ماكو فضاء حر للابداع - العدد 01

makou

ماكو فضاء حر للابداع
MAKOU free space for creativity
ماكو
مجلة الكترونية تهتم بتاريخ الفن العراقي، تتابع نشأته في القرن الماضي وما حصل
من تبدلات في الاسلوب والرؤيا، مع اهتمام بنشر ما يتوفر من وثائق وصور ذات علاقة
بهذا التاريخ



العدد القادم خاص

بالفنان

اسماعيل فتاح الترك

134


Mahmoud Obaidi

Limited edition

بورتفوليو يحتوي على ستة اعمال حفر على النحاس،‏ * ٤٥ ٤٢ سم.‏ ٢٠١٨

133

www. makouart.com


132


131


130


129


128


127


126


125


124


123


122


121


120


تخطيطات

يعتبر خالد الرحال ( 1926- 1986(

املولد يف بغداد من اجليل املؤسس

للحداثة الفنية يف العراق رساما

ونحاتا و من القلة من الفنانني

العراقيني ممن اهتموا بالتخطيط

كوسيلة للتعبير عما يفكر به او

يرى ما حوله من حياة،‏ يف هذه

املجموعة املتنوعة تاريخيا يعود

اقدمها الى عام 1947 وما تلتها من

سنوات ‏'ظل الرحال مولعا باملرأة

كموضوع اساسي مع ميل الى

رسم الوجوه باسلوبية يتميز بها.‏

119


118
















103


102


وثائق

مجلة ‏"اخليال"،‏ العدد الثاني

مجلة مكتوبة ومرسومة باليد وبنسخة

واحدة من ٩٦ صفحة،‏ تعود إلى منتصف

الثالثينات من القرن املاضي.‏ أصدرتها

الرسامة نزيهة سليم،‏ وكانت ملعان أمني

زكي رئيسة التحرير مع أنيس عبد املسيح.‏

وساهم يف التحرير بسمت داود تيادروس

من املوصل،‏ والتي كانت تدرس يف اجلامعة

األميركية يف بيروت،‏ بنص تدعو فيه

املرأة العربية إلى ‏)فاعملي يا فتاة العرب

وخوضي غمار التنافس والكفاح وحققي

قول نابليون:‏ إن املرأة التي تهز املهد

بيمينها تهز العالم بيسارها(،‏ مع الفصل

األول من قصة طويلة لبشرى عبد الكرمي.‏

إلى جانب ذلك كتبت سانحة أمني زكي

مقالة عن الشاعر العراقي جميل صدقي

الزهاوي الذي كان من أشد املساندين

حلقوق املرأة.‏ وزينت املجلة برسوم لكل

من جواد سليم وأخيه املعروف يف حينها

برسومه الكاريكاتورية نزار سليم.‏

تشكل هذه املجلة وثيقة نادرة لنخبة من

املثقفني العراقيني،‏ تعكس تطلعاتهم

وحرصهم على التواصل مع مجموعة من

األصدقاء واملعارف ممن حولهم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

101



االستغاثة بسبب حتجيمها ومصادرة حرياتها.‏ يف

حني يفعل الغطاء املتحرك معنى مصادرة تلك

االصوات و تغييبها بعد التغيرات التي انتجها

االحتالل االمريكي للعراق بعد عام ٢٠٠٣.

أن اهتمامات فناني ما بعد احلرب العاملية

األولى كانت ميالة بشكل كبير للموقف العبثي

من احلياة والثقافة األمر الذي أضفى عليها

سحنة تهكمية متمردة ضد حركة او نشاط

الفكر السليم،‏ فجاءت أعمالهم أقرب الى اللعب

و العبث والعدمية وغموض التعبير،‏ مما أدى

إلى اتيانهم باعمال تخلت عن الصيغ التعبيرية

والرمزية املباشرة يف احلقل الشعري األدبي

والبصري،‏ بينما جند يف االوبجكت العراقي

املعاصر من أخذ بهذه النتائج الثقافية من

الفنانني الغربيني،‏ يف حني احتكم البعض االخر

الى الرمزية املباشرة والقراءة امليسرة للمظاهر

التعبيرية ألعمالهم الفنية.‏ ومن غير شك،‏ لدينا

العديد من الفنانني العراقني الذين لم يتسع

الوقت وال املساحة للكتابة عنهم وعن أعمالهم

ومنهم:‏ هاشم تايه،‏ محمد السعدون،‏ هناء مال

اهلل،‏ دلير شاكر،‏ محمد الشمري،‏ وليد القيسي،‏

ندمي الكويف،‏ ومحمد قريش وآخرون.‏

كرمي رسن،‏ دميقراطية حديدة ٢٠٠٩

مواد مختلفة،‏ * ٣٧ ٢٢ * ‎٩‎سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي،‏ الدوحة

محمود العبيدي،‏ االنتهاء كرقم ٢٠١٠

مواد مختلفة،‏ * ٣٧ ٢٢ * ‎٩‎سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي،‏ الدوحة

99


عند املتلقي والوجه الثاني ينطلق من يسر الفهم

املباشر وسالسته.‏

صورة ٧

عمل الفنان الكبير ضياء العزاوي،‏ ‏)بالد السواد(‏

الذي أنتجه ما بني األعوام -٢٠٠٧ ٢٠٠٦

هو عبارة عن مزيج من املواد املختلفة على

الكانفاس،‏ مع مجسم مقلوب رأسا على عقب

من الفيبرجالس.‏ وبالد السواد هذا هو عنوان

أرض العراق التي نعتت به خلصوبة أرضها

وكثافة أشجارها ونخيلها.‏ اال أن انها بعد زلزال

االحتالل،‏ حتولت من أرض خضراء خصبة إلى

للشخص مستمدا من شكل التماثيل السومرية

املتسمة بالسكون والوقار،‏ وبقلب هذا اجلسد

يضاعف الفنان القيمة التعبيرية للعمل الفني من

جهة كونها توصيل ملعنى السقوط واملوت.‏ يتميز

العمل كحال أعمال الفنان االخرى،‏ بصرامة

البناء وجمالية اإلنشاء.‏

صورة ٨

عمل الفنان صدام اجلميلي ميثل اخلسارة

واخلطر،‏ حيث نالحظ العالقة ما بني الفتى

اليافع الساهم واملستغرق فيما يشبه حلم اليقظة

جالسا بهدوء قرب جردل مطلي باللون االحمر،‏

لذي أنتجه عام ٢٠١٠ واملصنوع من مواد مختلفة،‏

مفهوما كابوسيا مرعبا اضافة الى مفارقة تتمثل

يف اختزال إنسانية اإلنسان عن طريق الترقيم،‏

فينتفي االسم وتنتفي الصورة،‏ ورمبا حتى

اجلسد،‏ ليبقى املشهد الكئيب للوح أبيض فارغ

إال من رقم يتيم،‏ وتتعدد يف هذا العمل األلواح

يف نسق شبيه بنسق توزيع شواهد القبور االنيق.‏

نواجه هنا صرامة عالية يف توزيع الشواهد،‏ يف

حني تستعرض مخيلتنا يف الوقت نفسه،‏ مشهدا

اخراً‏ تلعب فيه الفوضى والدمار و االضطرابات

والبلبلة أدوارها املغايرة واملختلفة مقارنة باملشهد

املرتب ترتيبا جيدا كما يقدمه عمل الفنان.‏ ثم

أرض جرداء،‏ تعاني من اجلفاف والتصحر،‏ لقد

قلبت رأسا على عقب،‏ هي وساكنيها وحولت الى

أرض الزرع فيها والى مرتع للصراعات الدولية

ولصوص النفط والنزاعات الطائفية.‏ ومازالت

األقطاب املتنازعة تزحف لتدمر كل جميل يف

املنطقة.‏ لقد زاوج العزاوي فن ‏)االوبجكت(‏ مع

اللوحة فحقق بذلك نوعني من البث،‏ أحدهما

سطح ذو بعدين مع عمل نحتي بأبعاده الثالثة،‏

وصعد من قيمة التضاد ما بني املساحة السوداء

املظلمة واملجسم النحتي بإضاءته القوية،‏ مما

عزز من قوة التعبير،‏ إضافة إلى وجود تنويع يف

حساسية املفردات،‏ حيث ميثل السلك الشائك

خطاً‏ رهيفا يخترق مساحة اخللفية السوداء،‏ ويف

عني الوقت ال يتخلى عن صفته كسلك شائك

يوحي باخلطر والقسوة،‏ ويأتي اجلسد املقلوب

والطالء االحمر هنا ميثل دالة رمزية حتيل إلى

استخدامه يف عمليات اإلطفاء،‏ فهو إذن اشارة

خطر ودمار وفناء.‏ يستحضر اجلميلي من خالل

هذا العمل ذكريات الطفولة املشبعة باخلوف

والرهاب،‏ هي إذن

مهمومة وموسوسة،‏ رمبا عاشها الفنان ذاته،‏ إال

أنها،‏ ومن غير شك متثيل ملعاناة شريحة كبيرة

من اطفال العراق،‏ يتميز هذا العمل ايضا بانه

يشكل محاولة من قبل الفنان لتجاوز الصيغ

التعبيرية املكررة أحيانا يف النحت العراقي

للوصول الى منط جديد ذي حلول تقنية وتعبيرية

جديدة.‏

صورة ٩

يطرح العبيدي يف عمله ‏)النهاية بصفة رقم(‏

ذهب ايضا الى تصعيد املفارقة وقسوتها بوضع

املشهد داخل صندوق شفاف وقاعدة انيقة وهو

مايشبه االنتيكات اجلميلة احملكمة الصنع.‏

صورة ١٠

عمل الفنان كرمي رسن ‏)الدميقراطية اجلديدة(‏

والذي أنتجه عام ٢٠٠٩ بقياس:‏ ٩ . ٢٢ . ٣٧

سنتمتر يتكون من صندوق خشبي ذو غطاء

متحرك ‏)ساليد(،‏ جند يف داخله أفواه مفتوحة

بأشكال مختلفة مصنوعة من مادة اخلشب وملونة

مبادة األكريليك،‏ حول رسن األفواه البشرية

إلى ‏)أشياء(‏ تشبه قطع لعب االطفال،‏ او قطع

لعبة الدومينو،‏ وما يعزز ذلك التشبيه هو انها

مركونة يف صندوق ذو شكل قريب من صناديق

لعبة الدومينو،‏ هي أفواه مفتوحة متخذة لشكل

98


البث،‏ يفتح باب التأويل بسبب غموض الصيغة

العالئقية بني مفرداته.‏

صورة ٥

عمل الفنان نزار يحيى عبارة عن رحى صنعت

من عجينة الورق األبيض التي اضاف عليها

املسامير ووضعها على قاعدة خشبية.‏ والرحى

هذه االداة التي كانت تستخدم يف املنازل

لطحن احلبوب،‏ يختار لها يحيى املسامير

بدال من احلبوب؟ نعم،‏ لقد كان الدقيق مليئا

بنشارة اخلشب واحلجر وشوائب أخرى

يصعب مضغها.‏ ‏“ال يعلم بهذا إال من عاش

يف العراق يف فترة احلصار”.‏ ويقصد يحيى

هنا احلصار الدولي الذي نص على إقرار

عقوبات اقتصادية على العراق واستمر ملدة

ثالث عشر عاما ليتوج فيما بعد باحتالل

العراق.‏ ذاق الشعب العراقي فيه االمرين

وتويف مليون ونصف طفل بسبب نقص االدوية

واحلرمان من أبسط مقومات احلياة.‏ كان

يقال إن كل املواد الغريبة ميكن أن جتدها

يف الدقيق،‏ ولهذا استخدم يحيى املسامير

مصعدا بهذا العمل صورة املأساة.‏ اال ان املناخ

الذي مت انتاج هذا العمل فيه،‏ هو ايام احلرب

االهلية العراقية الطاحنة التي استنزفت أرواح

الشعب العراقي،‏ وسحقت امنيات اجياله

كما تسحق املجرشة او الرحى احلبوب بني

حجارتني مستديرتني تركب احدها االخرى.‏

أكانت الرحى متثل،‏ ياترى الطرفني احملليني

املتنازعني اثناء احلرب االهلية الطائفية،‏ ام

القطبني الدوليني الذين ساهما بشكل مباشر

وغير مباشر بإشعال فتيل هذه احلرب؟

صورة ٦

عمل الفنان غسان غائب،‏ قدم يف معرض

مشترك مع الفنان نزار يحيى يف غاليري البارح

عام ٢٠٠٧، وهو مبثابة مقابلة ما بني العمل

الشعري متجليا يف نص قصيدة محمود درويش

التي يستلزم فهمها املرور بعملية تأويلية للنص

الشعري،‏ يف حني جلأ الفنان غائب الى تعمد

استخدام رموز تتميز باملباشرة والبساطة:‏ آلة

الطابعة،‏ أسالك شائكة،‏ ورقة مع نص قصيدة

درويش مكتوبة باليد و ملونة باألحمر،‏ وهذا

األخير سيمثل بالطبع اشارة واضحة الى لون

الدم النازف،‏ وهي متثالت شائعة وشعبية من

السهل التعرف على مغازيها.‏ ولكن ما هو ممتع

وجديد يف العمل يف احملصلة النهائية هو كونه

يتوجه الينا بوجهني:‏ أحدهما يستلزم ملكة

التأويل ودرجة من حساسية االستقبال الشعري

صدام اجلميلي،‏ غير مؤرخ

مواد مختلفة.‏ * ٣٥ ١٣ * ١٧ سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

