلد عىل التدخل لإلنقاذ املايل للبنوك التي متر بأزمة،‏ ويؤدي ذلك إىل

زيادة أسعار الفائدة الواجب عىل البنوك دفعها،‏ ولذا تضعف البنوك أكرث ويزداد

أكرث تحفيز رأس املال عىل املغادرة (11) .

تباين حتى يف غياب األزمة

لقد أبرزت أزمة اليورو كيف أن بنية منطقة اليورو ذاتها خلقت التباين،‏ ولكن

هذا التباين كان سيوجد حتى يف غياب األزمة.‏ فقد وضع البنك املركزي األورويب سعر

فائدة واحدا للمنطقة كلها.‏ ولكن سعر الفائدة،‏ عىل سبيل املثال،‏ لسندات الحكومة

األملانية ليس هو سعر الفائدة نفسه الذي تدفعه الرشكات يف فرنسا أو إيطاليا،‏ دعك

من اليونان،‏ أو حتى سعر الفائدة الذي تدفعه الحكومات يف هذه الدول.‏ هناك

158


اليورو:‏ نظام للتباين

تفاوت يف أسعار الفائدة يعكس االختالفات يف تقدير األسواق للمخاطر وقدرة البنوك

يف كل بلد عىل تقديم االئتامن لرشكات البلد.‏ االقتصادات األفقر وأكرث االقتصادات

ضعفا من حيث األداء،‏ والبلدان التي ورثت ديونا أكرب،‏ عليها أن تدفع أسعار فائدة

أعىل،‏ وخصوصا بسبب التشابك بني البنوك والحكومات يف بنية منطقة اليورو الحالية،‏

وكذلك أيضا عىل الرشكات يف هذه البلدان دفع أسعار فائدة أعىل.‏ ويعطي هذا البلدَ‏

ورشكاته وضعا تنافسيا ضعيفا مميزا،‏ وهو ما يؤدي مرة أخرى إىل التباين.‏

حل املشكلة

هناك حل سهل ملثل هذه املشكلة تحديدا:‏ تأمني شامل مشرتك للودائع لكل

البنوك يف منطقة اليورو.‏ فمع مثل هذا التأمني املشرتك لن يقلق أحد عىل خسارة

أموال يف حسابه املرصيف،‏ ولن يكون هناك حافز لتدفق األموال من البلدان الضعيفة

إىل البلدان القوية (12) .

اتحاد مرصيف

كانت أملانيا قلقة من أنه مع التأمني املشرتك سوف يكون هناك تحويل صافٍ‏

لألموال من البلدان القوية ‏)مثل أملانيا(‏ إىل البلدان الضعيفة،‏ وقد أرصت أملانيا

دامئا عىل أن االتحاد األورويب ليس اتحادا للتحويالت املالية،‏ أي اتحادا تحول فيه

األموال من بلد أو إقليم داخل االتحاد إىل بلد أو إقليم آخر.‏ وهذا هو السبب وراء

إرصارها أيضا عىل أنه لو كان هناك تأمني مشرتك للودائع فيجب أن يكون هناك

إطار تنظيمي مشرتك.‏ ومن أجل ضامن معاملة عادلة للبنوك يف كل منطقة اليورو

يف حالة وجود عجز عن السداد ينبغي أن يكون هناك إجراء مشرتك بشأن ‏»املالءة

املالية«‏ ،Resolution أي عند التعامل مع البنوك التي تعاين حاالت إعسار،‏ حيث

يطالب املودعون باسرتداد أموال تزيد عىل كمية األموال السائلة التي لدى البنك (13) .

هذه التدابري الثالثة - التأمني عىل الودائع،‏ والضوابط التنظيمية املشرتكة،‏

وإجراءات املالءة املالية - يطلق عليها معا ‏»االتحاد املرصيف«‏ .Banking Union

بحلول العام 2014 بدا أن هناك توافقا عريضا داخل منطقة اليورو عىل رضورة

امليض قدما مبثل هذا االتحاد املرصيف لو كان عىل أوروبا أن تحول دون التباين

159


اليورو

املتزايد الذي كان قد أطل برأسه.‏ ولكن أملانيا حاججت بأنه ينبغي التحرك بتؤدة

وبالتدريج.‏ وطالبت،‏ قبل أن يكون هناك تأمني مشرتك عىل الودائع،‏ بأن تكون

هناك رقابة مشرتكة ‏)أي ضوابط تنظيمية(.‏ وبالتبعية بدت أملانيا مرتاجعة عن كونها

راغبة ومستعدة للتأمني املشرتك عىل الودائع،‏ عىل األقل يف أي وقت قريب،‏ وحتى

مع وجود رقابة مشرتكة ومالءة مالية مشرتكة.‏

ولكن االتفاق عىل وجود رقابة مشرتكة وغياب تأمني مشرتك عىل الودائع سوف

يكون أسوأ من عدم وجود اتفاق عىل اإلطالق.‏ فالرقابة املشرتكة سوف تقدم نوعا

جديدا من التشدد والجمود داخل أوروبا.‏ نعم،‏ كام رشحت يف الفصل األخري،‏

فافتقار منطقة اليورو إىل املرونة والقدرة عىل التكيف مع الظروف الخاصة للبلدان

املختلفة متثل واحدة من مشكالت اإلقليم الرئيسة.‏ وإدارة النظام املرصيف ألي بلد

يعد أمرا دقيقا وحساسا،‏ وخصوصا يف فرتات التدهور االقتصادي.‏ فإغالق البنوك

يرض ليس فقط حاميل أسهم وسندات البنوك،‏ بل أيضا املقرتضني - فقد ال يكون

يف إمكانهم بسهولة العثور عىل مصدر آخر للتمويل - ويف حال غياب التأمني عىل

الودائع يرض إغالق البنوك املودعني أيضا.‏

لقد كان التحمل والتسامح - تيسري طفيف يف الضوابط التنظيمية يف أوقات

التدهور االقتصادي،‏ ميُ‏ كّ‏ ن البنوك التي كانت ستُغلق يف األحوال العادية بسبب

مركزها املايل الضعيف من االستمرار يف العمل - جزءا من املامرسة التقليدية

للبنك املركزي.‏ وبالطبع لو كانت هناك ضوابط تنظيمية أفضل قبل التدهور

لكانت الحاجة إىل التسامح أقل.‏ ولكن كان عىل مرصفيي البنوك املركزية

وهيئات العاملني بالجهات التنظيمية التعامل مع املوقف وفقا ملا اعتادوه يف

مامرساتهم التقليدية.‏

وبالنسبة إىل منطقة اليورو كان القلق من أن التطبيق الجامد للقواعد رمبا

يجعل من التحمل والتسامح أمرا أكرث صعوبة.‏ فالقرارات التي تُتَّخذ يف بروكسل

وفرانكفورت ‏)٭(‏ رمبا ال تكون هي األنسب لالقتصادات يف مختلف أرجاء منطقة

‏)٭(‏ بروكسل عاصمة بلجيكا،‏ وهي مقر املفوضية األوروبية،‏ وفرانكفورت مدينة أملانية،‏ وهي مقر البنك املركزي

األورويب.‏ ‏]املرتجم[.‏

160


اليورو:‏ نظام للتباين

اليورو.‏ ورمبا تُغلق البنوك ولكن بتكلفة هائلة القتصاد البلد.‏ ومن يعملون يف

الجهات التنظيمية املختصة بالبنوك ليسوا عادة من االقتصاديني،‏ ولكنهم يتبعون

القواعد فقط.‏ واملشكلة أن هذا التطبيق الجامد للقواعد،‏ ويف غياب تأمني مشرتك

عىل الودائع،‏ رمبا يجعل إبقاء املودعني أموالَهم يف بنوك الدول الضعيفة أمرا أكرث

خطورة بالنسبة إليهم:‏ ورمبا يعمق ذلك من مشكلة التباين.‏

سباق للضوابط التنظيمية نحو القاع

مل تسمح أوروبا لرأس املال بالتدفق بحرية داخل حدودها فقط،‏ ولكنها

سمحت بذلك أيضا لرشكاتها املالية ومنتجاتها،‏ وبغض النظر عن مدى ضعف

الضوابط التنظيمية يف داخل كل بلد.‏

ومبدأ السوق املوحد للمؤسسات املالية ولرأس املال،‏ ويف غياب ضوابط

تنظيمية كافية لالتحاد األورويب،‏ أدى إىل سباق للضوابط التنظيمية نحو القاع،‏ مع

تحمل مناطق أخرى بعض تكلفة اإلخفاقات عىل األقل.‏ حيث يفرض فشل املؤسسة

املالية تكاليف عىل آخرين ‏)وهو ما تجىل بوضوح شديد يف أزمة العام 2008(، ويف

العادة ال تأخذ الحكومات يف الحسبان هذه ‏»التكاليف العابرة للحدود«.‏

والحقيقة،‏ وخصوصا قبل األزمة املالية يف العام 2008، أن كل بلد واجه ضغوطا

لخفض القيود التنظيمية.‏ وهددت الرشكات املالية بأنها سوف ترتك البلد إن مل

تُخَ‏ فَّض الضوابط التنظيمية (14) .

وهذا السباق بني الضوابط التنظيمية نحو القاع كان سيوجد داخل أوروبا

حتى من دون اليورو.‏ ويف الحقيقة كان الفائزان يف مسابقة ما قبل العام 2008

هام أيسلندا واململكة املتحدة،‏ اللتني ال تنتمي أي منهام إىل منطقة اليورو

‏)بل إن أيسلندا ال تنتمي حتى إىل االتحاد األورويب(.‏ وتفتخر اململكة املتحدة

بنظامها ذي الضوابط التنظيمية الخفيفة،‏ والذي يعني أساسا التنظيم الذايت،‏

وهو تناقض لفظي بالتعبري البالغي.‏ يضع مديرو البنوك مصالحهم الذاتية فوق

مصالح حاميل األسهم وحاميل السندات،‏ والبنوك باعتبارها مؤسسات تضع

مصالحها فوق مصالح عمالئها.‏ وقد اعرتف بنك باركليز يف اململكة املتحدة

بأنه تالعب بسوق الليبور،‏ سعر فائدة اإلقراض بني البنوك يف لندن،‏ والذي

161


اليورو

ارتكزت عليه استثامرات بنحو 350 تريليون دوالر من املشتقات ‏)٭(‏ واملنتجات

املالية األخرى (15) .

وقد صُ‏ مِّمت منطقة اليورو وهي تنطوي عىل إمكانية جعل كل ذلك أسوأ.‏

فاملنارصون لليورو قالوا إنه سوف ميُ‏ كِّن املنتجات املالية من التحرك بحرية أكرث،‏

بعد أن تُخُ‏ لِّص من مخاطر أسعار الرصف.‏ وكان االبتكار املايل يف أذهانهم يعني

تصميم منتجات أفضل للوفاء بحاجات املستهلكني والرشكات.‏ وهذه هي النظرية

النيوليربالية النموذجية.‏ وتركز النظريات األكرث حداثة عىل املستهلك الذي تتوافر له

معلومات يعرتيها القصور،‏ كام تركز أيضا يف أحيان كثرية عىل املستهلكني والرشكات

الذين ال يتسمون بالرشادة والذين يعملون يف أسواق تتصف بقصور املعلومات

وعدم اتساقها،‏ وحيث عادة ميكن تعزيز األرباح أكرث عن طريق استغالل جوانب

القصور هذه التي تعرتي األسواق مقارنة بسلوك أي طريق آخر لتعزيز هذه

األرباح.‏ وقد وثق االقتصاديان جورج أكريلوف George Akerlof وروب شيلر

Rob Shiller الحاصالن عىل جائزة نوبل هذا السلوك الواسع االنتشار يف كتابهام

العبقري ‏»تصيد الحمقى«‏ - Phishing For Phools مستخدمني املصطلح الذي

يطلق عىل محتايل شبكة اإلنرتنت الذين يُقدِمون بصورة منتظمة عىل ‏»اصطياد

الحمقى«‏ (16) . ومع انتقال املنتجات املالية بسهولة غري مسبوقة يف جميع أنحاء

أوروبا بدت فرصة استغالل البرش يف قارة بتاممها رمبا عن طريق خداعهم لرشاء

منتجات مالية غري مناسبة لهم فرصة ال ميكن مقاومتها.‏

صعوبات يف الضوابط التنظيمية

أوضحت محاوالت وضع ضوابط تنظيمية للقطاع املايل حول العامل أن وضع

مثل هذه الضوابط أمر غري يسري.‏ فجامعات الضغط التي يُدفَع لها جيدا من

قبل القطاع املايل تصل إىل البعض أو الكل عرب هدية كبرية أو مساهمة يف متويل

‏)٭(‏ املشتقات هي عقود استثامر فرعية تُشتق من عقود أساسية ألدوات استثامرية،‏ سواء متثلت هذه األدوات يف

أصول مالية كاألسهم والسندات والعمالت األجنبية،‏ أو أصول حقيقية كالسلع املتداولة دوليا.‏ وتُستخدم املشتقات

أدوات لإلدارة املالية بغرض تعزيز عائدات استثامر ما،‏ وإلدارة املخاطر املرتبطة بالتغريات يف أسعار الفائدة،‏ وأسعار

الرصف،‏ وقيمة األصول املالية وأسعار السلع.‏ ‏]املرتجم[.‏

162


اليورو:‏ نظام للتباين

الحمالت االنتخابية إىل حدود ما تسمح به قوانني مكافحة الرشوة والقوانني

االنتخابية يف هذا البلد (17) . وليس من املستغرب أن القطاع املايل ميارس نفوذا

سياسيا كبريا ونجح نجاحا هائال يف إقناع السياسيني بأن عليهم أال يضعوا ‏»ضوابط

تنظيمية مفرطة«.‏ ويدعي هؤالء أن اإلفراط يف الضوابط التنظيمية ميكن أن يخنق

النظام املايل،‏ وبذلك يحول بينه وبني تحقيق الوظائف املهمة التي يجب عليه أن

يحققها لو أردنا ازدهار االقتصاد.‏ والنتيجة هي أن القطاع املايل يف أغلب البلدان

يعاين عدم كفاية الضوابط التنظيمية.‏

بنحو ما تجعل أموال البنوك حججها تبدو مقنعة أكرث،‏ وذلك عىل الرغم من

أن السجل التاريخي يبني العواقب السلبية للبنوك التي تعاين عدم كفاية الضوابط

التنظيمية،‏ وميتد ذلك حتى يتضمن وقوع أزمة العام )18( 2008 .

وهذا النفوذ السيايس عىل اإلصالح التنظيمي يف أوروبا والواليات املتحدة أدى

إىل أن أصبح من املؤكد تقريبا أال تكون اإلصالحات كافية للحيلولة دون وقوع أزمة

أخرى يف مجاالت معينة؛ ففي نظام مصارف الظل عىل سبيل املثال،‏ كان هناك

تقدم ضئيل يف اإلصالح،‏ ويف مجاالت أخرى مثل املشتقات كان التقدم الذي أُحرز

قد عُ‏ كِس مساره بدرجة كبرية،‏ عىل األقل يف الواليات املتحدة (19) .

حل املشكلة

كان التهديد بسباق الضوابط التنظيمية نحو القاع هو السبب وراء ملاذا كان

ينبغي وجود ضوابط تنظيمية قوية عىل املستوى األورويب.‏ ولكن يف ظل الهيكل

الحايل لحوكمة أوروبا سوف يثبت هذا األمر أنه أكرث صعوبة مقارنة بالوصول إىل

ضوابط تنظيمية جيدة داخل بلد ما.‏ وقد دافعت اململكة املتحدة عن نظامها ذي

الضوابط التنظيمية الخفيفة.‏ فقد كان من املحتمل أن يتكلف دافعو الرضائب

مليارات الجنيهات اإلسرتلينية،‏ ومع ذلك يركز صانعو القرار اليوم عىل الخسائر

املحتملة يف األرباح،‏ والرضائب،‏ والوظائف الناجمة عن تقليص حجم القطاع املايل

‏)أو وضعه يف حجمه الصحيح(.‏ والخسائر التي تحققت منذ بضع سنوات قليلة

مضت بدت كأنها تاريخ قديم،‏ يجب أال يأيت عىل ذكره أحد يف أي مناقشة مهذبة

حول اإلصالح التنظيمي للقطاع املايل.‏

163


اليورو

هناك مشكلة أخرى مع الضوابط التنظيمية والرقابة املالية عىل النطاق األورويب

األوسع:‏ هل ميكن أن تكون هذه الضوابط والرقابة حساسة بدرجة كافية للظروف

املختلفة للبلدان؟ أرشنا سابقا إىل أنه من غري املحتمل أن ميكن وجود - أو أن توجد -

رقابة مرصفية.‏

ويف غياب نظام للضوابط التنظيمية والرقابة املالية،‏ سواء عىل املستوى األورويب

أو عىل مستوى منطقة اليورو،‏ فكل دولة لديها مسؤولية تجاه مواطنيها،‏ للتأكد من

أنه مل يسْ‏ تَغلُّوا من قبل اآلخرين عن طريق بيعهم منتجات مالية معيبة.‏ وهناك قدر

كبري من عدم الكفاءة لوجود ازدواج يف الضوابط التنظيمية.‏ ولكن تعد هذه تكلفة

ال تكاد تُذكر مقارنة بالرضر الناجم عن عدم كفاية الضوابط التنظيمية للقطاع املايل.‏

ومبدأ تحرير السوق املالية - بالسامح للرشكات واملنتجات املالية باالنتقال

بحرية عرب أوروبا كلها - ينبغي أن يجري إحالله برشط مناسب أكرث:‏ ال ميكن لبلد

أن ميارس متييزا ضد أي منتجات أو رشكات مالية من أي دولة عضو أخرى،‏ ولكن كل

بلد ميكنه أن يطلب خضوع البنوك للضوابط التنظيمية بأي طريقة يراها مناسبة،‏

فيمكنه طلب أن تكون البنوك العاملة يف نطاق واليته القانونية مرسملة بشكل

كافٍ‏ يف شكل هوية قانونية منفصلة ‏)فرع للبنك(‏ داخل البلد - بحيث ميكن أن

يُدفَع ملواطني البلد يف حال حدوث انهيار مايل،‏ أو لو رُفِعت دعوى تتهم البنك

مبامرسة مامرسات احتيالية،‏ وأن لدى الرشكة أرصدة صافية كافية للسداد إذا ما

ثبتت صحة هذا االتهام.‏ وينبغي أن يكون لدى البلد الحق يف التأكد من أن قطاعه

املايل مستقر،‏ وأنه يؤدي ما يفرتض أن يؤديه،‏ وال يفعل ما ينبغي عليه أال يفعله (20) .

التباين وحرية انتقال عنرص العمل

النظام االقتصادي الذي يجمع بني حرية انتقال عنصر العمل مع ديون

البلد ‏)مكانيا(‏ (21) يخلق تباينا،‏ متاما كام رأينا ذلك فيام تفعله حرية انتقال رأس

املال.‏ كام يؤدي أيضا إىل تخصيص غري كفء لعنرص العمل (22) .

قد يبدو هذا أمرا مثريا للدهشة.‏ ففي نهاية املطاف تذهب النظرية السائدة

إىل أن االنتقال الحر من املفرتض ضامنه النتقال العامل إىل حيث تتحقق لهم أعىل

العائدات ‏)الحدية(.‏ وهذا سيكون أمرا صحيحا لو كانت األجور مساوية لإلنتاجية

164


اليورو:‏ نظام للتباين

‏)الحدية(‏ للعامل،‏ حيث،‏ بصفة عامة،‏ سيميل العامل إىل االنجذاب إىل املناطق التي

تكون األجور فيها عند أعىل مستوى لها.‏

ولكن األفراد يهتمون بأجورهم بعد الرضائب،‏ وهذا يعتمد ليس فقط عىل

إنتاجيتهم ‏)الحدية(‏ بل أيضا عىل الرضائب.‏ والرضائب بدورها تعتمد جزئيا عىل

العبء الذي تفرضه الديون املوروثة.‏ وميكن رؤية هذا يف أيرلندا واليونان وإسبانيا.‏

فهذه الدول الثالث واجهت تِالال من الديون املوروثة،‏ هذه الديون التي تضخمت

نتيجة سوء اإلدارة املالية واالقتصادية.‏ ويف حالة أيرلندا أجرب البنكُ‏ املركزي األورويب

الحكومةَ‏ عىل أن تأخذ عىل عاتقها بعض ديون البنوك الخاصة،‏ أي ترشيك الخسائر،‏

وذلك عىل الرغم من أن األرباح كانت قد خُ‏ صخِ‏ صت يف وقت سابق (23) .

