ماكو فضاء حر للابداع - العدد 02

makou



ماكو فضاء حر للابداع
MAKOU free space for creativity
ماكو
مجلة الكترونية تهتم بتاريخ الفن العراقي، تتابع نشأته في القرن الماضي وما حصل
من تبدلات في الاسلوب والرؤيا، مع اهتمام بنشر ما يتوفر من وثائق وصور ذات علاقة
بهذا التاريخ


254


العدد القادم

رواد فن السيراميك العراقي

فالنتينوس،‏ سعد شاكر وطارق إبراهيم

253

254



متابعات

متابعات

يف السنوات االخيرة تعممت ظاهرة النصب

الفنية يف العراق اجلديد يف مختلف احملافظات

بعضها لشخصيات ابداعية لها تاريخ ضمن

مسار االبداع الفني والشعري منها اجلواهري

وجواد سليم وبعضها االخر له عالقة بالتاريخ

اجلمعي او الروحي،‏ يف جميع هذه االعمال

انحطاط واضح يف الذوق العام ويف القدرة

الفنية يف التعبير عن املوضوع الذي تتصدى

له،‏ هذا االنحطاط هو صورة املسؤولني اجلدد

اللذين تواجدوا يف هذه املناصب ال لكفاءة

إدارية أو معرفة فنية وإمنا لعالقة حزبية بكل

امتداداها العائلية والدينية.‏ ولم يسلم من

هذا االنحطاط ‏'ظاهرة بوابة املدن املختلفة

حيث جند كل محافظة اجتهدت عبر مقاوليها

من تشييد بوابة حتاول عكس تاريخية هذه

املدينة أو خصوصيتها اجلغرافية ، الروحية

او االقتصادية،‏ اال إننا نواجه عمارة مبتذلة

غارقة بتفاصيل ال عالقة لها بطبيعة تلك

املدن.‏

إن تاريخ العراق االبداعي عبر مناذج مبدعيه

من فنانني أمثال جواد سليم،‏ إسماعيل فتاح

الترك ومحمد غني ومعماريني إمثال محمد

مكية،‏ رفعة اجلادرجي وهشام منير والقائمة

تطول باالسماء تبقى مقياسا صارماَ‏ لفضح

هذا االنحطاط.‏

252


إسماعيل فتاح الترك مع الفنان سعد شكر ومجموعة من

طالب معهد الفنون اجلميلة،‏ بغداد،‏ غير مؤرخة.‏

إسماعيل فتاح الترك مع الفنان سعدي الكعبي والفنان

إسماعيل الشيخلي.‏ غير مؤرخة.‏

251


إسماعيل فتاح الترك مع الفنان سعدي الكعبي يف فينيسيا،‏ الصورة

غير مؤرخة.‏

إسماعيل فتاح الترك مع الفنان فائق حسن والفنان كاظم حيدر

والفنان صالح جياد مع مجموعة من طالب معهد الفنون اجلميلة،‏

الصورة غير مؤرخة.‏

صالح جياد

250


بطاقة بريدية مطبوعة باليد مرسلة الى اخته نهاد الترك 1992

249


بطاقتني بريديتني مرسلتان من روما الى

اخته نهاد الترك 1962

248


247


بطاقة دعوة ملعرض الفنان إسماعيل فتاح،‏ احملترف 1990

دليل معرض شخصي يف بغداد

بطاقة بريدية مرسلة من عمان.‏ 1991

246


245


املعرض املشترك إلسماعيل فتاح الترك مع ضياء العزاوي 2002 يف

كالري كرين آرت.‏ دبي.‏

دليل معرض شخصي يف بغداد 1997

244


243


242


أدلة معارض شخصية يف روما وبغداد،‏

شهادة تخرج إسماعيل فتاح الترك من معهد الفنون

اجلميلة،‏ بغداد


وثائق

240


إسماعيل فتاح الترك 2002

طباعة على الورق * 60 50 سم.‏

بعنوان ( عفويات(‏ مع عمل اصلي

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

239


238


إسماعيل فتاح الترك 2002

طباعة على الورق ‏.مجموعة الشيخ حسن

ال ثاني،‏ الدوحة

إسماعيل فتاح الترك 2002

طباعة على الورق ‏.مجموعة الشيخ حسن

ال ثاني،‏ الدوحة

إسماعيل فتاح الترك 2004

طباعة على الورق * 70 60 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

237


إسماعيل فتاح الترك 1999

طباعة على الورق * 100 65 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 2000

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 2001

طباعة على الورق * 70 60 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 2002

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

236


إسماعيل فتاح الترك 1999

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1999

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1999

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1999

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ عمان.‏

إسماعيل فتاح الترك 1999

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة معني خوري،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1999

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

235


234


233


إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 68 45 سم.‏

مجموعة رندى زوانه،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك‎1998‎

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح 1998

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

232


إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

231


إإسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 50 35 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 75 52 سم.‏

مجموعة رندى زوانه،‏ لندن.‏

230


229


إسماعيل فتاح الترك‎1998‎

طباعة على الورق * 65 40 سم.‏

مجموعة،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة معني خوري،‏ عمان.‏

إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 76 56 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1998

طباعة على الورق * 90 65 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان.‏

إسماعيل فتاح الترك 1998

بروفات طباعة على الورق * 55 50 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان.‏