غالف دليل معرض ( وطني(‏ اول معرض

عراقي لفن االوبجكت.‏ ٢٠١٠

97


البيئة االسكندنافية،‏ وال يلتزم بصفات املنظر

املديني الواقعي فتبدو البيوت متخذه ألنفسها

مواضع منتسبة إلى مناخ الصورة الشعرية،‏

فلم يلزمها الفنان بالوقوف على قواعدها

املعتادة على االرض،‏ بل جعلها حتلق يف عدة

جهات من احليز الفضائي للعمل،‏ ضمن

فنطازيا خيالية،‏ ورمبا أراد الفنان احالتنا الى

الالستقرار او الالثبات.‏ يتميز العمل باعتماد

األشكال الهندسية امللونة،‏ اختار لها الفنان

تضادا لونيا حادا معتمدا بالدرجة األولى

على قوة سطوع األلوان .. يجمع العمل مابني

اخلطوط املستقيمة واخلطوط املنحنية معززة

باستخدام الزوايا احلادة،‏ حيث تساهم يف

منح العمل بنية هندسية مقابل بنية عضوية

نتحسسها يف األشكال اللينة املنحنية للصخور

البيضاء املوزعة يف املجال أو احليز اخلاص

بالصندوق،‏ للعمل مالمس سطوح متباينة،‏

أجنز بصيغة النحت الناتئ وبتقنية الكوالج.‏

صورة ٤

صنع الفنان عمار داود صندوقا خشبيا،‏ مع

مواد مثل:‏ اجلبس،‏ عجينة الورق،‏ أسالك

مغطاة بقماش،‏ الوان مائية،‏ واكريلك ابيض.‏

وهو عبارة عن ثالثة مفردات متوزعة داخل

صندوق،‏ تقف اشكالها مابني حدي الشكل

العضوي ‏)اشالء جسد انساني،‏ شكل بيضة

حشرية او شرنقة(‏ ومابني الشكل التجريدي

الصرف.‏ موصولة ببعضها بواسطة سلك،‏

بطريقة تذكرنا بالتوصيالت يف االجهزة

الكهربائية القدمية،‏ العمل يستمد تعبيريته

من االيحاء وحده،‏ دون االشارة املباشرة الى

مضمون واضح املعالم،‏ فهو عمل كعادة

داود - ال يقدم سردا أدبيا وال طرحا مباشرا،‏

ان عمله هذا،‏ اشبه مبوضوعات اخليمياء

والسحر،‏ فاالشياء هنا تعمل ضمن مبدأ وحدة

وجود املوجودات،‏ من حيث توافرها على ذات

املواد االولية التي صنعت منها،‏ وكأنها بذلك

جتليات مختلفة لتلك املواد ذاتها.‏ لكن العمل

هنا يقدم ايضا التباسا يف الهويات،‏ فاألشياء

فيه توحي - رغم اشتراكها بعناصر بنائية

موحدة - بأنها تنتسب الى مصادر متباينة

ليست سهلة التحديد.‏ والعمل بهذه الصيغة يف

96


غسان غائب

مواد مختلفة

مجموعة خاصة،‏ لندن

ضياء العزاوي،‏ بالد السواد،‏ رقم ٥

مواد مختلفة على القماش ٠٧-٢٠٠٦

مجموعة عبد املجيد بريش،‏ ليبيا

95


هو الرقم األقرب الى املنطق،‏ كل منا يعد

سنينه،‏ وحامت يبشرنا بخمسني عام.‏

صورة ٢

عمل الراحل الفنان الكبير رافع الناصري،‏ هو

أحد أعمال سلسلة كُرّست لبغداد بعد احتالل

عام ٢٠٠٣، بعنوان ‏)تكوين جتريدي(،‏ استخدم

فيه الفنان مواد مختلفة على خشب.‏ وهو

كغالبية أعماله التي تطغى عليها احتفالية من

األلوان وحروف واشارات.‏ ويتشح هذا العمل

باللون االحمر املطعم باللون الذهبي على خلفية

بنية داكنة،‏ تنتظم يف تكوين محكم يتوافر على

أجواء تتسم بغنائية أخاذة تزيدها احلروف

العربية سحرا مليئا بالذكريات العتيقة.‏ يستعيد

الناصري كلمات ‏)يتيمة(‏ ابن زريق البغدادي

‏.)أستودع اهلل يف بغداد لي قمرا،‏ بالكرخ من

فلك األزرار مطلعه.‏ ودعته وبودي لو يودعني،‏

صفو احلياة واني ال اودعه(.‏ ثمة مايشبه

جدران متاكلة الزقة قادمة من الزمن البعيد،‏

أسائل نفسي:‏ هل هي احدى البوابات التي

بنيت على اسوار املدينة؟ لتحمي رمبا قمر

الناصري الذي استودعه يف بغداد؟ خليط من

مواد مجتمعة يف تكوين يستدعي القلق ويثير

االنتباه ويؤجج احلنني ثم يجلب الدفئ القادم

مع سحابة من حزن نامت على بوابة الوطن،‏

أنه عمل يلوذ بتاريخ مدينة نهبت واغتيلت الف

مرة ومرة،‏ ويروي أسراره لألجيال التي ستفك

طالسمه،‏ أرى أن ثمة قلب نازف تقاسم مع قلب

ابن زريق عشق احلبيبة،‏ واطالل حائط كتبت

له حياة بعد الطوفان.‏ واسمع عمل الناصري

وهو يهمس ان التطرقوا االبواب ... وال حتاولوا

فتحها خلسة،‏ فالبوابات أغلقت من غير رجعة.‏

صورة ٣

صندوق للفنان علي جبار وهو تكملة لسلسلة

أعمال مقترحة يف مكان افتراضي بدأ بها يف

الدمنارك 1998، استخدم يف هذا العمل مادة

اخلشب والورق والكارتون،‏ يستعرض مشهد

منزل بسيط مختزل بارتفاعات مختلفة.‏

وسلم ثم كتل بيضاء يشير بها الى براعم تنمو

حتت طبقة اجلليد.‏ العمل يستمد سحنته من

94


أن تثير حفيظة املجتمع.‏ ورغم كل هذا وذاك

يظهر الفنان العراقي كواحد من أهم فناني

‏)األوبجكت(‏ يف املنطقة العربية،‏ فقد استطاع

تطوير قدراته وأعماله رغم املعوقات.‏

االوبجكت العراقي:‏ منتخبات

صورة ١

الفنان سامر أسامة حامت الذي غادر الوطن

متوجها الى عمان ومن ثم الى ارض اغترابه

احلالية نيوزيلندا.‏ درس فن الطباعة يف معهد

للفنون اجلميلة ثم أكمل دراسته يف املاجستير

يف جامعة اوكالند.‏ عمله الفني والذي أطلق

عليه اسم ‏)عمق غامض(‏ يتكون من صندوق

خشبي مطلي بلون واحد،‏ وهو لون رمادي

غامق مصنوع من مادة اجلرافيت،‏ مع تثبيت

لعناصر العمل مبادة الغراء.‏ ينسب الفنان

حامت موضوع هذا العمل الى مدرجات املعابد

السومرية واالشكال الهرمية لهذه البنايات

الدينية،‏ الشكل املركزي للعمل متماثل وهو

عبارة عن أشكال مستطيلة متداخلة ومتكررة،‏

تتصاغر شيئا فشيئا الى ان تصل الى نهاية

العمل التي يخيل لي أنها قطعت من املركز.‏ ما

نراه أمامنا هو اجلزء الغامض كما اسماه حامت

أما اجلزء اآلخر فهو ما يحل باقي االحجية.‏

كنت اتابع العمل كلعبة ‏)الالبيرنث(‏ أو املتاهة

املبنية على األساطير القدمية،‏ مثل البابلية

واالغريقية.‏ يبدو لي العمل كما لو كان اجلزء

املقتطع خلريطة مفترضة ال هدف لها سوى

التيه والشتات.‏ لدينا اربع او خمس مسارات

أو متاهات او بوابات.‏ مباذا يبشر حامت ؟ اهي

سنوات التيه إذن؟ فمن غير املمكن أن نعود من

التيه بعد خمس سنوات،‏ وقد مرت العشرات

والزلنا هناك يف البالد البعيدة.‏ الرقم خمسون

عمار داود،‏ مواد مختلفة على ٢٠١١

مواد مختافة * ٦٦ ٤٣ * ١٦ سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

نزار يحيى،‏ رحى ٢٠٠٩

مواد مختلفة،‏ * ٣٣ ٥٠ * ٥٠ سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي،‏ الدوحة

93


فناني احلداثة،‏ وأصيب جماعة منهم باإلعاقة،‏

بينما فر آخرون خارج البالد التي حتولت

إلى كوابيس مليئة مبناظر اجلثث يف الشوارع

والبنايات املهدمة واملدن التي أصبحت بؤراً‏

للبؤس واألوبئة،‏ فصارت أرواحهم يائسة

وعدمية وكئيبة تنتظر مستقبالً‏ مجهوالً.‏ ثم

ضاعت أحالمهم،‏ وراحت رائحة املوت وأشباح

رفاقهم املوتى وظالل احلروب الثقيلة تالحقهم.‏

وما أشبه املاضي باحلاضر...‏ فما الفرق بني

ما ذكرته عن معاناة الفنان األوروبي بسبب

احلربني العامليتني،‏ وما سأكتبه عن معاناة

الفنان العراقي؟ وأي قدر أعمى عاد ليبسط

بظالله الثقيلة على أرواح الفنانني العراقيني؟

فالظروف هي ذاتها مهما كانت أشكالها.‏

واحلرب هي احلرب على رغم تباين الرقع

اجلغرافية وترامي األزمان.‏ فقد خيّمت ظالل

احلربني على أعمال الفنان األوروبي،‏ إال أنها

استفزت فيه كل الطاقات الذهنية والنفسية

الكامنة،‏ وفجّ‏ رت القدرات املطمورة واستنهضت

الطاقات اخلاملة للعمل يف مشروع مشترك

كبير كانت الغاية منه إعادة تأهيل ثقافة

املجتمع األوروبي والنهوض به من جديد.‏

إن تقنية ‏)التجميع(‏ يف عمل ‏)األوبجكت(‏ رمبا

كانت نتيجة صور مخزونة يف الذاكرة عن أكوام

األجساد البشرية،‏ وركام املباني املتشظية،‏

وتناثر األشياء املختلفة،‏ حيث اجلميع مستهدف

بشكل عبثي.‏ ورمبا كان خيار رفض العالم

الواقعي وإعادة صياغته ضمن أحياز خيالية،‏

حالً‏ فتح أمام الفنان آفاق احلرية،‏ فراح ينتج

أعماالً‏ ذات صور مركبة

وأشياء مهملة وعناصر

مختلفة تتخللها روح

املرح الطفولي والدعابة

السوداء والعبث.‏

كان الفنانون الشباب

يعكسون خيبة آمالهم

بإنتاج أعمال غير

هادفة وال غاية لها

سوى التجميع.‏ إال أن

عدم وجود هدف هو

بحد ذاته كان الهدف.‏

لقد تباين شكل التعبير:‏

فمن الروح الباردة

امليكانيكية،‏ إلى أحالم

يقظة،‏ ثم كوابيس

وإيحاءات جنسية،‏

ودعابة وتركيبات

غريبة...‏ إلخ .