حينام تتساوى اإلنتاجيات الحدية فإن ذلك ينطوي عىل الهجرة بعيدا عن

البلدان مرتفعة املديونية إىل البلدان صاحبة املديونية األقل،‏ وكلام ارتحل مزيد من

األفراد،‏ أصبح العبء الرضيبي عىل األفراد املتبقني أكرب،‏ وهو ما يرسِّ‏ ع من حركة

ابتعاد عنرص العمل عن نقطة التخصيص الكفء (24) .

وحقيقة أن العمل املتمتع باملهارة يعد أكرث انتقاال من العمل غري املتمتع

باملهارة تخلق دافعا آخر للتباين وعدم املساواة.‏ فحينام يرتحل العامل املهرة

يقال إن البلد قد أُفرِغ:‏ فمغادرة هؤالء العامل املهرة تقلل من الدخول وفرص

النمو يف املستقبل.‏ وإفراغ هذه البلدان يسلب منها روادَ‏ أعاملٍ‏ محتملني كانوا

سيرشعون يف إقامة مؤسسات أعامل جديدة،‏ كام يسلبها األكادمييني الذين كان

يف وسعهم تدريب جيل جديد من الباحثني،‏ ويحرم هذا البلد طاقاتٍ‏ كان من

املمكن أن تعمل عىل لحاقه باآلخرين األكرث تقدما.‏ والعامل األكرث فقرا،‏ الذين

يبقون عالقني يف البلد،‏ ينتهي بهم املطاف إىل دفع مثن أخطاء آبائهم،‏ أو بشكل

أكرث دقة،‏ دفع مثن أخطاء املرصفيني والسياسيني يف عهد ما مىض.‏ ويدفعون

بشكل مضاعف إذا ما كان هناك طابع تكاميل ما بني العامل املهرة وغري املهرة

‏)أي إذا كانت إنتاجية العامل غري املهرة تتزايد حينام يعملون إىل جانب عامل

أكرث مهارة(.‏ ويف هذه الحالة ميكن لرحيل عدد قليل من العامل املهرة أن ينجم

عنه تلقي العامل غري املهرة أجرا أقل.‏ ويحدث هذا،‏ من دون شك،‏ يف اليونان ويف

بعض البلدان املأزومة األخرى.‏

165


اليورو

وقد ساءت األمور أكرث بالتفاعل بني تدفقات رأس املال وتدفقات العمل:‏

فانخفاض القروض املتاحة للمرشوعات الصغرية واملتوسطة قلَّص الفرص أكرث يف

البلدان املأزومة والبلدان القريبة من أن تكون مأزومة،‏ وهو ما شجَّ‏ ع عىل الهجرة

أكرث،‏ وخصوصا من قبل هؤالء األفراد املوهوبني واألكرث تعليام الذين ميكنهم العثور

عىل عمل يف أماكن أخرى يف أوروبا.‏

وبالطبع يف األمد القصري رمبا تجلب الهجرة مكاسب للبلدان املأزومة:‏ فهي تخفف

عبء مدفوعات التأمني ضد البطالة،‏ وتتزايد القوة الرشائية مع وصول تحويالت مالية ‏)هي

التي تُرسَ‏ ل بواسطة املهاجرين(‏ بكميات كبرية من الخارج (25) . ولكن الهجرة إىل الخارج

تخفي أيضا حدة التدهور االقتصادي األسايس؛ ألنها تؤدي إىل أن يكون معدل البطالة أقل،‏

ورمبا أقل بكثري،‏ مقارنة مبا كان ميكن أن يكون عليه يف حال عدم وجود هجرة (26) .

وهذه ‏»التشوهات«‏ يف أمناط الهجرة التي تستحثها الرضائب تتفاقم باالختالفات

يف اإلنفاق الحكومي.‏ فاألفراد ال يهتمون فقط مبستوى أجورهم بعد الرضائب،‏

بل أيضا بالخدمات العامة.‏ والبلدان املثقلة بالديون املوروثة لديها إيرادات عامة

محدودة لإلنفاق عىل تقديم هذه الخدمات العامة،‏ وهذا يعد حتى أكرث يف البلدان

املأزومة،‏ حيث تجربها الرتويكا عىل اقتطاعات عميقة من اإلنفاق الحكومي.‏

الحقيقة أنه رمبا ينتج عن حرية الهجرة،‏ التي تزكيها التزامات الديون املوروثة من

املايض والسياسات التي فرضتها الرتويكا لضامن سداد الديون،‏ إخالءُ‏ بعض البلدان من

السكان،‏ ويف بعض الحاالت تعمق من عمل قوى السوق الطبيعية التي تتجه يف هذه

الوجهة.‏ وكام ذكرنا يف الفصل السابق،‏ تعد الهجرة الداخلية واحدة من آليات التكيف

املهمة يف الواليات املتحدة ‏)التي تتشارك يف عملة واحدة(.‏ ولو أن مثل هذه الهجرة

أدت إىل إخالء إحدى الواليات من سكانها بالكامل،‏ فسيكون هناك اهتامم محدود

بذلك،‏ ولكن هذا يتضاءل بشدة عند املقارنة باملخاوف املربرة يف اليونان وأيرلندا

بشأن إخالء أوطانهم من سكانها،‏ ومبخاطر ذلك عىل ثقافتهم وهويتهم.‏

حل املشكلة

هناك إصالح اقتصادي جزيئ لهذه املشكالت،‏ وهو إصالح يعالج أيضا بعض املوضوعات

األساسية يف االقتصاد الكيل التي أُثريت يف الفصل السابق:‏ إلغاء الديون املرتبطة مبكان

166


اليورو:‏ نظام للتباين

محدد عن طريق خلق سندات اليورو،‏ وهي سندات تشكل التزاما مشرتكا (27) . وقد كانت

أملانيا تُرصّ‏ عىل موقفها ضد هذا وضد األفكار املشابهة،‏ ولكنها مل تقرتح قط أي طريق

بديل للتعامل مع جوانب عدم الكفاءة يف حركة العمل يف منطقة اليورو.‏

وسوف يحسِّ‏ ن اإلصالح األمور بطرق عدة،‏ فمدفوعات الفائدة يف البلدان

املأزومة سوف تكون أقل بكثري،‏ وتخفيض اإلنفاق عىل خدمة الديون سوف يسمح

لهذه البلدان بكل من خفض الرضائب واالضطالع بسياسات مالية أكرث توسعا وزيادة

الدخول.‏ وكل هذا سوف يخفّض من فداحة أثر قوى التباين فيام يتعلق بكل من

الهجرة إىل الخارج خصوصا من قبل العمل املتمتع باملهارة وهروب رأس املال.‏

املصادر األخرى للتباين

رمبا أكون قد أوضحت املصدرين األكرث أهمية يف التباين:‏ هروب رأس املال

وهجرة العمل،‏ ولكن هناك ثالثة مصادر أخرى تستحق أن نذكرها يف عجالة.‏

التباينات يف اإلنفاق العام

مع ضعف االقتصادات بسبب القيود املالية التي تفرضها معايري التقارب (28) ،

تصبح الحكومات يف هذه البلدان غري قادرة عىل الدفع باستثامرات تنافسية يف

البنية التحتية،‏ والتكنولوجيا والتعليم.‏ وهذا يعد صحيحا حتى لو كان العائد

عىل هذه االستثامرات يفوق بقدر كبري سعر الفائدة الذي يتعني عىل البلد دفعه

للحصول عىل التمويل.‏ ونتيجة لهذا تتزايد الفجوة بني البلدان القوية والبلدان

الضعيفة يف مستوى هذه الخدمات واالستثامرات العامة،‏ وغالبا ما يكون ذلك

متكامال مع االستثامرات الخاصة.‏

ويتفاعل هذا مع شكيل التباين اللذين نُوقشا بالفعل:‏ فلو كانت هذه

االستثامرات العامة تتكامل مع العمل ورأس املال - أي أن االستثامرات العامة ترفع

من إنتاجية العمل ورأس املال - إذن سوف تكون لدى البلدان الغنية عوائد خاصة

أعىل عىل رأس املال،‏ حتى عىل الرغم من أن لديها وفرة مفرطة من رأس املال

الخاص.‏ ولو كانت قوة العمل املتعلمة أكرب يف هذا البلد ‏)نتيجة الستثامرات عامة

أكرب يف رأس املال البرشي(‏ فستتحقق النتائج ذاتها.‏

167


اليورو

هناك مفارقة قدمية العهد يف اقتصاديات التنمية:‏ ملاذا يبدو أن رأس املال

يتحرك من البلدان النامية إىل تلك البلدان التي تعد متقدمة؟ (29) يكمن جزء من

اإلجابة عن هذا السؤال يف هذه الطبيعة التكاملية لالستثامرات العامة،‏ والتي تزيد

من العائد عىل االستثامرات الخاصة.‏

حل املشكلة

تعد االستثامرات عىل النطاق األورويب الشامل،‏ التي متُ‏ وَّل من قِبل بنك االستثامر

األورويب ،)EIB( وهو بنك التنمية عىل الصعيد اإلقليمي ألوروبا،‏ حال جزئيا.‏ ولكن

حتى عىل الرغم من أن بنك االستثامر األورويب يعد أضخم مؤسسة إقراض متعددة

األطراف،‏ فموارده تعد محدودة.‏ وما نحن يف حاجة إليه هو مزيد من إعادة رسملة

بنك االستثامر األورويب.‏

اقرتح البعض حال ذا صلة:‏ إنشاء بنوك وطنية للتنمية،‏ حيث يكون إقراض

هذه البنوك من خارج امليزانية العامة،‏ وبالتايل يُعَد اإلنفاق هنا خارج معايري

التقارب.‏ ولكن بتجميع مخاطر البلدان األعضاء املختلفة ميكن لبنك االستثامر

األورويب الحصول عىل متويل من شبه املؤكد أنه سيكون بسعر فائدة أقل مقارنة

مبا قد يحصل عليه بنك التنمية يف بلد مأزوم،‏ وهذه ميزة كبرية.‏ الحقيقة أنه

ميكن لبعض بنوك التنمية متعددة األطراف اقرتاض املال بسعر فائدة أقل

مقارنة بأسعار الفائدة التي من املمكن ألي بلد عضو الحصول عليها (30) . من

جانب آخر رمبا يكون بنك التنمية الوطني قادرا عىل التمييز بني املقرتضني

من املؤسسات الصغرية واملتوسطة،‏ وهكذا رمبا يكون أكرث كفاءة يف إقراض

املؤسسات الصغرية واملتوسطة.‏ واكتشفت بعض البلدان ‏)مثل الربازيل(‏ أن من

املفيد أن يكون لديها كل من بنك تنمية عىل املستوى الوطني وبنوك تنمية

أخرى عىل مستوى الوالية.‏

وينبغي،‏ بنحو أعم،‏ مراجعة الحدود عىل العجوزات للتفرقة بني أوجه اإلنفاق

االستهالكية واالستثامرية،‏ وللسامح للبلدان باالقرتاض بأكرث من حد ال 3 يف املائة

إذا كان من أجل االستثامر (31) . ويف نهاية املطاف،‏ وكام ذكرنا،‏ تزيد مثل هذه

االستثامرات من قوة االقتصاد.‏

168


اليورو:‏ نظام للتباين

التباينات يف التكنولوجيا

عىل خالف االفرتاض الوارد يف النظرية السائدة،‏ ال تتقارب البلدان بالرضورة يف

مجال التكنولوجيا ‏)املعرفة(‏ (32) . فالبلدان القائدة تظل هي البلدان القائدة.‏ ويعد

رشق آسيا االستثناء،‏ ولكن البلدان يف هذا اإلقليم حققت التقارب من خالل سياسات

حكومية نشطة،‏ يُطلَق عليها السياسات الصناعية.‏ فقد أدركت هذه البلدان أن ما

يفصل البلدان املتقدمة عن البلدان األقل تقدما فجوة املعرفة،‏ واملعرفة ال تتدفق

بحرية من تلقاء نفسها (33) . واألسواق يف مجال املعرفة مل تُوصّ‏ ف جيدا بواسطة

النموذج االقتصادي املعياري،‏ فاالقتصادات التي تعد املعرفة فيها مهمة ليست،‏

بنحو عام،‏ كفؤة:‏ فاألسواق تستثمر قدرا ضئيال وعادة يف االتجاه الخطأ (34) . واألسواق

يف حد ذاتها ال تقيض بالرضورة عىل فجوة املعرفة.‏

والحقيقة أنه من املعروف جيدا أن تزايد غلة النطاق أو الحجم املرتبطة

باالبتكار ‏)االستثامر يف البحث والتطوير تنتج عنه عائدات متوقعة أكرب بصورة غري

متناسبة كلام كرب حجم املبيعات(‏ ‏)٭(‏ وهو ما يعطي املرشوعات الكبرية أفضلية عىل

املرشوعات الصغرية.‏ وميكن أن تكون هناك اقتصاديات للمجال ‏)٭٭(‏ ، حيث يكون

البحث يف مجال واحد مفيدا للمجاالت األخرى وحينام تكون هناك آثار انتشارية

من مرشوع إىل آخر،‏ كام تنعكس يف التكتالت والتجمعات اإلنتاجية.‏ والنتيجة

املرتتبة عىل اقتصاديات الحجم واملجال هي أن البلدان صاحبة املزايا التكنولوجية

تحافظ عادة عىل هذه املزايا،‏ ما مل تكن هناك قوى موازنة معاكسة تنجم عن

السياسات الحكومية.‏

‏)٭(‏ يشري مصطلح اقتصاديات الحجم أو النطاق scale( )Economies of إىل العالقة بني حجم اإلنتاج وتكلفة

الوحدة املنتجة.‏ ففي حالة تزايد غلة الحجم أو النطاق تنخفض تكلفة الوحدة املنتجة من منتج ما نتيجة لتزايد

اإلنتاج الكيل من هذا املنتج.‏ وتسفر اقتصاديات الحجم عن انخفاض تكلفة الوحدة ألسباب عدة:‏ السبب األول هو

أن تخصص العاملة وتزايد استخدام التكنولوجيا سوف يرفعان من حجم اإلنتاج.‏ والسبب الثاين،‏ ميكن أن يحدث

خفض يف تكلفة الوحدة املنتجة عرب طلب كمية كبرية من املدخالت من املوردين،‏ أو خفض تكلفة اإلعالن بالنسبة

إىل الوحدة املنتجة أو خفض تكلفة رأس املال.‏ وميكن أن يحدث الخفض ثالثا نتيجة لتوزيع ما يسمى بتكلفة دالة

اإلنتاج الداخلية ‏)التي تشمل بعض التكاليف مثل املحاسبة،‏ وتكنولوجيا املعلومات والتسويق(‏ عىل عدد أكرب من

الوحدات املنتجة.‏ ‏]املرتجم[.‏

انظر:‏ https://www.investopedia.com/terms/e/economiesofscale.asp

‏)٭٭(‏ تحدث اقتصاديات املجال scope( )Economies of حينام يكون من األرخص إنتاج منتَجَ‏ ني معا عوضا عن

إنتاج كل منهام بنحو مستقل.‏ ‏]املرتجم[.‏

169


اليورو

والسياسات التي تهدف إىل إغالق الفجوة التكنولوجية،‏ كام ذكرنا،‏ يطلق عليها

السياسات الصناعية،‏ حتى حينام تُطبّق عىل قطاعات أخرى من االقتصاد مثل قطاع

الخدمات.‏ ولكن قوانني املنافسة األوروبية تحول دون،‏ أو عىل األقل تعيق،‏ وجود

مثل هذه السياسات (35) . واألساس املنطقي وراء مثل هذا القانون مفهوم لو كان

املرء يعتقد أن األسواق تتقارب من تلقاء نفسها:‏ فليس هناك من يرغب يف أن

يعطي أفضلية ملرشوع يف أحد البلدان من خالل الدعائم االصطناعية التي يقدمها

الدعم الحكومي (36) .

إذا مل تؤدِ‏ قوى السوق الطبيعية إىل التقارب،‏ ولكنها عوضا عن ذلك أدت

إىل التباين أو عىل األقل عملت عىل استدامة األفضليات واملزايا،‏ إذن فالحظر

املفروض عىل السياسات الصناعية يعمل ببساطة ألجل الحفاظ عىل الخالفات،‏

بل ويعمقها،‏ ورمبا يقول املتهكم املتشائم إن هذا هو هدف القانون:‏ الحفاظ

عىل عالقات القوى.‏ ولكني مقتنع بأن القاعدة املوجودة يف أوروبا مدفوعة أكرث

باأليديولوجيا واملعتقدات االقتصادية الخاطئة،‏ وليس باملصالح الذاتية الضيّقة.‏

ووجهة النظر السائدة يف دوائر السياسة النيوليربالية يف الوقت الذي أُسس فيه

اليورو - وهي وجهة نظر فقدت مصداقيتها منذ ذلك الحني إىل حد بعيد -

هي أن قوى السوق سوف تعمل من تلقاء نفسها عىل التقارب،‏ ولذا ال تكون

السياسات الصناعية مطلوبة وال هي مؤثرة.‏

وبالطبع يعمق التباين التكنولوجي بدوره من كل االختالفات األخرى املذكورة

سابقا.‏ فلو كانت التكنولوجيا األملانية أفضل من التكنولوجيا الربتغالية،‏ فسوف

يتدفق رأس املال من البلد صاحبة الندرة يف رأس املال إىل البلد الغنية برأس املال

وهكذا،‏ أيضا سيقدم العمل املتمتع باملهارة عىل فعل اليشء نفسه.‏

حل املشكلة

مرة أخرى،‏ هناك حل سهل ملشكلة التباينات يف التكنولوجيا:‏ بدال من تثبيط

السياسات الصناعية،‏ يجب أن تعمل منطقة اليورو عىل تشجيع مثل هذه السياسات

بفعالية،‏ خصوصا بالنسبة إىل البلدان التي تعد متخلفة عن الركب.‏ فمثل هذه

السياسات الفعالة تحمل معها وعدا بالتقارب الحقيقي.‏

170


اليورو:‏ نظام للتباين

التباين يف الرثوة

أخريا،‏ هناك تباين يف الرثوة.‏ لقد أوضحت يف الفصل األخري كيف أنه حينام

وُضِ‏ ع سعر رصف اليورو كليا لتحقيق التوازن،‏ وجدنا أن أملانيا تسجل فائضا بينام

تسجل بلدان املحيط عجزا.‏ وتسجيل فائض تجاري يعني ببساطة إقراض بقية العامل

وتسجيل عجز يعني االقرتاض.‏ ورمبا كان هذا الجانب األكرث إثارة للقلق يف تباين

منطقة اليورو:‏ فبعض البلدان،‏ وعىل رأسها أملانيا،‏ أصبحت بنحو متزايد بلدانا دائنة،‏

والبعض أصبح مدينا.‏ وقد خلق هذا تباينا يف املصالح والرؤى االقتصادية،‏ وبذلك

تزداد صعوبة اضطالع العملة املوحدة بالعمل عىل ما فيه تحقيق مصالح الجميع.‏

سياسات األزمة تُعمِّق التباين

بنيَّ‏ الفصل الثالث ضخامة حجم التباينات التي انفتحت يف أوروبا.‏ وبعض هذه

التباينات،‏ كام أوضحتُ‏ ، هي نتيجة طبيعية ملنطقة اليورو بالطريقة التي أُنشئت بها.‏

ولكن بعضها نتيجة للسياسات التي طُ‏ بقت يف منطقة اليورو بوصفها ردة فعل لألزمة.‏

عىل سبيل املثال،‏ لقد أرشنا إىل تدفق األشخاص األكرث موهبة من بلد ذي

مستوى مرتفع من املديونية.‏ وقد زوَّد التقشف من الهجرة من البلدان الفقرية يف

كل من رأس املال والعمل:‏ فالتقشف،‏ كام أوضحت،‏ يف الفصول السابقة بتفصيل

أكرب،‏ أدى إىل حاالت ركود أعمق وأطول،‏ واملستثمرون ال يفضلون االستثامر يف

بلدان متر بحالة ركود،‏ ولذا يتدفق رأس املال حيث تكون الظروف االقتصادية

أفضل.‏ لذا،‏ أيضا،‏ تشجع البطالة املرتفعة عىل الهجرة إىل الخارج،‏ ليرتك املهاجرون

عبء دين أعىل عىل هؤالء الذين بقوا يف البلد.‏ ولذا أيضا أدى تقليص الخدمات

العامة املرتبط بالتقشف ونقص االستثامر عن طريق الحكومة - عىل سبيل املثال،‏

يف البنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم – إىل جعل العيش واالستثامر يف البلدان