228


إسماعيل فتاح الترك 1994

طباعة على الورق * 65 40 سم.‏

مجموعة،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1997

طباعة على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1997

طباعة على الورق * 76 56 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

227

إسماعيل فتاح الترك 1997

طباعة على الورق * 76 56 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ عمان.‏


إسماعيل فتاح الترك إسماعيل فتاح 1988

طباعة على الورق * 65 48 سم.‏

مجموعة رند ى زوانه،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك‎1989‎

طباعة على الورق * 76 56 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1992

طباعة على الورق * 76 56 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

226


إسماعيل فتاح الترك ١٩٧٣

طباعة على الورق * ٦٥ ٤٠ سم.‏

مجموعة معني خوري،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك ١٩٨٨

طباعة ليثوغراف على الورق * ١٠٠ ٨٠ سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

225


الطباعة

يعود أقدم عمل طباعي معروف للفنان

إسماعيل فتاح إلى عام ١٩٧٦ عندما كان يف

روما وبعدها يف عام ١٩٨٨ عندما استغل

فرصة مجيئه إلى لندن لإلشراف على إجناز

الراية العراقية لنصب الشهيد،‏ وعمل معي يف

محترف ‏"هيوستنومن".‏ ويف عام ١٩٩٤ استلمت

منه بطاقة مطبوعة يدوياً‏ ومؤرخة يقول فيها (

‏"هذه جتربة عملتها يف بغداد يف مشغل جديد

ألحد الفنانني الشباب..."(‏ وقد وجد يف هذه

التجربة حافزاً‏ على تطوير معرفته بإحدى أهم

التقنيات الفنية إلنتاج األعمال احملدودة،‏ حيث

سعى يف السنوات األولى إلى إعادة إنتاج بعض

األعمال األصلية من عام ١٩٨٨ مع تشذيب

باأللوان تستلزمها تقنية احلفر على املعدن.‏

إال أن عدم إملام إسماعيل بتقاليد هذا النوع

من اإلنتاج،‏ وعدم إصراره على االلتزام بتوثيق

عدد الطبعات باإلضافة إلى عدم إشرافه

الشخصي على تدمير الصفائح األساسية

لألعمال املنتجة،‏ قد خلق مناخاً‏ عاماً‏ من عدم

االطمئنان،‏ شامالً‏ بذلك ما يظهر بني احلني

واآلخر من أعمال مطبوعة أضيفت إليها باليد

ألوان متعددة يدّعي مروجوها بأصالة األعمال

دون وجود وثيقة مختومة وموقعة من قبل

الفنان.‏

224


223


الكتاب األسود ملرفأ بيروت

دعوة للفنانني للمساهمة يف ملف ماكو حول ما حدث من

دمار يف بيروت

على تنوع األصعدة،‏ اجتماعيا ، ثقافيا وفنيا حتت عنوان

( الكتاب األسود ملرفأ بيروت(‏

تكون املساهمة عبر ما يعرف بكتاب الفنان ، ترسل صور

العمل عالية اجلودة مع املعلومات اخلاصة بالعمل الى

دعوة للفنانني للمساهمة يف ملف ماكو حول ما حدث من

دمار يف بيروت،‏ على األصعدة املختلفة،‏ اجتماعيا،ً‏ ثقافياً‏

وفنياً‏ حتت عنوان ‏)الكتاب األسود ملرفأ بيروت(‏

تكون املساهمة عبر ما يعرف بكتاب الفنان.‏

ترسل صور العمل عالية الدقة مع املعلومات اخلاصة

بالعمل إلى info@makouart.com

آخر تاريخ للمشاركة نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني من

هذا العام.‏

info@makouart.com

اخر تاريخ للمشاركة نهاية شهر نوفمبر من هذا العام.‏

222


221


220


219


دفتر الغريب رقم 2

بني عام 1986--1985 مجموعة خاصة،‏ عمان

218


217


216


215


دفتر الغريب رقم 1

بني عام -1989 -1997 مجموعة خاصة،‏ عمان

214


إسماعيل فتاح الترك 2004

حبر صيني على الورق * 50 35 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

213


212

إسماعيل فتاح الترك 2002

حبر صيني مع الوان مائية على الورق * 50 35 سم.‏

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان.‏


إسماعيل فتاح الترك 2000

حبر صيني على الورق * 160 120 سم.‏

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان.‏

إسماعيل فتاح الترك 1999

قلم الوان على الورق * 106 66 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

إسماعيل فتاح الترك 2001

حبر صيني على الورق * 76 56 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

211


210


إسماعيل فتاح الترك 1995

حبر صيني على الورق * 50 35 سم.‏

مجموعة الفنان عالء بشير،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1997

حبر صيني على الورق * 50 35 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

إسماعيل فتاح الترك 1994

حبر صيني على الورق * 73 55 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1998

حبر صيني على الورق * 50 70 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان.‏

209


208


إسماعيل فتاح الترك 1985

قلم فحم على الورق * 14 26 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1986

حبر صيني على الورق * 70 50 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان.‏

إسماعيل فتاح الترك 1990

حبر صيني على الورق * 37 27 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1991

مواد مختلفة على الورق * 37 27 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1991

حبر صيني على الورق * 48 34 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ عمان.‏