لنعد اآلن إلى فن

‏)األوبجكت(‏ العراقي.‏

فاملناخ املشحون باخلسارات والتيه هو ذاته بعد

حرب تلت أخرى ثم أخرى،‏ فضالً‏ عن مسرح

النزاعات املافيوية الدولية،‏ وما أفرزته من

تداعيات مدمرة لإلنسان العراقي.‏ لم يختلف

كثيراً‏ فنانو الشتات عن فناني الوطن املنكوب.‏

كالهما يشعر باخلذالن واليأس،‏ حاملني

آلالم املاضي وقلق احلاضر ورهاب املستقبل.‏

مئة عام تفصل ما بني زمن رواد ‏)األوبجكت(‏

األوروبيني وزمن الفنانني العراقيني.‏ والفارق

كبير ما بني الظروف واإلمكانات التي أتيحت

للطرف األول وحرم منها اآلخر.‏ لم حتتضن

مدينة يف العالم العربي أو الغربي الفنان

العراقي كما احتضنت مدينة الفن والثقافة

باريس الفنان األوروبي،‏ ومن بعدها جاءت

نيويورك.‏

وال أظن أن الفنان العراقي املعاصر اليوم

يحظى مبتعة اجللوس يف مقاهي ثقافية

تشبه تلك الباريسية أو غيرها.‏ ولم تواتِه

الفرص حلضور اللقاءات املهمة مع أهم وأملع

الشخصيات يف األدب والفن والفلسفة كما كان

يفعل الفنان األوروبي.‏ لم تدعم أي دولة من دول

العالم الفن العراقي اجلديد،‏ وأغلب النشاطات

كان مببادرات من أفراد وليس من مؤسسات.‏

وكذلك غياب مشهود للعنصر النسوي،‏ واستتار

لدورها املكمل الذي كان لها أن تلعبه يف مسيرة

التطور الفني وتالقح األفكار.‏ هذا باإلضافة

إلى القيود الدينية والعادات االجتماعية

واألعراف والتقاليد املفروضة،‏ والتي حتول دون

اإلفصاح عن الكوامن الداخلية التي ميكن لها

92


وقد أكد الناقد الفني البريطاني

هربرت ريد أن جميع األعمال

السريالية كانت متثل فكرة.‏ بينما

ذهب الفنان سلفادور دالي إلى ‏"أن

للبعض منها وظيفة رمزية".‏ ومهما كان

الرأي،‏ فإن ‏)األوبجكت(‏ كعمل فني،‏

ما هو إال محاولة للخوض يف غمار

البحث عن شيء ما مدفون يف دواخل

الفنان.‏ وخير مثال على ذلك ‏)تلفون

السلطعون أو جراد البحر(‏ الذي

صنعه دالي العام ١٩٣٨، حيث اقتران

عنصرين غير متماثلني وال يرتبطان

ببعضهما البعض يف شكل جامع لهما،‏

أطلق عليه يف البداية اسم ‏)الهاتف

املثير للشهوة اجلنسية(‏ ثم نسب إلى

نظريات فرويد عن األحالم بعد ما

عرف عن خوف دالي وهوسه وقلقه

من حيوان السلطعون.‏ وعلى كل حال،‏

كان دالي شخصاً‏ مرحاً،‏ وال شك يف

أن عمله هذا لم يخلُ‏ من مزاج املرح

املعتاد عنده.‏

أخيراً،‏ ويف هذه اللمحة التاريخية

التي حاولت أن أتتبع من خاللها

التطور الذي حصل على معنى النحت،‏

وحتول بعض أشكاله إلى ما يدعى

اليوم ‏)األوبجكت(،‏ أريد أن أشير إلى

عمل ‏)الرأس امليكانيكي(‏ لألملاني

هاوسمان حيث صياغة فكرة استعباد

األجهزة امليكانيكية لإلنسان وقيود

املادية يف ذلك العصر.‏ وكذلك الفنان

األميركي روشنبرغ ‏)املنوغرام(‏ الذي

أعاد به صياغة املنجز الدادائي

بصورة معاصرة وأكثر حرية إبداعياً‏

من ناحية احللول التقنية،‏ عندما مزج

عنصر الصباغة ‏)الرسم أو التلوين(‏

على سطح ثنائي األبعاد،‏ معززاً‏

بأشكال ناتئة مع شكل مجسم هو إطار

السيارة،‏ وآخر هو جسم محنط لعنز.‏

رمبا أن فكرة االستفزاز أو السخرية

أو اإلشارة إلى الغرائز هي الغاية من

هذه األعمال الفنية،‏ إال أن روح عصر

إنتاج هذه األعمال وسيكولوجية الفنان

هما الفيصل يف النهاية.‏

إن احلربني العامليتني األولى والثانية

اللتني قتل بسببهما العديد من جيل

91


رافع الناصري ٢٠٠٣

مواد مختلفة،‏ * ٣٠ ٤٠ * ٦ سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

علي جبار ٢٠١٢

مواد مختلفة،‏ * ٣٠ ١٥ * ٦ سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

واألب الروحي للحركة السريالية أندريه بريتون

‏)اإلفطار يف الفراء(.‏ وعلى الرغم مما صرّحت

به الفنانة مراراً‏ وتكراراً‏ بأن هذا العمل كان

مجرد دعابة،‏ إال أن بريتون أصر على اعتباره

أحد األعمال السريالية املهمة املليئة باإليحاءات

اجلنسية املنسوبة إلى النظرية الفرويدية،‏ والتي

أشار إليها يف ثالثة من بحوثه عن النظرية

يف اجلنس،‏ وأن قطعة الفراء هذه تشير إلى

العضو األنثوي لألم،‏ والعالق يف ذاكرة الطفل

الذكر.‏ لقد كان بريتون يجيد توظيف اللعب

واملرح واالستفزاز يف أعمال الفنانني السرياليني

إلعادة كتابة تاريخ الفن احلديث،‏ األمر الذي

فتح باب التأويل للجمهور الذي بدوره اعتبره

كأحد االقتباسات املازوخية التي تشير إلى

الرواية اإليروتيكية الشهيرة ‏)فينوس يف الفراء(‏

للكاتب النمساوي ليوبولد ساشير ماسوخ ‏)العام

١٨٧٠( والتي تتحدث عن العالقات الغريبة

املتشعبة بني الذكر واألنثى.‏

أما ‏)مالك الفوضى(‏ للفنانة السريالية إيلني

أغار التي تنتمي إلى جيل احلرب العاملية

الثانية،‏ فكان عبارة عن رأس من اجلبس مغطى

باملواد واألشياء التي مت العثور عليها مثل قماش

احلرير املطرز والريش وقشور البحر واخلرز

األفريقي وأحجار املاس.‏ بعض هذه العناصر

يشير إلى مالمح الوجه،‏ وبعضها اآلخر كان

مجرد ملحقات زخرفية أو مجوهرات.‏ وميكن

أن يكون الريش عبارة عن خصالت من الشعر

أو جزء من غطاء الرأس.‏ ويعمل النسيج

املنقوش مبثابة جلد للوجه املعصوب العينني،‏

والذي ميثل على حد قولها عدم اليقني من

املستقبل.‏ بينما اعتبره النقاد إحدى إشارات

اإلغواء واخلضوع.‏ ويبدو جلياً‏ أن أغلب أعمال

الفنانات السرياليات قد متت نسبتها إلى

اإليحاءات اجلنسية على الرغم من معارضة

بعضهن لذلك.‏ ورمبا كان هذا بسبب مكانة

املرأة يف املجتمع آنذاك.‏

90


لعل من املهم هنا أن نفهم كيف يتوصل الفنان

إلى اختراع أعماله الفنية من خالل شرح

تفاصيل ما كان يقف خلف إجناز عمل ‏)فنجان

مغطى بالصوف(.‏ ففي العام ١٩٣٦ جلست

النحاتة السويسرية السريالية ميريت أوبنهامي،‏

ذات الثالثة والعشرين ربيعاً،‏ حتتسي القهوة

مع الصديقني املقربني بيكاسو والفوتوغرافية

السريالية دورا مار يف أحد مقاهي باريس،‏

مرتدية سواراً‏ نحاسياً‏ مغلفاً‏ بالفراء،‏ األمر

الذي أثار إعجاب بيكاسو ودورا مار.‏ ثم انتبهت

أوبنهامي إلى أن فنجان القهوة قد برد،‏ فطلبت

مازحة من النادل أن يجلب لها مزيداً‏ من الفراء

لتدفئته.‏ وقبل تركها املكان،‏ قالت مازحة:‏ ‏"كل

شئ قابل للتغليف بالفراء".‏ ثم توجهت بعدها

إلى متجر واشترت فنجاناً‏ وصحناً‏ وملعقة

وفراء غزال لتصنع منه مجسمها ‏)فنجان مغطى

بالصوف(،‏ وهو العمل الذي أطلق عليه الشاعر

سامر اسامه ٢٠١٢

مجموعة خاصة،‏ لندن

ملصق معرض ( وطني(‏

اول معرض عراقي

لفن االوبجكت.‏ ٢٠١٠

89


وقصاصات الصحف وأوراق اللصق على

اجلدران واحلبال وغيرها من املواد.‏

برزت يف هذه املرحلة ثالث تقنيات مختلفة هي

النحت والرسم والكوالج،‏ مما أدى إلى االقتراب

أكثر من فكرة ‏)األوبجكت(‏ متمثلة مبنحوتات

التكعيبية القائمة على مبدأ التجميع باستخدام

مفردات تعود إلى مصادر مختلفة.‏ ولعل

إضافة براك وبيكاسو لورق اجلرائد ‏)احلروف

والكلمات(،‏ واستعمال عجينة الرمل مع الصمغ

ووضعها على السطوح الثنائية األبعاد،‏ كانت

مبثابة فتح جديد يف عالم اللوحة من جهة نقلها

إلى سياقات تقنية جديدة.‏ وكذلك كان احلال

مع أعمال لبيكاسو مثل الغيتارات،‏ الرؤوس

اإلنسانية،‏ الطبيعة الصامتة وغيرها،‏ املصنوعة

من اخلشب والصفائح املعدنية والورق املقوى

والصمغ واألسالك املعدنية واحلبال والدبابيس،‏

إذ أدت إلى ثورة تقنية واسعة يف مجال النحت

وتغيير مسلماته.‏

ومن اجلدير بالذكر أن مجسمات نحتية

لبيكاسو مثل:‏ ‏)غريبو األفريقي(‏ وكذلك

‏)احلياة اجلامدة(‏ العام ١٩١٣، واحملفوظة

حالياً‏ يف متحف ‏"التيت احلديث"‏ يف لندن،‏

تعتبر أول أعمال ‏)األوبجكت(‏ احلديثة.‏ فقد

صنع ‏)احلياة اجلامدة(‏ من اخلشب املطلي

وهامش املفروشات ‏)الدانتيل(،‏ إضافة إلى

اثنتي عشرة قطعة من خشب الصنوبر واحلور،‏

ثبتت جميعها وألصقت معاً،‏ لتصنع طاولة أو

خزانة جانبية صغيرة وضع الفنان عليها سكيناً‏

وقطعتني من اخلبز مع شريحتني من النقانق

وكأس للشراب،‏ ثم غطيت الطاولة باملفروشات.‏

لقد عرضت أربعة من أعمال بيكاسو هذه يف

مطبوع منشورات الطليعة ‏)أمسيات باريس يف

١٥ نوفمبر من العام ١٩١٣، العدد ١٨( ضمن

صفحة جتمع الفنان والشاعر والناقد الفني

الفرنسي فيلهيلم كوستروفيسكي املقرب من

بيكاسو،‏ مما أحدث ضجة واحتجاجات واسعة

حول تصنيف وجودة العمل الفني،‏ وحقيقة ما

إذا كان املعروض من أعمال فنية هو حقيقي

أم مجرد خدعة!‏ وعند سؤال بيكاسو عن هذا

احلدث،‏ ردّ‏ قائالً:‏ ‏"إننا نسعى بدورنا خللق

فن الرسم والنحت من جديد،‏ خالٍ‏ من طغيان

العادات القدمية".‏ ‏)من منشورات التيت،‏

.)٢٠٠٩

أما الفنان الفرنسي األميركي مارسيل

دوشامب،‏ فقد قدّم يف العام ١٩١٣ املزيد من

األعمال الفنية ‏)جاهزة الصنع(،‏ والتي جلبها

من غير إحداث أي تغيير فيها،‏ مبقياً‏ فقط على

وضعها ضمن سياق آخر ‏)عرضها باعتبارها

مناذج فنية(،‏ إذ لم يكن يف خياره هذا غير

احليادية،‏ فال مهارات وال آليات إبداع وخلق.‏

إنضم دوشامب إلى احلركة الدادائية،‏ ويف

العام ١٩١٧ اشترك يف املعرض السنوي

األول جلمعية الفنانني املستقلني يف نيويورك،‏

حيث مت عرض أحد أعماله الشهيرة بعنوان

‏)النافورة(‏ وحتت اسم مزور.‏ فقد تعمّد الفنان

إخفاء هويته،‏ رمبا لعدم يقينه بالنتائج النهائية

املرجو حتقيقها.‏ وكان العمل عبارة عن مبولة

مقلوبة ٩٠ درجة،‏ أعاد فيه صياغة الوظيفة

والسياق،‏ ليتحول فيما بعد إلى واحد من

أهم األعمال التي القت ضجة كبيرة وأثارت

اجلمهور آنذاك.‏ لم يكن دوشامب حيادياً‏ هنا،‏

وإمنا انتقل إلى مرحلة تغيير السياق واستفزاز

املتلقي.‏ فبهذا العمل والتداعيات التي جاءت

بسببه،‏ واملناخ الثقايف العام الذي أحاطه،‏

وبسبب تغيير عنوان العمل،‏ مت طرح معنى

جديد وتأسيس مفاهيم جديدة مستمدة من

معنى استخدام اخلامات اجلاهزة وآفاق هذا

االستخدام فيما بعد.‏

استهوت فكرة إعادة صياغة األعمال اجلاهزة

الفنان األميركي مان راي الحقاً.‏ ويف يوم

افتتاح معرضه الشخصي األول العام ١٩٢١

يف باريس،‏ جلس يف مقهى مع صديقه امللحن

إريك ساتي الحتساء قدح من القهوة قبل

الذهاب إلى املعرض.‏ ويف طريقهما،‏ قرر

مان راي الدخول إلى متجر ألدوات البناء،‏

ومبساعدة الصديق الناطق بالفرنسية استطاع

مان راي الذي كان ال يجيد الفرنسية شراء

غراء ومكواة ومسامير لصنع هدية لصاحب

الكاليري.‏ وكنوع من الدعابة،‏ صنع مان راي

العمل الذي أسماه ‏)الهدية(‏ يف ذات املكان

الذي عرض فيه.‏ لقد عطل مان راي،‏ بعمله

هذا،‏ الوظيفة األساسية للمكواة وذلك عن

طريق إضافة أربعة عشر مسماراً‏ ألصقت يف

منتصف سطح املكواة بشكل عمودي من األعلى

إلى األسفل.‏ فبدالً‏ من تعديل القماش عن

طريق ضغط املكواة،‏ تقوم املسامير اآلن مبهمة

التخريب والتمزيق.‏ وبهذا،‏ حوّل الفنان واحدة

من األدوات املهمة لالستعمال اليومي إلى شيء

غريب مخرب ومدمر.‏ كان ملجسم ‏)الهدية(‏

صدى أوسع من باقي أعماله التي كانت عبارة

عن لوحات وتخطيطات وكوالج.‏ إال أن العمل

اختفى أو سُ‏ رق بعد نهاية املعرض،‏ وأعاد مان

راي صناعة العمل يف ١١ نسخة ما بني ستينات

وسبعينات القرن العشرين.‏

للعمل هذا دالالت إيروتيكية أيضاً.‏ ففي

إحدى املرات قال مان راي:‏ ‏"بإمكاننا أن نقطع

أي فستان إلى شرائط،‏ وإنه ذات مرة كان قد

فعلها وطلب من فتاة ملونة يف الثامنة عشرة

أن ترتديه أثناء الرقص،‏ وظهر جسدها وكأنه

قطعة متحركة من البرونز.‏ لقد كانت حقاً‏

جميلة".‏ أما الشاعر السريالي الفرنسي آندريه

بريتون فقد نسب هذا العمل إلى النظرية

الفرويدية،‏ كما فعل أيضاً‏ مع مجسم ‏)فنجان

مغطى بالصوف(‏ للفنانة ميريت أوبنهامي.‏ وهي

فكرة فرويد التي أكدت على وجود غريزتني

ينطوي فيهما كل ما يصدر عن اإلنسان من

سلوك،‏ وهما غريزة احلياة وغريزة املوت.‏ حيث

تكون غريزة احلياة منشغلة بحفظ الذات،‏

يف الوقت الذي تعمل غريزة املوت على الهدم

والعدوان متوجهة أساساً‏ إلى الذات قبل أن

تنتقل إلى مواجهة اآلخرين.‏

88



جدي يف غابة،‏ املقبرة

‏.امللكية.‏ اور

٢٤٠٠-٢٦٠٠ ق.م

املتحف الربيطاين.‏ لندن

فن ‏)األوبجكت(‏ : حملة تأريخية

ومنتخبات من الفن العراقي

تغريد هاشم

‏)األوبجكت(‏ هو مجسم ثالثي األبعاد،‏ يتم

تلقيه باالعتماد على الزمن،‏ أي مبعنى احلركة

التي يقوم بها املتلقي حوله إلدراكه.‏ لكنه ليس

نحتاً‏ باملعنى التقليدي،‏ وهو األمر الذي خلق

مجموعة التباسات يف فهمه.‏ فقد مت من خالله

إعادة صياغة وعرض األشياء املهملة ‏)اخلردة(‏

واملنتهية الصالحية يف املنازل أو املعروضة يف

املتاجر بأسعار بخسة الثمن،‏ مما أثار حفيظة

اجلمهور وردود أفعاله التي اختلفت وتباينت

ما بني مشكك وغاضب،‏ بل وحتى الشعور

باخلديعة واإلحباط لدى البعض.‏ كل هذا

يستدعي منا أن نتناوله بنبذة تاريخية مقتضبة

وتعريفية.‏

إن فن النحت التقليدي - الذي يشترك مع

‏)األوبجكت(‏ بكونه مجسماً‏ أيضاً‏ - إلتزم بعملية

تشكيل املواد الصلبة مثل املعادن واحلجر

والنسيج والزجاج والشمع والطني واجلص

واملطاط…‏ إلخ عن طريق نحتها لتجسيد أجسام

نحتية سواء بالصب أو التشكيل املباشر،‏ وهو

احلال املعتاد للمنحوتات.‏ لكن هناك حلوالً‏

تقنية قامت باخلروج عن أطر هذا املسار

التقليدي.‏ وتعد منحوتة ‏)اجلدي السومري(‏

من ضمن األعمال األولى التي تبنت تقنية

النحت املطعم مبواد مختلفة.‏ ورمبا كانت هذه

التحفة النحتية النادرة،‏ التي يعود تاريخها إلى

- ٢٤٠٠ ٢٦٠٠ قبل امليالد،‏ والتي صنعت من

مواد مختلفة:‏ أوراق الذهب والنحاس والصدف

والالزورد،‏ والفسيفساء من الصدف واحلجر

اجليري األحمر والالزورد،‏ أقول:‏ رمبا كانت

من الشواهد األولى يف تاريخ البشرية التي

اعتمد فيها النحات على استخدام مواد مختلفة

لتشكيل منحوتاته.‏

ومن الواضح أن الفنان منذ العصور التاريخية

األولى لم يكن مقيداً‏ بنمطية التقنيات التقليدية

السائدة،‏ وإمنا ظل تواقاً‏ إلى بث الروح يف

أعماله اجلامدة واستفزاز العقل املفكر.‏ ويف

أملانيا خالل القرن السادس عشر،‏ مت عرض

مجموعة من األشياء تنتمي إلى التاريخ

الطبيعي،‏ كمثل بقايا األعراق البشرية،‏ وآثار

دينية وتاريخية،‏ وأعمال فنية من احلجر،‏

أطلق عليها اسم ‏"خزائن العجائب"‏ أو ‏"غرف

العجائب".‏ وانتقلت تلك املعروضات من أملانيا

إلى اململكة املتحدة ثم إلى أميركا،‏ إذ استمرت

تعرض حتى مطلع القرن العشرين.‏ وكما يبدو

فإن هذه العروض ومثيالتها ألهمت فنان بداية

القرن املاضي إلى فكرة إعادة صياغة األشياء

التي يتم جمعها من داخل املنزل،‏ أو من محالت

بيع األشياء املستعملة،‏ ووضعها يف سياقات

جديدة ثم عرضها كعمل فني.‏

لقد استخدمت عبارة ‏"اللُقًى املكتشفة"‏ آنذاك،‏

وألول مرّة،‏ تعبيراً‏ عن األشياء التي متت إعادة

استخدامها،‏ لكن بعد حذف وظائفها النفعية

وعرضها يف سياق آخر ينتمي إلى عالم الفن.‏

ثمة عمل نحتي للفنان الفرنسي إدغار ديغا

صنعه بتجميع مواد مختلفة،‏ ميثل راقصة باليه

صغيرة أطلق عليه تسمية:‏ ‏)ذات األربعة عشر

ربيعاً(،‏ حيث استخدم يف إجنازه شمع العسل

امللون لبناء اجلسم والرأس،‏ ثم أضاف الطني

وحديد التسليح املعدني واحلبال والطالء،‏

وكذلك خصالت من الشعر البشري الفاحت

اللون على الضفائر الشمعية الداكنة اللون.‏

ثم استخدم احلرير،‏ وشريط الكتان،‏ والقطن

لتكملة باقي التفاصيل،‏ وألبسها ثوب احلرير

اخلاص براقصات الباليه واحلذاء املصنوع من

الكتان،‏ ليثبتها يف النهاية على قاعدة خشبية.‏

وبتجميع هذه املواد املختلفة،‏ بدا العمل ممتلكاً‏

خلصائص قريبة يف إيحاءاتها من التحنيط.‏

ورغم احلساسية العالية والواقعية اللتني متتعت

بهما أجزاء النحت هذا،‏ إال أن بعض اخلبراء

يف الفن صنّف هذا العمل ك ‏)ماكيت(‏ أو دراسة

لعمل مستقبلي لم يكتمل.‏

ومن ديغا إلى التكعيبيني،‏ وهم رواد فن

‏)األوبجكت(‏ بال منازع،‏ حيث أضافت أعمالهم

إلى حركة الفن العاملية شيئاً‏ جديداً.‏ إذ عمدوا

إلى حتليل مفرداتهم هندسياً‏ وتفكيكها،‏ ثم

إنتاجها بواسطة مواد مختلفة،‏ ناهيك عن

متثيلهم للموضوعات من عدة زوايا نظر

يف آن.‏ وهكذا كان احلال مع أعمال جورج

براك املعتمدة على تقنية اإللصاق ‏)الكوالج(،‏

والتي سعى نظيره بيكاسو من خاللها إلى

خلق توليفات جديدة ما بني اللوحة املرسومة

86


85


84


بعضها،‏ حیث اجنزت العمل من

غیر اجر،‏ ألن الهدف من العمل هو

السالم،‏ وعادت القطعة كاملة

مع ما طرا علیها من كتابات،‏ فلم

تكن هذه املرة مجرد خارطة للعالم

فحسب،‏ بل مع اثنا عشر كلمة

مضافة لها،‏ حدث هذا سنة 2004،

بعدها مت عرض هذا العمل،‏ من سنة

2005 والى سنة 2019 يف مشاریع

فنیة ومؤسسات تربویة يف عدد من

األماكن يف العالم.‏

الرسم وبقایاه

يف لقاء ثان قلت له:‏ انت رسام ایضا

یافاضل،‏ ال زلت ترسم،‏ الیس كذلك؟

فرد بنعم،ثم اردف:"ان جزءا من

هذه اللوحات عّ‏ رضته للتدمیر،انامن

الناس الذین یدمرون امسهم،‏ نادرا ما

احتفظ بعمل یستمر سنة او سنتنی،‏

اذا لم یتم بیعه،‏ اغیره،‏ واذا غیرته

یعني ذلك انني سارسم فوقه،‏ واذا لم

اقتنع مبا غیرته فیه،‏ ادمره،‏ ثم اجلأ

يف النهایة الى تقطیعه الى اجزاء

اصنع منها دفاترا،‏ افضل يف الرسم

األعمال ذات املناخ التجریدي".‏

احالمي قوضت حیاتي"‏

صنع فاضل عمال فنیا بواسطتنی

يف البث:‏ االولى هي جملة تقول:‏

‏"احالمي قوضت حیاتي"،‏ وهي

مقتطعة من سیاق رسالة شقیق الفنان

‏)احمد(،‏ الذي تويف عام 2006 اثناء

احلروب بسبب الصراعات الطائفیة

يف العراق،‏ جملة اخیه هذه،‏ صنعها

فاضل من انابیب النیون،‏ ووضعها

بجوار فیلم فیدیو ‏(الواسطة الثانیة)،‏

یستعرض الفنان من خالل هذا

العمل،‏ التغییرات الكارثیة التي حدثت يف العراق،‏

ویوضح فیه،‏ كیف تؤثر األنظمة احلاكمة على حیاة

الناس،‏ وكیف تقوم بتدمیر او اعاقة حتقیق احالمهم

انا من الناس اللذي يدمرون امسهم،‏

نادرا ما احتفظ بعمل يستمر لسنه

او سنتني.‏

وطموحاتهم اإلنسانیة.‏ یروي فاضل عالقته باخیه

مبرارة:‏ ‏"احمد،‏ كان اخر اخوتي،‏ التقیته عام 1993،

كان ذلك اللقاء يف اخر سفرة لي الى العراق،‏ بعدها،‏

بدء یتواصل معي عن طریق كتابة الرسائل،‏ طلب

مني ان اشتري له كمبیوتر،‏ فاشتریته له من عمان،‏

كان سعیدا جدا به،‏ فقد راى فیه وسیلة عظیمة

لتحقیق احالمه،‏ ثم كتب لي بواسطته رسالة

باالنكلیزیة،‏ شارحا كیف اثر فیه بشدة،‏ للحد الذي

جعله یكتب:‏ ‏"ان احالمي قوضت حیاتي"‏ وحدث انه

يف یوم اقترابه من هدفه بفتح محل كمبیوترات،‏

سقطت علیه شظیة قنبلة فأنهت حیاته.‏ اقمت فیما

بعد معرضا يف برلنی عن هذا املوضوع يف سنة 2011

واتفقت مع الصالة على عمل جملة ‏"احالمي قوضت

حیاتي"‏ التي وردت يف رسالته،‏ من انابیب النیون،‏

واصبحت ایضا عنوانا للمعرض.‏

••••

ولد ‏)فاضل(‏ يف العراق يف نوفمبر 1954، ولكن مت

تسجیل تاریخ میالده رسمًیا يف األول من كانون الثاني

‏)ینایر(‏ 1955. التحق مبعهد الفنون يف بغداد،‏ الذي

تخرج منه عام 1977. بعد اكمال دراسته يف اكادمییة

الفنون اجلمیلة يف فلورنسا،‏ بدا ممارسة عمله كفنان

يف بدایة الثمانینات،‏ ومنذ بدایة التسعینات،‏ انصرف

الى االهتمام باإلشكالیات االجتماعیة والسیاسیة

واالقتصادیة والبیئیة،‏ معتمدا على الصیغ املفتوحة

للحوار،‏ يف مسعى تقدمی شهادات بصریة ونصیة

تعمل على تفعیال ملتلقي باجتاه جعله مشارًك

ایًضا،یسترشد الفنان مبرجعیات مرتبطة بتجاربه

الشخصیة او محیطه العائلي والعاملي،‏ اضافة الى

املشكالت املتعلقة بوطنه األصلي العراق،‏ یتمیز

عمله باستخدام وسائط تواصل متنوعة،‏ متنقال

بحریة ما بنی الصور الفوتوغرافیة،‏ قراءة النصوص

او النصوص بحد ذاتها،‏ الفیدیو واألداء.‏ .

83


82


فنان لیعمل رمز للمؤمتر،‏ ‏"فكرت باألمر،‏ وقبلت

الدعوة بكل رحابة،‏ نظرت الى املواد الفنیة التي

كانت بحوزتي،‏ كانت ثمة قطعة قماش موجودة يف

مرسمي،‏ وقلت يف نفسي ناظرا الیها:‏ جاء وقتها

لصناعة عمل فني،‏ وهي قطعة منسوجة من الكتان،‏

‏َر ‏َسمت علیها خریطة العالم،‏ مستعمال مساحیق

األلوان مع القهوة،‏ وتلك االخیرة استعملتها مرارا

يف الرسم،‏ غطیت املساحات اجلغرافیة بورق

ذهبي،‏ وقبل ان تعرض يف صالة املؤمترات كانت

هناك مسیرة كبیرة شارك فیها عدد كبیر من

البشر،‏ اخلط األول منها سیمشي حامال صورة

العالم التي رسمتها،‏ خالل الثالثة ایام من استمرار

الفعالیة"‏ تعرف فاضل على اغلب املوجودین ومنهم

بوذینی واناس من جامعة تل ابیب وفلسطینینی

من رام ااهلل،‏ وجماعات من ادیان جنوب امریكا،‏

ومن روسیا وصربیا،‏ وعموما من مختلف البلدان.‏

‏"فكرت:‏ ان عملي هذا بعد انتهاء تلك الفعالیة،‏

سوف یلملم،‏ ثم یرجع لي ویحفض ویبقى على

رف االستودیو،‏ يف الیوم الثالث وانا منشغل

بعمل دراسات حتضیریة له،‏ خطرت لي فكرة،‏

قلت:‏ لم ال اقطعه الى اجزاء صغیرة،‏ واحصیت

عدد وفود املؤمتر وكان اثنا عشر شخصا،‏ ومن

ضمنهم وفد اجلهة املسیحیة التي استضافت

املؤمتر،‏ قلت القطعه الى 12 قطعة متساویة

واوزعها علیهم،‏ واطلب من كل وفد ان یأخذ

قطعة ویطلب من مواطنیه ان یكتبوا علیها كلمة

جمیلة بلغتهم األصلیة،‏ ثم یرجعوها لي.‏ حضت

الفكرة باملوافقة،‏ ويف الیوم الثالث التقینا،‏ وبدات

بقص االجزاء،‏ حددت طبعا مساحات االجزاء بقلم

الرصاص،‏ كل فرد حصل على قطعة فیها جزء من

خارطة العالم مع مكان ابیض فارغ،‏ وزعت العنوان

الذي سیبعثوا الیه تلك القطع"‏ كان فاضل متوجسا

من عدم رجوع القطع،‏ واعتقد انه قد غامر بعمله،‏

فلرمبا لن ترجع االجزاء املقتطعة،‏ ولكنه عزا نفسه

بأن ال اهمیة لألمر ان لم ترجع،‏ وبعد اربعة شهور،‏

جاءت اول قطعة من روسیا ومكتوب علیها كلمة )