املنكوبة أقل جاذبية.‏

ولجعل األمور حتى أكرث سوءا،‏ شجّ‏ عت سياسات الرتويكا يف قربص واليونان

عىل مزيد من هروب رأس املال بعيدا عن النظم املرصفية يف هذه البلدان - أو أي

بلد منكوب بشدة.‏ وقد أظهرت الرتويكا أنه،‏ وبغض النظر عام تقوله أي حكومة

منفردة عن الضامنات عىل الودائع،‏ حتى لو لصغار املودعني،‏ فالرتويكا عىل استعداد

171


اليورو

عىل األقل للنظر يف أمر اضطالعها باقتطاعات كبرية من الودائع ‏)حيث يستعيد

املودعون مجرد نسبة ضئيلة فقط من قيمة ودائعهم(،‏ إذا مل تجد طريقة أفضل

إلنقاذ البنوك.‏ وقد بينت الرتويكا أيضا أنها من أجل إنفاذ رغباتها فهي عىل استعداد

التخاذ اإلجراءات التي تجرب البلد عىل اإلغالق املؤقت ملصارفه،‏ مام يعمل بوضوح

عىل جعل الحفاظ عىل األموال يف مصارف البلد أكرث خطرا،‏ ويشجع األموال عىل

االنتقال إىل املصارف القوية يف أملانيا وغريها من البلدان.‏

وخلقت الجهود الحالية إلحياء اقتصاد منطقة اليورو مصادر محتملة جديدة

للتباين،‏ األمر الذي لن ميكن التحقق منه إال مبرور الزمن.‏ ففي ظل السياسات

التي أعلنت يف بداية العام ‎2016‎م،‏ أصبح من املمكن للبنك املركزي األورويب رشاء

سندات الرشكات،‏ ولكن سندات الرشكات التي ميكن أو التي من املحتمل رشاؤها

هي سندات الرشكات الكربى يف أملانيا وفرنسا،‏ مام يعطيهم مرة أخرى أفضلية عىل

رشكات البلدان األخرى.‏

كيف ميكن ل ‏»اإلصالحات«‏ الجارية

أن تؤدي إىل عدم استقرار وتباين أكرث؟

يبدو من الواضح أن منطقة اليورو مل تنجح يف العمل وفقا ملا كان مخططا

لها.‏ لذا ليس أمرا مستغربا أن يكون هذا الوضع قد استحث العمل عىل إجراء

إصالحات.‏ وقد أنشأوا شبكة أمان لكل منطقة اليورو تبلغ قيمتها 500 مليار يورو

)550 مليار دوالر(‏ ملساعدة البلدان والبنوك التي تعاين صعوبات (37) . وقد ناقشنا

أيضا مقرتح االتحاد املرصيف،‏ وأوضحنا ملاذا رمبا يعد الحل الوسط أو االتفاق الحايل

أسوأ من عدم عمل أي يشء عىل اإلطالق.‏

وهناك إصالحان آخران،‏ واحد عىل نطاق منطقة اليورو كاملةً،‏ واآلخر يشكل

جزءا من أحدث برنامج للبلدان املنكوبة باألزمة،‏ وهي إصالحات تعد أسوأ - إذ إنها

تحركات واسعة يف االتجاه الخطأ.‏

أوال،‏ لقد ذكرنا سابقا كيف أن أملانيا شخَّ‏ صت خطأً‏ ملاذا مل تعمل منطقة اليورو

بالكيفية التي كان من املفرتض أن تعمل بها:‏ وقد ألقى األملان باللوم عىل التبذير

املايل،‏ لهذا ضاعفوا الرهان عىل هذه النظرية،‏ وطالبوا حتى بتعهدات ملزمة أكرث

172


اليورو:‏ نظام للتباين

من أعضاء منطقة اليورو فيام يتعلق بعجوزاتهم وديونهم،‏ مع فرض عقوبات

صارمة عىل هؤالء الذين ال ينصاعون.‏ وقد أطلق عىل هذا ‏»امليثاق املايل«‏ Fiscal(

،)Compact وكان نذيرا بعهد من األداء االقتصادي األكرث سوءا يف منطقة اليورو.‏

وكان اإلصالح الثاين يعد جزءا من الربنامج الجديد الذي قُدِّم إىل اليونان يف

صيف العام ‎2015‎م.‏ وقد ذكرنا أن الرتويكا كانت تقدر باستمرار حجم التدهور

االقتصادي بأقل من وزنه الحقيقي،‏ وبهذا كانت تغايل يف مقدار التحسن يف الوضع

املايل.‏ ويف حقيقة األمر،‏ كان التقشف الفعيل املفروض يُخفف إىل حد ما بحقائق

األوضاع داخل اليونان (38) .

واألنباء السيئة هي أن الرتويكا قد مضت قدما تجاه سياسة تُرص عىل أن أرقام

امليزانية التي وُضِ‏ عت ال بد من تحقيقها:‏ إذا ما اتضح أن اإلنفاق أكرب أو اإليرادات

الرضيبية أقل مام تُوقَّع يف األصل - لنقل،‏ بسبب أن التدهور كان أكرب من املتوقَّع

يف األصل - لذا ال بد من تخفيض اإلنفاق أكرث وزيادة الرضائب أكرث.‏ وسوف ميثل

هذا عامال تلقائيا لزعزعة االستقرار.‏ فمع ضعف االقتصاد،‏ سوف تكون اإليرادات

الرضيبية أقل من املتوقَّع،‏ وهكذا سوف تُجربَ‏ اليونان عىل زيادة الرضائب أكرث،‏ وهو

ما يعمل بدوره عىل إضعاف االقتصاد أكرث (39) .

كيف تشجع حرية االنتقال عىل ‏»إصالحات«‏

تؤدي إىل عدم استقرار أكرب وعدم املساواة؟

لقد ركّزنا عىل التغريات التي تنتاب االستقرار يف االقتصاد األورويب والناجمة

عن خلق منطقة اليورو،‏ والسياسات التي طبّقتها منطقة اليورو استجابة لألزمة.‏

ولكن هناك عوامل أخرى مؤثرة يف أوروبا،‏ وهي عوامل ناجمة عن نظام اقتصادي

رمبا اليزال أقل ثباتا.‏ والعوامل األكرث أهمية هي الرضائب التصاعدية واستحقاقات

الرفاه العريضة التي تؤدي دورا باعتبارها عامال تلقائيا قويا لزعزعة االستقرار،‏ فمع

تحول النظم الرضيبية لتصبح أقل تصاعدية يف معظم أنحاء أوروبا،‏ ومع تقليم

استحقاقات الرفاه،‏ عىل املرء توقع مزيد من التقلبات االقتصادية.‏

وقد أسهمت حرية انتقال العمل ورأس املال يف هذا االتجاه غري املرغوب

فيه.‏ وكام سبق أن ذكرنا كان هناك سباق فيام يتعلق بالضوابط التنظيمية نحو

173


اليورو

القاع،‏ كذلك أيضا كان األمر فيام يخص الرضائب.‏ فقد تنافست البلدان يف محاولة

جذب املرشوعات ورأس املال والعامل ذوي املهارة العالية،‏ وإحدى الطرق التي

استُخدمت يف تحقيق ذلك كانت من خالل خفض الرضائب.‏ ويف ظل مثل هذه

السهولة يف القدرة عىل الحركة واالنتقال،‏ كان من الصعب باملثل تحقق تصاعد

شديد يف الرضيبة.‏ فقد هدد األفراد األغنياء بالرحيل وتوطني أنفسهم ومرشوعاتهم

يف مكان آخر.‏

وقد قدمت لوكسمبورغ وأيرلندا أسوأ األمثلة،‏ حيث منحتا فعليا بعضَ‏ أكرب

الرشكات متعددة الجنسية إعفاءً‏ رضيبيا كامال،‏ وهي طريقة قانونية لتجنيبها دفع

الرضائب التي كان يجب عليها دفعها (40) . ومع حرية حركة السلع كان يف إمكان

الرشكات التوطن يف الجهات األقل رضيبة داخل االتحاد األورويب،‏ ولكن كان يف

إمكانها بيع سلعها يف أي مكان يف االتحاد األورويب.‏

وكان الخفض يف تصاعدية الرضيبة ونظام التحويل يعني تزايد عدم املساواة يف

الدخل والرثوة داخل معظم بلدان منطقة اليورو (41) ، وهو ما ضاعف من أثر التباين

بني البلدان،‏ وهو التباين الذي أسهمت فيه بنية منطقة اليورو بطرق عدة.‏

تعليقات ختامية

ميكن إلدخال إصالحات ترقيعية عىل النظام االقتصادي أن يُشكل خطرا،‏ ما مل

يكن املرء يعلم حقيقة كيف يعمل هذا النظام.‏ وحيث إن النظم االقتصادية دائبة

التطور،‏ فمعرفة كيف تعمل هذه النظم تُعَد أمرا صعبا حقيقة.‏ وقد غريّ‏ مؤسسو

اليورو من قواعد اللعبة.‏ فقد ثبَّتوا سعر الرصف وجعلوا سعر الفائدة يتحدد مركزيا.‏

وخلقوا قواعد جديدة تحكم العجوزات وقواعد جديدة تحكم النظام املرصيف.‏

وقادتهم الغطرسة إىل االعتقاد أنهم يفهمون كيف يعمل النظام االقتصادي،‏ وأنهم

ميكنهم العبث به بإدخال إصالحات ترقيعية عليه بهذه الطرق لجعل أدائه أفضل.‏

وقد حسبت أوروبا أن لديها فهام أفضل لألسواق،‏ وأن األسواق تتطور بنحو

متزايد - شاهد ‏»التقدم«‏ و»االبتكار«‏ يف األسواق املالية - وسوف ينجم عن الفهم

األفضل لألسواق وتطورها املتزايد نظام اقتصادي يعمل بنحو أفضل.‏ والسوق

األوسع،‏ يف ظل قواعد أفضل،‏ والعملة املوحدة سوف يؤديان إىل نظام اقتصادي

174


اليورو:‏ نظام للتباين

أفضل حتى من ذلك.‏ ولكن مل ترس األمور عىل هذا النحو.‏ وقد أوضحتُ‏ كيف - ويف

ظل افرتاض أفضل النوايا - أن أوروبا خلقت نظاما اقتصاديا غري مستقر أكرث ومتباينا

- وهو نظام تصبح فيه البلدان الرثية أكرث ثراء،‏ وتصبح البلدان الفقرية أكرث فقرا،‏ كام