إسماعيل فتاح الترك 1993

حبر صيني على الورق * 30 20 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ بغداد.‏

207


206


إسماعيل فتاح الترك 1975

حبر صيني على الورق * 14 26 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1986

حبر صيني على الورق * 36 45 سم.‏

مجموعة حسني حربه،‏ تورينو.‏

205


204


إسماعيل فتاح الترك 1965

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

إسماعيل فتاح الترك 1965

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

إسماعيل فتاح الترك 1966

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

203


202


201


إسماعيل فتاح الترك‎1963‎

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

إسماعيل فتاح الترك 1964

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة رفعة اجلادرجي،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك 1964

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة رفعة اجلادرجي،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك 1963

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة رفعة اجلادرجي،‏ لندن

200


إسماعيل فتاح الترك 1963

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

إسماعيل فتاح الترك 1964

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك 1964

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك 1964

الوان مائية مع حبر صيني * 44 33 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

199


198

تخطيطات


تشابكات

معرض الفنان دلير سعد شاكر

افتتاح املعرض : 13 تشرين االول 2020

يستمر املعرض حلد تشرين الثاني 2020

197


إسماعيل فتاح الترك‎1963‎

برونز * 44 33 سم.‏

مجموعة رندى زوانه،‏ عمان.‏

196


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1997

بالستر * 200 109 * 82 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة

195


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1998

كرانيت * 300 200 * 80 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة

194


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1995

برونز * 190 40 * 30 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1995

كرانيت * 170 40 * 30 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك يف مشغله يف مركز قطر للفنون،‏ الدوحة 2000

193


192


إسماعيل فتاح الترك 1998

بالستر * 300 70 * 60 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك 1998

بالستر * 300 120 * 60 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

191


190


إسماعيل فتاح الترك 1998

بالستر * 270 70 * 60 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك ١٩٩٩

بالستر * 300 120 * 40 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

189


188


إسماعيل فتاح الترك يف مشغله يف مركز قطر

للفنون،‏ الدوحة،‏ 1998.

إسماعيل فتاح الترك يف مشغله يف مركز قطر

للفنون ( الدوحة(‏ مع مساعديه النحات على رسن

وابراهيم حالوة

187


186


إسماعيل فتاح الترك،‏ 2001

مواد مختلفة على الورق،‏ * 76 56 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2002

مواد مختلفة على الورق،‏ * 76 56 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2002

مواد مختلفة على الورق،‏ * 76 56 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2004

مواد مختلفة على الورق،‏ * 76 56 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2002

مواد مختلفة على الورق،‏ * 76 56 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

185


184


183


إسماعيل فتاح الترك،‏ 2002

مواد مختلفة على الورق،‏ * 76 56 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2001

مواد مختلفة على الورق،‏ * 76 56 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

182


181


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1995

مواد مختلفة على الورق،‏ * 80 60 سم.‏

مجموعة معني خوري،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1998

أكريلك على الورق،‏ * 76 56 سم.‏

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1989

مواد مختلفة على الورق،‏ * ٧٦ ٥٦ سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1986

زيت على القماش،‏ * 71 60 سم.‏

مجموعة حسني حربه،‏ تورينو

180


179


178

إسماعيل فتاح الترك،‏‎1995‎

مواد مختلفة على القماش،‏ * 170 120 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1995

مواد مختلفة على القماش،‏ * 150 100 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1995

مواد مختلفة على القماش،‏ * 230 180 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة

177


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1995

مواد مختلفة على االقماش * 120 100 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة.‏

176


175


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1995

مواد مختلفة على االقماش * 120 100 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1995

مواد مختلفة على االقماش * 230 120 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة.‏

174


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1989

مواد مختلفة على الورق ملصق على

القماش * 150 120 سم.‏

مجموعة خاصة

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1997

مواد مختلفة على الورق * 75 57 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

173


172

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1989

مواد مختلفة على الورق ملصق على

القماش * 135 100 سم.‏

مجموعة خاصة.‏


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1989

مواد مختلفة على الورق ملصق على

القماش * 135 100 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

171


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1988

اكريلك على الورق * 160 120 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1987

اكريلك على الورق * 100 70 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1988

مواد مختلفة على الورق * 45 35 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

170


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1988

مواد مختلفة على الورق * 160 120 سم.‏

مجموعة اخاصة

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1988

اكريلك على الورق * 95 65 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1994

مواد مختلفة على القماش * 45 35 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1988

مواد مختلفة على الورق * 160 120 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة.‏

169


168


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1963

زيت على القماش،‏ * 40 29 سم.‏

مجموعة اخاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1965

زيت على القماش،‏ * 60 80 سم.‏

مجموعة اخاصة

167


166


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1961

زيت على القماش،‏ * 80 60 سم.‏

مجموعة اخاصة،‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1961

الوان مائية على الورق،‏ * 40 37 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