(мир بالروسي وتعني سالم،‏ وجاءت بعد شهر

القطعة الثانیة من البوذینی وكتبوا كلمات تعني حب

وسالم،‏ بعد نهایة تلك السنة وصلت جمیع القطع،‏

حتى من األرض احملتلة واالسرائیلیون الذین كتبوا

ایضا عبارة بالعبریة ورسموا رمزا لتكاتف یدین مع

بعضهما،‏ تدعو الى السالم بنی الشعوب.‏ فیما بعد،‏

قامت سیدة من میالنو بخیاطة القطع مع

كنت اتكلم العربية ملدة ساعة او

ساعتني يف السنة الواحدة تقريباً‏

81


مقطوعة،‏ ومع ذلك كان اخلطاب بالنسبة له قد

وصل،‏ رغم امیاءة العنف التي فیه،‏ مع توافره

على عنصر جمالي يف ان.‏

االرض

‏"كنت رجال،‏ كنت صخرة كنت صخرة يف اإلنسان،‏

وانسانًا يف الصخرة كنت طائراً‏ يف الفضاء،‏

وفضاًء يف الطائر كنت زهرة يف البرد،‏ ونهراً‏ يف

الشمس"‏ من قصیدة لبول ایلوار

‏"يف احلدیقة العامة،‏ اخترت حفرة يف األرض كانت

تؤدي الى سلم من حجر تصل مدرجاته الى عشرین

درجة،‏ قلت للحاضرین:‏ سأعود الى جذوري يف األرض،‏

وهي جذورنا جمیعا،‏ كانت احلفرة مغطاة بأوراق

الشجر املبللة مباء املطر والتي ترالعضویةالقدمی،‏

ینشر يف الهواء رائحة نفاثة،‏ شممتها وغطیت بتلك

األوراق وجهي لثواني معدودات.‏ ثم دعوت اجلمهور

لالقتراب منها وشمها،‏ قلت لهم:‏ هذه هي حیاتكم...‏

هنا.‏ اسمیت هذا العمل باالملانیة:‏

( Erde )Von der اي ‏)من األرض(".‏ كان ذلك عمال

ادائیا قام به فاضل يف حدیقة عامة.‏

الغزو

‏"كانت امریكا تتهیأ للحرب ضد العراق،‏ يف شهر

فبرایر عام 2003، كان العالم یترقب احلرب بقلق،‏

نزلت املالینی من الناس الى الشوارع،‏ احتجاجا على

احلرب التي ستنشب،‏ يف تلك األیام،‏ اتصلت بفاضل

الكنیسة البروتستانتیة السویسریة،‏ قالوا له:‏ نحن

نعمل على اقامة مؤمتر عاملي يف مدینة لوغانو (

)Lugano من اجل تنبیه الناس للحرب التي ستنشب

ضد العراق،‏ ونحن متفقنی بذلك ایضا مع الكنیسة

الكاثولیكیة،‏ وسندعو مجموعات دینیة من كل العالم

للمشاركة مبمثلنی او وفود،‏ وسیجتمعوا ملدة ثالثة

ایام يف قصر الكونغرس يف لوكانو،‏ ونحتاج الى

80


الفنان.‏ فأجابني:‏ ‏"نعم،‏ انها التجربة الوجودیة للفنان

یا عمار،‏ كل شيء مهم،‏ ومن حلظة نزول الفنان الى

العالم،‏ وتداعیات حیاته كلها،‏ بعد هذا النزول.‏

تذكرت نص لسارتر،‏ وانا استمع ملا قاله فاضل لي

عن شخصیة الفنان:‏ ‏"ان اإلنسان كلیة،‏ ال مجموعة:‏

وانه نتیجة لذلك،‏ یعبر عن نفسه بكاملها،‏ باتفه

سیرة من سیره وبأكثرها سطحیة،‏ وبتعبیر اخر،‏ ما

من ذوق او رنة او فعل انسانینی ال یكون ینم عن

شيء"‏

الوجه والقفا

سیعود فاضل الى اكادمییة الفنون يف فلورنسا

التي درس فیها لیروي لي تتابع بعض االحداِث

وتأثیرها على جتربته الفنیة:‏ ‏"كنت اجرب ان ارسم

بالوان الزیت املخففة جدا،‏ وحینها لم ازل مهتما

بفرانسیس بیكون،‏ اعتدت ان اجلب للمشغل اوراقا

بحجم 180 سنتمتر وهو القیاس األقصى املتاح لورق

الرسم،‏ والني كنت الّون بالزیت املخفف،‏ كان استاذى

یصف تقنیتي بأنها قریبة من األلوان املائیة،‏ فحنی

متتص الورقة مادة الزیت املخففة تتحول الى سطح

شفاف ویظهر الرسم على وجهها اخللفي،‏ عمدت

حینها الى تعلیق الورقة يف الفضاء إلظهار الوجهنی".‏

قلت لفاضل:‏ يف اي سنة كان هذا قد حدث؟ فأجاب:‏

يف سنة 1978. فقلت:‏ لقد استخدم شاكر حسن

ال سعید هذه التقنیة يف فترة الحقة،‏ اعتقد يف

الثمانینات.‏ عرض فاضل يف الفضاء اعماال بطریقة

مشابهة،‏ عمل ‏(السجادة)‏ املطرزة من جهتنی مثال.‏

وسیقدم لنا فاضل بهذه الطریقة مادة یتجلى فیها

نوع من الذرائعیة يف عملیة العرض،‏ لیضعنا امام

السؤال:‏ هل للعمل الفني املنفذ على سطح ذي

بعدین وجه واحد ام وجهنی؟ اتذكر هنا دوشامب

وعمله املعنون ب ‏(الزجاجة الكبیرة)،‏ التي نراها من

جهتنی،‏ هذه وسائل اجناز للعمل الفني تتعلق بفلسفة

الفن،‏ الوجه الظاهر للعیان لیس هو كل احلقیقة،‏

حتى النص اللغوي هو لیس فقط ما یطفو علیه من

معاني،‏ بل بصفته ‏)لعب(‏ بالكلمات،‏ او التعایش معها

لیس بصفتها دوال،‏ بل ) اشیاء)‏ هناك اذن قفا ووجه

للظواهر.‏ كان فرانسیس بیكون یرسم على خلفیة

القماشة...‏ یقول فاضل:‏ بالنسبة لي الیوجد وجه او

خلف،‏ كالهما سواء بالنسبة لي ألن كل جهة تعطي

قراءة مختلفة حلقیقة العمل وحیاته.‏

املفهوم اجلاهز

قلت له:‏ رایت،‏ يف اكثر من مناسبة،‏ انك اشتغلت مع

الصور الفوتوغرافیة،‏ ماذا میكن ان حتدثنا حول هذا

املوضوع؟ فاضل:‏ ‏"نعم،‏ لقد ذكرتني بعمل فوتوغرايف

اجنزته يف املاضي،‏ وهو یحتوي على مشهد ألكوام

من البطیخ،‏ وهو ‎٠‎‏)الرقي(‏ كما درج العراقیون على

تسمیته،‏ كانت اعداد كبیرة منه مكدسة يف مزرعة،‏

ولكنني،‏ وقبل ان ابدا بوصف هذه التجربة احببت

ان اشیر الى اني اصور بهدف انتقاء مشهد جمالي

بحت،‏ وهذا هو االمر االكثر بساطة،‏ لكن ماهو اكثر

عمقا هو استعمالي للصورة كخطاب مرئي"،‏ فقلت

لفاضل:‏ إذن،‏ هو نوع من البحث عن املفهوم املسبق

الصنع concept( A( pre-made فقال:‏ ‏"فعال...‏ ان

‏)الرقي(‏ الذي وجدته متعفنا يف املزرعة،‏ لم یكن

خیارا مرهونا باكتشايف له من غیر قصدیة،‏ بل

كان هذا،‏ بسبب انخراط تلك املفردة يف سیاق اخر

اكتشفته وانا اتنزه يف املساء،‏ حیث راقبت ملرات عدة،‏

قدوم بعض الشاحنات التي تلقي بحمولتها من فواكه

وخضروات يف املزرعة،‏ سألت سواق تلك الشاحنات

عن حكایة التخلص من تلك احملاصیل فهي مازالت

طازجة،‏ فعرفت من جوابهم ان هذا هو جزء من

مشكلة املجتمعات االستهالكیة،‏ فألجل احلفاظ

على عدم انخفاض السعر،‏ یتم التخلص من البضائع

الزائدة،‏ لن ینفع طبعا ان تخبرهم بوجود شعوب

جائعة،‏ فهذا الكالم ال یعمل،‏ عملت فیما بعد على

ایجاد عنوان لهذا العمل،‏ فانتبهت یومها الى مصمم

للموضة وهو فنان یاباني قام بعنونة احدى صوره

بجملة:‏ ‏"احیانا یقلد االنسان الطبیعة"،‏ سألت

الشركة التي یعمل بها عن امكانیة استعمال

هذه املقولة مع التصرف بها،‏ فأجابوا باإلیجاب،‏

فقمت بتغییر العبارة الى:‏ ‏"احیانا الطبیعة تقلد

اإلنسان".‏ عرض فاضل هذا العمل يف ‏)كونست

كاستل(‏ يف جنوب املانیا،‏ وقد ایقن یومها،‏ بأن

اجلمهور الذي سیراه البد وانه سیفكر باحلروب

والتدمیر،‏ وكأن ‏)الرقي(‏ عبارة عن رووس

79


املعروفة،‏ لكن،‏ ومنذ ان خرج جوزیف بویز الفنان

األملاني املعروف لینظف الشارع بنفسه كاي انسان

عادي ویزرع اشجار البلوط،‏ ال بل،‏ منذ زمن مارسیل

دوشامب،‏ تغیرت األمور بصدد دور الفنان ونوعیة

وشكل هذا الدور،‏ انت یا عمار واحد من القلیلنی

الذي انتبه الى هذا االمر،‏ ال اجاملك اآلن".‏ قلت

لفاضل:‏ علینا ان نفهم الشخصیة االنسانیة للفنان

بكل الطرق،‏ اذ ان اي شيء یفعله يف حیاته میكن ان

یقودنا الى عالقة بعمله الفني.‏ كان الفنان الفرنسي

‏)كریستیان بولتانسكي(‏ یصنع من الطنی كرات

صغیرة یكورها بنی یدیه وصل عددها الى 3000

كرة،‏ الرجل جرب ان یتقمص حالة املجنون،‏ انه مثال

اخر على خروج الفنان من جلده،‏ فهو،‏ كما ارى،‏ قام

باسقاط حالة اجلنون والهوس على الفنان وعمله،‏

اذن،‏ هو خطاب خارج اآللیات التقلیدیة،‏ فالفنان يف

املاضي،‏ كان محجوبا بحاجز اسمه:‏ التعبیر،‏ لكن

يف حالة بولتانسكي لدینا حالة تقمص ولیس فقط

تعبیر،‏ انه یعترف ایضا مبعاناته من مشاكل نفسیة،‏

وان ما شفع له هو كونه فنان،‏ فال مناص اذن من

ان نبحث يف اجلانب الشخصي وتأثیره على عمل

78


الكرافیكیة،‏ یومها انغمست يف جتریب نتائج عملیات

تخریب صفحة املعدن بطرق شتى،‏ حتىاننيعّرضتها

لدهسعجالتالسیارات،وضمنسیاقهذهالتجاربجربت

ان اضع قطرات من حمض التیزاب على الشرائح

الفیلمیة للصور التي اخذتها،‏ وقد قمت بتخفیفه

باملاء كي ال یحدث خروقا يف الشرائح،‏ بل فقط

تذویب بسیط لسطوحها،‏ وفیما بعد استخدمت

قلم حبر لوضع بعض اخلطوط علیها،‏ كان بحوزتي

انذاك جهاز تسجیل كبیر احلجم وعارضة للشرائح

الفیلمیة،‏ وحتى ارى نتیجة ما فعلت،‏ قمت بعرض

الشرائح بواسطتها،‏ فانتبهت الى ان شیئا طرا فجأة

على فعالیة تلك العارضة،‏ اذ انها لم تعد قادرة على

حتدید الوضوح الالزم للصور،‏ مما ادى الى حدوث

تردد مستمر اثناء العرض ما بنی وضوح وتشوش،‏

ثم انني ارفقت مع هذه الطریقة يف العرض اغنیة

‏)بینك فلوید )Pink Floyd املعروفة:‏ ‏)امتنى لو كنت

هنا )Wish You Were Here لتُسمع معها بشكل

متواز.‏ كانت هذه من اولى التجارب التي اثرت كثیرا

على حیاة فاضل الفنیة،‏ وبدا بعدها یعمل ضمن

جتارب ألفالم الفیدیو والصور الفوتوغرافیة.‏

شخصیة الفنان

قال لي:‏ ‏"هناك تقلید اخرق،‏ یطالب الفنان ان ال

یصرح او یكتب،‏ تصور ان هانس اولرش اوبرست

Obrist( )Hans Ulrich وهو احد املنظمنی للمعارض

والنقاد السویسرینی،‏ كان یعمل كقیّم للمعارض

يف متحف الفن احلدیث يف باریس،‏ وحصل على

تصنیف من مجلة Art Review باعتباره الشخص

األكثر نفوذاً‏ يف عالم الفن.‏ وهو مؤسس مشروع

‏)املقابلة(،‏ ذلك املشروع املستمر الواسع،‏ ومقابلته مع

املعماریة زها حدید كانت واحدة من اهم مقابالته

. اقول:‏ كان یعاب علیه ممارسة العمل الفني ألنه

درس يف حقول خارج الدراسة الفنیة التقلیدیة

77


76

قامت للتو من مقابرها؟ لكن مهال...‏ سیعود

الفالحون يف الفصل القادم لالصالح من شأنها،‏

واالهتمام بها،‏ ستعود هذه السیقان واألغصان

النائمة الى احلیاة فوق هذا اجلبل،‏ اال یكون هذا

اجلبل یا ترى،‏ صنو جلبل املوعظة؟ موعظة املوت

واحلیاة؟ فقد تعلمنا،‏ ان الصعود الى اجلبل له

طابعه الروحي،‏ انه اقتراب من األعالي...‏ دائما

كانت هناك جبال فارعة،‏ تتمثل فیها رفعة النفس

اإلنسانیة:‏ جبل الطور بسیناء،‏ املكان الذي سوف

یبدا اهلل منه بإقامة املوتى فى نهایة األیام،‏ وجبل

التجلي الذي كلم ااهلل فیه موسى،‏ ثم جبل النور

الذي دخل يف كهفه النبي العربي یتلقى فیه رسالة

ااهلل من املالك

جبریل،‏ وفوق جبل الزیتون ‏(طور زیتا)‏ كان املسیح

یصلي ویبكي الى ااهلل.‏ یعود فاضل لیذكرني:‏ ‏"كانت

اشجار العنب تنتصب یابسة مع اغصانها وكأن ال

حیاة فیها".‏ ثم یدعني/‏ یدعنا نستمع،‏ ونحن ننظر

الى تلك األشجار،‏ الغنیة

‏)امتنى لو كنت هنا ( لبینك فلوید )