أنه نظام يتحقق فيه عدم مساواة أكرب داخل كل بلد.‏

والتفاصيل مهمة.‏ فال يستطيع املرء القول ببساطة إن حرية حركة رأس املال

تؤدي إىل زيادة الكفاءة.‏ إذ عىل املرء أن يعرف ما الذي يحدث حينام يفلس بنك

من البنوك.‏ فمن الذي عليه دفع الحساب؟ وال ميكن للمرء أن يقول ببساطةٍ‏ إن

حرية انتقال عنرص العمل سوف تؤدي إىل زيادة الكفاءة.‏ فعىل املرء أن يعرف شيئا

عن تصميم النظام الرضيبي،‏ ومن الذي عليه أن يدفع ديون البلد.‏

وقبل كل يشء عىل املرء أن يعرف شيئا عن السياسة النقدية وأعامل البنوك

املركزية.‏ فالبنوك املركزية جيدة التصميم ميكنها أن تؤدي إىل زيادة االستقرار

واقتصاد أفضل أداء.‏ والبنوك املركزية ضعيفة التصميم ميكنها أن تؤدي إىل مستويات

أعىل من البطالة ومستويات أقل من النمو.‏ وسوف ينظر الفصل التايل يف األخطاء

التي ارتكبتها منطقة اليورو عند بنائها لبنكها املركزي،‏ الذي يُعد أهم مؤسساتها،‏

وهو البنك املركزي األورويب.‏

175


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

6

السياسة النقدية والبنك

املركزي األوروبي

‏»حتى لو اعتقد املرء أن استقالل البنك

املركزي سوف تنتج عنه سياسة نقدية

أفضل،‏ كان يف الوسع تشييد بنك مركزي

أورويب يرى البدائل التي تنطوي عليها

السياسة بطريقة أكرث توازنا«‏

يقع البنك املركزي األورويب (ECB) يف قلب

االتحاد النقدي،‏ والبنك هو املؤسسة التي أثبتت

أنها أقوى وأكرث املؤسسات فعالية ضمن منطقة

اليورو،‏ ورمبا ضمن االتحاد األورويب األوسع من

منطقة اليورو.‏ والحقيقة أنه رمبا يكون ماريو

دراغي،‏ رئيس البنك املركزي األورويب منذ العام

2011، قد أنقذ منطقة اليورو،‏ مع حديثه الشهري

الذي قال فيه إن البنك املركزي األورويب سوف

يفعل كل ما يتطلبه األمر من أجل الحفاظ عىل

اليورو (1) - وبقوله هذا استعاد الثقة يف سندات

البلدان التي كانت تتعرض للهجوم.‏

وبينام أدى البنك املركزي األورويب يف هذه

الحالة دورا بنّاء يف الحفاظ عىل منطقة اليورو،‏

177


اليورو

أثارت املهمة املكلف بها،‏ وحوكمة البنك املركزي األورويب وأفعاله،‏ عىل مدار عقد

ونصف العقد من وجوده،‏ أسئلة عام إذا كان البنك،‏ بتشكيله الحايل،‏ ‏»يفي بالغرض

من إنشائه«:‏ أي هل لديه الرغبة والقدرة عىل انتهاج سياسة نقدية تضمن النمو،‏

واالستقرار،‏ والرخاء املشرتك ملنطقة اليورو قاطبة؟ فتفويض البنك يركز فقط عىل

التضخم - وحتى اليوم،‏ مثلام رأينا؛ إذ تعد املشكلة الحرجة التي تواجه أوروبا

هي البطالة،‏ ويقلق الكثريون من حدوث انكامش مايل أو انخفاض األسعار.‏ وبنحوٍ‏

أوسع يبدو سلوك البنك املركزي األورويب يف بعض األحيان أنه يجهر مبا يراه النقاد

خلال أساسيا فيه:‏ الحوكمة املعيبة،‏ وهو ما يثبت وجود عجز دميوقراطي والذي،‏

كام ذكرنا يف الفصل الثاين،‏ ما برح يقوض املرشوع األورويب األكرب.‏ ويبدو كل هذا

منسجام أكرث مع مصالح ومدركات املرصفيني ال املواطنني يف بلدان منطقة اليورو

الذين من املفرتض أن البنك يقوم عىل خدمتهم.‏

ويجادل هذا الفصل بأن االنتقادات املوجهة إىل البنك املركزي األورويب تعد

صحيحة من حيث الجوهر.‏ فمثله مثل اليورو ذاته كان البنك املركزي معيبا منذ

امليالد.‏ فقد بُنِي عىل أساس افرتاضات أيديولوجية معينة كانت تعد موضة أو

رصعةً‏ يف ذلك الوقت.‏ وكانت هذه املعتقدات،‏ عىل أي حال،‏ موضع مساءلة بشكل

متزايد،‏ خصوصا يف أعقاب األزمة املالية العاملية يف العام 2008. وبينام اضطلعت

بنوك مركزية أخرى،‏ وخاصة االحتياطي الفدرايل يف الواليات املتحدة،‏ بإصالحات،‏

للرتكيز بشكل أكرب عىل البطالة واستقرار سوق املال - بل بدأت حتى يف الحديث

عن كيف أثرت سياساتها يف عدم املساواة - كان التفويض املمنوح للبنك املركزي

األورويب مقيدا مبعاهدة ماسرتيخت للعام 1992 التي نصت عىل صالحية واحدة

وهي الرتكيز عىل التضخم.‏

واملشكلة األعمق للبنك املركزي األورويب هي غياب املساءلة الدميوقراطية

له.‏ فقد حاول املحافظون صياغة إطار للسياسة النقدية كأن األمر مجرد مهارة

تكنوقراطية.‏ فقد تلخص األمر يف اآليت:‏ وظِّ‏ ف أفضل التكنوقراطيني،‏ فيحصل املرء

عىل أفضل سياسة نقدية.‏ وقد كشفت أزمة اليورو واألزمة املالية العاملية،‏ والتي

أدت فيها البنوك املركزية دورا مركزيا بالفعل،‏ الغطاء عن أن البنوك املركزية تصنع

قرارات سياسية بشكل مكثف.‏ ولكن املسؤولني بالبنوك املركزية الذين يضطلعون

178


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

بصنع قرارات سياسية،‏ حتى حينام يكون األمر مقترصا عىل تقدير مخاطر التضخم،‏

يفعلون ذلك ببساطة يف ظل االدعاء أنهم مجرد تكنوقراط.‏ وكانت القرارات بجعل

البنك املركزي مستقال،‏ ومن دون مساءلة سياسية كافية،‏ والرتكيز فقط عىل التضخم،‏

كانت هي ذاتها قرارات سياسية،‏ وذات آثار توزيعية قوية.‏

وسوف أوضح يف هذا الفصل العيوب الهيكلية يف البنك املركزي األورويب وكيف

تُرجِ‏ مت هذه العيوب يف قرارات تخص سياسة البنك،‏ وقد عملت بعض هذه

القرارات بشكل جيد،‏ ولكن بعضها اآلخر عمل عىل إضعاف اقتصاد منطقة اليورو

وزاد من الفرقة داخلها.‏

التفويض بالتضخم

حينام أُسِّ‏ س البنك املركزي األورويب يف العام 1998 باعتباره جزءا من العملية

التي خلقت اليورو،‏ فقد بُنِي بشكل رصيح للحد مام ميكن أن يفعله.‏ وقد أُعطي

تفويضا وحيدا وواضحا:‏ الحفاظ عىل استقرار األسعار (2) . ويعد هذا التفويض مختلفا

كليا عن التفويض املمنوح لالحتياطي الفدرايل يف الواليات املتحدة،‏ إذ من املفرتض

أال يسيطر االحتياطي الفدرايل فقط عىل التضخم،‏ ولكن يحفز أيضا عىل النمو

والتشغيل الكامل.‏ ويف أعقاب أزمة 2008 مُنح االحتياطي الفدرايل تفويضا إضافيا

بالحفاظ عىل االستقرار املايل.‏ وكانت املفارقة أن هذا التفويض أُضيف إىل القامئة،‏

حيث إن االحتياطي الفدرايل كان قد أُسِّ‏ س أصال يف العام 1913 بهدف حامية

نزاهة وسالمة النظام املايل عقب الذعر املايل الذي حدث يف العام 1907. والواقع

أن املشكلة التي واجهت االقتصاد األمرييك عقودا قبل تأسيس االحتياطي الفدرايل

كانت هي االنكامش.‏

مبرور الوقت تطور اعتقاد ضمن دوائر واسعة من العاملني يف مهنة االقتصاد

‏)خصوصا من املحافظني الذين يعتنقون ما أرشنا إليه سابقا ب ‏»النيوليربالية«‏ أو

‏»أصولية السوق«(‏ أنه من الرضوري ألجل تحقيق أداء جيد لالقتصاد الكيل - وهو

ما يُعَد يف الغالب رشطا كافيا يف حد ذاته - أن يكون هناك تضخم مستقر ومنخفض

وتحافظ عليه السلطات النقدية.‏ وبالطبع نحن نعرف اآلن أن هذا خطأ:‏ فالرضر

الذي ألحقته األزمة املالية باالقتصاد أكرب بكثري من أي رضر ميكن أن يسببه كل

179


اليورو

أنواع التضخم فيام عدا التضخم املنفلت.‏ وقد رشحتُ‏ يف الفصل الثالث كيف أنه

يف أوروبا وحدها كانت الخسائر املرتاكمة يف الناتج املحيل اإلجاميل الناجمة عن

األزمة املالية تصل إىل تريليونات الدوالرات.‏ وليس هناك أحد،‏ حتى من بني أشد

املؤيدين لرتكيز البنك املركزي األورويب عىل التضخم،‏ فكر قط يف أن تكلفة التضخم

ميكن حتى أن تكون قريبة من مثل هذه الخسائر.‏ وكانت أولويات البنك خاطئة،‏

ولكنها مل تكن خطأ البنك املركزي:‏ لقد كان مفوضا بالتضخم،‏ وقد فعل ببساطة ما

طُ‏ لب منه أن يفعله.‏

وهذا االعتقاد بأن عىل البنك املركزي الرتكيز عىل التضخم يقوم عىل أساس

من أيديولوجية مبسطة،‏ دُعمت بنامذج مبسطة لالقتصاد الكيل افرتضت كفاءة

األسواق (3) . وهذه األيديولوجيا دُمجت بشكل أسايس يف ميثاق البنك املركزي

األورويب (4) ، حيث فُوِّض إليه ‏»العمل بالتوافق مع مبدأ اقتصاد السوق املفتوح يف

ظل املنافسة الحرة،‏ الذي يشجع عىل التخصيص الكفء للموارد«‏ (5) . وبدا األمر كأن

أوروبا تقول إن اقتصاد السوق املفتوح مع املنافسة الحرة ينتج عنهام تخصيص

كفء للموارد،‏ وذلك بغض النظر عن الكم الضخم من األدلة التي قدمها البحث

االقتصادي النظري والعميل،‏ والتي تبني أن هذا مل يكن الحال يف غياب الضوابط

التنظيمية الحكومية الكافية.‏

بهذه النظرة الكامنة وراء إنشاء البنك املركزي األورويب إذن كانت الحكومة هي

املشكلة،‏ وكان ال بد من تقييد الحكومة.‏ وقد فعلت قاعدة الذهب ذلك،‏ ولكن

يف ظل قاعدة الذهب كان عرض النقود يف األساس عشوائيا،‏ حيث كان يتحدد

بالحظ يف العثور عىل مصادر جديدة للذهب ‏)أو معادن نفيسة أخرى،‏ لو أصبحت

تلك املعادن جزءا من النظام النقدي(.‏ وكانت نتيجة هذا ‏»النظام«‏ هي فرتة من

التضخم املرتفع حينام يزيد عرض الذهب زيادة ضخمة - عىل سبيل املثال عقب

اكتشاف العامل الجديد - وفرتات من االنكامش أو انخفاض األسعار،‏ مثلام كان عليه

الحال عند نهاية القرن التاسع عرش يف الواليات املتحدة،‏ حينام كان هناك نقص يف

الذهب (6) . ويف القرن العرشين انتقل العامل من العمالت املستندة إىل الذهب إىل

النقود املجازية،‏ وهي النقود الورقية والعمالت املعدنية من املعادن غري النفيسة

التي تستند فقط إىل ضامن الحكومة،‏ وكان هذا الضامن وحده هو ما يعطي

180


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

قصاصات الورق هذه قيمتها.‏ وكانت املخاطر مع النقود الورقية هي إمكانية إفراط

الحكومة يف طباعتها،‏ وأن تدخل األسعار يف دوامة خارجة عن نطاق السيطرة،‏ وهو

ما يتداخل يف/‏ ويؤثر يف سالسة عمل السوق.‏ ولهذا فقد كان اليشء الوحيد الذي

ينبغي عىل املرء القلق منه هو التضخم.‏ وكانت وظيفة البنك املركزي هي الحيلولة

دون حدوث ذلك،‏ عن طريق إدارة كمية النقود.‏

كانت هناك وجهة نظر مضادة تطورت يف أعقاب الكساد العظيم.‏ وتقوم

وجهة النظر تلك عىل أن التدخل الحكومي ميكنه أن يساعد عىل استعادة االقتصاد

التشغيلَ‏ الكامل بشكل أرسع مقارنة مبا ميكن لألسواق مبفردها عمله.‏ وكان كل

من السياسة النقدية واملالية ‏)التغريات يف الرضائب واإلنفاق(‏ مطلوبا - مع اختالف

الدور النسبي لكل منهام باختالف الظروف.‏ يف الواليات املتحدة كانت وجهات

النظر هذه متضمنة يف الترشيع من خالل قانون العمل للعام 1946، والذي أعطى

مسؤولية الحفاظ عىل االستقرار يف التضخم والتشغيل للحكومة الفدرالية (7) .

عالوة عىل ذلك كانت التقلبات األسوأ يف الناتج والتشغيل قد خلقتها

األسواق بنفسها،‏ فلم تكن مجرد أفعال من الطبيعة.‏ وكان هذا واضحا بنحو

خاص يف العام 2008: فقد كانت فقاعة املساكن التي صنعها البرش هي ما

جذبت االقتصاد إىل أسفل.‏ ولكن أزمة 2008 مل تكن،‏ يف حد ذاتها،‏ سوى أحدث

املظاهر عىل املشاكل التي تعانيها الرأساملية منذ نشأتها (8) . وعىل مدار األربعني

عاما السابقة توصل االقتصاديون إىل فهم ‏»جوانب قصور السوق«‏ والتي تسبب

الفقاعات،‏ والفورات،‏ وحاالت الذعر،‏ وحاالت الركود.‏ وجوانب قصور السوق

شائعة بشكل خاص يف األسواق املالية.‏ وميكن لضوابط تنظيمية جيدة للسوق

املالية التقليل عىل األقل من دورية وعمق األزمات التي يسببها اإلفراط يف

عدد الالعبني يف األسواق املالية:‏ وكانت الضوابط التنظيمية التي طُ‏ بِّقت يف

أعقاب الكساد العظيم قد حالت دون تكرار مثل هذه األزمة ملا يقرب من

خمسني عاما.‏ ومن املثري أنه عىل رغم أن بعض العاملني يف البنك املركزي أدركوا

أن ‏»الوفرة الالعقالنية«‏ (9) رمبا قادت األسواق إىل الترصف بشكل غري عقالين،‏

فإنهم كانوا ومايزالون يرفضون التدخل لتهدئة الفقاعات.‏ فقد كان والؤهم

أليديولوجيا األسواق الحرة بكل بساطة قويا للغاية.‏

181


اليورو

وعىل جانبي األطلنطي بالغ املسؤولون بالبنوك املركزية يف رشادة األسواق،‏

وقللوا من شأن التكاليف التي ميكن أن تفرضها األسواق التي ال تحكمها

الضوابط التنظيمية بشكل كاف عىل بقية املجتمع.‏ واإلخفاق الجوهري،‏ بدوره،‏

ترتبت عليه إخفاقات أخرى:‏ إخفاق يف فهم الروابط بني املؤسسات املالية

بعضها وبعض،‏ والروابط بني املؤسسات املالية واالقتصاد ‏»الحقيقي«،‏ والفشل

يف استيعاب الحوافز التي تواجه صانعي القرار يف الصناعة املالية،‏ والتي تقود -

بشكل طبيعي - املتعاملني يف األسواق إىل الترصف بطريقة قصرية النظر والتي

تتضمن تحمُّ‏ ل مخاطر مبالغٍ‏ فيها،‏ مبا يف ذلك ترصفات تخلق مخاطر نظمية ‏)٭(‏ ،

وهي التي تجعل االقتصاد ككل والنظام املايل يف حالة غري مستقرة أكرث (10) .

تأثريات عقدة التضخم

بينام كانت التأثريات األكرث وضوحا،‏ واألكرث تكلفة،‏ لعقدة التضخم هي

عدم توجيه االهتامم الكايف لالستقرار املايل،‏ كانت أوروبا حتى من دون األزمة

قد دفعت مثنا مرتفعا نتيجة للتفويض الشديد الضيق املمنوح للبنك املركزي

األورويب.‏ وكان من املحتم واقعيا أن يرتتب عىل عدم تركيز البنك املركزي

األورويب عىل البطالة ارتفاعُ‏ معدل البطالة بنحوٍ‏ أكرث مام كان ميكن أن يكون

عليه لو كان التشغيل الكامل من بني بنود التفويض والصالحيات املمنوحة،‏

وذلك بغض النظر عن وجود أزمة من عدمه.‏ إذ سوف تكون هناك دامئا فجوة

أوسع بني الناتج الفعيل والناتج املمكن.‏

كام أن التفويض بالتضخم ميكن أن يؤدي أيضا إىل رد فعل عىل األزمة

ذي نتيجة عكسية،‏ خاصة تلك النتيجة املرتافقة مع التضخم املدفوع بارتفاع

التكلفة،‏ لنفرتض،‏ نتيجة أسعار أعىل للطاقة أو الطعام.‏ ويف مثل هذه املواقف

‏)٭(‏ املخاطر النظمية هي احتاملية أن يؤدي حدث عىل مستوى رشكة أو مؤسسة واحدة إىل عدم استقرار شديد

أو انهيار صناعة بكاملها أو اقتصاد.‏ وتعد املخاطر النظمية من بني أكرب العوامل املسهمة يف األزمة املالية للعام

2008. ويقال عن الرشكات التي تعد مصدرا للمخاطر النظمية إنها ‏»أكرب من أن تفشل«.‏ حيث تعد هذه املؤسسات

كبرية قياسا إىل الفرع الصناعي الذي تعمل فيه،‏ أو تشكل جزءا يعتد به من االقتصاد ككل.‏ كام أن املؤسسة شديدة

التشابك والرتابط مع غريها من املؤسسات تعد أيضا مصدرا للمخاطر النظمية.‏ ‏]املرتجم[.‏ انظر:‏

https://www.investopedia.com/terms/s/systemic-risk.asp

182


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

يعاين العامل بسبب التضخم نتيجةً‏ الرتفاع أسعار النفط.‏ ولكن حينذاك

يقال لهم:‏ ‏»البد أن تعانوا بنحو مضاعف«،‏ فأسعار الفائدة األعىل ‏)التي تُرفَع

ملكافحة التضخم(‏ سوف تؤدي إىل خفض الطلب،‏ وهو ما يؤدي إىل تشغيل

وأجور أقل (11) .

وكان الرتكيز ضيق األفق عىل التضخم غريَ‏ مناسب بشكل خاص للبيئة

العاملية التي تتمتع فيها بنوك مركزية أخرى بصالحيات أكرث مرونة.‏ فبينام

خفض االحتياطي الفدرايل أسعار الفائدة استجابة لألزمة،‏ كان استمرار االنشغال

بالتضخم يف أوروبا يعني أن إجراءات االحتياطي الفدرايل مل تناظرها إجراءات

بتخفيض أسعار الفائدة هناك (12) . وكانت النتيجة النهائية هي سعر رصف مغاىلً‏

فيه لليورو ‏)حيث إن أسعار الفائدة النسبية األكرث ارتفاعا يف أوروبا زادت من

الطلب عىل السندات األوروبية(‏ مع ما لذلك من آثار تتمثل يف اتجاه الناتج

األورويب نحو االنخفاض.‏ ولو كان البنك املركزي األورويب قد نفّذ تدابري من

شأنها خفض سعر رصف اليورو،‏ لكان قد حفز االقتصاد،‏ ليوازن بذلك جزئيا

آثار التقشف.‏ وسمح املوقف الذي كان عليه البنك املركزي األورويب للواليات

املتحدة باالنخراط يف تخفيض تنافيس لسعر رصف الدوالر يف مقابل اليورو (13) .

وكان هناك هؤالء الذين بادروا بتحية العيوب األوروبية - عىل األقل فيام

يتعلق بقرص النظر - بطريقة أنانية.‏ فقد منحتنا أوروبا هدية كبرية،‏ حيث

سمحت لنا بالتصدير أكرث عىل حساب صادراتها،‏ كام سمحت لنا بأن نستورد

منها أقل.‏ وكان هذا واحدا من أسباب تعايف الواليات املتحدة اقتصاديا بشكل

أكرث قوة من أوروبا،‏ كام كان واحدا من أسباب إصابة أوروبا بالوهن.‏

باختصارٍ‏ كانت نتيجة تركيز البنك املركزي األورويب عىل التضخم هي أن

النمو واالستقرار كانا أقل مام كان ميكن أن يكونا عليه.‏ واملفارقة أن الهدف

املفرتض لإلطار االقتصادي ملنطقة اليورو كان هو حفز النمو واالستقرار.‏ ولكن

كان إطار منطقة اليورو للبنك املركزي األورويب أسوأ،‏ وكام سرنى:‏ فقد كان

لقيود أخرى فُرِضت عىل البنك املركزي األورويب أثرها يف الحد أكرث من قدرته

عىل الحفز عىل االستقرار والنمو،‏ وكانت الطريقة التي أدار بها السياسة النقدية

تعني أنه أيا كان النمو املتحقق فهو يفيد هؤالء املوجودين عند القمة بصورة

183


اليورو

غري متكافئة.‏ فقد أدى البنك املركزي األورويب دورا يف تعميق عدم املساواة

املتزايد يف أوروبا.‏

تقييد السلطات النقدية

ترتكز املعركة طويلة األمد حول السياسة النقدية يف التساؤل عن القيود التي

ينبغي فرضها عىل السلطات النقدية.‏ ويعد التفويض بالرتكيز عىل التضخم فقط

مثاال عىل قيد رئيس.‏ وال يثق املحافظون بالحكومة،‏ ويعد البنك املركزي جزءا

من الحكومة.‏ والبعض،‏ مثل كبريِ‏ املحافظني ميلتون فريدمان ،Milton Friedman

يعتقد حتى أن البنك املركزي هو الذي سبّب الكساد العظيم عن طريق الحد من

عرض النقود (14) . وقد فعلت السياسة النقدية الكثري خالل أزمة يف العام 2008

لدحض نظريته:‏ فقد زادت البنوك املركزية يف كل مكان يف العامل من عرض النقود

بشكل هائل.‏ ووفقا لنظرية فريدمان كان ينبغي لالقتصاد - بعد هذه الزيادة الهائلة

يف عرض النقود - أن يعود برسعة إىل التشغيل الكامل،‏ بل حتى كان ينبغي أن

يواجه التضخم.‏ وبدال من ذلك كان النمو االقتصادي يف اليابان،‏ وأوروبا،‏ والواليات

املتحدة هزيال،‏ بل واجه حتى العديدُ‏ من البلدان حالة انكامش.‏

والحكمة السائدة بني املرصفيني املحافظني،‏ مبن يف ذلك العاملون يف البنك

املركزي األورويب،‏ تذهب إىل تقييد ما تفعله البنوك املركزية حتى أكرث من هذا.‏

ويعتقد االقتصاديون املحافظون مثل فريدمان أن البنوك املركزية ينبغي أال تتمتع

مبامرسة حرية الترصف،‏ إذ عليها أن تزيد من عرض النقود مبعدل ثابت (15) ، أو

حينام تفشل هذه النظرية يف تثبيت االقتصاد،‏ يُعمَد إىل زيادة أو تخفيض عرض

النقود وفقا ملعادلة مبسطة ميليها معدل التضخم.‏

وكذلك األمر،‏ أيضا،‏ فيام يتعلق مبجموعة األدوات التي يُجادَل بأنها يجب

أن تكون محدودة:‏ فالبنوك املركزية عليها فقط رشاء وبيع سندات الحكومة

قصرية األجل.‏ وقد قاوم األعضاء األملان يف البنك املركزي األورويب التيسري

الكمي )QE( - Quantitative Easing الذي يتضمن رشاء السندات طويلة

األجل،‏ والتي رمبا يكون بعضها حتى ليس سندات حكومية - فرتةً‏ طويلةً‏ بعد

أن أضاف (16) صناع القرار يف الواليات املتحدة واليابان التيسري الكمي لصندوق

184


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

أدواتهم.‏ ‏)كان من املفرتض أن يحفز التيسري الكمي االقتصاد عن طريق خفض

تكلفة االقرتاض طويل األجل،‏ وخفض سعر الرصف،‏ وزيادة قيمة سوق األوراق

املالية.‏ وتبني يف املامرسة أن كل هذه التأثريات للتيسري الكمي كانت ضئيلة(.‏

وقد أضعفت هذه القيود املفروضة بشدة من نطاق ما ميكن للبنك املركزي

األورويب فعله - حتى إىل أبعد من القيود املفروضة بواسطة التفويض بالتضخم.‏

وكانت لدى البنك املركزي األورويب،‏ املؤسسة األكرث أهمية يف منطقة اليورو،‏

خصوصا بعد األزمة،‏ مهمة مستحيلة:‏ استعادة كل بلدان املنطقة للتشغيل الكامل،‏

يف الوقت الذي كانت فيه يداه مقيدتني خلف ظهره.‏

وألقى االفتقار إىل سياسة مالية - يف ظل اإلنفاق املحدود من قِبل االتحاد

األورويب ككل،‏ ويف ظل القيود املتعلقة بالديون التي تواجه كل بلد من هذه البلدان

- عبئا ثقيال عىل السياسة النقدية.‏ وحتى يف ظل عدم وجود قيود كانت قدرة البنك

املركزي األورويب عىل الحفاظ عىل النمو والتشغيل عىل كامل امتداد منطقة اليورو

محدودةً.‏ ولكن عوضا عن السؤال:‏ ‏»كيف ميكن تعظيم ما يف إمكان البنك عمله؟«،‏

ركز االقتصاديون املحافظون الذين هيمنوا عىل عملية إنشاء البنك املركزي األورويب

عىل فرض قيود عليه.‏ إذ كانوا مهووسني بأن االندفاع املفرط للبنك،‏ وما ميكن أن

يؤدي إليه من تضخم،‏ سيسبب خطر االتجاه إىل الرتاجع االقتصادي،‏ وليس باحتامل

االتجاه إىل أعىل بتحقيق منو وتشغيل أكرب.‏

وتوسيع أدوات البنك املركزي األورويب لتشمل سياسات تنظيمية ‏)مثل متطلبات

رأس املال ومعايري كفاية رأس املال للبنوك(‏ من املمكن استخدامها يف صنع سياسة

مالية أكرث دقة وتفصيال،‏ سياسة تكون حساسة الختالفات الوضع االقتصادي يف

البلدان املختلفة.‏ وكان من شأن سياسات تنظيمية تقديرية السامح للبنك املركزي

بالتأثري يف اإلقراض للبلدان كل عىل انفراد بطرق مختلفة.‏ بينام يف ظل اليورو كان

هناك فعليا سعر فائدة واحد لليورو للسندات عدمية املخاطر عىل امتداد املنطقة،‏

وقد رشحت كيف أن اقرتاض املرشوعات يف البلدان املختلفة كان من املمكن أن

يواجَ‏ ه بتكلفة مختلفة متاما لرأس املال.‏ فاملرشوعات التي تعمل يف البلدان الضعيفة

تواجه سعر فائدة أعىل حينام تكون حقيقة يف حاجة إىل أسعار فائدة أقل.‏ وعىل

األقل عربْ‏ إفساح املجال أمام البنوك يف البلدان الضعيفة ليك تقرض أكرث،‏ ميكن

185


اليورو

للمرء تقليص االنحراف البالغ يف تكافؤ الفرص بحيث ال ينكمش االئتامن يف الدول

الضعيفة بالقدر الذي ميكن أن يصل إليه دون ذلك (17) .

واإلميان باألسواق من قبل النيوليرباليني ال يعني فقط أن الحاجة إىل السياسة

النقدية أقل من أجل إبقاء االقتصاد عند وضع التشغيل الكامل،‏ ولكنها تعني أيضا

أن الحاجة أقل إىل الضوابط التنظيمية املالية للحيلولة دون ‏»اإلفراط«.‏ فالفكرة

كانت بالنسبة إىل املحافظني هي ‏»الصريفة الحرة«‏ وغياب كل الضوابط التنظيمية.‏

وقد أقنع ميلتون فريدمان ديكتاتورَ‏ شييل املستبد أوغستو بينوشيه Augusto

Pinochet مبحاولة ذلك يف بداية العام 1975. وكانت النتائج الكارثية أمرا ميكن

التنبؤ به وحدث التنبؤ به بالفعل:‏ فقد خلقت البنوك االئتامن بتهور،‏ وحينام

انفجرت فقاعة االئتامن يف النهاية،‏ دخلت شييل يف ركود عميق.‏ ومل تتخلص شييل

من الديون التي اقرتضتها للخروج من هذه الفوىض إال بعد ميض وقت طويل،‏ أكرث

من ربع قرن،‏ حينام متكنت أخريا من إعادة سداد هذه الديون.‏ وأخريا جدا أصبح

الركود الكبري مثاال يف كتب االقتصاد املدرسية عن مخاطر األسواق التي تعاين عدم

الخضوع للضوابط التنظيمية بشكل كاف.‏

ميكن للبنوك املركزية أن تؤدي دورا مهام ليس فقط يف الحيلولة دون أن يصيب

القطاعُ‏ املايل بقيةَ‏ املجتمع بأرضار ‏)»الخارجيات السلبية«،‏ مثل إساءة استعامل بطاقات

االئتامن واإلفراط يف املخاطرة(،‏ ولكن أيضا يف املساعدة عىل ضامن أن القطاع يفعل ما

يفرتض عليه أن يفعله:‏ منح االئتامن،‏ عىل سبيل املثال،‏ للمرشوعات الصغرية (18) .