165


164


إسماعيل فتاح الترك 1957

زيت على القماش * 58 48 سم.‏

مجموعة حسني حربا،‏ تورينو.‏

إسماعيل فتاح الترك 1957

زيت على القماش * 90 60 سم.‏

مجموعة خاصة.‏

163


صالون املجلة

162


161


رسالة إلى األستاذ إسماعيل

نزار يحيى

كان شكل احلياة أجمل عندما كنت حياً.‏ كان

معنا أستاذ ضياء وسمير علي والشيخ حسن

وآخرون من األصدقاء الذين يترددون بني

فينة وأخرى إلى احملترف الفني يف الدوحة.‏

كنت تعمل يف استديو النحت وتقفز من أعلى

السقالة متحدياً‏ احلياة،‏ ومشاكساً‏ صديقك

األستاذ سعدي الكعبي،‏ مطلقاً‏ ضحكتك القوية!‏

وتأتي مسرعاً‏ إلى ورشة الطباعة تنفض الغبار

من على مالبسك مثل األطفال بعد ساعات من

اللعب واملشاكسة مع األصدقاء.‏

على الرغم مما يوحيه منتجك الفني من

انفالت،‏ إال أنك أثناء العمل تكون غاية يف

التركيز والدقة.‏

أنت صورة الفنان اخلالص النادر يف مجتمعنا

العربي.‏ كنت تعيش حياتك بكل حذافيرها،‏

متمرداً‏ مترد املبدعني الكبار.‏ لم يكن كالمك

ملتوياً‏ بل كان غريزياً...‏ غريزيآ حتى يف الرسم

أو يف النحت.‏

اشتغلت معك عندما كنت يف بغداد ضمن مشروع

نصب الشهيد مع مجموعة من األصدقاء.‏ كنا

ننفذ على احلجر تكراراً‏ لشكل النخلة،‏ ويف نفس

الوقت أقوم مبساعدتك مساء يف االستديو بعمل

التماثيل البرونزية.‏ وعندما جئت إلى الدوحة،‏

تنوّعت يف نتاجاتك ملا توافر لك من إمكانات

واستديو كبير.‏ وضمن األوقات التي أتيحت لك،‏

عملت معك على تنفيذ مجموعتك الطباعية

حتت عنوان ‏"غوايات"‏ والتي تضمنت عشرة

أعمال نفذت بتقنية احلفر على الزنك.‏ كانت

األعمال أقرب إلى التخطيطات بدون ظالل.‏

كنت تركز على طاقة العمل احلسية أكثر من

التركيز على املوضوع.‏ لم يكن لديك مواضيع

متنوعة،‏ كل اللوحات عبارة عن مجموعة

أشخاص أو شخصني أو ثالثة إلخ...‏ يقفون

مبواجهة كما يف الصور العائلية.‏ ولكن غالباً‏ ما

جندهم عراة.‏ وبني املرة واألخرى تضيف لهذه

الشخوص حمامة أو ديكاً.‏ أذكر أنني سألتك

ذات يوم عن احلمامة،‏ أجبتني بصوت متهدج

إنه تعبير عن محبتي لزوجتي ليزا.‏

إسماعيل فتاح الترك،مع الفنان نزار يحيى يف مشغل

مركز قطر الفني،‏ الدوحة 2001

إسماعيل فتاح الترك،‏ يف مشغل مركز قطر

الفني،‏ الدوحة 1998

160


فرصتها يف تشكیل عمله بنفسها.‏ هكذا أراد لها

عن قصد ودرایة.‏

لم یتوقف عن إثارة انتباهي إلى كل ما هو

معزز بطاقة إلهامیة.‏ إال أنه أیضاً‏ كان قاسیاً‏

وصریحاً‏ يف نقد أعمالي،‏ وباألخص تلك التي

اعتراها تشوش ظاهر.‏

ثمة مرحلة إبداعیة كان لها أن تتمخض عن

مزید من النضج واجلمال.‏ وكنت أرى مالمحها

األولى تظهر جلیة يف الفترة القصیرة التي مرت

قبل مماته.‏ ولو بقي إسماعیل حیاً‏ آنذاك،‏

لرسم ونحت أجمل أعماله.‏ لقد غشاه املرض

بعتمته احلالكة مبكراً،‏ من غیر أن نستزید من

دهشة وجمال.‏ لم یكن مقدراً‏ له أن یجلب لنا

املزید منهما.‏

إلى حتليل أعماله الفنية،‏ فهذا املوضوع أتركه

للمختصني.‏ لكن ما سجلته من أحداث يلقي

بعض الضوء على شخصية هذا الفنان الفذ

إسماعيل فتاح الترك مع محمود العبيدي يف