Pink Floyd(: Wish You Were Here

So, so you think you can tell Heaven from

hell

Blue skies from pain Can you tell a green

field From a cold steel rail

A smile from a veil Do you think you can

tell Did they get you to trade Your heroes

for ghosts Hot ashes for trees Hot air for a

cool breeze Cold comfort for change Did

you exchange

A walk on part in the war For a lead role

in a cage ...How I

واستغرق فاضل يف سرد تفاصیل عمله مع اشجار

العنب:‏ ‏"ذهبت واصدقاء لي الى احدى املرتفعات

اجلبلیة،‏ الوقت كان خریفا،‏ وكنت اصور بكامیرتي

ما اختاره من مشاهد،‏ باستخدام سالیدات

باللوننی األسود واألبیض،‏ بدات اراقب احدى تلك

املشاهد بعنایة:‏ كانت هناك اشجار عنب،‏ مت قطف

عناقیدها لصناعة اخلمر،‏ فبدت عاریة متاما،‏

انتبهت الى توزیعها املنتظم على األرض،‏ كانت

تبدو مهملة بسبب حلول فصل اخلریف،‏ اوراقها

تساقطت وبقت اغصانها وسیقانها ماثلة.‏ انتبهت

الى بضعة سیقان،‏ كانت مسندة بدعائم خشبیة مع

وجود اسالك للتثبیت،‏ ركزت علیها بالذات،‏ وعملت

لها صورا فوتوغرافیة،‏ كنت يف ذلك الوقت اتردد

على صالة احلفر على املعدن وهو نوع من التقنیات


فاضل العكريف : بداهة وال بداهة

من حوار معه عن منفاه.‏

الببغاوات

بعد تخرجه من معهد الفنون اجلمیلة ببغداد،‏

صار فاضال واحدا من عدد كبیر من اخلریجنی

احلاملنی باخلروج من العراق،‏ یومها،‏ تأخر حتقیق

حلمه،‏ بسبب شحة املال،‏ لكنه يف وقت الحق،‏ دبر

ما یسد مصاریف سفره الى ایطالیا التي وصلها

یوم 20 من شهر اغسطس عام 1977، نزل فاضل

يف فندق بالقرب من محطة روما،‏ ويف الیوم التالي،‏

خرج للتجوال والتعرف على املدینة،‏ لم یكن قد تعلم

من اإلیطالیة سوى بضع كلمات،‏ كان مبهورا بالعمائر

والكنائس العظیمة،‏ ذلك الیوم،‏ وقف فاضل دون

ان ینتبه يف مكان انتظار سیارات االجرة،‏ وسرعان

ما اوقف سائق سیارته بقربه،‏ واشار له ان یصعد،‏

فامتنع فاضل،‏ اخرج السائق راسه من الشباك

قائال:‏ ولكنك واقف يف مكان سیارات األجرة؟ ثم

اردف قائال:‏

ماذا تفعل يف روما؟ فأجاب فاضل:‏ انني هنا لدراسة

الفن.‏ - ترید اذن ان تكون فنانا؟ ثم اعقب:‏ هل تعلم

انني قابلت راكبا ذي شخصیة غریبة،‏ یّدعي بانه

فنان،‏ كان مبعیته ببغاء حي،‏ یحمله على یده،‏ وطلب

مني ان اوصله الى متحف الفن يف روما.‏ ثم عاد

السائق لیسأل فاضل ان كان راغبا يف ان یوصله الى

املتحف الذي اوصل الیه ذلك الفنان،‏ رفض فاضل

اول األمر،‏ بسبب عدم امكانه دفع األجرة،‏ لكن

السائق بادره بالقول،‏ انه سیوصله الى هناك مجانا.‏

وصل فاضل الى املتحف الذي لم یكن بعیدا،‏ فدخل

وعرف بعد حنی،‏ ان املتحف یقیم معرضا عن الفن

املعاصر،‏ سأل املنظمنی عن الفنان صاحب الببغاء؟

فظهر انه الفنان الیوناني/‏ االیطالي ‏)یانیس كونیلیس

) املولود يف الیونان عام 1936 واملتويف عام 2016،

الذي مر يف البدء،‏ بفترة عرض رسم فقط،‏ اال انه

حتول الى مزاوجة الرسم والنحت واألداء،‏ ومنذ عام

1963، قدم احلیوانات احلیة والنار واألرض واكیاس

اخلیش ومادة الذهب.‏ راى فاضل يف املتحف عمل

كونیلیس،‏ وكان عبارة عن ببغاء حي،‏ جاورته قنینة

غاز یخرج منها الدخان األسود وسخامه.‏ يف تلك

الفترة،‏ كان الفن املعاصر ینتهي بالنسبة لفاضل

مع الفنان االنكلیزي فرانسیس بیكون،‏ لم یكن لدیه

اطالع معريف اكثر سعة من ذلك،‏ اال ان هذا العمل

الذي صدمه ورسخ يف ذاكرته بشدة كما یصف

فاضل ذلك افضى به الى تأسیس بوادر معرفته

االولى بالفن املعاصر.‏ ویؤكد لي فاضل ان:‏ ‏"كل

حیوانات كونیلیس التي استخدمها كانت حیة"،‏ فقلت

له:‏ ان استعمال ببغاء حي یعني انه لم یفعل كما

فعل األمریكي راوشنبرك،‏ بجلب حیوانات محنطة،‏

بل وضعه كما هو،‏ هي اذن حیوات ماثلة امامنا بال

ایهام،‏ ولیست مرسومة او ممثلة بشيء اخر من غیر

طبیعتها العینیة احلقة،‏ فهي هي ذاتها،‏ بحرارتها

وهوائها الذي تتنفسه.‏ صمت فاضل قلیال،‏ ثم بادر

بالضحك،‏ لقد تذكر احداث فیلم وثائقي له صلة

بسیاق حدیثنا:‏ ‏"عرض الفیلم تفاصیل حادث واقعي،‏

وهو زیارة رجل مبعیة زوجته الى بینالي فینیسیا يف

عام 1978، دخل الزوجان يف صالة كبیرة وفارغة،‏ ثم

بعد برهة من تسریح الزوج نظره يف ارجاء الصالة،‏

قال لزوجته:‏ انظري نحن االیطالیون نتقاعس وال

نكمل اعمالنا،‏ الحظي يف نهایة هذه القاعة،‏ الزال

اجلدار مهدما ولم یتم ترمیمه،‏ لكنه،‏ لم ینتبه الى

قطعة الكرتون األبیض املعلقة على جدار الصالة

بقرب الثغرة احلادثة فیه،‏ والتي ‏ُكِ‏ تب علیها اسم

الفنان كالرك ماتا ( Matta ،)Clark واملعروف عنه

ولعه بالهدم،‏ فقد احدث ثغرة يف اجلدار لكي نطل

من خاللها على مشهد منظر طبیعي لبحیرة يف

مدینة البندقیة.‏

قوة الفن

لم یعد العمل الفني بالنسبة لفاضل،‏ مشروطا بأن

یكون رسما،‏ كما كان احلال يف ماضیه،‏ بل اخلطاب

ذي الفاعلیة النافذة،‏ هو هدفه،‏ ولم یعد ایضا

یقتصر على مسرب بعینه،‏ اال مبقدار قوة البث

فیه،‏ ولیس لكینونة الشخصیة الفردیة من حظوة

يف اعماله،‏ اال يف حال اتصالها العضوي واملفاهیمي

بالزمان الذي تعیشه.‏ اخلطاب هو األهم،‏ قبل ان

یأخذ شكله،‏ وهاهو یظهر يف صورة فوتوغرافیة

یلتقطها او یقتطعها من صحیفة،‏ يف حجارة الشارع،‏

او شریحة فیلمیة،‏ او لقیة،‏ اواي شيء اخر یوقد يف

مخیلته جذوة العمل،‏ فاجلمال لوحده لیس بهدف

للفن،‏ انه قوة الفن ذاتها،‏ وهي يف اشد ضراوتها

التعبیریة،‏ انه ‏ُجّ‏ ماع قلقه ووساوسه القهریة،‏ امله وهو

یرى العالم من حوله میشي مترنحا بسبب ما اعترى

روحه من جروح.‏ لقد اختار فنانو احلداثة األولى ان

ینشغلوا بتحویر شكل العالم،‏ لكن یبدو منذ زمن غیر

بعید،‏ ان هناك نزعات حتاول ان ترجعه الینا بال

حتویر،‏ ارجاع العالم ووجه اإلنسان كما هو،‏ ارجاع

كینونة اإلنسان وهي تصنع ذاتها بحریة،‏ وكینونة

العالم وهو ماثل امامنا بحشرجته وارتعاشات قلبه

النابض.‏ ال مناص له من مواجهة مواضعات من دم

وحلم جدیدین،‏ فمنذ حركة دادا لم یعد الفن كما

كان،‏ اذ توسعت مساحة مرفوضاته،‏ حتى انه لم یعد

یقبل بأي محاولة لتثبیت جوهر محدد له...‏ ولكن،‏

ما الغرابة يف األمر؟ الیس الفن متردا دائما على ما

هو قائم؟ متردا على التقالید و األعراف الثابتة؟.‏

تقنية احملو

كان فاضال یتلذذ بطمس بعض مالمح اعماله،‏ لعله

بذلك،‏ كان یطمح الى ان یحاور الروح الدارسة وهي

تتلبس االشیاء،‏ افلیس اإلندراس جننی العدم الذي

یحیطنا من كل صوب وحدب؟ رمبا سیجلب له هذا

الطمس بتغضناته واخادیده ومتزقاته،‏ رسوما تشي

له مبا یحیله الى جللجة ستنطوي على سر حجبته

طبقات الواقع املعیش،‏ هل كان فاضال یا ترى،‏

منخرطا يف محاولة لتهیئة مناخ لتفعیل الهلوسة

البصریة؟ ام كان ذلك انغماسا يف فعالیة من نوع

باریدولیا :Paredolia ظاهرة حتفیز الصور للمخ

لقراءتها بوجوه اخرى؟ فما زال یتذكر اشجار العنب

التي وجدها على سطح احد اجلبال االیطالیة،‏

وصیرها جزءا من صوره الفوتوغرافیة التي التقطها

لذلك املكان،‏ كانت تنوء بوطء عدمها اخلریفي،‏

فاذكى فاضل هذا العدم بامعانه يف طمس معالم

صورتها.‏ قال لي:‏ ‏"اشجار العنب هذه،‏ مت قطف

عناقیدها فبدت بعد ذلك عاریة متاما...‏ انتبهت الى

شكل توزیعها وهي راسخة يف األرض،‏ لقد بدت اشبه

بالطوابیر البشریة،‏ املصطفة،‏ معصوبة العیون تنتظر

تنفیذ حكم باملوت".‏ هو اذن مشهد اراد له ان یكون

درامیا،‏ مشهد كما لو كانت تفاصیله جمیعها تنبيء

بحدث جلل...‏ لكن،‏ لو اكتفینا بالقلیل من املخیلة

املتشائمة،‏ سنستطیع القول وبال وجل:‏ هي يف حال

ترقب قلق لنهایة االعتدال املناخي،‏ حیث نشعر،‏ كما

لو ان اللیل سیفترس بقایا النهار دون ان یلفظها،‏

بل سیبتلعها ابتالعا.‏ نائت هذه األشجار بثقل

اغصانها،‏ فمالت ذات الیمنی وذات الیسار،‏ يف حنی

وشي حلائها لون االحتراق األصفر املمزوج بسواد

الدخان.‏ هل هي یاترى سیمیاء قیامة متخیلة؟ وهذه

السیقان املوزعة على االرض،‏ اهي اشباه ألجساد

75


74

عمار داود


الغزو العسكري للعراق.‏ انه نص كتاب یؤرخ للفن

العراقي من منظور اجتماعي ووجداني للفنان،‏

ویبحث يف كیفیات الطرح الفني ومالبساته يف

مواجهة بنیة السلطة وتأثیراتها،‏ ویعني ایضا

مبظهرین للتعبیر الفني لطاملا جتلیا ردحا من

الزمان يف الفن العراقي:‏ احدهما هو ایهام املتلقي

بأن الوضع اإلنساني یبدو طبیعیا وثانیهما هو

الكاشف عن املظاهر الزائفة والتعسفیة يف حیاة

املجتمع ومن یحكمه،‏ هو اذن بحث يف املصنوع

اإلبداعي وتعبیره الفني ضمن سیاق زمانه وكونه

نتیج لنوعیة رعاته ومتبنیه ووجدان وهواجس من

صنعه،‏ وایضا تقص لشیئیته من جهة كونها يف

النهایة مجموعة مفردات بنیویة:‏ خط،‏ ومساحة،‏

ونقطة،‏ ولون وملمس وحركة...‏ الخ ضمن فضاء

ابعادي مكاني وزماني،‏ وستعتمد مادته على ما

اجنزه املؤلف من حوارات مباشرة مع الفناننی

وكتاباتهم والوثائق املتعددة الوسائط،‏ وبالطبع،‏

على النماذج اإلبداعیة العینیة.‏ من هنا،‏ جاء

هذا الكتاب بصیغ سرد حوادث،‏ واشارات الى

حتوالت جدیدة،‏ ووصف لتجارب هامة،‏ ثم

محاولة التعریف بنوعیة وعي الفناننی واعمالهم

وطرق تواصلهم مع املتلقي،‏ من منظور ثقافتهم

وجتاربهم احلیاتیة.‏ موجز لبعض من مالمح

جتربة فناني ما بعد حقبة الستینات

ان من اهم سمات مرحلة ما بعد الستینات هي

هجرة عدد كبیر من الفناننی الى  البلدان

العربیة واألوروبیة،‏ مما جعلهم یتحركون يف

فضاءات تعبیریة جدیدة لها سماتها املعرفیة

والتقنیة يف التجربة العاملیة واحمللیة.‏ األمر الذي

هیأ للصلة بالفن وطرائقه التقنیة واملعرفیة ان

تتخذ اشكاال جدیدة وتعالج ایضا اشكالیات

اخرى لم تكن تقض مضاجع الفناننی الرواد

األوائل.‏ ان استمرار دراسة البعض للفن يف

اخلارج واقامتهم شبه الدائمة او الدائمة هناك

جعلتهم ضمن صلة قریبة ومستمرة مع التجربة

العاملیة،‏ وهذه الهجرة عمقت وعي هؤالء الفناننی،‏

خاصة وهم یقیمون ومنذ سنوات يف بلدان ذات

تقالید وتاریخ فني متطور ومختلف.‏

ترسیخ اسالیب وتقنیات جدیدة يف البث واجناز

األعمال الفنیة،‏ حیث لم یكن لیخطر ببال احد

يف اخلمسینیات ان تتحول الصورة الفوتوغرافیة

مثال الى عمل فني قائم بذاته ‏(الفوتو ارت)،‏ او ان

یصل فن الكرافیك الى مستوى عاملي ولیس فقط

محلي،‏ ثم علو شأن التقلیلیة يف الفن،‏ وظهور فن

الفیدیو،‏ ولدینا ایضا جتارب يف فن األداء،‏ وفن

األرض وغیرها.‏ لقد طور بعض الفناننی اجلدد

فن الرسم بشقیه التجریدي والتشخیصي،‏

فلدینا الیوم جتارب يف ادخال املفردات النحتیة

ضمن العمل الفني ذي البعدین وادخال عنصر

احلركة،‏ وجتارب لتطویر الفن التجریدي،‏ ثم

الثراء التحویري،‏ وهناك ایضا حتویل الفن الى

نشاط داخل احلیاة،‏ جند اثاره الیوم يف جتارب

بعض الفناننی الشباب داخل العراق ایضا ولیس

فقط خارجه،‏ وهناك نشاطات يف ابداع األعمال

التركیبیة والتنصیبیات وفن االوبجكت ارت

والدفاتر الفنیة،‏ حیث مت نقل الدفتر من هویته

كسجل یجمع دراسات الفنان التحضیریة الى

عمل فني قائم بذاته.‏ لست هنا طبعا مبعرض

حصر كل التجارب اجلدیدة التي جاءت بعد

مرحلة الستینات،‏ بقدر ماهي محاولة مقتضبة

لإلشارة الى التراكمات النوعیة اجلدیدة التي

تؤسس لظهور فن عراقي ذي اهمیة عالیة.‏

سیحتوي الكتاب على صور عالیة اجلودة

لألعمال الفنیة والصور الفوتوغرافیة 

التاریخیة،‏ مما یتطلب توفیر اعلى جودة طباعیة

واخراجیة له.‏ وسیتعمد يف نصه وانتقائیته على

اقصى ما يف وسع الكاتب من التزام باجلانب

املوضوعي،‏ وسیحاول ان یلقي حجرا يف املاء

الراكد،‏ بسبب شحة النصوص املؤرخة لنتاج

ما بعد حقبة الستینیات وطبیعتها الصحفیة

البحتة.‏ لن یستطع هذا الكتاب االحاطة بكل

جتارب الفناننی،‏ فهو بالنهایة جامع ملنتخبات.‏

یطمح املؤلف الى ان یكون نص الكتاب باللغتنی

العربیة واالنكلیزیة.‏

ان زمن االجناز مرهون باجلانب اللوجستي

وظروف جمع الوثائق وازمنة التواصل مع

املعنینی باملشروع من فناننی وممولنی واصحاب

املجموعات الفنیة واملؤسسات الثقافیة.‏ ان

تسهیل او اسراع عملیة االجناز مرهونان بالتعاون

من قبل اجلهات التي ترغب بتبنیه ورعایته.‏

سیعتمد الكاتب يف اجزاء من محتویات الكتاب

الصوریة الى االستفادة من األرشیفات الصوریة

للمجموعات الفنیة التي متتلكها املؤسسات

الثقافیة وجامعي األعمال الفنیة الداعمنی

لهذا املشروع مع تسجیل مساهمتهم يف الكتاب

كراعنی له.‏

عمار داود

73


حول مشروع كتاب الفن العراقي بعد حقبة الستينات

یبدا هذا الكتاب من حیث ما انتهى الیه كتاب

سابق هو ‏(فصول من تاریخ احلركة التشكیلیة

يف العراق)‏ لشاكر حسن ال سعید،‏ فقد اوجز يف

صفحته االخیرة ذكر بعض من املساهمات ألفراد

ینتمون الى ما بعد حقبة الستینات فكتب:‏ ‏»يف

نهایة هذا الفصل من كتابنا الثاني البد ان نشیر

الى تلك القابلیات الشابة التي لم تستقر بعد

يف اسالیبها وان استقرت ابدا يف ‏(مواقفها)...‏

ان مستقبل الفن العراقي یظل رهنی النزعة

االنسانیة الواقعیة والشعبیة الرصینة مهما

تشعبت وتعمقت خالل االجتاهات واألسالیب

احلدیثة املتنوعة...‏ من هنا فإن هذه الفصول

املتتابعة من تاریخ الفن العراقي التشكیلي

حتى حلظة امتام مؤلفنا،‏ تظل حافلة بهالة من

الوعي مما یؤهلها دوما ألن تكون فصوال ممهدة

إلمتامها...‏ انها من هذا املنطلق تنتظر متمماتها

التي لن تقف على ارض رخوة ... فمسیرة الفن

العراقي بكل مجدها احلضاري واإلنساني ال

حد لها...‏ واملنا كبیر يف هذه الناحیة بشباب

الفناننی

ابدا«.‏ اسعى يف هذا الكتاب الى تسلیط الضوء

على النماذج الفنیة وصانعیها،‏ ومحاولة دراستها

من منظور ‏(ظاهراتي)‏ وكما هي متجلیة يف

سیاقها التاریخي واألسلوبي بصیغة رسم ونحت

وفلم وفوتوغراف وتركیب وایضا ما ینعت بالصیغ

اإلبداعیة املتعددة الوسائط.‏ وستعتمد مباحثه

على فحص ووصف نوعیة ظهور تلك

النماذج داخل ثالثة محاور:‏ املتلقي،‏

الناقد،‏ الفنان،‏ وسیتناول تأثر هذه

احملاور باحملیط وهو یتفاعل داخل

فضاءاته االجتماعیة مبا تتضمنه من

سیاسات وعالقات انسانیة وبیئات

ثقافیة.‏ ال یعني هذا الكتاب بتسجیل

سیر حیوات الفناننی الشخصیة

بالصیغة التقلیدیة،‏ وهي صیغة افراد

نص لكل فنان،‏ اال بقدر ما تلعبه

تواریخهم الشخصیة من ادوار مؤثرة

يف نوعیة البث املوجود يف اعمالهم،‏

ستكون هناك عناوین رئیسیة عامة

تندرج يف املتون التي حتتها مباحث

حول مختلف الفناننی،‏ وبالقدر الذي

یحدد نوعیة مساهمتهم ونصیبها

من الفعالیة داخل معاني العناوین

الرئیسة،‏ اذن،‏  ستكون للكتاب

فصول ذات عناوین عامة تستمد

محموالتها من املناخات الثقافیة

واالجتماعیة والسیاسیة بصیاغاتها الثقافیة

واحلضاریة.‏ یجهد الكتاب ایضا يف معرفة

العمل الفني من خالل بنیته،‏ باعتبار ان ظاهر

البنیة ینطوي على معنى كاشف جلوهرها او

ماهیتها،‏ وسیحاول ان یشیر الى مدى تأثیر

احلوادث التاریخیة والتحوالت التي طرات

على املجتمع العراقي وادت الى ما ادت الیه

الیوم من معاناة كبیرة وتنوع يف الطرح الفني

بسبب هجرة الفناننی والتحوالت السیاسیة

واحلروب واألزمات االقتصادیة وحتطیم البنى

التحتیة للمجتمع العراقي،‏ وخضوعه السابق

لنظام احلزب الواحد وسلطة القائد األوحد،‏

وتسلیمه فیما بعد الى نظام حكم متخلف بعد

72


محمد مهر الدين ٢٠١٢

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏

مجموعة هيمت محمد علي

71


70


محمد مهر الدين ٢٠١٢

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏

مجموعة هيمت محمد علي

69


68


محمد مهر الدين ٢٠١٢

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏

مجموعة هيمت محمد علي

67


66


محمد مهر الدين -٢٠١٢ ٠١٣

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏

مجموعة هيمت محمد علي

65


64


محمد مهر الدين -٢٠١٢ ٠١٣

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏

مجموعة هيمت محمد علي

63


62


محمد مهر الدين -٢٠١٢ ٠١٣

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏

مجموعة هيمت محمد علي

61


60


محمد مهر الدين -٢٠١٢ ٠١٣

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏

مجموعة هيمت محمد علي

59


58


57


محمد مهر الدين ٢٠١١

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏ * ٣٥ ١٢٥ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

56


55


محمد مهر الدين ٢٠١١

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏ * ٣٥ ١٢٥ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

54


محمد مهر الدين ٢٠١٣

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏ * ٤٠ ٢٤٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

53


52


محمد مهر الدين ٢٠١١

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏ * ٣٥ ١٢٥ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

51


50


محمد مهر الدين ٢٠١١

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏ * ٣٥ ١٢٥ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

49


48


47


محمد مهر الدين ٢٠١١

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏ ( تفصيل(.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

46


محمد مهر الدين ٢٠١١

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏ ( تفصيل(.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