ومن أجل أن أكون منصفا ينبغي القول إن هناك عدم اتفاق بني االقتصاديني

حول هذه املوضوعات.‏ فالكينزيون حساسون بشكل خاص إلهدار املوارد،‏ واملعاناة

اإلنسانية،‏ والتكاليف طويلة األجل للنمو األقل،‏ وهي أمور تنتج كلها من البطالة

املرتفعة غري الرضورية.‏ وكان البنك املركزي األورويب،‏ سواء يف بنيته أو وظيفته،‏ خيارا

سياسيا يعكس وجهات نظر املحافظني.‏

الطبيعة السياسية للسياسة النقدية

كام ذكرنا يف التمهيد لهذا الكتاب عىل الرغم من أن السياسة النقدية تبدو

سياسة فنية فإنه أُدرِك منذ وقت طويل أنها سياسية وليست فنية:‏ فالتضخم يخفض

186


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

من القيمة الحقيقية لدائنية املدينني،‏ ويساعدهم عىل حساب الدائنني.‏ وليس من

املستغرب إذن أن املرصفيني واملستثمرين يف سوق السندات يتذمرون بكل قوة

من التضخم.‏ ومن جانب آخر تتضمن مكافحة التضخم عادةً‏ رفع أسعار الفائدة،‏

وهو ما يقلل من النمو ويرض بالتشغيل والعامل.‏ وتحقيق التوازن ما بني التضخم

والبطالة يُعَد،‏ أو ينبغي أن يعد،‏ قرارا سياسيا.‏

يف أزمة العام 2008 مُنحت مئات املليارات من الدوالرات فعليا ‏)أو أُقرِضت

بسعر فائدة يقل عن سعر فائدة السوق(‏ للبنوك التجارية عن طريق البنوك املركزية

يف الدول املتقدمة،‏ يف أضخم برنامج للمساعدة الحكومية للقطاع الخاص بُورشِ‏ عىل

اإلطالق.‏ وكان هذا الربنامج ملساعدة الرشكات والذي استفادت منه البنوك الضعيفة

والتي عانت األزمة يُعَد أضخم من حيث الحجم من أي برنامج رفاه أقامته أي

حكومة لتخفيف معاناة األفراد العاديني.‏ وقد قُدِّم معظم األموال عن طريق البنوك

املركزية،‏ ومل تُخصَّ‏ ص عن طريق أي برملانات أو مجالس وطنية،‏ وهو - مرة أخرى -

عمل سيايس مكثف،‏ من دون مساءلة دميوقراطية (19) .

لو كانت السياسة النقدية ببساطة أمرا فنيا،‏ فرمبا كان سيمكن تركها للفنيني.‏

ولكنها ليست كذلك.‏ فهناك آثار توزيعية ضخمة.‏ والحقيقة أنه قد تكون البنوك

املركزية قد أدت دورا مهام يف زيادة عدم املساواة.‏

تزايد عدم املساواة

يف معظم بلدان العامل اليوم،‏ يُعَد عدم املساواة واحدا من أكرب التهديدات للرخاء

املستقبيل.‏ ويف دافوس،‏ حيث يلتقي قادة العامل االقتصاديون معا كل شهر يناير،‏ بينت

املسوح الحديثة للمخاطر العاملية احتالل عدم املساواة باستمرارٍ‏ موقعَ‏ القمة أو موقعا

قريبا من القمة يف قامئة هذه املخاطر (20) . وعدم املساواة يعد مهام ألن املجتمعات

املنقسمة ال تعمل جيدا،‏ حيث يؤدي عدم املساواة إىل االفتقار إىل التامسك والرتابط،‏

وهو ما له آثار سياسية واقتصادية واجتامعية.‏ ويف كتايب ‏»مثن عدم املساواة«‏ The Price

،of Inequality رشحتُ‏ اآلليات التي يؤدي بها عدم املساواة األكرب إىل أداء اقتصادي

أضعف:‏ منو اقتصادي أقل وعدم استقرار أكرب.‏ ومنذ وقت كتابة هذا الكتاب أيد فيض

من الدراسات لصندوق النقد الدويل والعديد من الجهات األخرى هذا املنظور (21) .

187


اليورو

تجاهلت البنوك املركزية يف كل مكان،‏ لألسف،‏ خصوصا البنك املركزي األورويب،‏

إىل حد بعيد دورها يف خلق عدم املساواة.‏ فقد أدت برتكيزها املفرط عىل التضخم

- حتى حينام تكون التفويضات املمنوحة لها من الناحية الشكلية أوسع - إىل بطالة

أعىل،‏ وهو ما زاد من عدم املساواة.‏ وقد ساعدت سياسات البنك املركزي عىل خفض

األجور.‏ ويف حاالت الركود تهبط عادة األجور الحقيقية،‏ ولكن بعدئذ،‏ مع االنتعاش

االقتصادي،‏ مبجرد حتى بدء زيادة هذه األجور،‏ يرصخ صقور التضخم باملخاطر التي

يهدد بها التضخم،‏ ورفع أسعار الفائدة،‏ وتتزايد البطالة إىل مستويات تجعل من أي

زيادات إضافية يف األجور مسألة صعبة (22) .

ولكن دور البنك املركزي األورويب يف زيادة عدم املساواة كان أسوأ.‏ فمرصفيو

البنك املركزي لديهم نفوذ هائل يذهب إىل مدى أبعد من التعريف الضيق للسياسة

النقدية - عىل سبيل املثال،‏ تحديد أسعار الفائدة وعرض النقود.‏ ويُتَطلَّع لرئيس

البنك املركزي األورويب لتحديد جدول األعامل االقتصادي،‏ ولذا ليس من املستغرب

وجود ميل إىل الرتكيز عىل نطاق عملهم الضيق،‏ التضخم،‏ والتفكري بأنه بالسيطرة

عىل التضخم سيُعزَّز النمو والرخاء.‏ فجان كلود تريشيه ،Jean – Claude Trichet

حاكم البنك املركزي األورويب خالل الفرتة السابقة لألزمة،‏ ورمبا يف إطار مواصلة

اتباعه لتفويض البنك املركزي بتحقيق أسعار مستقرة،‏ استخدم نفوذه من أجل

الدفع بسياسات تزيد من عدم املساواة.‏ يف األيام املبكرة لألزمة ‏)من 2008 إىل

2011( جادل تريشيه مرارا وتكرارا بأنه ال بد من أن تكون هناك مرونة أكرث يف

األجور ‏)وهو تعبري ملطف للقول بأنه يجب خفض األجور - وهو جزء من منهج

‏»لوم الضحية«‏ فيام يتعلق بالبطالة الذي نوقش يف الفصل الرابع،‏ وهو املنهج الذي

يالم فيه العامل عىل بطالتهم،‏ بسبب مطالبتهم بأجور مرتفعة للغاية يف عقود

العمل مع حد أدىن من األمان(.‏ وبالطبع يعترب خفض األجور يف األجل القصري يف

مصلحة الرشكات وأصحابها:‏ وأنا أقول:‏ ‏»مصالح األجل القصري«،‏ ألن صاحب الرشكة

عليه إدراك أن أوروبا فيام بعد األزمة واجهت قصورا يف الطلب،‏ ومثل هذا الخفض

لألجور يضعف الطلب ويعمق من الركود.‏

ومىض تريشيه إىل أبعد من ذلك بكثري،‏ ففي خطاب رسي لرئيس وزراء إسبانيا،‏

جوزيه لويس رودريغيز ثاباتريو ،José Luis Rodriguez Zapatero ‏)وهو

188


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

الخطاب الذي نرشه ثاباتريو يف مذكراته(‏ (23) ، ملّح – الواقع أنه كان أكرث من مجرد

تلميح – إىل أنه سوف يكون عىل استعداد ملساعدة البنوك اإلسبانية لو وافقوا يف

الحكومة اإلسبانية - وفقط لو وافقوا - عىل وضع إصالحات لسوق العمل بإمكانها

أن تؤدي إىل خفض األجور وتوفري حامية أقل للوظائف (24) . وكان من الواضح أن

ثاباتريو رفض،‏ ولكن من املثري للدهشة أنه أدخل إصالحات كان لها املفعول نفسه

تقريبا،‏ وكانت املعونة يف الطريق (25) .

التوزيع والسياسة واألزمة

أضحت الطبيعة السياسية للبنك املركزي األورويب واضحة بنحو خاص مع أزمة

اليورو:‏ من الذي وُجِّ‏ ه إليه اللوم،‏ ومن الذي أُنقذ،‏ ويف ظل أي ظروف.‏ األمر األكرث

درامية هو قرار البنك بعدم الترصف باعتباره مقرض املالذ األخري لليونان يف صيف

العام ‎2015‎م.‏ فحينام كانت اليونان تتفاوض مع الرتويكا،‏ أُجربت بنوك البلد عىل

إغالق أبوابها،‏ وخلف املشهد،‏ هدد البنك املركزي األورويب بفرض تكاليف إضافية

عىل اليونان إذا مل متتثل ملطالب الرتويكا.‏ وقد أصبح البنك املركزي األورويب مطرقة

أوروبا الثقيلة،‏ واألداة التي أُجربت بواسطتها اليونان عىل اإلذعان ملا تريده الرتويكا.‏

وبنحو أكرث عمومية،‏ بإقرار البنك املركزي األورويب للضامن الذي سيقبل به،‏

ومع أي خصم يف القيمة السوقية ‏)عىل سبيل املثال،‏ يُقدَّ‏ م قرض قيمته 70 يورو مع

تقديم سند كضامن تبلغ قيمته 100 يورو(،‏ ورمبا يكون هذا قرارا بالحياة أو املوت

ملؤسسة مالية،‏ حينام يكون البلد يف أزمة،‏ وبوجود عديد من البنوك التي تحفها

املخاطر،‏ كان البنك املركزي األورويب يقرر عمليا يف هذه الحالة حياة أو موت النظام

املرصيف للبلد.‏ وليس هناك من قرار ميكن أن يكون أكرث سياسية من هذا.‏ وليس

هناك دليل فني متاح ميكن الرجوع له،‏ ومثل هذه القرارات هي يف النهاية مسألة

تقدير - حول مدى إمكانية بقاء املؤسسة عىل قيد الحياة - بل الواقع،‏ يُعَد هذا

تقديرا ملونا بشدة بالعواقب السياسية املرتتبة عىل البدائل (26) .

إعطاء البنوك أولوية عىل املواطنني كان دليال عىل أن أوروبا كانت عىل ما

كانت عليه الواليات املتحدة خالل األزمة (27) ، وقد تجلّت هذه األولوية أيضا يف

أوقات رئاسة الخلَف،‏ دراغي،‏ متاما كام كانت يف أيام تريشيه.‏ وعندما أطلت أزمة

189


اليورو

أيرلندا برأسها يف العام ‎2010‎م،‏ طالب تريشيه بتحمل أيرلندا خصوم مصارفها

املفلسة (28) ، وأدت تكلفة إعادة هيكلة املصارف إىل زيادة يف نسبة الديون إىل

الناتج املحيل اإلجاميل يف أيرلندا من 24 يف املائة يف العام ‎2007‎م إىل ما يقدر

بنحو 92.5 يف املائة يف العام ‎2015‎م.‏ وبينام كان هناك بعض الجدل بشأن ما إذا

كانت أيرلندا ستتحمل بعض هذه الديون من دون هذا التدخل،‏ كان هناك شك

قليل يف أن بعض الديون قد تُحمِّلت فقط بسبب أن البنك املركزي األورويب وضع

هذا رشطا للحصول عىل املساعدة.‏ ‏)الحقيقة أنه كان هناك انقسام يف الرتويكا

بشأن هذا األمر:‏ فقد اعتقد صندوق النقد الدويل أنه ليس عىل الحكومة أن

تتحمل كل هذه الخصوم،‏ فقد كان ينبغي أن تكون هناك عملية إعادة هيكلة

عميقة للديون،‏ مع تحمل مساهمي البنك وحاميل سنداته خسائر أكرب.‏ وتتطلب

القوانني العادية للرأساملية أنه عىل الحكومة أال تتحمل أي قدر من الخصوم إىل

أن يستنزف املساهمني وحاميل السندات متاما(‏ (29) .

كان من الواضح أن البنك املركزي األورويب قلق من آثار إجبار املساهمني

وحاميل السندات عىل تحمل مزيد من التكلفة يف أيرلندا يف البنوك األوروبية

األخرى.‏ ولكنه كان ينبغي أن يقلق من هذا قبل األزمة،‏ بالتأكد من أن البنوك

األوروبية مرسملة بنحو كافٍ‏ وال تنخرط يف عمليات تتسم باملجازفة واإلفراط

يف املخاطرة.‏

والقضية الحرجة هي أن:‏ الرتويكا طالبت املواطنني األيرلنديني العاديني بدفع

مثن اإلخفاقات التنظيمية للبنك املركزي األورويب والهيئات التنظيمية األخرى

يف منطقة اليورو.‏ وبالنسبة إيلّ،‏ هذا غري أخالقي وغري مقبول،‏ وذلك ما يرتاءى

ملعظم املواطنني األيرلنديني الذين تناقشت معهم يف هذا األمر.‏ بل من الواضح

أن األمر ليس كذلك بالنسبة إىل املرصفيني يف البنك املركزي األورويب.‏

الحوكمة

من بني القرارات الحاسمة والحرجة التي عىل أي مجتمع اتخاذها تلك

القراراتُ‏ املتعلقة بالحوكمة:‏ من يتخذ القرارات ومن الذي يُسائل هؤالء الذين

يتخذون هذه القرارات؟ وكيفية شفافية عملية صنع القرار؟ وينتمي عديد من

190


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

االنتقادات لالتحاد األورويب،‏ يف شكله الحارض،‏ إىل مجال الحوكمة.‏ ولكن يف حالة

منطقة اليورو ومؤسسته األكرث أهمية،‏ البنك املركزي األورويب،‏ تعد مشكالت

الحوكمة حادة بنحو خاص.‏ وهذا يرجع جزئيا إىل أن األسواق املالية قد نجحت

يف بيع فكرة أن استقالل البنك املركزي يؤدي إىل أداء اقتصادي أفضل.‏ وقد

أخذت أوروبا هذا الشعار إىل حدوده القصوى (30) .

والسؤال املركزي للحوكمة هو:‏ إىل أي مدى يخضع البنك املركزي األورويب

عند مساءلته آلياتٍ‏ دميوقراطية.‏ فهناك،‏ يف الواقع،‏ مدى واسع لدرجات

االستقاللية الفعلية والقانونية.‏ ففي اململكة املتحدة،‏ عىل سبيل املثال،‏ تحدد

الحكومة كل عامٍ‏ التضخمَ‏ املستهدف،‏ ولكن بنك البالد املركزي،‏ بنك إنجلرتا،‏

له استقاللية يف تنفيذ الهدف.‏ وبينام يُعَد نظام االحتياطي الفدرايل يف الواليات

املتحدة من حيث املبدأ مستقال،‏ يفهم يف الواقع،‏ بعضُ‏ مرصفيي النظام جيدا

حدود هذا االستقالل:‏ وكام عربَّ‏ عن ذلك بول فولكر Paul Volcker بقوله،‏ ‏»لقد

أنشأنا الكونغرس،‏ ويف وسع الكونغرس أن ينهي وجودنا«‏ (31) .

ورمبا قدمت أزمة العام ‎2008‎م أفضل اختبار بشأن مدى صحة فرضية

‏»مناقب استقاللية البنك املركزي«؛ فالبلدان التي كانت بنوكها املركزية غري

مستقلة كان أداؤها أفضل كثريا من تلك التي كانت بنوكها املركزية مستقلة.‏

االستيالء

السبب الرئيس وراء هذا االختالف يف األداء بسيط:‏ ليست هناك مؤسسة

تعد حقيقة ‏»مستقلة«.‏ فكل املؤسسات تعد ‏»مستوىل عليها«‏ بشكل أو بآخر

عن طريق مجموعة ما أو أخرى.‏ ونحن نحب أن يعكس البنك املركزي املصالح

العريضة للمجتمع.‏ ولكن البنوك املركزية يف معظم البلدان - مبا يف ذلك البنك

املركزي األورويب - مستوىل عليها عن طريق مجموعة صغرية:‏ السوق املايل (32) .

وتختلف كل من مصالح ومعتقدات السوق املايل عن بقية املجتمع.‏ عىل الرغم

من أنه عىل مدى فرتة طويلة كان هؤالء الذين يف غولدمان ساكس والبنوك

الكبرية األخرى يف كل من الواليات املتحدة وأوروبا،‏ يحاولون بيع فكرتهم بأن

‏»ما هو يف مصلحة غولدمان ساكس والبنوك الكبرية األخرى هو يف مصلحة

191


اليورو

الجميع«،‏ وليس هذا بكل بساطة صحيحا.‏ وأي شخص أيّد هذه الفكرة كان

بكل تأكيد ميكن تحريره منها عن طريق الركود الكبري وما حدث من تجاوزات

يف القطاع املايل.‏

الكثريون من العاملني يف البنوك املركزية – إن مل يكن أغلبهم - يتحدرون

من/‏ أو يذهبون إىل القطاع املايل بعد انتهاء مدة خدمتهم فيها.‏ ‏)قىض دراغي

نفسه سنوات يف غولدمان ساكس قبل االنتقال إىل بنك إيطاليا املركزي(.‏ ومن

جوانب كثرية،‏ يعد هذا طبيعيا:‏ إذ إن املرء يف حاجة إىل خربات يف التمويل،‏

والكثري من هذه الخربات تتوافر يف هؤالء الذين عملوا يف القطاع املايل (33) .

وحتى حينام كانت األغلبية ال تشرتي فكرة ‏»أن ما هو جيد لغولدمان ساكس

جيد لالقتصاد«،‏ مل يكن من الصعب عىل هؤالء العاملني يف البنوك املركزية

الذين ال يُحاسَ‏ بون دميوقراطيا القبول بأفكار مثل ‏»التنظيم الذايت«.‏ وهي أفكار

تروق خصوصا لهؤالء الذين يؤمنون بحكم ذوي الجدارة )meritocracy(

وحكم الخرباء الفنيني ‏)التكنوقراط(.‏ وإدارة بنك مركزي كان ‏)وفقا لهذه النظرة(‏

مثل إدارة منجم:‏ ضع مهندسا جيدا ‏)أو اقتصاديا(‏ يف موضع املسؤولية وسوف

يكون كل يشء عىل خري ما يرام.‏

ولكن مناقشتنا السابقة أوضحت أن قرارات املسؤولني يف البنوك املركزية

ليست فقط قرارات فنية؛ فهناك آثار توزيعية كبرية محتملة،‏ ومادامت هذه

هي الحالة فلن يكون هناك تفويض تام للفنيني.‏ عالوة عىل هذا فاألمر الذي

يتفق االقتصاديون عليه هو أن الحوافز لها أهميتها.‏ فالباب الدوار يعني أنه

كان يف مصلحة العاملني يف البنوك املركزية فعل كل ما ميكنهم عمله من أجل

مساعدة أصدقائهم يف القطاع املايل،‏ الذين أتوا هم أنفسهم منه والذي من

املحتمل أن يذهبوا إليه فيام بعد (34) . ومساعدة األصدقاء يف البنوك ليست يف

حاجة حتى إىل أن تكون قرارا واعيا،‏ عىل رغم أنه كان كذلك قطعا يف بعض

الحاالت.‏ وعوضا عن ذلك،‏ فمجرد التقارب والتشابك بني قيادة البنك املركزي

والهيئة العاملة فيه مع أسواق املال الخاصة - وهو عَرَض للباب الدوار ال ميكن

اإلفالت منه - يضمن التقارب يف األولويات ووجهات النظر.‏ ‏)وهذا ما يشار إليه

أحيانا عىل أنه األرس املعريف .)Cognitive Capture

192


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

تحول التنظيم الذايت ليصبح دعابة:‏ فالعاملون يف القطاع املايل ليست لديهم

الحوافز ‏)ويف عديد من الحاالت،‏ ليست لديهم حتى املهارات(‏ للتنظيم الذايت.‏

بل وحتى يف أفضل الحاالت،‏ لن تكون لدى البنوك حوافز تشجعها عىل أن تأخذ

يف اعتبارها الخارجيات التي رمبا ميكن أن تلقي بها أفعالهم ‏)أو إخفاقاتهم(‏ عىل

اآلخرين.‏ ولكن يجب أن يكون واضحا أن الحوافز للبنوك والعاملني بها تعني

التورط يف نشاطات فيها مجازفة كبرية من حيث املخاطر وغري منتجة اجتامعيا -

ويف بعض الحاالت مدمرة.‏ لقد كان هناك نوع من التجاهل املتعمد من البنوك

املركزية،‏ يف أوروبا وأمريكا،‏ وراء الفشل يف أخذ هذا يف حساباتها (35) .