مشغل مركز قطر الفني،‏ الدوحة 2001

إسماعيل فتاح الترك 2003

اكريلك على الورق 76*56 سم

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1988

برونز،‏ * 50 15 * 12 سم.‏

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان

159


عن إسماعیل فتاح الترك،‏ الفنان واملعلم

محمود العبيدي

‏"جد نفسك يف فنك"...‏ هي ذي مقولته األثیرة:‏

إسماعیل فتاح الترك،‏ الفنان واملعلم الذي كان

یرى بعیداً‏ بعنی حدسه...‏ ذلك احلدس الذي

أرشده إلى تالمیذه القریبنی من اإلمساك

بناصیة البالغة.‏ وهي بالغة الفن ذاتها التي

نذر لها حیاته كلها.‏ وبقوة حدسه أیضاً،‏ انتقى

من بنی طالبه أولئك الذین سیكونون األقرب

إلیه.‏

كان إسماعیل كثیر النصح لي،‏ حتى أنني،‏ ومنذ

منتصف التسعینات،‏ شعرت بأن هوساً‏ قهریاً‏

لذیذاً‏ صار یالزمني حنی أرسم.‏ إنه هوس

سماع صوت إسماعیل یعلن بداخلي عن آرائه

فی ما أصنع.‏

أوصله اهتمامه بأعمالي إلى أن نتفق على

إقامة معرض مشترك يف تونس.‏ وذات مرة،‏ قرر

أن یضیف رسمه على رسم لي،‏ ثم وقع اسمه

قرب اسمي،‏ حتى أنه،‏ ويف زمن الحق،‏ ذهب إلى

حد أن یرسم معي على ورقة مشتركة،‏ ويف عنی

الوقت املتاح لكلینا،‏ دون أن ینتظر أحدنا فراغ

اآلخر من عمله...‏ لقد أحدث ذلك:‏ تقاطعات،‏

ومحواً،‏ وطمساً،‏ وتشویه معالم،‏ ووضع أشكال

على بعضها البعض،‏ وإلغاء أشكال بكاملها.‏

هو الذي صار طاقة إبداع تنتشر يف حیاتنا،‏

وتذكي إرادتنا يف تطویر جتاربنا.‏

أما إحساسه الكبیر بالعبث:‏ ذلك احلاضر

املماحك لكل شيء،‏ وعدم التزامه بنظام،‏ فقد

ذهب به إلى اإلمیان بذلك التصریح الطلیعي

القوي واحلاسم:‏ ‏"إن كل شيء ممكن أن یكون

فنًا".‏ وبسبب ذلك اإلمیان،‏ لم تكن لدیه أي

محاذیر تقنیة،‏ فقد نزع مرة قماش ستارة يف

بیتي،‏ وجد فیه مادة مناسبة للرسم!‏

عامله اإلبداعي لم یكن لیركن إلى نسق واحد أو

صنف تقني بعینه.‏ ومرّة أخرى كان حدسه ذاك

مرشده،‏ ومعنی إلهامه.‏

صار إسماعيل يف سنوات القهر واحلصار

مصدرنا الذي من خالله نتعرف على فن

اخلارج،‏ فقد كان محاطاً‏ بجیل الثمانینات الذي

متیز بذكائه وطموحاته الكبیرة.‏ وهو أيضاً‏

اجلیل الذي عانى كثیراً‏ من شحة الكتب الفنیة.‏

لقد علمّنا یومها أن نحول حیاتنا إلى فن.‏

كانت أعمل بیكاسو وأعمال زوجته لیزا من أكبر

مصادر إعجابه.‏ وظل هذا اإلعجاب یالزمه إلى

نهایة حیاته.‏

تردد مراراً‏ يف تصنیف نفسه:‏ رساماً‏ أما نحاتاً؟

لكنه قال لي مرّة،‏ وبصیغة اجلازم:‏ ‏"اأنا رسام

أنحت ولیس العكس".‏

واعترف لي مرّة بأن اأعماله التي اأجنزها وهو

حتت تأثیر الشراب لم تكن جیدة،‏ ثم أردف:‏

‏"لقد أضعت شطراً‏ من حیاتي دون أن أتلذذ

بسحر الفجر،‏ ألنني كنت أسهر طویالً".‏

لم یقبل إسماعيل لیده،‏ وهي ترسم،‏ أن تسیطر

على فرشاته بالكامل.‏ بل منح لتلك األخیرة

158


فائق حسن،‏ كنت أراه دائم الشعور بامللل من

تدريس النحت اآلكادميي يف الصف املجاور.‏

وكثيراً‏ ما كان يستلني من دروس الرسم النظرية

الصطحابه يف رحلة إلى دجلة وتناول الغداء

سوية عند ضفة النهر.‏ ذات مرة وقعت عيناه

على مشهد عصفور صغير يتخبط الهياً‏ يف