45


44


محمد مهر الدين ٢٠١١

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏ * ٣٥ ٢٤٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

43


42


إذ تشكل الكلمة الدالة يف أعماله بذرة ال ميكن االستغناء عنها

محمد مهر الدين ٢٠١١

دفتر الفنان،‏ بدون عنوان ، مواد

مختلفة على الورق،‏ * ٣٥ ٢٤٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

43


دفاتر محمد مهر الدين

صدام اجلميلي

تهيء بنية اعمال الفنان العراقي محمد مهر

الدين خصوصيتها ألن تكون ذات صلة بالدفتر

الفني.فال يجد الفنان أية مغامرة جديدة يف

ارسال و إرساء تلك التجربة بني دفتي كتاب

فني.ففي أعماله التي تتسم ببنية تعبيرية حادة

مخلوطة بتصميمه صارمة حتيلنا الى شخصيته

االختالفية.فهو الفنان الصلب والصعب يف كل

ممارساته احلياتية والفنية.إذ تشكل الكلمة

الدالة يف أعماله بذرة ال ميكن االستغناء عنها

وكأنه اليكتفي بالرسم ليذهب الى تدوين كلماته

التي تدور يف راسه بعد او أثناء ممارسته

إلنتاج عمله الفني،حتى يتخيل لك انه يرسم

ويشتم يف ان واحد.فالكلمة عنصر مركزي يف

اشتغاالت هذا الفنان وحتديدا ما يتعلق بالبعد

السياسي وااليديولوجي.ففي طيات وهوامش

ومتون عمله حتضر تلك الكلمات وكأنها تشير

الى رغبة عارمة باحلديث ضمن سياق الرسم

نفسه.كلمات وجمل سياسية وايديولوجية

تتعالق مع البنى احلادة واملفتتة لتصوير اإلنسان

وعذاباته يف احلروب واالحتالل واملوت.‏ يحضر

يف اعماله اإلنسان وااللة احلربية يف صراع

مرير وشرس ‏.صور اخرى لكائنات ممسوخة

كالكالب والوحوش التي تشير إلى الرذيلة

السياسية،‏ جتد من خاللها الكلمات مواطننا

تناغمية خصبة ‏.كلمات وجمل مثل:)‏ قتل

وتهجير واستيالء على ثروات،‏ البلدان احملتلة.‏

أمراض ، جتويع.‏ ‏،بعد/‏ احلادث املفتعل 11

Semptember 11 ،km 25، Baghdad

كان البد من إيجاد مبرر لقتل املسلمني

ووجدوا،‏ Dirty 11 Semptember 11 بعدها

أصبحت/‏ احلروب قذرة..‏ to.... They do it

Give a reason to kill Islam

‏/...و...وسوريا والصومال / العراق،‏ Iraq/

People from the different. Zioist

،lt them feel our heat الى اجلحيم،‏ ،

‏،مخلوقات قذرة يف العراق ‏،سرقة اآلثار،‏ القتلة

أدعياء االوباش.‏ وغيرها.‏

تلك الكلمات بكل اصداءها السياسية

والعسكرية واجلغرافية تعيد ترديد االحساس

بااللم ‏،وذكرى االحتالل،ويوميات املوت،‏ والظلم

‏،وجدت يف دفاتر مهر الدين مكانا طبيعيا

لتشكل فهرسا منثورا يف صفحاتها لفتات

اخلطب السياسية والشعارات االيديولوجية

واالخبار احلربية.مذكرة كل من يتصفح الكتاب

بتلك املفردات القاموسية لالحتالل واحلرب.‏

وبالتالي فإن دفاتر مهر الدين ماهي اال

قواميس لتصوير القتلة.و تذكيرنا بصورهم

وأصواتهم.‏

إن اعتماد مهر الدين يف عمله على توظيف

املفردة الرنانة واجلادة شكل بابا مفتوحا للتوجه

نحو إنتاج الدفاتر الفنية.فالدفتر الفني يف

الغالب يستدعي احلرف والكلمة،‏ ملا له عالقة

اساسا بالتدوين واملدونة.وبذلك لم ميارس

مهر الدين قهرا لتجربته بقدر ما توفرت

جتربته على انسيابية تدوينية واضحة أسست

إلنتاج والدة طبيعية ألعمال الدفاتر الفنية.‏

ببعدها التنديدي واإلستنكاري ‏،مشكلة قواميسا

لتوصيف القتلة واملوت.‏

40


39


محمد مهر الدين مع وليد القيسي

وغسان غائب،‏ عمان ٢٠١٠

محمد مهر الدين مع ياسني عطية

وغسان غائب،‏ بغداد ١٩٨٩

محمد غني،‏ محمد مهر الدين

واسماعيل فتاح،‏ بداية الستينات.‏

محمد مهر الدين مع علي طالب،‏

ضياء العزاوي ورافع الناصري عمان

٢٠١٠

38


37


محمد مهر الدين.‏ ٢٠٠٤

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الكارتون

* ٦٩ ٦٩ سم.‏

مجموعة حسني حربه.‏ تورينو

محمد مهر الدين ٢٠١١

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق

* ٤٥ ٤٠ سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عامن

36


محمد مهر الدين ١٩٥٩

بدون عنوان،‏ زيت عىل القامش

* ٥٦ ٦٩ سم.‏

مجموعة حسني حربه،‏ تورينو

محمد مهر الدين.‏ ١٩٨٢

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الكارتون

* ٥٥ ٧٤ سم.‏

مجموعة حسني حربه.‏ تورينو

محمد مهر الدين ٢٠١٣

بدون عنوان،‏ طباعة الكرتونية،‏ ٢ / ١

* ٤٥ ٤٠ سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عامن

35


حداثوية تتجاوز حدود الزمان واملكان اجلغرايف.‏

فجل همه التعبير عن الوضع البشري عامة،‏

ومقاومته حلاالت التعسف والظلم أينما كانت.‏

اتخذ خلطابه املتمرد الرافض بعنف وقوة لغة

رمزية تعج باإلشارات والكتابات،‏ املقروءة وغير

املقروءة.‏ وأمعن يف التغريب والتعميم باستخدام

اللغة اإلنكليزية وحروفها على غرار احلروفيني

من فناني الغرب .Letterists فمهر الدين

فنان يشعر بانتمائه إلى هذا العالم الكبير الذي

يتسم واقعه بالتناقض،‏ وتختلط فيه القيم إلى

حد الفوضى،‏ وتتحكم به املصالح السياسية

على حساب اإلنسان.‏ يف مثل هذا العالم

غالباً‏ ما يجد اإلنسان نفسه محاصراً‏ ومنبوذاً‏

ومستضعفاً.‏ قد يكتشف أن مسألة الوجود فيه

غدت معضلة أشد مراساً‏ وغموضاً‏ من معضلة

الفناء.‏

هكذا تبنى مهر الدين أسلوباً‏ واقعياً‏ نقدياً‏ كان

قد توصل إليه يف سبعينات القرن املاضي،‏

انتقل فيه من التجريد احملض إلى املزج بني

التجريد والتشخيص،‏ ومن تصوير السطوح

املجسمة إلى السطوح املستوية مع استخدام

اخلطوط يف حتديد مالمح األشكال واعتماد

اللون قيمة مجازية أساسية.‏ يف هذه املرحلة

عمد الفنان إلى إدخال الفوتوغراف لتحديد

شكل اإلنسان أو جتسيد أجزاء منه بالرسم

املباشر.‏ لقد توصل إلى أن املزج بني التقليد

واإلبداع وبني الرمزية والتجريدية أسلوباً،‏ هو

طريق يوصله إلى تقدمي أعمال تستبطن محتوى

فكرياً‏ متمرداً‏ بقدر ما تكشف عن مشهد فني

جميل.‏

يستمد مهر الدين صوره وأفكاره من الواقع

الذي يكشف عن مرجعيته حتى يف أكثر أعماله

جتريدية.‏ فمفردات لوحاته عموماً‏ مستوحاة

من دقائق يومية معيّشة.‏ ومهما بدت الصورة

مغلقة وغامضة،‏ فبوسع العني املتبصرة أن

تستجلي عمق الصلة بينها وبني الواقع.‏ عن هذا

املزج بني الواقعي والتجريدي يؤكد الفنان:‏ ‏"كان

التجريد ‏)احملض(‏ يقيدني باجلزء،‏ أما اآلن

فبوسعي أن أقول الكثير".‏ إنها إذن رؤية ذات

بعد فكري قائمة على بحث بصري لم يتخل

عنه مهر الدين حتى مراحله األخيرة.‏ كما لم

يتخل عن مواقفه الوطنية،‏ بصرف النظر عن

التفاوت يف مستوى األعمال الذي كشف عنه

معرضه األخير ‏)عمّان - قاعة األورفلي حزيران

٢٠١٤( قياساً‏ بذروة جتربته الفنية على مدى

نصف قرن.‏

مجتزأ من مقالة يف كتاب ‏"التواصل والتمايز".‏ املؤسسة

العربية للدراسات والنشر بيروت 2015.

34


الواسطي(‏ للمعماريني هنري زفوبودا وسعيد

علي مظلوم.‏

لقد شهدت بغداد آنذاك دفقاً‏ من املعارض

احلديثة ذات االجتاهات املستقلة التي ظلت

راسخة يف ذاكرة احلركة التشكيلية يف العراق،‏

لكاظم حيدر وضياء العزاوي ورافع الناصري

وإسماعيل فتاح الذي قدم لوحات جتريدية بالغة

اجلرأة.‏ وكان محمد مهر الدين من ضمن الفنانني

الستة الذين وقّعوا على بيان ‏)الرؤية اجلديدة(‏

يف العام ١٩٦٩، إال أنه لم يشترك معهم يف

معرضهم األول الذي أقيم يف العام ١٩٧١.

لكنه شارك يف بعض معارضهم التي أقيمت يف

سنوات الحقة.‏

متيّزت املراحل األولى لتجربة مهر الدين بتقدمي

لوحات فنية منفذّة مبواد غير تقليدية،‏ كالرمل

ونشارة اخلشب واحلرق والتلصيق واإلكريليك

واجلص وغير ذلك،‏ إلى جانب اخلربشة التي

توحي بالعفوية لبناء سطح تصويري محض

جتريدي ذي ملمس بارز .Texture وكان

أول فنان يستخدم تقنية املواد املختلفة يف

العراق،‏ ومن أولى التجارب الفنية لتقدمي فن

ال شكلي ‏)وال بد هنا من ذكر التجارب املبتكرة

التي ضمها املعرض األول جلماعة املجددين

يف ١٩٦٥ أيضاً(.‏ فإذا كان ذلك من نتائج تأثير

الفنانني تابييس وروشنبرغ عليه،‏ حسب ما

يؤكد الفنان يف مقابالته،‏ فإن املزج بني الرمزية

والتجريد كان أيضاً‏ من نتاج تلك املؤثرات التي

وظفها الفنان ببراعة ليستخلص منها أسلوبه

اخلاص.‏ يف مرحلة الحقة تطورت جتربة مهر

الدين،‏ وكشفت عن مؤثرات أخرى جتمع بني

الواقعية والرمزية خاصة ما شاع منها لدى

فناني أميركا الالتينية.‏ فبدأت تظهر يف لوحاته

الصور الفوتوغرافية والتخطيط بالقلم والرقع

امللصقة،‏ يدخلها يف تكوينات جتريدية مبتكرة.‏

أعمال مهر الدين التجريدية ذات امللمس

اخلشن كانت مرحلة جتاوزها ليبدع سطوحاً‏

تصويرية،‏ برع من خاللها مبزج معرفياته

الفكرية والتقنية معاً.‏ ففي مقدمة الدليل

ملعرضه الرابع الذي أقامه يف قاعة الرواق-‏

بغداد،‏ يقول:‏ ‏"معرضي هذا ميثل نوعاً‏ من

التطور مبضامني قد ال تكون مألوفة.‏ وهو

يتواصل باجتاه التطور مع املنهج الذي اعتمدته

يف معرضي الثالث ‏)غريب هذا العالم(...‏

والذي حققت به نوعاً‏ من املزج ما بني تقنيات

فنون تشكيلية متعددة،‏ مع نبذ ما يعيق القيمة

التعبيرية لهذا املزج".‏

يف لوحة مهر الدين نزعة إنسانية متجّ‏ د

اإلنسان وجتسّ‏ د قلقه وأزماته،‏ يبثها ضمن

خطاب سياسي اجتماعي ذي نبرة حادة

ومتمردة.‏ مع ذلك كان الفنان أبداً‏ حريصاً‏ على

أن ال يكون خطابه السياسي مباشراً‏ وصريحاً.‏

فكفة الفن لديه هي األرجح دائماً.‏ وهو منذ

استقرار جتربته يستخدم يف خطابه الفني لغة

محمد مهر الدين ٢٠١٣

بدون عنوان،‏ طباعة الكرتونية،‏ ٢ / ١

* ٤٥ ٤٠ سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عامن

محمد مهر الدين ٢٠١١

خطاب السيد النائب،‏ مواد مختلفة

عىل الورق * ٤٥ ٤٠ سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عامن

33


32


31


محمد مهر الدين ٢٠١٣

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق

* ٩٠ ٩٠ سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عامن

محمد مهر الدين ٢٠١٣

بدون عنوان،‏ طباعة الكرتونية،‏ ٢ / ١

* ٤٥ ٤٠ سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عامن

30


محمد مهر الدين ٢٠١٣

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق

* ٩٥ ٩٥ سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عامن

محمد مهر الدين ٢٠١٣

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق

* ٩٥ ٩٥ سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عامن

29


28


محمد مهر الدين ٢٠٠٩

بدون عنوان،‏ اكريلك عىل القامش

* ١٢١ ١٢١ سم

مجموعة هيمت محمد عيل

27


محمد مهر الدين ، السير على نهر من جمر

مي مظفر

قيل لي إن محمد مهر الدين كان الطالب األكثر

قرباً‏ من أستاذه فائق حسن عندما كان يدرس

يف معهد الفنون اجلميلة )١٩٥٦-١٩٥٩(. ولدى

حصوله على بعثة دراسية إلكمال تعليمه يف

أكادميية وارسو للفنون اجلميلة )١٩٦١-١٩٦٦(،

انفتحت أمامه األبواب على عالم جديد من

احلداثة والتجديد اللذين لم يكونا مألوفني لديه

بذلك القدر من االنفتاح واالبتكار واحلرية.‏

ويف بولندا شهد من اإلبداع احلر واخلروج على

القواعد التقليدية لفن الرسم عموماً‏ ما وضعه

أمام طرق واختيارات تتناسب مع ميوله الفنية

والفكرية ذات الطابع اليساري.‏ فانغمر يف

تلك األجواء وبلور من خاللها شخصيته الفنية

التي وجدت منوذجها يف البداية لدى أساتذته

يف أكادميية وارسو،‏ قبل انفتاحه على مؤثرات

أخرى،‏ كما ورد يف تصريحات أدلى بها يف

لقاءاته مع ‏"قناة الشرقية"‏ ‏)كانون األول ٢٠١٢(.