عواقب االستيالء

يعكس كل وجه من أوجه سياسة البنك املركزي،‏ يف كل من أوروبا وأمريكا،‏ يف

فرتة ما قبل األزمة املالية العاملية وأزمة اليورو،‏ ويف أعقابهام،‏ استيالء القطاع املايل

عىل البنك املركزي،‏ رمبا مع حدوث املظاهر األكرث درامية يف وسط هاتني األزمتني

ذاتيهام.‏ احتاجت اليونان يف العام ‎2012‎م إىل إعادة هيكلة سنداتها.‏ واشرتت البنوك

الحذرة الحصيفة مبادالت التخلف عن سداد االئتامن )CDSs( باعتبارها تأمينا ضد

التخلف عن سداد السندات التي متلكها.‏ وميكن ملبادلة التخلف عن سداد االئتامن

أن تقدم لحامل السند قيمة مساوية للخسارة التي كان من املمكن أن يواجهها لو

حدث تخلف عن السداد.‏ وحينام تُعاد هيكلة السندات،‏ تُصدر سندات جديدة

بدال من السندات القدمية.‏ وغالبا ما متُ‏ ‏َد فرتة السداد يف السندات الجديدة،‏ ولكنْ‏

هناك أيضا خصمٌ‏ من القيمة،‏ حيث تكون القيمة االسمية للسندات الجديدة أقل

من القيمة االسمية للسندات القدمية (36) . ولو حدث هذا،‏ فسوف تعوض مبادالت

التخلف عن سداد االئتامن عن الخسائر.‏

هناك بعض طرق إعادة الهيكلة التي ‏»تفجِّ‏ ر«‏ مبادالت التخلف عن سداد االئتامن،‏

أي ينجم عنها سداد التعويضات.‏ وبالطبع سوف يرغب البنك الذي يشرتي مبادلة

التخلف عن سداد االئتامن باعتبارها تأمينا يف أن تُعاد الهيكلة بطريقة تجعل سياسة

التأمني تؤيت أُكُلَها.‏ كام أن املنظّ‏ م الجيد سوف يرغب يف أن يكون لدى البنك الذي يحمل

سندات مخاطرة يف محفظته املالية تأمنيٌ،‏ وأن هذا التأمني يؤيت أُكُلَه.‏

193


اليورو

وقد أرص البنك املركزي األورويب،‏ عىل أي حال،‏ عىل أن تُعاد الهيكلة بطريقة

ال تؤدي إىل تفجّ‏ ر مبادالت التخلف عن سداد االئتامن.‏ وكان موقفهم غري

مفهوم - حتى يدرك املرء أن )1( بينام كانت بعض البنوك قد اشرتت تأمينا

‏)مبادالت التخلف عن سداد االئتامن )CDSs ضد الخسارة يف قيمة سنداتها

فبعض البنوك األخرى ‏)عادة البنوك الكبرية(‏ كانت قد باعت مبادالت التخلف

عن سداد االئتامن.‏ ‏)فحينام يشرتي شخص ما تأمينا،‏ ال بد أن يكون هناك عىل

الجانب اآلخر من السوق مَن يبيع التأمني.‏ ومن الواضح أنه حينام يقع ما يؤمَّن

ضده،‏ فموقف الرشكة/البنك الذي باع التأمني يكون أسوأ حاال(.‏ وقد باعت

هذه البنوك مبادالت التخلف عن سداد االئتامن باعتبارها أدوات مقامرة غري

شفافة.‏ و)‏‎2‎‏(‏ كان اهتامم البنك املركزي األورويب بالبنوك الكبرية التي كانت

متورطة يف بيع التأمني - وبشكل أسايس املقامرة أو املضاربة مبا إذا كانت اليونان

ستستطيع أن تسدد ديونها – أكرث من اهتاممه بالبنوك العادية التي كانت قد

اشرتت التأمني (37) .

البنوك املركزية باعتبارها مؤسسات سياسية

توضح هذه األمثلة،‏ إىل جانب مناقشاتنا السابقة لقرارات السياسة النقدية

عن التضخم يف مواجهة البطالة،‏ أن البنوك املركزية - مبا فيها البنك املركزي

األورويب - تصنع قرارات سياسية.‏ وهي تُواجه ببدائل.‏ وهناك آثار توزيعية

كبرية لقراراتها.‏ وهناك مخاطر مختلفة ترتبط باختيارات السياسة املختلفة.‏

ففي الواليات املتحدة،‏ حينام مينح االحتياطي الفدرايل أمواال للبنوك،‏ يكون

يف وسعه فرض رشوط،‏ مثل أن عىل البنوك أن تقرض منشآت األعامل الصغرية

واملتوسطة.‏ ويف أوروبا،‏ كان يف وسع البنك املركزي األورويب املطالبة بأال تنقذ

أيرلندا بنوكها،‏ بدال من أن تفعل ذلك (38) . وكان يف وسعه املطالبة بأن تجري

عملية إعادة هيكلة يف اليونان بطريقة تؤدي إىل أن تؤيت مبادالتُ‏ التخلف عن

سداد االئتامن أُكُلهَا.‏

ال ميكن حتى لقادة البنك املركزي األورويب إنكار أنهم واجهوا مثل هذه

الخيارات.‏ بل لو كانت البدائل موجودة،‏ لكان البرش الذين يصنعونها يف

194


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

حاجة إىل أن يُساءلوا سياسيا.‏ يف أوروبا تعد الحوكمة حتى أسوأ حاال منها يف

الواليات املتحدة.‏ فقد تظاهرت أوروبا بأنها تلتف حول مشكلة الحوكمة مبنح

البنك املركزي تفويضا بسيطا - ضامن استقرار األسعار ‏)ويعرف أيضا مبحاربة

التضخم(.‏ ومن الحتمي،‏ أنه ستكون هناك أحكام بشأن ما الذي يعنيه استقرار

األسعار ‏)معدل تضخم يبلغ صفرا أو 2 يف املائة أو 4 يف املائة(،‏ ومن أجل وضع

هذه األحكام كان عىل صُ‏ ناع السياسة أن يأخذوا آثار األهداف املختلفة بعني

االعتبار.‏ فلو كان السعي إىل تحقيق هدف ملعدل تضخم يبلغ 2 يف املائة يف

مقابل معدل يبلغ 4 يف املائة سيؤدي إىل معدل منو أقل كثريا،‏ فأنا أشك يف تأييد

كثري من املصوتني لهذا الهدف إذا ما مُنحوا فرصة التصويت.‏

وهناك رابحون وخارسون يف معظم السياسات االقتصادية.‏ وكان عىل صانعي

السياسة يف البنك املركزي األورويب عند صنع قراراتهم،‏ وضع أحكام وتقديرات

لها آثار توزيعية.‏ وهذه ليست محض قضايا فنية،‏ مثل أفضل تصميم جرس من

الجسور.‏ فرمبا يؤدي معدل تضخم أعىل قليال إىل أسعار أقل للسندات،‏ حتى لو

أدى إىل تشغيل وأجور أعىل.‏ وسوف يكون حاملو السندات غري سعداء،‏ حتى لو

كان بقية املجتمع يحتفل بذلك.‏ ولكن البنوك املركزية التي ال تُساءل دميوقراطيا

يف األغلب األعم تعطي اهتامما أكرث لوجهات نظر حاميل السندات واملاليني عن

وجهات نظر العامل.‏

يف وقت ما من األوقات،‏ اعتقدت املفوضية األوروبية أنه لو كان عىل البطالة

اإلسبانية أن تقل عن 25 يف املائة،‏ فال بد أن يكون هناك ارتفاع يف التضخم.‏

والحقا راجعوا هذا الرقم إىل 18.6 يف املائة.‏ واعتقد آخرون أن هذه التكهنات

عبثية (39) . ولكن هنا مرة أخرى كانت هناك بدائل،‏ وهذه املرة كانت البدائل

فيمن يتحمل املخاطر.‏ وعن طريق الترصف وكأن الرقم األعىل هو العتبة

الحاسمة،‏ مثل 25 يف املائة،‏ أو حتى 18.6 يف املائة،‏ بينام كان الرقم أقل من ذلك

حقيقةً،‏ يكون عىل املرء أال يستنكر األعداد الكبرية من البرش التي مل يكن من

الرضوري أن تكون يف حالة بطالة،‏ ألنه تنجم عن البطالة األعىل أجورٌ‏ أقل للكثري

من العامل.‏ وهؤالء العاملون يف سوق املال وقطاع األعامل رمبا يرحبون بهذه

األجور األقل،‏ بينام العامل بنحو واضح مل يكونوا كذلك.‏

195


اليورو

هناك جدول أعامل سيايس وراء التظاهر بأن وضع السياسة النقدية أمر فني

من األفضل تركه للخرباء يف القطاع املايل.‏ وتعكس هذا عقلية هؤالء العاملني

يف القطاع املايل،‏ ويستجيب هؤالء ‏»الخرباء«‏ للبدائل الواضحة بطريقة تختلف

اختالفا بيّنا عن استجابة العامل العاديني.‏ وبتجنيب البنك املركزي املساءلة

السياسية،‏ عىل األقل بالطريقة التي حدث بها ذلك يف الواليات املتحدة وأوروبا،‏

ينتقل فعليا صُ‏ نع القرار إىل القطاع املايل مبصالحه وأيديولوجيته.‏

وينبغي أن تكون األزمات ذاتها قد بيّنت أنه مل تكن الخربات والحكمة هي

ما حمله عرافو سوق املال للطاولة.‏ وجدول أعامل إلغاء الضوابط التنظيمية التي

دفع بها املاليون يف أوروبا وأمريكا كانت فعليا هي عبارة عن إعادة كتابة القواعد

والضوابط التنظيمية لسوق املال بطرق تحايب هؤالء العاملني يف أسواق املال وعىل

حساب بقية املجتمع.‏ ومل تكن ألجل خلق سوق مال يف وسعه أن يؤدي إىل منو أكرث

رسعة واستقرارا،‏ ولهذا السبب كان ما انبثق هو منو أقل وعدم استقرار متزايد (40) .

الحجة النيوليربالية يف استقالل البنك املركزي

يبدو أن الحجة النيوليربالية يف استقالل البنك املركزي - وهي الحجة التي سادت

يف وقت تأسيس البنك املركزي األورويب - تستند إىل ثالثة فروض معيبة:‏ أوال أن

كل ما يهم هو التضخم،‏ وثانيا أن محاربة التضخم من خالل السياسة النقدية كان

أمرا فنيا خالصا،‏ وثالثا أن استقالل البنك املركزي سوف يدعم الحرب ضد التضخم.‏

وقد رشحتُ‏ بالفعل ما هو خاطئ يف الفرضني األولني.‏ أما الفرض الثالث فقد

وُضع عىل أساس انعدام ثقة عميق بالدميوقراطية.‏ فقد كانت هناك خشية من أن

الحكومات بالدميوقراطية قد تنساق إىل إغراء تضخيم االقتصاد قبل االنتخابات.‏

وسوف يساعد االقتصاد األقوى عىل إعادة انتخاب الحكومة - مع دفع مثن التضخم

الحقا.‏ وميكن تحطيم مثل هذا النمط التضخمي فقط عرب انتزاع السياسة النقدية

بعيدا عن أيدي السياسيني،‏ ومع الثقة بأن التكنوقراطيني املكلفني بالحد من التضخم

سوف يوفون بأداء مهمتهم،‏ وسوف تخفَّض التوقعات التضخمية،‏ وهكذا يُضمن

االستقرار االقتصادي.‏ وجمهور الناخبني يف الدميوقراطية،‏ عىل أي حال،‏ أكرث ذكاء

مام مينحهم هذا الفرض من تقدير.‏ فالواقع أن الحكومات لديها الحافز نفسه عىل

196


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

اإلنفاق قبل االنتخابات.‏ ومل يقرتح أي أحد انتزاع قوة اإلنفاق من الحكومات،‏ حتى

يضمن أال يكون هناك ‏»سوء سلوك«.‏ والواقع أن جمهور الناخبني يف الدميوقراطية

قد عاقب بقوة تلك الحكومات التي تجاوزت يف اإلنفاق.‏ واملسؤولية املالية - يف

بعض الحاالت املسؤولية املالية املفرطة،‏ مع الرتكيز عىل العجز الذي يتجاوز الحس

العميل - كانت بانتظام من مالمح االنتخابات (41) .

ما بعد االستقالل

حتى لو اعتقد املرء أن استقالل البنك املركزي سوف تنتج عنه سياسة نقدية

أفضل،‏ كان يف الوسع تشييد بنك مركزي أورويب يعد أكرث متثيال،‏ أي البنك املركزي

الذي يرى البدائل التي تنطوي عليها السياسة،‏ مبا يف ذلك البدائل الخفيّة،‏ بطريقة

أكرث توازنا.‏ وقد أدركت بعض البلدان ذلك،‏ عىل سبيل املثال حظرت أن يكون هؤالء

العاملون يف القطاع املايل أعضاء يف مجلس إدارة البنك املركزي،‏ ألن لديهم مصلحة

شخصية ووجهات نظر معينة يف السياسة النقدية.‏ وتشرتط بعض البلدان أن يكون

هناك ممثلون للعامل - حيث إنهم غالبا ما يرون العامل عرب عدسات تختلف عن

تلك التي ينظر بها القطاع املايل.‏ ومل تفعل منطقة اليورو أيا من األمرين السابقني.‏

وقد مال هذا بالتوازن،‏ حتى مع وضع التفويض بالتضخم للبنك املركزي األورويب يف

االعتبار:‏ اهتامم أكرث تشددا بالتضخم،‏ وعدم اهتامم كافٍ‏ باآلثار يف النمو والتشغيل.‏

مالحظات ختامية:‏ النامذج االقتصادية واملصالح واأليديولوجيا

األطروحة املركزية لهذا الكتاب هي أن هناك أفكارا معينة - مناذج اقتصادية

معينة - شكلت بناء منطقة اليورو،‏ وهذه األفكار هي يف أفضل األحوال موضع شك،‏

ويف أسوئها أفكار خاطئة.‏ يف علم الحواسب،‏ هناك قول مأثور قديم:‏ ‏»قاممة داخلة،‏

قاممة خارجة«‏ ‏)٭(‏ . وباملثل،‏ أيضا،‏ يف بناء املؤسسات:‏ املؤسسات التي تُبنى عىل