بركة ماء صغيرة جداً.‏ ظل واجماً‏ طويالً‏ يراقب

ذلك املشهد ويتمتم:‏ ‏"اهلل كم هو جميل".‏ كنت

أقول له:‏ ‏"عندي دروس الزم التزم...‏ راح

يرسبوني من وراك".‏ فيجيبني:‏ ‏"أنت فنان جاهز

ما محتاجلك دروس نظرية".‏ بهذه الروح املريحة

والداعمة يشعرني بالتوازن املؤقت.‏

إسماعيل كان يتصرف يف احلياة كما يتصرف

يف الفن،‏ يحب ويحزن وينفعل وميرح ويعصّ‏ ب

ويرسم وينحت بروح شجاعة.‏ وحينما كنت

أمتلمل أحياناً‏ من العمل،‏ يكرر القول:‏ ‏"كن قوياً‏

ألن الترف يزيل النِعَمْ"،‏ والقول لشاعر كان أبوه

يذكره به دوماً.‏ وبعد أن ورطني يف النحت أعظم

ورطة،‏ صار يكرر لي عبارته املؤثرة:‏ ‏"كل النحت

العراقي مير من حتت نصب احلرية جلواد

سليم"،‏ على غرار جملة ‏"كل األدب الروسي مير

من حتت معطف غوغول".‏ ويف إحدى زياراته

ملشغلي،‏ علمني تقنية الرسم باألحبار على الورق

بعقب الفرشاة،‏ ورسمنا سوية أعماالً‏ كثيرة.‏

تقنية جميلة حملتها معي حني غادرت العراق

عام 1991، وأجنزت منها مجموعة أعمال بعد

أن طوّرت التقنية باستخدام اإلكريلك املخفف

بدل األحبار.‏

كنت أول من غادر العراق من جيلي من الفنانني،‏

واصطحبني يف سفري ابنه األكبر صهيل

إسماعيل إلى األردن.‏ غادرت عمان بعد ثالثة

أسابيع فقط،‏ وتركت صهيل وحيداً‏ ألنه كان

ينتظر مجئ أبيه لتقرير مصير سنواته القادمة

خارج العراق.‏ يف السنني األولى من اغترابي يف

الدمنارك،‏ إشتقت إلى إسماعيل بشكل هائل،‏

وترك تباعدنا فراغاً‏ كبيراً‏ يف نفسي.‏ وكل يوم

كنت أحاوره يف داخلي،‏ وأجنزت مجموعة وجوه

ملونة مستوحاة من تلك التي أبدع يف رسمها

وطبعت أسلوبه األخير يف الرسم.‏ عام 1993

وصلني منه عن طريق صهيل كارت أبيض

صغير كتبه يف عمان حيث لم يجدني هناك.‏

قال فيه:‏ ‏"عزيزي علي،‏ أكتب إليك هذه الكلمات

من عَمان،‏ نحن بشوق لك وسماع أخبارك الفنية

والعاطفية.‏ لقد كنت ذكياً‏ حني سافرت.‏ أرجو

أن تكون أكثر ذكاءً‏ لتكمل طموحاتك،‏ فحاول أن

ال تتزوج ألن الزواج يقتل الطموح واحلب رغم

أن زواجي كان السبب يف تطوري ووصولي إلى

هذه املرحلة.‏ من الصعب أن يجد الفنان إنسانة

تقوده إلى اإلبداع...‏ وإن حصل فهذه معجزة"!‏

من الدمنارك حاولت ألف مرة سماع صوته عبر

التلفون،‏ ولكن االتصاالت كانت حينها معطلة

وتالفة يف العراق.‏ وكلما صادفت كابينة تلفون

عمومي يف أي شارع من شوارع كوبنهاگن،‏

كنت أحاول الوصول إليه لكن دون جدوى.‏ يف

العام ٢٠٠٥ كنت يف دبي أجنز منحوتة كبيرة من

الرخام مع ٤٠ نحاتاً‏ من دول مختلفة.‏ سمعت

بأنه يعيش يف أبو ظبي،‏ فاتصلت به وسمعت

صوته.‏ فبكيت طيلة دقائق املكاملة.‏ إتفقنا أن

نلتقي بعدها بيومني يف دبي كما وعدني.‏ يف

ذلك اليوم تهيأت للقاء،‏ وكنت مفعماً‏ بتفاصيل

وأحداث كثيرة أردت قصها عليه.‏ أنا مع حقيبة

صغيرة فيها بعض الكتالوغات وصور ألعمالي

يف النحت.‏ كنت أريده أن يراها،‏ أن يفرح مبا

فعلت،‏ وأن ظنه بي رمبا كان صحيحاً.‏ أنا

وحقيبتي الصغيرة كنا ننتظر يف شارع عام،‏

هكذا كان األمر شبه مبهم وغائماً.‏ ومرت

ساعة وأنا أنتظر،‏ والسيارات متر باآلالف ولم