إنه واحد من أهم فناني احلداثة العراقيني،‏

وممن واصل بحثه الفني على مدى نصف قرن

من دون تراخ،‏ بل تعد جتربته املميزة دعامة

أساسية يف دفع مسيرة احلركة التشكيلية يف

العراق إلى ذروة اإلبداع.‏

شملت الدراسة األكادميية ملهر الدين فنون

الرسم واحلفر وفن امللصقات اجلدارية

.Poster وقد اجتمعت خبراتها لديه

ليستخلص منها مبوهبته الفذة طرق بناء لوحته

وبلورة أسلوبه التجريدي يف اجلمع املتوازن بني

الفكر املتمرد واألداء املبتكر.‏ يؤكد مهر الدين

أن املؤثر األساس يف جتربته بعد أساتذته

البولنديني،‏ كان الفنان اإلسباني تابييس

Antonioالذي Tapies شهد ألول مرّة

أعماله يف وارسو،‏ فسحرته سطوح لوحاته التي

لم يكن على معرفة آنذاك بتقنياتها.‏

أقام مهر الدين معرضه الشخصي األول يف

بغداد ‏)قاعة إيا(‏ العام ١٩٦٥، حيث عرض

مجموعة أعمال منفذة بتقنيات احلفر

والطباعة،‏ متيزت بقوة األداء إلى جانب اجلدة

يف الطرح والتقنية.‏ كان ذلك العام )١٩٦٥( قد

شهد أيضاً‏ مجموعة جتارب بتقنيات جديدة

وأساليب حديثة يف بغداد لفنانني شباب

معظمهم أكمل دراسته الفنية يف مختلف دول

العالم شرقها وغربها.‏ فكانت هذه األعمال

مثار اإلعجاب واالستغراب معاً.‏ إحتضن نتاج

هذه احلركة الفنية احليوية،‏ إلى جانب املتحف

الوطني للفن احلديث ‏)كولبنكيان(،‏ قاعتان

فنيتان خاصتان إستحدثتا الستيعاب النشاط

املتدفق واملتنوع بتقنياته وأساليبه.‏ وهما

‏)قاعة إيا(‏ للمعماري رفعت اجلادرجي و)قاعة

26


محمد مهر الدين ٢٠١٣

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق

* ٤٠ ٦٠ سم

مجموعة هيمت محمد عيل

25


خالل اخلمسينات،‏ انشغلت حركتنا

التشكيلية بنقل الواقع املنظور،‏ القرية،‏

املقاهي،‏ األزقة،‏ املناظر الطبيعية،‏

والبورتريهات.‏ بينما اجته البعض

القليل إلى جتريب الفكر يف اللوحة،‏

فجاءت بعض األعمال تتجلى عنها

الرغبة يف تغيير الواقع االجتماعي

والسياسي،‏ كانعكاس للفاعلية

السياسية والثقافية...‏ وعموماً‏ كان

الشكل يتفق مع املضمون من ناحية

القيمة التشكيلية...‏ ولسنا هنا لنقرر

مستوى معطيات اخلمسينات،‏ إمنا

جند من املناسب أن نذكر بأن حركة

احلياة ذات الديناميكية الفاعلة جتعلنا

وسط حتوالت وتغييرات مستمرة يف

العالقات اإلنسانية ومستويات الوعي

االجتماعي والثقايف.‏

حتوالت فيها السلب وفيها اإليجاب،‏

ذات أمناط مختلفة من السلوكيات...‏

وأمام ذلك،‏ أفترض أن يكون للمثقف

موقف يتوضح عن طريق استيعابه

ومتثله للتغييرات والتحوالت احلاصلة

يف طبيعة العملية احلياتية،‏ واللجوء

إلى املمارسة الفعلية باجتاه التغيير

اإليجابي...‏ ويتبلور هذا املوقف بشكل

مضامني جديدة تستمد وجودها

من الواقع اجلديد،‏ مع خلق أمناط

من التعبير الفني تتفق مع الواقع

وتطلعاته.‏ العملية إذن هي عملية

جتاوز،‏ وهي ظاهرة ثورية لفن عصرنا،‏

تقدم البدائل اجلوهرية لكل ما هو

متخلف...‏ إنها عملية ليست منطقية

فحسب بل ضرورية،‏ وهذا ما يفسر لنا

ظهور االجتاهات الفنية العديدة بشكل

دائم عبر التاريخ اإلنساني،‏ إبتداء من

رسومات الكهوف وانتهاء بالبوب آرت

وفن احلدث.‏ إن ذلك يدل بشكل قاطع

على أن الفنان يعمل دائماً‏ على خلق

أمناط تعبيرية متطورة تبعاً‏ لتطور

الواقع.‏

معرضي هذا ميثل نوعاً‏ من التطور

مبضامني قد ال تكون مألوفة.‏ وهو

يتواصل باجتاه التطور مع املنهج الذي

اعتمدته يف معرضي الثالث ‏)غريب

هذا العالم(‏ قبل عامني،‏ والذي حققت

فيه نوعاً‏ من املزج ما بني تقنيات فنون

تشكيلية متعددة مع نبذ ما يعيق القيمة

التعبيرية لهذا املزج.‏

إن املعرض يقترب،‏ كاجتاه فني،‏ من

املدرسة الواقعية النقدية واملدرسة

البنائية ‏)التي تعتمد على تكرار بعض

األجزاء املرسومة(.‏ وعلى هذا األساس

جاءت األعمال خاضعة لسيطرة ذهنية

تنفي أية تلقائية،‏ لتكون احلصيلة

التعبير مبا يتالءم وموقف الفنان

من التغييرات احلاصلة يف احلياة

املعاصرة.‏

محمد مهر الدين

آب ١٩٨٠

24


محمد مهر الدين

دليل معرضه الشخيص الرابع عام

١٩٨٠

محمد مهر الدين ١٩٩١

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق

٥٠* ٤١ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

محمد مهر الدين ٢٠١٠

بدون عنوان،‏ اكريلك عىل القامش

١٠٠، * ١٠٠ سم

مجموعة هيمت محمد عيل

23


أعلى هو عمل جتد صعوبته يف مسيرة الفنان

مهر الدين.‏ لكن ها إننا جند كيف أن انتقال

لوحته إلى املستوى الثقايف قد منح اجلمالية

قوة إفصاح مقتدرة،‏ تتطلع إلى بالغيات

التقاليد اآلكادميية وإلى نزوع احلاضر نحو

الهشاشة.‏ إنها ليست ‏)جتريدية(‏ أو ‏)تلقائية(‏ أو

‏)هندسية(:‏ إنها التعبيرية النقدية وقد ارتفعت

إلى مستوى احتفالي يشيد بالثقافة.‏ وانتهى

أمر اإلحاالت السياسية إلى األبد.‏ فتكون أمام

لوحة متعافية ومتطلبة،‏ ألنها جاءت نتيجة

مسيرة بطيئة وشاقة ومؤذية.‏ وهي متطلبة ألن

وسائلها ليست مما يؤمتن لغير اليد والعني

اخلبيرتني.‏ وأنها مثقفة ألن أي تواطؤ مع

السهولة الزينية سيسقطها يف التهريج.‏ وهي

متطلبة من املشاهد ألنها تتصل على املستوى

الثقايف بالشرط الذي يصنعه الوعي بالرسم،‏ ال

بالتعبير فحسب.‏

ولد الفنان محمد مهر الدين يف البصرة،‏

العراق،‏ العام ١٩٣٨. تخرّج من معهد الفنون

اجلميلة ببغداد العام ١٩٥٩، ثم نال شهادة

املاجستير يف الرسم والغرافيك والتصميم العام

١٩٦٦ من آكادميية الفنون اجلميلة يف وارسو.‏

له مساهمات كثيرة يف املعارض اجلماعية

يف بغداد والعالم،‏ وقد أقام حلد اآلن عشرة

معارض شخصية يف بغداد واألردن.‏ أعماله

مقتناة يف العراق وعمان وبيروت ولندن ويف

مدن أخرى.‏ وقد حاز على عدة جوائز وطنية

وعاملية.‏ كما أنه صمم أغلفة الكثير من الكتب.‏

22


وعزّزت توازنه يف الوجود،‏ يف أحلك أيامه.‏

وقد ال يعرف إال القالئل تلك احلقيقة املريرة،‏

وهي أن مهر الدين،‏ منذ عودته من بولندا يف

أواسط الستينات،‏ وطيلة عقد السبعينات،‏ كان

يعيش على الكفاف،‏ مما عصف بحياته العائلية

والشخصية.‏ لكنه يف تلك الفترة لم يترك

مناسبة للتحدي.‏ وبهذه املواظبة امتلك مستقبله

الشخصي،‏ من دون تنازالت تذكر.‏

يتيح لنا املعرض املشترك الذي أقامه مع

الدكتور عالء بشير يف العام ١٩٨١ أن نرى

اللوحة املفردة،‏ الكلية بذاتها،‏ التي تهيئ ملا

سيأتي بقوة اللوحة وجماليتها.‏ ويف حقيقة

األمر،‏ إن تاريخ مهر الدين الفني يكشف لنا

حقيقة أنه يستطيب املعارض املشتركة،‏ ففيها

يكون أكثر بروزاً:‏ إن لوحته جتهر بتعبيريتها

وتتصل مباشرة بالوعي العام لدى املثقفني.‏ إذ

أن هذا الوعي ما زال ليس وعياً‏ بالرسم،‏ بل

وعياً‏ بالتعبير.‏ ومن هنا فإن أية مقارنة تقوم،‏

سترشحه أوالً،‏ كما حدث فعلياً‏ حني شارك

يف معرض ضم أكثر من سبعني لوحة،‏ أقيم يف

العام ١٩٦٨، بوحي من هزمية حزيران.‏ فكان

عمله ‏)استغاثة(‏ على رأس قائمة االستفتاء.‏

لكن جناح معرض العام ١٩٨٥ استند إلى

مهارات الفنان مهر الدين اللونية.‏ كان صاعقاً،‏

وشحبت تخطيطاته أزاء اللوحات الزيتية.‏ ويف

هذا املعرض إختزل الرموز من ناحية الكم إلى

أقصى حد،‏ ووسّ‏ ع فضاءها.‏ وانفتحت اللوحة

على عالم لم يتآلف معه الفنان كعادته،‏ إال بعد

سنوات كثيرة:‏ لقد مرّت احتفالية األلوان إلى

اللوحة،‏ محيلة إيانا إلى ‏)بوب آرت(،‏ وتركت

آثارها.‏ مع ذلك ما يزال الفنان حذراً:‏ إنه يف

فاعلية شديدة احلساسية تخص االتصالية

الظافرة،‏ فما إن أباح لأللوان أن متارس فعلها

الذاتي،‏ فأنها رغم صرامة املراقبة،‏ قد احتفت

مبستقبل مضمون يف اللوحة،‏ بنقلها إلى

املستوى الثقايف.‏ وكانت األلوان مبتهجة حقاً‏

بانفتاح الفنان،‏ فتهديه أشياء صغيرة ومعبرة

وجميلة تكون تبريراً‏ إلزاحه أوسع لصالح

الفاعلية اللونية:‏ تلك الكرة امللونة،‏ تلك التفاحة،‏

تلك العني،‏ ذلك الشكل املعينّي الصغير،‏ تلك

النقاط السود الصافية،‏ ذلك اخلط األبيض،‏

تلك االنكسارات احلمر...‏ وكلها حارة األلوان،‏

وليس فيها من يدّعي البراءة،‏ إذ أن على كل

شيء يف لوحة مهر الدين أن يقدم حسابه

لألشياء األخرى.‏ وألول مرة يشترك العري

احلسي يف اللوحة:‏ لقد كان ثمة عري يف أعماله

السابقة،‏ إمنا لم يكن حسياً.‏ وهذا املقطع من

جسد امرأة،‏ وهذا املقطع الفوتوغرايف،‏ قد

عملت األلوان على جتسيده بحسية شهوانية،‏

لتسخر من تلك البيوريتانية السياسية الفجة.‏

إبتداء من العام ١٩٨٩، تشحب إعالنية الرموز

أمام حكمة التجريب،‏ وال تعود متعسفة:‏ إنها

مجرد ظالل من ماض مكافح،‏ ذلك الكفاح

الذي نبش كل مكنونات الفنان.‏ إننا اآلن ال

نتردد يف القول بأنها نوستاجليات ملاض شهد

حتديات الذات الفردية،‏ ويف أنها اآلن،‏ يف

هذا الوسط اجلديد،‏ تزيينات عاطفية وليست

قدرية.‏ أما تلك اخلربشات والتشطيبات،‏

العفوية ظاهرياً،‏ فأنها حتيلنا إلى ذلك التهكم،‏

تهكم الوعي الذي جعل مهر الدين ينظر به

إلى كل شيء.‏ إنها سخرية الفنان من كل ما

يعلن عن دميومة،‏ من كل ما يتطوس على

احلاضر الراهن القوي،‏ الذي يهدد بالكشف

عن خواء االدعاء بالصالبة،‏ املسندة بهتافات

املاضي،‏ أو املطمئنة إلى مستقبل قدري ال شيء

يحيل إليه يف احلاضر سوى أحابيل األلفاظ.‏

إن االنتقال من مستوى تعبيري إلى مستوى

محمد مهر الدين ٢٠١٣

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق‎٠‎

٤٠، * ٦٠ سم

مجموعة هيمت محمد عيل

21


20


19

ولن نكون على حقّ‏ حتى نتكلم عن عفوية

أو لعب تشكيلي،‏ إمنا علينا أن نضع مقولة

كاندنسكي التي مرّ‏ ذكرها يف اعتبارنا حني

ننظر إلى أعمال مهر الدين.‏ وكذلك أن نضع

يف اعتبارنا أن الفنان ينهمك يف تخطيطات

مصغرة بالقلم الرصاص،‏ كنماذج أولية ينفذها

يف لوحات.‏ والفروق التي تظهر شكلياً،‏ وتبدو

لنا عفوية،‏ إمنا هي فروق حتمتها عالقات

جديدة،‏ أما مواضيع اللوحة الرئيسية فقد

قرر الفنان فضاءها مسبقاً.‏ وال ننسى ما

حتتمه فاعلية اللون،‏ لكن الشيء اجلديد

هو أن اللوحة حازت حقوقها بصفتها كلية

مفردة،‏ رحبة الصدر الستضافة بعض معزّات

املاضي الفني.‏ لقد بدأت اللوحة باالعتماد

على ابتكارات جمالية حارة،‏ واأللوان تشطف

نفسها لتزيل عنها عتمة القمقم.‏ وتواصل

عملية تنظيف نفسها بدأب إستعداداً‏ ملقام

آخر هو مقام اجلمالية التعبيرية.‏ وقلنا معزّات

املاضي،‏ وذلك ألن الفنان لم يتلقف عناصر

فنه بسهولة تأثرية،‏ أو ميوعة عاطفية،‏ أو

انفعال بدائي.‏ بل امتلكها بكل ما ميلك من

انتباه حاد،‏ فأصبحت ‏)حلظاتٍ‏ ) بَنَتْ‏ كبرياءه

محمد مهر الدين

دليل معرضه الشخيص الرابع عام ١٩٨٠

محمد مهر الدين

من دليل معرضه الشخيص الرابع

عام ١٩٨٠

محمد مهر الدين

من دليل معرضه الشخيص الرابع

عام ١٩٨٠


18


سطوح وظالل،‏ ضرائب املوضوعات الرئيسية

وقد شوهها املجرد،‏ من األشكال واإلشارات

والتشطيبات،‏ وجاءت تقنيات الفوتوغراف

والتخطيط لتعليق املجرد.‏

وابتداء من هذا املعرض،‏ جتد اللون يتحرش

باملواضيع ويغزو بعضها بشيء من االطمئنان.‏

ونظراً‏ إلى حتول يف الظروف املوضوعية،‏ يكون

على الفنان أن يشفّ‏ ويتسع،‏ وأن يواصل ما بدأه

يف هذا املعرض،‏ وهو معاجلة العسف احلضاري

من دون نوايا سياسية:‏ وبعد ذلك ستتوقف

روحية البوستر.‏ ونقتبس من كارل غوستاف

يونغ:‏ ‏)املفتاح هو هذا:‏ أن نكون قادرين على

السماح لألمور بأن حتدث يف النفس.‏ ويصبح

هذا،‏ بالنسبة لنا،‏ فناً‏ حقيقياً‏ ال يعرف عنه

شيئاً‏ سوى القليل من البشر.‏ إن الوعي يتدخل

على الدوام،‏ يساعد،‏ يصحح،‏ يبطل،‏ وال يترك

النمو املستقل للعملية النفسية بسالم البتة.‏ وإنه

ألمر من السهل متاماً‏ فعله،‏ لوال أن السهولة

هي األمر األكثر تعقيداً.‏ إنه ميكن فقط يف

املراقبة املوضوعية لتطور أي جزء من الفنتزة(.‏

لنتذكر بأن العسف احلضاري أممي،‏ وهو

الثيمة التي جاءت بها الواقعية النقدية.‏ فكانت

موحدة يف أعمال فنانني يف أوروبا الرأسمالية

وأوروبا االشتراكية وأميركا واليابان والدول

النامية:‏ كلهم عاجلوا مسألة العسف احلضاري

برموز متماثلة تقريباً،‏ دون أن يقصدوا نظاماً‏

معيناً‏ أو أيديولوجيا معينة.‏ إن احلضارة قائمة

يف الشرق كما يف الغرب،‏ وتشاكل رموز الفنان

ليس عجيباً.‏ ويف احلقيقة إن رموز مهر الدين

منذ البداية كانت عاملية ال تدعيها أية محلية،‏

لكن تعبيريتها اقتصرت على االتصال بالوعي

السياسي،‏ وتآلفت بسهولة مع االسقاطات

السياسية.‏ وحني حتولت إلى الواقعية النقدية،‏

شفّت واتسعت والتزمت حدً‏ االتصال الثقايف

غير امللوث بالضغط السياسي.‏

محمد مهر الدين مع غسان غائب،‏

عمان ٢٠٠٩

محمد مهراالدين ا ١٩٩٤

حرب عىل الورق.‏ * ٣٠ ٢٠ سم

مجموعة خاصة لندن

17


16


محمد مهر الدين ١٩٩١

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق

٥٠* ٤١ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

محمد مهر الدين ١٩٩٠

بدون عنوان،‏ اكريلك عىل القامش

١٠٠* ٩٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

محمد مهر الدين ١٩٩٤

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق

٥٠* ٤١ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

باملجد،‏ وتشويه املجد باملجرد(،‏ لنجد بأنها هي

ما كان يعوزنا كغطاء ملعظم أعمال تلك الفترة

السابقة وصوالً‏ إلى العام ١٩٨٥.