أساس أيديولوجيا خاطئة لن تعمل بنحو جيد،‏ واملؤسسات االقتصادية املبنية عىل

أسس اقتصادية خاطئة ستخدم االقتصاد بنحو سيئ.‏ وقد أوضح هذا الفصلُ‏ ذلك

197

out. Garbage in, garbage ‏(٭)‏


اليورو

األمرَ‏ بإسهاب يف سياق الحديث عن السياسة النقدية واملؤسسة املركزية ملنطقة

اليورو،‏ البنك املركزي األورويب.‏

وبينام يكون التفويض مبهمة واحدة والنظرة الضيقة إىل األدوات املوضوعة

رهن ترصفهم قد ضيَّقا رمبا من مجموعة التدابري التي كان ميكن أن يضطلع

بها البنك املركزي األورويب،‏ كان البنك،‏ عىل أقل تقدير،‏ مثريا للجدل.‏ فقد

اتُهم،‏ خصوصا داخل أملانيا،‏ بالترصف خارج نطاق التفويض املمنوح له،‏ كام

ترصف بنحو غري سليم.‏ وعىل الرغم من سيطرة األفكار املحافظة عند بنائه،‏

كان البنك قد استخدم منذ األزمة أدوات جديدة وتوىل مسؤوليات جيدة،‏

وهي التي يقول املحافظون إنها تتخطى نطاق صالحياته ومسؤولياته.‏ ولقد

قُويض بسبب برنامجه لرشاء السندات الحكومية،‏ والنخراطه يف التيسري الكمي،‏

وألدواره اإلرشافية الجديدة.‏ ويدير البنكَ‏ املركزي األورويب مجلسُ‏ إدارة ويضم

هذا املجلس أعضاء لديهم وجهات نظر بشأن ما الذي ميكن للبنك عمله وما

الذي ال ينبغي للبنك عمله،‏ وهي وجهات نظر تختلف بنحو ملحوظ.‏ وقد

جادل األملان بصورة منهجية من أجل التفسري الضيّق،‏ وعىل الرغم من الرأي

الشائع أنهم يتمتعون بالهيمنة يف منطقة اليورو،‏ كان البنك املركزي األورويب يف

عدد من املرات - وبصفة خاصة يف االضطالع بالتيسري الكمي - يتخذ قرارات

يعارضها فيها األملان بشدة،‏ سواء أكان ذلك عىل أرضية السياسة أم عىل أرضية

أن اإلجراءات تتخطى املسموح للبنك االضطالع به.‏

واملؤسسات ترتقي وتتطور.‏ واملشكالت التي تواجه أوروبا والعامل اليوم

تختلف عن تلك التي كانت قامئة وقت تصميم منطقة اليورو.‏ وحتى حينام

أُسست منطقة اليورو،‏ مل يكن التضخم هو القضية.‏ فقد انتقل العامل إىل عرص

جديد تتوافر فيه سلع صينية قليلة الكلفة ساعدت عىل خفض األسعار.‏ وكان

من الواضح أن النمو والتشغيل سيكونان من بني قضايا املستقبل.‏ وقد ذكّرت

أزمة العام ‎2008‎م كل شخص ملاذا خُ‏ لقت بعض البنوك املركزية من األساس -

للحفاظ عىل االستقرار املايل - وهي مسؤولية كانت قد نُسيت تقريبا يف السنوات

التي سيطر فيها الهوس بالتضخم عىل املشهد.‏ وقد حدّ‏ ت القيود القوية بنحو

واضح من قدرة البنك املركزي األورويب عىل التكيّف بالطرق التي كان ميكنه أو

198


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

التي كان ينبغي له التكيف بها.‏ وقد وضع التفويض الضيق ومجموعة األدوات

املحدودة أوروبا يف وضع غري مؤاتٍ‏ بنحو واضح.‏

كان للبنك املركزي األورويب ثالثة رؤساء خالل عمره القصري،‏ كان لكل منهم

أسلوبه املميز،‏ وكل منهم ترك بصمته.‏ سوف يُتَذكَّر تريشيه بأحكامه الخاطئة

الهائلة،‏ وبوجه خاص رفع أسعار الفائدة يف لحظات كان فيها االقتصاد ينكمش.‏

وقد أظهر التزامه بتنفيذ التفويض املمنوح للبنك املركزي األورويب،‏ محاربة

التضخم،‏ مهام كلف األمر.‏ وكانت كلفة هذه األخطاء واضحة.‏ وقد مارس دورا

كارثيا يف تطوير أزمة اليورو،‏ بإجباره الحكومة األيرلندية عىل تحمل خصوم

مصارفها.‏ وقد أُجرب الشعب األيرلندي،‏ بغري وجه حق،‏ عىل دفع مثن أخطاء

اآلخرين - وهو إجحاف مضاعف،‏ ألنه كان فعليا تحويال لألموال من الفقري إىل

الغني.‏ ولكن تريشيه كان يعرف أين يقف:‏ فقد كان حليفا للعاملني يف البنوك

ضد العامل العاديني،‏ وكان يطالب باستمرار بخفض األجور،‏ وهو ما يقلل من

مستويات معيشتهم.‏

ولو كان تريشيه قد فعل كثريا لتقويض منطقة اليورو،‏ فهل كان يف وسعها

البقاء لو كان قد استمر يف منصبه؟ وقد نُسِ‏ ب إىل ماريو دراغي الفضل يف

بقائها،‏ بخطابه الشهري يف العام ‎2012‎م بوعده ب ‏»كل ما يتطلبه األمر«.‏ والقليل

من الخطابات يف التاريخ كان لها مثل هذا األثر،‏ حيث عمل عىل خفض أسعار

الفائدة عىل السندات السيادية يف جميع أنحاء اإلقليم.‏

وكان الخطاب ساحرا بطريقة أخرى أيضا:‏ فلم يكن أحد يعرف ما إذا كان

البنك املركزي األورويب ميتلك السلطة واملوارد لفعل ‏»كل ما يتطلبه األمر«.‏ وكان

هناك عدد قليل من األكادمييني والخرباء القلقني بشأن ما الذي كان ميكن أن

يحدث لو كان قد اختُرب هذا الوعد؟ ماذا لو حدث اندفاع للتخلص من السندات

اإليطالية؟ ماذا لو حدث فجأة،‏ تغريّ‏ يف الحالة املزاجية،‏ وأصبح املستثمرون

يعتقدون أن البنك املركزي األورويب ليست لديه املوارد للمحافظة عىل األسعار

املرتفعة لألعداد الهائلة من السندات اإليطالية القامئة؟ ما الذي كان ميكن أن

يحدث إذا نجحت أملانيا يف معارضة اضطالع البنك املركزي األورويب ب ‏»كل

ما يتطلبه األمر«؟ وباختصارٍ‏ مل يكن أحد يعرف ما إذا كان دراغي إمرباطورا

199


اليورو

يرتدي مالبسه أو هو من دونها.‏ ومل يكن،‏ بالطبع،‏ أي أحد مهتام باكتشاف ذلك،‏

أو عىل األقل ليس يف هذا الوقت.‏ ومادامت مضت مدة طويلة ومل يتبنيّ‏ أن

اإلمرباطور من دون مالبسه،‏ فقد ترصفت السوق،‏ وبشكل الفت للنظر،‏ وكأنه

يرتدي مالبسه،‏ بغض النظر عام إذا كان هو فعال مبالبسه أو من دونها.‏

هناك خيارات

التيسري الكمي،‏ الذي جرى تبنيه عىل مضض،‏ مع معارضة من بعض أعضاء

مجلس إدارة البنك املركزي األورويب،‏ مل يؤدِ‏ إىل استعادة أوروبا للنمو القوي.‏

كام أنه مل ينجم عنه أيضا التضخم الهائل،‏ الذي كان يخشاه منتقدوه.‏ وعىل

مدى العقدين اللذين مرا منذ تأسيسه،‏ مل يكن البنك املركزي األورويب قادرا عىل

ضامن التشغيل الكامل واالستقرار االقتصادي لكل أنحاء أوروبا.‏ رمبا يتضمن

ذلك طلبا أكرث من الالزم:‏ مع وضع التنوع فيام بني البلدان يف االعتبار،‏ سيقول

نقاد منطقة اليورو أن هذه كانت مهمة مستحيلة.‏ لكنه مل يكن قادرا حتى عىل

تحقيق منو معقول،‏ وتشغيل،‏ واستقرار اقتصادي يف املتوسط.‏ وقد أوضح الفصل

الثالث بشكل جيل األداء البائس ملنطقة اليورو:‏ فقد عانت وقوع دوريت ركود

متعاقبتني وواجهت مرارا تهديدات بانكامش األسعار،‏ مع مستوى مرتفع للغاية

وغري مقبول من البطالة يف املنطقة.‏

ويف التاريخ املخترص للبنك املركزي األورويب،‏ رأينا أحكاما خاطئة مكلفة

واستخداما لقوته الهائلة للحصول عىل نتائج تعود بالنفع عىل البنوك والقوى

الرئيسة داخل االتحاد األورويب،‏ وعىل حساب املواطنني والبلدان الضعيفة.‏

وال بد لهذا أن يكون مثارا للقلق العميق.‏

النقطة الرئيسة يف هذا الفصل تعد نقطة بسيطة:‏ هناك طرق بديلة لهيكلة

البنوك املركزية - بتفويضات مختلفة،‏ وأدوات مختلفة،‏ واألكرث أهمية،‏ بحوكمة

مختلفة - وهي طرق من املحتمل أكرث أن تؤدي إىل أداء اقتصادي أفضل،‏

خصوصا من منظور أغلبية املواطنني.‏ وفعل ذلك يجب أن يحتل مرتبة متقدمة

عىل جدول أعامل اإلصالح يف منطقة اليورو.‏ وهي واحدة من املهامت األساسية

إذا كان ملنطقة اليورو أن تستعيد النمو والرخاء.‏

200


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

كلمة ختامية:‏ التطورات يف النظرية والسياسة

النقدية خالل ثلث القرن املايض

إن منطقة اليورو هي اتحاد نقدي،‏ لذلك من املهم فهم األفكار املتعلقة بالنقود

والنظرية النقدية التي سادت خالل الفرتة التي عارصت تأسيس منطقة اليورو وما

بعدها.‏ ويعرض هذا الفصل لتطور األفكار واملذاهب املسيطرة خالل ثلث القرن

املايض.‏ واألفكار التي كانت رائجة وتواكب املوضة يف الوقت الذي أُسِّ‏ ست فيه

منطقة اليورو - مثل فكرة أن كل ما عىل البنك املركزي فعله هو الرتكيز عىل

التضخم،‏ وأن ذلك سوف يؤمِّن النمو واالستقرار - فقدت اآلن مصداقيتها بشكل

واسع النطاق بني األكادمييني وصناع السياسة،‏ مبا يف ذلك صندوق النقد الدويل.‏

وعىل الرغم من ذلك فهذه األفكار منقوشة عىل الصخر يف البنك املركزي األورويب،‏

ومازالت تعد الرأي السائد عىل نطاق واسع بني جامعات قوية داخل منطقة

اليورو.‏ ويضع هذا األمرُ‏ البنكَ‏ املركزي األورويب يف وضع صعب:‏ فالعمل وفقا

لتفويضه يضعه يف مسار تعارضه أقسام كبرية من الدميوقراطية األوروبية.‏ ومن

املهم أن تكون هناك قواعد،‏ ولكن وجود قواعد خاطئة،‏ كام أملحنا سابقا،‏ ميكن

أن يشكل كارثة.‏

وخالل العقود األخرية سيطرت عىل أعامل البنوك املركزية سلسلة متعاقبة من

املعتقدات - ميكن للمرء أن يدعوها معتقدات دينية،‏ ألنه يُتمسك بها باعتقاد

راسخ،‏ بل حتى بشغف عاطفي.‏ واألمر كذلك حتى عىل الرغم من أن األدلة العملية

التي تستند إليها ميكن القول إنها يف أفضل األحوال ضعيفة.‏ واألخبار الطيبة

بشأن العاملني يف البنوك املركزية هي أن دياناتهم تتطور،‏ حتى إن كانوا يغريون

معتقداتهم ببطء شديد ردةَ‏ فعل عىل األدلة التي تقف ضد العقائد واملذاهب

الرائجة يف الوقت الحارض.‏

النقودية Monetarism

يف وقت ما كان يطلق عىل الديانة اسم النقودية - كان جميع العاملني يف

البنوك املركزية يؤمنون بأن عىل املرء زيادة عرض النقود مبعدل ثابت،‏ وتبعا

لذلك ينبغي للسلطات النقدية أن تُبقي أعينها مفتوحةً‏ عىل عرض النقود.‏

201


اليورو

مل تكن النقودية حقا نظرية،‏ فقد كانت تستند إىل اطراد وتواتر تجريبي

مزعوم - وهو أن نسبة عرض النقود إىل حجم املعامالت ‏)يطلق عليها رسعة

التداول )Velocity of Circulation تعد ثابتة.‏ وليس هناك من سبب نظري

يفرس ملاذا ينبغي أن يكون الوضع كذلك.‏ ومبجرد إعالن ميلتون فريدمان هذا

القانونَ‏ الجديد للطبيعة حاكت الطبيعة حيلة مضحكة معه ومع البلدان التي

اتبعت آراءه:‏ بدأت رسعة التداول يف التغري.‏ وهؤالء الذين درسوا من بيننا

بعمق أكرث طبيعةَ‏ األسواق املالية فهموا وتنبأوا بهذه التغريات.‏ فأشكال جديدة

من األدوات املالية،‏ مثل صناديق سوق النقود ‏)٭(‏ التي نعتربها اآلن أمرا مسلَّام

به،‏ ظهرت عىل السطح،‏ وكانت هناك تغريات يف الضوابط التنظيمية التي تحكم

األسواق املالية.‏

وقد اكتسحت النقودية عامل البنوك املركزية باعتبارها ديانة اليوم.‏ وهي

تقوم عىل منوذج مبسط.‏ وميكن استيعابها بسهولة من قبل العاملني بالبنك

املركزي ذوي اإلمكانيات التجريدية املحدودة،‏ وقدمت فرصا غنية لالختبار

التجريبي.‏ وقد كان هناك غموض كاف يف النظرية أدى إىل مناقشات حامية

الوطيس:‏ ما التعريف الصحيح للنقود؟ وما أفضل طريقة لقياسها؟ وما املقياس

الصحيح للناتج املحيل اإلجاميل؟ وكيف ينبغي قياسه؟

واألمر املثري أن العاملني املحافظني بالبنك املركزي الذين اتبعوا مثل هذه

املعتقدات عرّضوا االقتصادات التي كانوا مسؤولني عنها ملخاطر حقيقية.‏ فعند

الوقت الذي بدأت فيه تجربة النقودية مل تكن آثارها الكاملة معروفة.‏ ويف

ذلك الوقت ‏)أواخر السبعينيات من القرن املايض(‏ واجهت الواليات املتحدة

‏)٭(‏ صندوق سوق النقود fund( )money market هو نوع من صناديق االستثامر املشرتك التي تستثمر يف األوراق

املالية العالية السيولة والتي لديها تصنيفات ائتامنية مرتفعة.‏ كام يطلَق أيضا تعبري صندوق سوق النقد املشرتك عىل

الصناديق التي تستثمر بشكل أويل يف األوراق املالية القامئة عىل الديون ذات االستحقاق قصري األجل الذي يقل عن

13 شهرا،‏ والتي تقدم سيولة مرتفعة مع مستوى منخفض من املخاطر.‏ وعمال عىل أساس خطوط صندوق االستثامر

املشرتك،‏ تصدر صناديق سوق النقد وحدات قابلة لالسرتداد ‏)تسمى أيضا أسهام(‏ للمستثمرين،‏ وهي مطالبة بأن

تتبع التعليامت والتوجيهات التي يعلنها املنظمون املحليون،‏ مثل تلك التعليامت والتوجيهات التي تصدر عن هيئة

األوراق املالية والبورصة SEC يف الواليات املتحدة.‏ ‏]املرتجم[.‏ انظر

https://www.investopedia.com/terms/m/money-marketfund.asp

202


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

ما كان يُنظر إليه عىل نطاق واسع عىل أنه معدل تضخم مرتفع غري مقبول،‏

وقد استجاب بول فولكر،‏ الذي كان قد اختري حديثا وقتها لرئاسة االحتياطي

الفدرايل،‏ باستخدام هذه األداة الجديدة.‏ فقد ارتفعت أسعار الفائدة إىل

مستويات بعيدة كل البعد عن أي يشء حدث لها يف السابق،‏ وبعيدة كل البعد

عام كان قد توقعه الكثريون - فقد بلغ معدل االحتياطي الفدرايل للتمويل ‏)٭(‏ يف

نهاية املطاف 19 يف املائة.‏ ولكن بينام بدا أن هذه ‏»النظرية«‏ الجديدة نجحت

يف خفض التضخم،‏ من 13.5 يف املائة يف العام 1980 إىل 3.5 يف املائة يف العام

1983، كانت للدواء آثار جانبية خطرية.‏ فقد شهدت أمريكا أعمق ركود اقتصادي

منذ الكساد العظيم،‏ مع بلوغ نسبة البطالة 10.8 يف املائة يف العام 1982، عىل

الرغم من التحفيز الهائل من قبل السياسة املالية باإلقدام عىل خفض ريغان

الرضيبي الكبري يف العام 1981، وعىل الرغم من أزمة الديون التي انترشت يف

أرجاء العامل يف البلدان التي كانت قد اقرتضت يف السبعينيات للتخفيف من أثر

زيادة أسعار النفط،‏ رمبا يف ظل االعتقاد املنطقي بأنه مادامت أسعار الفائدة

بقيت ضمن نطاق ما قد حدث يف املايض فسيكون بوسعهم تدبر األمور.‏ وكان

محصلة ذلك عقد الثامنينيات الضائع يف أمريكا الالتينية.‏

استهداف التضخم

مع انحسار ديانة النقودية يف ظل هجوم من األدلة الدامغة عىل أنها مل تقدم

إرشادا جيدا - حتى مع تجاهل آثارها الجانبية الضارة،‏ حلت ديانة جديدة محلها،‏

هي استهداف التضخم (42) . وإذا كان التضخم هو اليشء الوحيد الذي ينبغي عىل

البنوك املركزية االهتامم به،‏ فإنه كان من املنطقي بالنسبة إليها أن تستهدف

سياساتها التضخم.‏ ودع عنك االهتامم بالبطالة أو النمو - فهذا يعد من مسؤولية

شخص آخر.‏ وقد تبنت البلدان يف كل أرجاء العامل هذه الفلسفة،‏ ومع القواعد

املحببة للمحافظني طوروا قاعدة سُ‏ مِّيَتْ‏ عىل اسم جون تايلور الذي اضطلعت

بالتدريس معه يف جامعتي برنستون وستانفورد والذي مىض قدما ليصبح نائب

‏)٭(‏ سعر الفائدة لإلقراض بني البنوك لليلة واحدة.‏ ‏]املرتجم[.‏

203


اليورو

وزير الخزانة للشؤون الدولية خالل فرتة إدارة بوش.‏ وكانت قاعدته،‏ ‏)»قاعدة

تايلور«(‏ تقرر إىل أي حد ينبغي أن يرفع البنك املركزي أسعار الفائدة كرد فعل عىل

مستوى التضخم الذي يتجاوز املعدل الذي يستهدفه البنك.‏ واملرء ليس يف حاجة

حقيقةً‏ إىل مجلس إدارة ليقرر أسعار الفائدة،‏ فقط مجرد فني سوف يحسب معدل

التضخم ‏)يقوم مكتب اإلحصاءات الحكومي بفعل ذلك(،‏ ثم بعد ذلك يدخل الرقم

يف املعادلة.‏ وسوف يقفز سعر الفائدة خارجا عىل الفور.‏ ويجب زيادة أو تخفيض

عرض النقود حتى الوصول إىل املعدل املستهدف.‏ وليس عىل املرء أن يسأل ملاذا

كان التضخم مرتفعا أو ما إذا كان االضطراب الذي حدث يف االقتصاد مؤقتا أو دامئا.‏

وهذه األحكام يصدرها برش فانون تعيِّنُهم الحكومة سوف يكونون حتام خطائني

مقارنة بالقاعدة املعصومة عن الخطأ.‏

وكانت البلدان التي اتبعت هذه السياسة املبسطة قد شهدت أيضا نتائج كارثية.‏

فحينام ارتفعت أسعار السلع الغذائية برسعة كبرية يف العام 2007، ارتفع التضخم،‏

أيضا - خاصة يف البلدان النامية التي تشكل فيها السلع الغذائية جزءا مهام من سلة

االستهالك - ولكن ليس هناك معنى لرفع أسعار الفائدة:‏ فرفع أسعار الفائدة لن

يخفض أسعار الغذاء.‏ كانت املشكلة مع أسعار الغذاء عاملية،‏ إىل درجة أنه حتى

يف البلد ذي الحجم املتوسط،‏ سيكون لرفع أسعار الفائدة أثر تافه يف أسعار الغذاء

العاملية.‏ وكان السبيل الوحيد الذي ميكن للسلطات النقدية التأثري عربْ‏ ه يف التضخم

هو خفض األسعار األخرى - حيث تُخَ‏ فَّضُ‏ يف االقتصاد أسعارُ‏ السلع غري الداخلة يف

التجارة.‏ وكان السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو تسبيب دخول هذه القطاعات يف

ركود،‏ برفع أسعار الفائدة إىل معدالت مرتفعة جدا.‏ وبغض النظر عن مدى اعتقاد

املرء يف األهمية التي كان عليها التضخم فقد كان العالج أسوأ من العلة.‏

ومل يذهب البنك املركزي األورويب بعيدا إىل حد أن يكون من غالة النقوديني

أو قاعدة تايلور،‏ ولكنه فعل شيئا سيئا مامثال لهام تقريبا.‏ فقد ركز حرصيا عىل

التضخم - فبعد كل يشء،‏ كان هذا هو تفويضه الوحيد - واستمر فرتةً‏ طويلةً‏ من

الزمن يف استخدامه مؤرشًا ملوقفه النقدي ‏)ما إذا كانت السياسة النقدية متشددة أو

متساهلة(‏ ومعدل منو عرض النقود،‏ وهي بقايا من األيام التي كانت فيها النقودية

هي امللك املتوج.‏

204


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

التيسري الكمي

حينام قرر االحتياطي الفدرايل النزول بسعر الفائدة إىل الصفر - ومع ذلك

مل يتعاف االقتصاد - شعر بأنه ينبغي بل يجب عليه أن يفعل املزيد.‏ وكانت واحدة

من األفكار هي رشاء السندات طويلة األجل،‏ وهو ما يدفع إىل خفض أسعار الفائدة

طويلة األجل وتقديم مزيد من السيولة لالقتصاد.‏ وقد أطلق عىل ذلك التيسري

الكمي.‏ وكان البنك املركزي األورويب بطيئا يف استحداث التيسري الكمي.‏ فقد فعل

ذلك بعد فرتة طويلة من إقدام الواليات املتحدة عىل ذلك،‏ وحتى بعد اليابان.‏

وحتى مع استحداثه التيسري الكمي رمبا مل يكن البنك املركزي األورويب قد استوعب

ملاذا كان للتيسري الكمي مثل هذا األثر املحدود يف الواليات املتحدة - وأنه من ثم

رمبا من املحتمل أن تظل الفوائد الناجمة عن التيسري الكمي أضعف يف أوروبا.‏

وكانت مشكلة التيسري الكمي يف الواليات املتحدة من العام 2009 إىل 2011 هي

أن النقود التي خُ‏ لِقت مل تكن تذهب إىل حيث تكمن الحاجة إليها،‏ وإىل املكان

الذي يرغب االحتياطي الفدرايل يف ذهابها إليه،‏ وهو:‏ زيادة اإلنفاق يف الواليات

املتحدة عىل السلع والخدمات.‏ فقنوات االئتامن املهمة،‏ خصوصا ملنشآت األعامل

الصغرية واملتوسطة،‏ كانت مسدودة.‏ ولذا كان من الطبيعي تدفق األموال عىل

البلدان األجنبية،‏ خصوصا االقتصادات التي كانت ماتزال تنمو بقوة بالفعل،‏ وبدأت

يف مواجهة التضخم،‏ وهي مل تكن يف حاجة إىل هذه األموال اإلضافية،‏ لذا وضعت

عوائق أمام هذه التدفقات..‏ إنه أمر يفتقر إىل الكامل،‏ لكنه مايزال فعاال إىل حد

ما.‏ كانت القنوات الثالث الرئيسة التي ميكن من خاللها مساعدة التيسري الكمي

لالقتصاد كلها ضعيفة:‏ فإضعاف بسيط لقيمة الدوالر يساعد الصادرات - ولكن

هذه اآلثار صُ‏ دَّ‏ ت يف نهاية املطاف وأُبطِ‏ ل مفعولها بواسطة رشكاء أمريكا التجاريني،‏

وقد خُ‏ فِضت معدالت الرهن مع هبوط أسعار الفائدة طويلة األجل،‏ ولكن البنوك

االحتكارية - والرتكز املرصيف بعد األزمة كان أكرب مام كان عليه قبلها - أخذت

الكثري من أسعار الفائدة األقل ومتتعت بها ببساطة باعتبارها أرباحا إضافية،‏ وقادت

فقاعة سوق األوراق املالية األغنياء جدا إىل استهالك أقل قليال،‏ خصوصا من السلع

الرتفيهية الكاملية،‏ والتي كان العديد منها يُصنَع يف الخارج.‏ وما كان االقتصاد يف

حاجة إليه حقيقة هو مزيد من اإلقراض لقطاع األعامل،‏ ولكن منشآت األعامل

205


اليورو

الكبرية كانت تجلس بالفعل عىل تريليوين دوالر من السيولة ومل تتأثر بشكل مهم

بالتيسري الكمي.‏ وكان االحتياطي الفدرايل وإدارة أوباما قد ثبتا انتباههام عىل

بنوك نيويورك الكبرية والبنوك الدولية األخرى،‏ ولذلك ظلت قدرة البنوك اإلقليمية

واملحلية عىل منح القروض ضعيفة (43) . وكانت املحصلة هي أنه بعد أعوام من

األزمة ظل مثل هذا اإلقراض عند املستوى نفسه الذي كان عليه قبل األزمة.‏

يف الوقت الذي قرر فيه البنك املركزي األورويب تنفيذ التيسري الكمي،‏ كان قد أصبح

معروفا أنه أداة ضعيفة.‏ وكان ميكن للبنك املركزي األورويب إدراك،‏ بل كان ينبغي

عليه إدراك،‏ أن ما سوف يحصل عليه من سعر الرصف من املحتمل أن يكون أقل مام

حصلت عليه الواليات املتحدة.‏ أوال بسبب اضطالع الجميع اآلن بالفعل نفسه،‏ فلم تكن

أوروبا لتحصل عىل منافع خفض سعر الرصف التنافيس.‏ ثانيا وضعت األسواق الناشئة

قيودا لضامن أال تُستضعَف.‏ ثالثا وهو األكرث أهمية،‏ سوف ينشأ طلب محيل قليل

إال إذا أُصلِحت قنوات االئتامن،‏ ويف هذا الشأن كانت أوروبا أسوأ بكثري من الواليات

املتحدة،‏ كام رأينا يف الفصل األخري،‏ مع انخفاضات درامية يف اإلقراض للمنشآت الصغرية