يأت إسماعيل.‏ إتصلت من تلفون يف الشارع

ولم يجبني أحد.‏ يف اليوم التالي علمت بأنه

وصل إلى منتصف املسافة بني أبو ظبي ودبي،‏

لكنه عاد بسب تدهور صحته وهو يف الطريق.‏

وعلمت وقتها بأنه مصاب مبرض خبيث.‏ فكانت

صدمة أخرى أحزنتني جداً.‏ وضاعت فرصة

لقائي به إلى األبد.‏ بعدها بأشهر قليلة وصلني

خبر رحيله الفاجع.‏ لكني إلى اآلن غير مصدق

مبوته،‏ ألنني ما زلت يف حوار يومي مستمر معه.‏

وكلما أجنزت عمالً‏ جديداً‏ أو شعرت بالتعب

خالل العمل،‏ أتذكر وجهه احلنون وصوته

املبحوح الدافئ يقول لي:‏ ‏"صير قوي".‏

157


إسماعيل فتاح الترك:‏ شهادة مختصرة

علي جبار

بلغت منصات البناء ارتفاعاً‏ هائالً‏ أكاد أراه

من باحة منزلنا البعيد عن مكان اقامة نصب

الشهيد.‏ يف أحالمي كنت أسابق األيام لرؤية

هذا العمل مكتمالً.‏ وقد جاء ذلك الليل العجيب

الذي رأيت فيه جوهرة مضاءة من بعد ثالثة

آالف متر.‏ اكتمل العمل ولم أكن أتخيل بأني

سألتقي يوماً‏ بالفنان الذي صممه رغم أني

كنت مطلعاً‏ ومواكباً‏ لكل ما ينجزه يف الفن.‏

لكني يف ذلك الوقت كنت خارج الوسط الفني.‏

يف مهرجان الواسطي اخلامس عام 1985، ويف

املتحف الوطني للفن احلديث،‏ إلتقيته أول

مرة.‏ وكان قد بادر هو للحديث معي ألنني كنت

يف غاية احلرج واخلجل،‏ وكان معجباً‏ كثيراً‏

باللوحتني اللتني شاركت بهما،‏ وقد حصلت

على جائزة الواسطي األولى.‏ وقتها قال لي:‏

‏"لو ما منطيك اجلائزة كان متت من القهر".‏ ثم

أخذني من يدي ليعرفني بنجوم الفن العراقي

وجهاً‏ لوجه.‏ كان مسروراً‏ ومحتفياً‏ بصدق.‏

وهكذا فتحت لي السماء فرصتني كبيرتني من

السعادة:‏ لقائي باسماعيل فتاح الترك،‏ ودخولي

الوسط الفني من بوابة كبيرة.‏ حينها كنت ما

أزال أدرس يف معهد الفنون اجلميلة ومشغلي

يقع يف منطقة املنصور قريباً‏ من املعهد يف

بغداد.‏ وقد اقترح مرة أن يزورني هناك ويرى

ما أفعل.‏ كانت زيارته األولى بهية وحدثاً‏ مهماً‏

يف حياتي،‏ إذ أعجبته غالبية اللوحات،‏ وحرّض

بداخلي العمل يف النحت حينما قال:‏ ‏"من خالل

رسوماتك أرى لديك إحساساً‏ عالياً‏ بالنحت...‏

تقدر تنحت بسهولة".‏ ثم أضاف:‏ ‏"هل تعلم أن

الرسام اجليد هو نحات جيد،‏ لكن العكس غير

صحيح.‏ أما أنا فحالة استثنائية ألن زوجتي

ليزا هي التي ألهمتني باجتاه الرسم".‏

استمرت بعد ذلك اللقاءات والنقاشات الكثيرة،‏

إلى أن حانت حلظة قبولي يف آكادميية الفنون

اجلميلة يف بغداد،‏ وصرت أراه كل يوم ألنه كان

أستاذ النحت هناك.‏ كنت أسمع جملة يكررها

لي دوماً‏ : ‏"أنت فنان شجاع".‏ كان يحب جيل

الشباب بشكل استثنائي ويدافع عنهم يف كل

مؤسسات الدولة الفنية،‏ ويكرر القول:‏ ‏"أنا

واحد منكم وأتعلم منكم أشياء كثيرة".‏ هذا

الهاجس وروحه الشابة قرّباه منا بشكل رائع،‏

فكسر بإرادته الصورة التقليدية النمطية ألستاذ

الفن.‏ بينما كنت أدْرس الرسم يف صفوف الفنان

إسماعيل فتاح الترك مع علي جبار،‏

بغداد 1985

156


التقليدية لطالب السنتني األخيرتني،‏ والذي

تسبب لي يف بعض اإلشكاالت مع األستاذ

املشرف على لوحاتي املخصصة للتخرج من

فرع الرسم عام 1988.