إن محمد مهر الدين يف معرض ١٩٧٨ هو ذاته

الذي يخضع كل شيء لالنتباه إلى مجريات

اللحظات الراهنة على لوحة.‏ هو نفسه مهر

الدين الذي يرعبه االستغفال،‏ إلى حد اتخاذ

موقف أخالقي منه.‏ ولكنه يف هذا املعرض

يبرز السطح،‏ وهذا شيء مهم.‏ فقد عاد

الفنان إلى فرشاته وأقالمه ليعمل على سطح

مستوٍ‏ ، إمنا ما تزال املعاجلة بروحية النحت

والغرافيك والبوستر.‏ غير أنها هنا،‏ هي من

أفاعيل الفرشاة واأللوان.‏ مع ذلك ما يزال

املوضوع طاغياً‏ - صحيح أن األلوان متتلك

بعض النظافة،‏ بعض هويتها الذاتية،‏ لكننا

ال جند نزوعاً‏ إلى تعبيرية جمالية،‏ أو نزوعاً‏

إلى إطالق سراح األلوان من قمقم االنضباط

الصارم:‏ لقد دخلنا ساحة الواقعية النقدية،‏

لكن التخلخل قد حدث،‏ يف نفس الفنان أوالً‏

ثم يف اللوحة.‏ وقد جتسد هذا التخلخل يف

معرض ١٩٨٠: هنا يكون الفنان قد أتاح لألنا

بأن تعلو،‏ وتعلق عالقته من عناصر اللوحة بني

قوسني،‏ تتفحصها بتهكم،‏ بالقدر الذي تتيحه

الصرامة،‏ ثم تعبّر عن ذلك مبا يشبه حطام

15


كان دون تبعية أصيلة.‏ فهذه اللوحة من حيث

فلسفتها ومرجعياتها األوروبية التي ال عالقة

لها إطالقاً‏ بالضغط العنيف الذي ميارسه

الوعي السياسي،‏ لكنها امتلكت مظهراً‏ متحدياً،‏

خشناً،‏ مموهاً‏ بالعتق،‏ يليق بالتعتيم على عجالة

البوستر وتعبيريته الصادحة.‏ وكان خياراً‏

ناجحاَ‏ يف تلك الظروف،‏ حتى عاجله بقدراته

االصطفائية،‏ محققاً‏ اتصالية قوية على املستوى

الثقايف-‏ السياسي،‏ وعلى مستوى احلداثة.‏ من

دون أن ننسى بأنه كان على الوعي املصطنع،‏

كما يبرر حضاريته،‏ أن يلصق معانيه بقيم

أعمال مهر الدين.‏ فقد كانت تتحدى انتماءهم

للعصر والتقدم.‏ فكان ذلك الوعي ينظر مرآوياً:‏

فاملرآة تعكس ما نريده دوماً.‏ فهل كان الفنان

نفسه أعمق ثقافة منه؟ وما دمنا نتعامل مع

فنان،‏ فإن سؤال الثقافة عويص.‏ إن األمر يفلت

من بني أيدينا،‏ ما أن نتذكر حصة احلدس يف

ثقافة الفنان،‏ هذا احلدس الذي يتركه علم

النفس جانباً:‏ إنه أشبه برمية يف الظالم،‏ لكنها

تصيب،‏ بفعل آليات غامضة.‏

ثم يقيم معرضاً‏ له بعنوان ‏)غريب هذا العالم(‏

يف العام ١٩٧٨، فيجدونه عنواناً‏ أدبياً‏ مريباً‏ فيه

الكثير من التباس الذات الفردية،‏ ألنهم أصالً‏

ال يجدون شيئاً‏ غريباً،‏ ال يف هذا العالم وال

يف العالم اآلخر.‏ إذ أن كل شيْ‏ واضح وخاضع

للعملية املنطقية،‏ فما الذي يجده الفنان غريباً؟

لقد وجد ببساطة أن الوعي السياسي اليساري

قد تبخر من الساحة بسهولة منقطعة النظير

ما متناها له حتى أعداؤه.‏ ووجد الفنان نفسه

وحيداً،‏ من دون شيء سوى ذلك التحدي القدمي

املتمثل باحلاضر.‏ ووجد بأنه كان على حق:‏

فأن ما يجوز للجميع هو ذلك االنتباه احلاد

إلى احلاضر،‏ ذلك الوعي الوجودي الذي يجعل

احلياة موقفاً‏ وليست خدراً‏ يتأمل مستقبالً‏

حرميياً.‏ إنه يف هذا املعرض ال يقبل بأقل من

ذلك التوازن اآلكادميي العريق يف عمله،‏ وال

يقبل بأقل من املعاجلة األستاذية ملا يليق من

تدرجات األلوان الكامدة القليلة،‏ لكنه ال يتوانى

عن استضافة كل ممارسة حديثة.‏ وعلى الفور

نتذكر مقولة كاندنسكي الشهيرة ‏)إعاقة املجرد

14


محمد مهر الدين

من دليل معرضه الشخيص الرابع

عام ١٩٨٠

محمد مهر الدين ١٩٩٠

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل

الورق

٥٠* ٤٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

ال هوية محلية له،‏ بل تدعيه كل احملليات وكل

العصور.‏ فكان منطلقاً‏ ثقافياً‏ مصيرياً‏ له،‏ ذا

عالقة بوجوده الذاتي،‏ حني حيَ‏ ‏ّد الفنان نفسه

عاملياً،‏ وضرب ضربته بتجاوز احمللية واألقاويل

التي تعتاش عليها،‏ ويف متكنه من معايشة ذلك

اإلحساس بضغط احلاضر كأعتى قوة يواجهها

وجوده كإنسان فانٍ‏ . ويف موقفه هذا لم يواجه

اعتراضاً‏ من أحد،‏ بل مضت الصحافة يف

التبريرات.‏

كان الفنان مهر الدين يحتمي مبوهبته ودأبه

على الفن.‏ ومن جانب آخر كان الغطاء

السياسي يبرر إحساسه احلاد بفداحة احلاضر

وضغطه،‏ ويوفر له رموز مقارعة وإدانة شديدة

القوة.‏ وهي رموز عاملة انفعالياً‏ وثقافياً.‏ وكان

محوّ‏ هوية اللوحة التقنية،‏ بحيث ال تعود رسماً‏

وال نحتاً‏ وال بوستراً،‏ بل كل هذه مجتمعة،‏ هو

بحد ذاته متويه لألزمة الفردية،‏ وابتعاد عن

اإلفصاح الصريح.‏ فإذا كان همه هو دعم الفعل

السياسي،‏ لكان يكفيه البوستر.‏ وحتى مجيء

مهر الدين باللوحة املختلفة التقنيات واملواد،‏

13


12


إن معرضاً‏ للبوسترات ال يحتاج إلى كل هذه

الهتافات الثقافية،‏ مع ذلك فاملهم يف هذا

املنطلق هو ‏)روح العصر(‏ و)لغة احلاضر(.‏ وإذا

كان هذان املفهومان يجدان إلفة لدى بقية

أعضاء اجلماعة،‏ فإنهما ميثالن أقوى وسيلتني

يف يد مهر الدين.‏ لقد رفض أصالً،‏ وبعناد

أصيل،‏ أي حتول إلى التاريخ،‏ أو إلى طابع

احمللية الذي متثل يف تزيينات فولكلورية لدى

معظم الفنانني من أبناء جيله.‏ بل كان احلاضر

هو احلجر األساس يف كل منطق أعماله.‏

وكان شديد الضغط إلى حدّ‏ االكتمال املادي،‏

نتيجة لذلك الوعي الوجودي الذي فُطر عليه

الفنان.‏ وما كان اختياره العسف إال ألن األخير

محمد مهر الدين ١٩٩٤

ابو غريب،‏ حرب قذرة،‏ مواد مختلفة

٥٠* ٤٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

محمد مهر الدين ١٩٩٠

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل

الورق

٥٠* ٤٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

محمد مهر الدين ٢٠٠١

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل

الورق

٦٠* ٤٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

11


هنا كان يقدم أعماالً‏ ترى من أجل اآلخرين،‏

ليس من واقع انتماء،‏ بل بغية إحقاق التسوية

الضرورية بني الفرد املوهوب واحلاضر.‏

ذلك احلاضر املتخبط يف عمائه،‏ ويف تنقيح

االستبصار السياسي القائم على معطى

أيديولوجي ال تاريخ أو حاضر له.‏ بل ينشد

املستقبل،‏ ويدفع بعنف باجتاهه.‏ واحلاضر

مجرد شظايا ميكن مللمتها يف خانتني:‏ األبيض

واألسود.‏ وبهذا كان الفنان مهر الدين يواجه

وعياً‏ مصطنعاً،‏ ذا مفاهيم مقطوعة عن

جتريبيتها،‏ وليس لها سوى مرجعيات ملفقة

لتمويه تلك العقدة املأساوية التي يدعونها

بالدونية الثقافية أو احلضارية.‏

يف العام ١٩٦٩ يشترك مع إسماعيل فتاح

الترك وصالح اجلميلي وضياء العزاوي

ورافع الناصري وهاشم سمرجي يف تشكيل

جماعة ‏)الرؤية اجلديدة(،‏ التي قدمت معرضاً‏

للبوسترات يف العام ١٩٧٠. كانت اجلماعة

تنطلق من التأكيد على استيعاب الفن لروح

العصر.‏ وما دام اإلنسان محكوماً‏ بإغراءات

عصره،‏ فإن لغته ال بد وأن تُستمد من احلاضر.‏

ويف الوقت نفسه ينبغي له إدراك إرثه الفني

يف املاضي،‏ بينما هو ينظر إلى التقدم التقني.‏

10


محمد مهر الدين ١٩٥٩

بدون عنوان،‏ ازيت عىل القامش

* ٥٦ ٦٩ سم.‏

مجموعة حسني حربه.‏ تورينو

محمد مهر الدين ١٩٩٤

بدون عنوان،‏ مواد مختلفة عىل الورق

٤٠* ٥٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

9


العسف السياسي،‏ فقد جاء اللون كامداً،‏ ال

ميلك معنى مهماً‏ سوى خدمة املوضوع وتوليف

عناصره.‏ وكانت األعمال تنتظم يف سلسلة

امتدت سنوات،‏ وبدا أن ال نهاية لها.‏ ومع كل

عمل تسمع هتافات الوعي السياسي املتلقي:‏

إن ذلك الوعي الذي تتصل به أعمال مهر الدين

ال ميلّ‏ من التكرار،‏ بل أن التكرار هو بعض

تقنياته األساسية.‏ كان الفنان بغية حتقيق تلك

االتصالية الظافرة من اآلخرين،‏ يحطم وميزق

مواضيعه بهدوء ووعي منضبط.‏

إن محنة مهر الدين هي محنة الفنان بأزاء

اآلخرين ذوي الهيمنة السياسية-‏ الثقافية.‏

ولقد إمتلك العوامل العقالنية،‏ أي املعرفة

املوضوعية باحلرفة.‏ لكنه لم ينشدها لذاتها،‏

بل كوسيلة قوية تؤمن له اتصالية على قدم

املساواة.‏ وهذه العوامل العقالنية كانت تسند

كل أعمال مهر الدين،‏ منذ بداياته إلى آخر

ما انتهى إليه:‏ إنها احملكّ‏ الذي يجيزه فناناً‏

متمكناً.‏ ومن جانب آخر،‏ كان ذلك الصوت

العالي يطغى على كل شيْ،‏ صوت األيديولوجية

التي تتعجل التعبير عن مجريات العالم.‏

ولم يكن باستطاعة أي فنان أن يصمّ‏ أذنيه:‏

فالنتيجة فادحة،‏ تعني عزلة وخيانة.‏ ومن هنا

كان ذلك اخليار الذكي من لدى مهر الدين:‏

إنه يختار مفهوم العسف الذي هو من الهالمية

بحيث يكون مطلقاً.‏ وهو قائم بالنسبة للجميع،‏

يساراً‏ أو مييناً،‏ يف البيت واملدينة والعالم،‏ يف

التاريخ واحلاضر واملستقبل.‏ كما أنه غني

بالرموز،‏ فيمكن االطمئنان إلى مستقبل لوحة

مهر الدين.‏

وعلى املستوى الذاتي،‏ كان هذا العسف ميس

الفنان سيكولوجيا،‏ وهو مظهر ذلك الضغط

الذي ميارسه احلاضر بقوة ال ترحم.‏ من

8


حقوقه اإلجرائية يف استخدام روحية البوستر.‏

وهي تقنية أكثر من كونها فلسفة يف الفن.‏

منذ ذلك احلني يقدم الفنان أعماالً‏ حتاول

التسوية بني أمرين:‏ الهمّ‏ السياسي،‏ والتعبير

الوجودي.‏ وقد توصل بوعيه احلاد إلى تسوية

على حساب التعبير اجلمالي:‏ إنه جعل عناصر

اللوحة الشكلية ذات سلطة استيالدية على

اللون.‏ وألن موضوعاته بأجمعها مستمدة من

محمد مهر الدين ١٩٩٠

بدون عنوان،‏ اكريلك عىل القامش

٩٠* ٩٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

7


محمد مهرالدين احلاضر مجرد شظايا ميكن مللمته

سمير علي

يف السابعة عشرة من عمره كان رساماً‏ واقعياً،‏

حيث أشترك مع عدد من الشبان،‏ فأقاموا

معرضاً‏ لرسومهم يف البصرة.‏ كان ذلك قبل أن

يلتحق مبعهد الفنون اجلميلة يف بغداد العام

١٩٥٦. ويف ذلك املعرض قدّم لوحات واقعية

ملناظر طبيعية وميناء البصرة وبورتريهات.‏ كانت

ألونه على العموم هادئة.‏

ويف معهد الفنون اجلميلة )١٩٥٦- ١٩٥٩(،

يدرس على يد الفنان الرائد فائق حسن،‏ عميد

الرسم الواقعي يف العراق،‏ ويتأثر به:‏ يتأثر

بتلك العضالت األكادميية يف التقنية والتلوين

والتشخيص الساحر.‏ يتأثر به شكالً‏ ومضموناً،‏

فنجده يرسم لوحات ذات طابع اجتماعي كلها

‏)عوائل شعبية،‏ فالحون،‏ عمال(‏ ليس فيها ما

مييز محمد مهر الدين بتاتاً،‏ سوى ما مييزه

تلميذاً‏ مخلصاً.‏ كان يف معهد،‏ يف بغداد،‏ حيث

مرجل احلداثة الذي يدميه جواد سليم،‏ وهو

أستاذ يف املعهد نفسه.‏ وال يلتفت مهر الدين.‏

إنه يحافظ على مكانه تلميذاً‏ لفائق حسن،‏

منغلقاً‏ على فكرة تعلم مبادئ الساحر األول.‏

يف العام ١٩٦٠ يتحرر من كل واقعية،‏ ويندفع يف

جتارب سريعة وخاطفة مع ماتيس وموديلياني

وجورج براك وبيكاسو.‏ لكن اندفاعه هذا ال

يفصح عن شخصية.‏ كانت محاوالت لطبخ

القوانني األكادميية املبجلة بالبهارات الثورية.‏

ولم يعلن عن شيء.‏ كان يلجأ إلى صداقته،‏

وكلما كان عليه أن يظهر.‏ لقد كان أعداداً‏

يجري مبراقبة االنضباط العقلي وبركته.‏

مع ذلك هنالك من رآه واعداً‏ من أفكاره

وتطلعاته.‏ وكان االنقسام السياسي حاداً‏ يف

العراق.‏ وأصحاب التقدم عاينوه شاباً‏ محترماً‏

موهوباً.‏ وها أنه يغادر إلى بولندا،‏ ليدرس يف

آكادميية وارسو للفنون على أيدي اثنني من كبار

التجريد يف بولندا.‏ لكنه يتأثر عميقاً‏ بتابييس.‏

وقبل أن ينهي دراسته يف بولندا،‏ يقيم معرضاً‏

شخصياً‏ ‏)غرافيك،‏ بوستر،‏ تخطيط،‏ حفر على

الزنك(،‏ وكل أعماله تعالج موضوعة العسف.‏

لكن ثمة هدوء وعتمة يف األلوان.‏

عاد الفنان إلى بغداد بعد حصوله على

املاجستير العام ١٩٦٦ من أكادميية وارسو

يف الغرافيك والتصميم.‏ كان اجلو السياسي

منقسماً‏ على نفسه بشكل حاد،‏ وكان مهر الدين

قد اختار قبل ذهابه إلى وارسو أن يرتصف إلى

جانب القوة السياسية اليسارية.‏ وكانت هذه

القوة،‏ رغم احملن التي مرت بها،‏ تهيمن على

الساحة الثقافية والصحافية عامة،‏ وتشيع يف

أوساط الطلبة والعمال.‏ وحيث تعود إلى الوراء،‏

جتد أن فوزه بجائزة يف مسابقة للبوسترات

أقيمت العام ١٩٥٩، يؤشر إلى بداية رحلته

االتصالية.‏ إذ أن البوستر هو أكثر أشكال

الفن قوة يف إيصال فكرة محددة،‏ سواء كانت

سياسية أم غير ذلك إلى املجتمع.‏ وتوجهه إلى

البوستر ال يفسر عناءه يف املثابرة اآلكادميية

يف الرسم،‏ وقوة اللحظة الراهنة التي تعبر عن

حدث ما.‏ وإذا كان احلدث سياسياً،‏ إمتلك

تسهيلني:‏ املتلقي املعدّ،‏ وأحادية االجتاه.‏

واحلقيقة أن كالمنا عن البوستر ال يهمنا بقدر

ما تهمنا روحية البوستر التي دأب عليها مهر

الدين طيلة عقد من السنوات،‏ بدأت قبل ذهابه

إلى وارسو وبعدها.‏ وروحية البوستر هي تقنية

اتصالية يف الفن تتمثل يف املباشرة،‏ واالجتاه

الذي يستهدف اللحظة الراهنة،‏ ويف جذب

االنتباه بجهوريّة التعبير.‏ وقد يكون البوستر

واقعياً‏ أو رمزياً‏ أو تعبيرياً‏ أو حتى جتريدياً.‏

لكن عليه أن يتصل منذ الوهلة األولى أو مع ما

يرافقه من حشو ‏)لغوي أو تشكيلي(.‏ من هنا

نأتي إلى اخلصيصة األهم يف البوستر،‏ وهي

االتصالية.‏ فما الذي نعنيه باالتصالية بالنسبة

لرسام يعكف على لوحات حديثة؟

إن البوستر إبن اللوحة.‏ وقد أخذ منها تعبيريتها

املباشرة التي تطفو على السطح وجتذب

املشاهد بغية التمعن.‏ وللبوستر شروط يف

اجلمالية املؤثرة وحدة التعبير،‏ استمدها من

اللوحة.‏ ودخلته اعتبارات التصميم التكويني.‏

وهذه االعتبارات أكادميية بحتة:‏ التوازن،‏

التضاد،‏ االنسجام...‏ إلخ.‏

وما يهمنا من هذا الكالم هو ذلك التفاهم

الواعي الذي عقده الفنان مهر الدين مع

البوستر،‏ منذ أن بدأ به وأفلح بجائزته.‏ ولكن

األهم من ذلك كله هو:‏ هل اختار الفنان

البوستر لدواع سياسية أم ذاتية ‏)كالرغبة يف

االستعراض مثالً(‏

إننا نحاول أن نصل إلى إجابة واضحة قدر

اإلمكان عن خيار البوستر،‏ ودون أن ننسى بأننا

نتكلم عن فنان مقتدر لم يكن الوحيد يف العالم

الذي جلأ الى البوستر أو روحيته يف عمله.‏

فاألمثلة كثيرة وتشمل كبار الفنانني يف العالم.‏

وحتى نتفق على هذا،‏ فأننا نعالج خصيصة يف

اللوحة ال تدل على تدنٍ‏ يف الذائقة والثقافة

بقدر ما تدل على هاجس إبداعي ذاتي،‏ مارس

6



ثقافة بصرية حرة وموقف ابداعي متضامن،‏ العدد االول

MAKOU free space for creativity

www.MakouArt.com

info@makouart.com

جميع الصور املنشورة من حق الفنان او جامع االعمال الفنية

لوحة الغالف ‏،تفصيل من دفتر حملمد مهرالدين،‏ ٢٠١١

لوحة الغالف االخير عمل نحتي للفنان عالء بشير،‏

طني مفخور ٢٨ يف ١٨ سم

سمير علي : محمد مهر الدين،‏ الحارض مجر شظايا ميكن مللمته.‏

مي مظفر : السري عىل نهر من جمر.‏

صدام اجلميلي : دفاتر محمد مهر الدين

عمار داود : مرشوع كتاب الفن العراقي بعد حقبة الستينات.‏

عمار داود : فاضل العكريف،‏ بداهة وال بداهة.‏

تغريد هاشم:‏ فن االوبجكت.‏ ملحة تاريخية،‏ ومنتخبات من الفن العراقي

وثائق:‏ مجلة اخليال .

خالد الرحال : ملف تخطيطات.‏

يف العدد ااالول من مجلة ‏»ماكو«‏ اإللكترونية،‏ محاولة إللقاء الضوء

على جتربة الفنان محمد مهر الدين املتنوعة بني الرسم،‏ الطباعة،‏

التخطيط،‏ وتوجهه يف السنوات األخيرة إلى ما يعرف بدفتر الفنان.‏

والذي لم يحظَ‏ باالهتمام الذي كان يستحقه من النقاد العراقيني.‏

بعض منها يتحمله شخصياً‏ وبعضها اآلخر ملواقفه السياسية ذات

التوجه اليساري.‏ ساهم يف هذا امللف سميرعلي،‏ يف مقال لم ينشر

سابقا ، مي مظفر،‏ وصدام اجلميلي،‏

ويف نص قصير يقدم الفنان عمار داود خطته لكتابة تاريخ الفن

العراقي لعدد محدود من فناني جيله،‏ وهو جيل الثمانينات.‏ مع

منوذج منها مقالة عن الفنان فاضل العكريف الذي يعيش يف إيطاليا

منذ الثمانينات.‏ وتقدم تغريد هاشم دراسة تاريخية غنية ملا يعرف

بفن ‏)األوبجكت(‏ يف التجربة العاملية،‏ مع استعراض لبعض ممن

تصدى لها من الفنانني العراقيني.‏ إلى جانب ذلك ننشر وثيقة فنية

وأدبية نادرة هي الصفحات الكاملة ملجلة مكتوبة باليد من منتصف

الثالثينات ملجموعة من الفنانني العراقيني،‏ مع ملف لتخطيطات

الفنان خالد الرحال،‏ احد ابرز فناني احلداثة العراقية.‏

ضياء العزاوي




More magazines by this user
Similar magazines