واملتوسطة وتقلص البنوك يف بلدان الهامش.‏ وقد كان يف وسع البنك املركزي األورويب

اتخاذ إجراءات أقوى لضامن عدم ذهاب األموال إىل فقاعات ائتامنية،‏ وضامن ذهاب

مزيد من األموال إىل دعم منشآت األعامل الجديدة وتوسيع املنشآت القدمية.‏ وكانت

فلسفتهم يف ‏»الثقة باألسواق«‏ قد جعلتهم يرتددون يف فعل ذلك.‏

وكان البعض قلقا من أن التيسري الكمي سوف ينتج عنه التضخم.‏ ولكن

مل ينتج عن تيسري كمي هائل تضخم يف الواليات املتحدة،‏ وكان هناك حتى أكرث

من سبب لعدم القلق حيال نشوء التضخم يف أوروبا.‏ فمعظم النقود كانت يف

حوزة البنوك.‏ وكانت املشكلة هي أن البنوك ال تقرض النقود.‏ ومعظم النقود التي

ساعد االحتياطي الفدرايل والبنك املركزي األورويب يف خلقها بقيت ببساطةٍ‏ داخل

االحتياطي الفدرايل والبنك املركزي األورويب،‏ أو عىل كل حال،‏ مل تؤد إىل مزيد من

اإلقراض.‏ وحيث إن السيولة اإلضافية مل تؤد إىل مزيد من اإلنفاق فإنه مل يكن من

املمكن أن تؤدي إىل مزيد من التضخم.‏

وكانت هناك،‏ عىل أي حال،‏ مخاطر أخرى ترتبط بهذا التوسع الضخم يف

كشوف ميزانية البنك املركزي.‏ وواحد من املخاطر هو إمكانية أن يؤدي ذلك

206


السياسة النقدية والبنك املركزي األوروبي

إىل فقاعات يف أسعار األصول - متاما مثلام أسهمت سياسات النقود السهلة

سابقا يف الفقاعة العقارية.‏ وفقء هذه الفقاعات،‏ بدوره،‏ رمبا يؤدي إىل تقلبات

اقتصادية.‏ وكانت لدى االحتياطي الفدرايل عىل األقل أدوات للتعامل مع مثل

هذه املشكلة.‏ فقد كان يف إمكانه رفع متطلبات الهامش ‏)كمية األموال التي

عىل املستثمر وضعها حينام يستثمر يف األوراق املالية أو السلع،‏ عىل سبيل

املثال(.‏ ويف أعقاب األزمة كان لديه حتى تفويض لفعل ذلك – مل يكن من

املطلوب منه ضامن تضخم منخفض،‏ ومنو مرتفع،‏ والتشغيل الكامل فقط،‏ بل

أيضا االستقرار املايل.‏ ولألسف كان البنك املركزي األورويب بتفويضه الذي صيغ

يف فرتة سطوة النيوليربالية،‏ قد ركز عىل التضخم فقط،‏ تاركا أمر القلق بشأن

استقرار النظام املايل لآلخرين.‏

فرضية املعدل الطبيعي

لقد أثبتت السياسة النقدية بالطريقة التي أُديرت بها يف أوروبا والواليات

املتحدة أن فعاليتها محدودة يف استعادة النمو القوي.‏ وقد جادل كينز،‏ منذ فرتة

طويلة مضت،‏ بأنه حينام يكون االقتصاد يف ركود،‏ أو يف وضع أسوأ:‏ الكساد،‏ فمن

املحتمل أن تكون هذه هي الحالة.‏ ولكن كان هناك فرع يف علم االقتصاد شكك

بنحو واسع النطاق يف مدى الفعالية واملرغوبية يف سياسة نقدية نشطة،‏ سياسة

توجه إىل الحفاظ عىل االقتصاد عند وضع التشغيل الكامل،‏ وبنحو أعم،‏ كانت هذه

األفكار ذات تأثري خاص بني املحافظني.‏

وتجادل االنتقادات للسياسة النقدية النشطة بأنه لو حاول املرء الوصول مبعدل

البطالة تحت معدل حرج،‏ يسمى املعدل الطبيعي،‏ وأبقاه هناك،‏ فسوف يكون

هناك تضخم متزايد باستمرار (44) . وهذه النظرية تضيِّق بشدة من نطاق ما يجب

عىل البنك املركزي فعله:‏ لو كان املرء ملتزما بتجنب التضخم املفرط،‏ فعىل األغلب

ميكن أن تكون لدى املرء فرتة قصرية من البطالة تحت عتبة املعدل الطبيعي،‏

تقابلها فرتة أخرى ستكون فيها البطالة فوق هذه العتبة.‏ ووفقا لهذه النظرة

ال يواجه العاملون بالبنك املركزي أي بدائل للمفاضلة بينها.‏ فوظيفتهم هي ببساطة

إبقاء البطالة عند ‏»املعدل الطبيعي«.‏

207


اليورو

وقد شُ‏ كِّك يف هذه النظرية بشكل متزايد (45) . لو نظر املرء يف البيانات فلن

يكون بوسعه رؤية عالقة نظامية بني التضخم،‏ أو الزيادة يف التضخم،‏ والبطالة.‏

ولو كان هناك معدل طبيعي فهو هدف قابل للتحرك،‏ ونحن يف الغالب لن نعرف

أبدا أين يقع هذا املعدل.‏ وهكذا عىل صناع السياسة التخمني،‏ وعند وضعهم هذا

التخمنيَ‏ هناك بدائل للمفاضلة بينها:‏ خطر معدل بطالة أعىل بكثري من الرضوري

مقابل تضخم أعىل إىل حد ما مام قد يكون مرغوبا فيه.‏

وهكذا حتى لو كانت النامذج التبسيطية التي تقول بأنه ‏»ليست هناك مفاضلة

بني البطالة والتضخم«‏ صحيحة،‏ ففور أخذنا يف الحسبان حقيقة أننا ال نعرف ما

املعدل الطبيعي للبطالة،‏ نجد أن هناك بدائل للمفاضلة بينها.‏ ومخاطر التقدير

الذي يقلل من املعدل الطبيعي أو التقدير الذي يبالغ فيه تقع عىل عاتق أشخاص

مختلفني.‏ والعاملون يف البنوك املركزية - يف أوروبا والواليات املتحدة - كان يف

وسعهم إدارة هذه املخاطر بالرتكيز عىل األسواق املالية أكرث من تركيزهم عىل

العامل،‏ وبعملهم هذا كانت هناك خسارة ال لبس فيها يف الناتج وزيادة يف عدم

املساواة بخالف ما كان ميكن أن تكون عليه الحال.‏

208


الهوامش



التمهيد

الهوامش

)1( عىل وجهٍ‏ أكرث دقة،‏ نحو 45 يف املائة من الشباب يف بداية العام 2016، طبقا للمكتب

اإلحصايئ لالتحاد األورويب ‏)يوروستات(.‏

)2( نُرش هذا الخطاب يف:‏

Robert E. Lucas Jr., “Macroeconomic Priorities,” American Economic

Review 93, no. 1 (2003): 1–14; the quote appears on p. 1

)3( مع تثبيت سعر رصف عملة كل بلد مقابل الذهب،‏ تكون قيمة عملة كل بلد مقابل

عمالت البلدان األخرى ثابتة بدورها.‏

)4( تفوه برايان بهذه العبارة يف 9 يوليو 1896 يف حديثه أمام املؤمتر الوطني للحزب

الدميوقراطي يف شيكاغو.‏

(5) See Barry Eichengreen, Golden Fetters: The Gold Standard and the

Great Depression, 1919–1939 (New York: Oxford University Press, 1992).

)6( كانت القيم املوازية للناتج املحيل اإلجاميل يف كل من الواليات املتحدة والصني هي

17.9 تريليون و‎11‎ تريليون دوالر عىل التوايل.‏ ‏)ووفقا لنظرية تعادل القوة الرشائية،‏

Party( ،PPP) Purchasing Power وهي طريقة معيارية إلجراء املقارنة بني الناتج

املحيل ملختلف البلدان،‏ كان ناتج االتحاد األورويب أقل من ناتج الصني مبقدار 1 يف املائة

وأكرث مبقدار 7 يف املائة من ناتج الواليات املتحدة(.‏ وبسبب التغريات يف أسعار الرصف

‏)قيمة اليورو قياسا إىل الدوالر تغريت خالل العام 2015 وحده من 1.06 إىل 1.13(،

يختلف الحجم النسبي ‏)وفقا ألسعار الرصف الحالية(.‏ يف العام 2014 كان االتحاد

األورويب فعليا أكرب تكتل اقتصادي،‏ ويُعزى االنخفاض بنحوٍ‏ بعيد إىل تغري سعر الرصف،‏

الذي هبط مبقدار 17 يف املائة.‏

)7( تُعرف رسميا مبعاهدة االتحاد األورويب.‏

)8( ليس أمرا مفاجئا أن يجد عديد من االقتصاديني اآلخرين وعلامء السياسة أزمة اليورو

مثرية لالهتامم أيضا،‏ وقد تراكم أدب نظري واسع يف محاولة فهمها متناوال املوضوع

من منظورات مختلفة كأزمة مالية وكأزمة سياسية وكأزمة اقتصادية.‏ والسمة املميزة

للمنهج الذي يختطه هذا الكتاب هي الرتكيز عىل الجوانب الهيكلية ملنطقة اليورو

ذاتها - قواعدها وأنظمتها وإدارتها - التي أدت فعليا إىل األزمة وجعلت من األداء

االقتصادي البائس أمرا محتوما.‏ يف استكشاف مبكر لألزمة،‏ انظر:‏

Philip R. Lane, “The European Sovereign Debt Crisis,” Journal of

Economic Perspectives 26, no. 3 (Summer 2012): 49–68.

ومن أجل منظورات أوروبية مرتوية كتبت يف السنوات املبكرة للوحدة النقدية،‏ انظر:‏

Tommaso Padoa-Schioppa, The Euro and Its Central Bank: Getting

United After the Union (Cambridge, MA: MIT Press,2004)

ومن أجل وجهة نظر عن الخطوات التالية،‏ انظر:‏

Henrik Enderlein et al., “Completing the Euro: A Roadmap Towards

Fiscal Union in Europe, Report of the ‘Tommaso Padoa-Schioppa

Group,” Notre Europe, 2012, available at

http://www.notre-europe.eu/media/completingtheeuroportpadoaschio

ppagroupnejune2012.pdf?pdf=ok.

211


ومن أجل مسح أكرث حداثة،‏ انظر:‏

Enrico Spolaore, “What Is European Integration Really About? A Political

Guide for Economists,” Tufts University and NBER Working Paper, June

2013, and a special volume of the Journal of Macroeconomics dedicated to

the euro crisis, “The Crisis in the Euro Area. Papers Presented at a Bank of

Greece Conference,” 39, part B (March 2014). The volume includes papers

by (in order of appearance in the journal) Heather D. Gibson, Theodore

Palivos, George S. Tavlas, George A. Provopoulos, Vítor Constâncio,

Seppo Honkapohja, Michael Bordo, Harold James, Barry Eichengreen,

Naeun Jung, Stephen Moch, Ashoka Mody, John Geanakoplos, Costas

Azariadis, Paul De Grauwe, Yuemei Ji, Vito Polito, Michael Wickens, C.

A. E. Goodhart, Lucrezia Reichlin, Stephen G. Hall, Karl Whelan, nabela

Carneiro, Pedro Portugal, and José Varejão, among others.

)9( يف كتايب العوملة ومنغصاتها،‏ رشحت هذا الفشل املتكرر وقدمت تأوييل للسياسة

واملصالح واأليديولوجيات الكامنة وراءه.‏

Globalization and Its Discontents (New York: W. W. Norton, 2002)

)10( انظر:‏ Globalization and Its Discontents

)11( انظر بوجه خاص:‏

The Price of Inequality: How Today’s Divided Society Endangers Our

Future (2012), The Great Divide: Unequal Societies and What Can Do

About Them (2014), and Rewriting the Rules of the American Economy:

An Agenda for Growth and Shared Prosperity (2015)(with Nell

Abernathy, Adam Hersh, Susan Holmberg, and Mike Konczal), all from

W.W. Norton. These recent books are built on my earlier work-such as

“Distribution of Income and Wealth Among Individuals,” Econometrica

37, no. 3 (July Inequality, mobility and Equality of Opportunity,” written

with Ravi Knbur, Center for Economic Policy 542, April 2015, to be

published in Journal of Economic Inequality in 2016, Kanbur served as

one of my principle advisers at the World Bank.

(12) Robert E. Lucas Jr., “The Industrial Revolution: Past and Future,” The Region

(May 2004), Federal Reserve Bank of Minneapolis, pp. 5-20, available at http://

www.minneapolis.org/publications/the-region/the-indutrial-revolution-pastand-future.

وقد مىض لوكاس ليقول،‏ ‏»إن إمكانية تحسني معيشة الفقراء بالبحث عن وسائل مختلفة

لتوزيع الناتج الحايل هي ال يشء مقارنة باإلمكانيات الظاهرة غري املحدودة لزيادة

اإلنتاج«.‏ وبينام قد تكون إمكانية تحسني معيشة الفقراء هائلة،‏ فإن هذا مل يحدث حقيقة

يف أغلب األحيان.‏ وكل من أوروبا والواليات املتحدة اليوم تقدم أمثلة حية عىل ذلك.‏

)13( انظر عىل سبيل املثال:‏

Stiglitz, Price of Inequality and the references cited there, OECD :”In

It Together: Why Less Inequality Benefits All,” May 21, 2015 available

اليورو

212


الهوامش

213

at http://www.oecd-library.org/employment/in-it-together-why-lessinequality-benefit-all_9789264235120-en;

Andrew G. Berg and Jonathon

D. Ostry, “Inequality and Unsustainable Growth: Two Sides of the Same

Coin?, IMF Staff Discussion Note 11/08, April 8, 2011, available at http://

www.imf.org/external/pubs/ft/sdn/2011/sdn1108.pdf; and Jonathon D.

Ostry, Andrew Berg, and Charalambous G. Tsangarides, “Redistribution,

Inequality, and Growth,” IMF Staff Discussion Note 14/02, February 2014,

available at http://www.imf.org/external/pubs/ft/sdn/2014/sdn1402.pdf

(14) Bruce C. Greenwald and Joseph E. Stiglitz, “Externalities in Economies

with Imperfect Information and Incomplete Markets, “Quarterly

Journal of Economics 101, no 2 (1986): 229-64

)15( لقد أصبحتُ‏ منخرطا بوجه خاص يف ‏»اقتصاديات األزمات«‏ خالل فرتة عميل يف البنك

الدويل،‏ وكتبت بكثافة يف هذا املوضوع،‏ إما بشكل منفرد وإما باالشرتاك مع زماليئ يف

البنك الدويل.‏ وهناك ذِكر لهذه األعامل يف كتايب العوملة ومنغصاتها.‏ انظر أيضا مقااليت:‏

“lessons from the Global Financial Crisis,” in Global Financial Crisis:

Lessons from Recent Events, ed. Joseph R. Bisignano, William C. Hunter,

and George G. Kaufman (Boston: Kluwer Academic Publishers, 2000),

pp. 89-109 (originally presented at the Conference on Global Financial

Crises, Bank for International Settlements and Federal Reserve Bank of

Chicago, May 6, 1999; “Financial Market , Stability and Monetary Policy,”

Pacific Economic Review 7, no. 1 (February 2002): 13-30; “Lessons

from East Asia,” Journal of Policy Modeling 21, no. 3 (May 1999): 311-

30 (paper presented at the American Economic Association Annual

Meetings, New York, January 4, 1999); “Responding to Economic Crises:

Policy Alternatives for Equitable Recovery and Development,” Manchester

School 67, no. 5 (September 1999): 409-27 (paper presented to North-

South Institute, Ottawa, Canada, September 29, 1998); “The Procyclical

Role of Rating Agencies: Evidence from the East Asian crisis,” with G. Ferri

and L.G. Liu, Economic Notes 28, no. 3 (November 1999): 335-55; “Must

Financial Crises Be This Frequent and This Painful?,” Policy Options 20,

no. 5 (June 1999): 23–32 (paper originally given on September 23, 1998, as

University ofPittsburgh McKay Lecture); “Knowledge for Development:

Economic Science, Economic Policy, and Economic Advice,”

in Annual World Bank Conference on Development Economics, ed.

Boris Pleskovic and Joseph E. Stiglitz (Washington, DC: World Bank,

1998), pp. 9–58.

وقد كتبتُ‏ عدة أوراق عارضا نوعية اإلصالحات املطلوبة يف النظم املالية عىل املستويني

الوطني والعاملي،‏ والتي ستؤدي إىل استقرار أكرب:‏

“Reforming the Global Economic Architecture: Lessons from Recent

Crises.”Journal of


Finance 54, no. 4 (August 1999): 1508–21; “The Underpinnings of a

Stable and Equitable Global Financial System: FromOld Debates to New

Paradigm,” with Amar Bhattacharya, in Annual World Bank Conference

on Development Economics 1999, ed. Boris Pleskovic and Joseph E.

Stiglitz (Washington, DC: World Bank, 2000), pp. 91–130; “Robust

Financial Restraint,” with Patrick Honohan (who later went on to be

head of Ireland’s Central Bank, and with whom I had the opportunity

to discuss many aspects of the Irish crisis—some of which are discussed

below), in Financial Liberalization: How Far, How Fast?, ed. Gerard

Caprio, Patrick Honohan and Joseph E. Cambridge University Press,

2001), pp. 31–63.

وكتبتُ‏ باالشرتاك مع جيسون فيورمان،‏ الذي سيصبح الحقا رئيسا ملجلس الرئيس أوباما

للمستشارين االقتصاديني،‏ ورقة محاوال فهم العوامل التي تسهم ليس فقط يف أزمة

رشق آسيا،‏ بل األزمات بشكل عام:‏

“Economic Crises: Evidence and Insights from East Asia,” Brookings Papers on

Economic Activity No. 2, September1998, pp. 1–114 (presented at Brookings

Panel on Economic Activity, Washington, DC, September 3, 1998).

وكتبتُ‏ كذلك باالشرتاك مع ثالثة زمالء يف البنك الدويل،‏ دانييل ليدرمان،‏ وآنا ماريا

ميندينز،‏ وجلريمو بريي،‏ ورقتني يف محاولة فهم األزمة املكسيكية يف العام 1995-1994:

“Mexican Investment after the Tequila Crisis: Basic Economics,

‘Confidence’ Effect or Market Imperfection?,” Journal of International

Money and Finance 22, no.1 (February 2003): 131–51; and “Mexico—Five

Years After the Crisis,” in Annual Bank Conference on Development

Economics 2000 (Washington, DC: World Bank, 2001), pp. 263–82.

وأخريا كتبتُ‏ مع زميلني آخرين من البنك الدويل - ويليام ر.‏ ايسرتيل ورويومني إسالم -

ورقتني محاوال فهم القوى املسببة للتذبذب:‏

“Shaken and Stirred: Explaining Growth Volatility,” in Annual Bank

Conference on Development Economics2000 (Washington, DC: World Bank,

2001), pp. 191–212; and “Shaken and Stirred: Volatility and Macroeconomic

Paradigms for Rich and Poor Countries,” in Advances in Macroeconomic

Theory, ed. Jacques Dreze, IEA Conference Volume 133 (Houndsmills, UK:

Palgrave, 2001), pp. 353–72 (speech given for Michael Bruno Memorial

Lecture, 12thWorld Congress of IEA, Buenos Aires, August 27, 1999).

واألمر املهم أن انخراطي يف دراسة هذه األزمات ساعدين عىل فهم ماهية املشكلة مع

اقتصاديات النقود التقليدية،‏ وكام رشحت يف كتايب مع بروس جرينوالد،‏ وسأستخدم

هذا الكتاب مرجعا يف عديد من املرات الحقا.‏

Towards a New Paradigm in Monetary Economics, with Bruce Greenwald

(Cambridge: Cambridge University Press, 2003).

)16( يُطلَق عىل النموذج املعياري ‏»منوذج التوازن الدينامييك االحتاميل«‏ والنموذج ال يفسِّ‏

كيف يتحقق هذا ‏»التوازن«،‏ فهو يفرتض أن هذا هو الحال.‏

اليورو

214


الهوامش

215

)17( انظر عىل سبيل املثال:‏

Stiglitz and Greenwald, Towards a New Paradigm in Monetary Economics;

and my book Freefall: America, Free Markets, and Sinking of the World

Economy (New York: W.W. Norton, 2010).

الفصل األول

)1( من أجل تحري الدقة كلام كان األمر ممكنا كان صندوق النقد الدويل هو مصدر

البيانات،‏ إال لو ذكر غري ذلك ‏)يف وقت كتابة هذا الكتاب،‏ كانت أرقام بعض التقديرات

للعامني 2014 و‎2015‎ تعود إىل هيئة العاملني يف صندوق النقد الدويل(.‏ فمصادر

مختلفة للبيانات سوف تسفر عن أرقام مختلفة،‏ ولكن القصة يف كليتها تظل هي ذات