كنت على تواصل معه يف فرع النحت،‏ وكنت

أتابع أعمال طالبه وهم مُنشغلون مبشاريع

غير تقليديّة أو متداولة،‏ بعد أن أفسح أمامهم

املجال لكسر بعض القيود الدارجة واالشتغال

بحرية تامّة مشروطة بوعي معني،‏ من أجل

خلق فسحة من احلداثة والتجريب،‏ مستفيداً‏

من جتربة أستاذه الرائد الفنان جواد سليم

حني كان مدرّساً‏ ملادة النحت يف معهد الفنون

اجلميلة.‏ كانت املشاريع التي طلب اإلعداد لها

يف ذلك الزمن،‏ هي ختيار مناذج من العظام

الكبيرة أو بعض أجزائها،‏ ثم تكبيرها إلى أحجام

مضاعفة،‏ يلي ذلك تلوينها حسب االختيار وفق

معايير متعلقة بالشكل وحجمه ومن كم قطعة

يتكّون العمل،‏ حيث تكون يف اآلخر أشكاالً‏ ذات

تكوينات جتريدية وإنسجام جمالي متميز.‏

عندما مت تكليف الفنّان الترك بإكمال املرحلة

الثانية التكميليّة لنصب الشهيد يف مطلع

التسعينات،‏ والتي تضمنت أعمال النحت البارز

على احلجر لتغليف الضريح اخلارجي للنصب

‏)بوابات النخيل بينها أسماء الشهداء(،‏ طلب

منّي الفنّان اإللتحاق مع مجموعة من طالبه

السابقني وأصدقائه من الفنانني الشباب الذين

يعملون يف مجال النحت،‏ ومنهم:‏ علي رسن،‏

عدنان عبد الكرمي،‏ علي جبار،‏ ماجد شاليار،‏

حامد شكر،‏ جواد كاظم،‏ نصرت عبد القهار

وآخرون.‏ حينها كنت أعمل يف مجال التصميم

واملونتاج مبطبعة األديب البغدادية التي يُديرها

الفنان هيثم فتح اهلل.‏ لكني لم أتردّد أمام

هذه الفرصة والتجربة اجلديدة التي أغنتني

كثيراً‏ فيما بعد مبهارات استخدام آالت احلفر

والنحت على احلجر الذي كان يتم إحضاره من

مدينة املوصل يف شمال العراق.‏

كنا فريق عمل ممتازاً،‏ ترك لنا الفنّان إسماعيل

فتّاح العمل بحرية لتنفيذ النماذج النحتيّة

التي صممها،‏ املتكوّنة من أشجار نخيل كبيرة

متقابلة تتدفق من حتتها ينابيع ماء باجتاه أفقي

بانسيابية وانسجام تام.‏ ينتج من ذلك التقابل يف

أشكال النخيل بوابات كبيرة حتتوي على أسماء

الشهداء بطريقة احلفر الغائر املطلي مبادة

ذهبية.‏

تعلمت من الفنّان إسماعيل الترك خالل

صداقتي له أشياء كثيرة،‏ منها التواضع

والتعامل مع اآلخرين من األصدقاء والزمالء

مبودة ومحبّة وإحترام.‏ وكانت هذه الصفات

مشهودة له يف الوسط الفنّي يف بغداد.‏ كما كان

يف كثير من املناسبات الفنيّة يؤكّد على انحيازه

إلى جتارب الفنانني الشباب ودعمهم،‏ وخاصة

يف فترة الثمانينات والتسعينات.‏

155


الفنّان إسماعيل فتّاح : أثرٌ‏ يف الصداقة والفن

كرمي رسن

بعد أكثر من عشر سنوات على تخرجي من كليّة

الفنون اجلميلة ببغداد،‏ إلتقيت الفنّان إسماعيل

فتّاح الترك ذات أمسية يف مرسمي،‏ حتدّثنا

فيها عن كلية الفنون اجلميلة ببغداد وبعض

الذكريات عن سنني الدراسة فيها.‏ أثناء ذلك

احلوار،‏ قال لي:‏ هل تتذكّر ما قلتُ‏ لك حني

كنت يف املرحلة األولى بقسم الفنون التشكيليّة؟

قلت:‏ نعم أتذكّر.‏ أضاف قائالً:‏ كان من املمكن

أن تكون من النحاتني املتميزين لو كنت إلتحقت

يف فرع النحت آنذاك.‏

يف ذلك اليوم،‏ وقف الفنّان إسماعيل فتاح أمامي

حني كنت أعمل،‏ تفحّ‏ ص عملي الطيني الصغير

من كلّ‏ اإلجتاهات،‏ ثم إرتسم على وجهه نوع من

الدهشة والفرحة ممزوجة بابتسامة عريضة

كانت معهودة عليه حني يكون يف حالة مرح أو

مسروراً‏ من شيءٍ‏ ما.‏ قال:‏ هل درست النحت

يف معهد الفنون اجلميلة؟ أجبته:‏ كال يا أستاذ،‏

أنا مولع بالنحت منذ صباي لكني أُمارس الرسم

أكثر.‏ قال:‏ لديك مهارات ممتازة وخيال خصب

ومن املمكن أن تكون نحاتّاً‏ جيداً.‏ ثم أضاف:‏

تعال معي إلى فرع النحت يف السنة القادمة

للتخصص.‏ ثم طبطب على كتفي مبودة وقال:‏

سنلتقي كثيراً.‏ بعد ذلك نشأت بيننا معرفة

ومودّة،‏ حتولتْ‏ فيما بعد إلى صداقة عميقة

بالرغم من صفة األستاذية وفارق العمر الذي

بيننا.‏

يف سنة 1984 بالتحديد،‏ كنتُ‏ أُخطط لإللتحاق

بفرع احلفر ‏)الكرافيك(،‏ بعد أن علمت من

رئاسة قسم الفنون التشكيليّة بأنه سيكون

هناك فرع خاص ومستقل،‏ وأن الطلبة الذين

يرغبون يف اإللتحاق بالفرع سيتم إختيارهم من

فرع الرسم يف السنة الثانية.‏ لكن لسوء احلظ

لم يُفتح الفرع يف السنة التالية وال يف السنوات

التي تلتها.‏ مما جعلني أخسر فرصة كُنت

أنتظرها بفارغ الصبر.‏ كذلك خسارة فرصة

االلتحاق بفرع النحت،‏ حيث سيكون الفنّان

إسماعيل فتّاح هو األستاذ املشرف للسنتني

األخيرتني.‏

توطدتْ‏ عالقتي بالفنّان الترك بعد ذلك بشكلٍ‏

ممتاز.‏ كنا نلتقي كثيراً‏ يف فرع النحت،‏ وأحياناً‏

خارج مبنى كلية الفنون يف بعض املناسبات الفنيّة

واألمسيات بنادي جمعية التشكيليني العراقيني.‏

كما كنت أزوره مرات بصحبة بعض األصدقاء

يف مشغله الرائع الكائن يف حي املستنصريّة.‏

تعرّفت على الفنان ضياء العزاوي من خالله،‏

بعد أن عرّفه بأعمالي املبكّرة حينما كنت ال

أزال طالباً‏ يف املرحلة األخيرة بكلية الفنون

اجلميلة عام ١٩٨٨. كان يف حينها يحثّني على

االجتهاد والبحث،‏ ويشجّ‏ عني على استخدامي

ملواد وخامات متنوعة يف لوحاتي التي وجدها

مختلفة عن بعض أقراني من الفنانني الشباب،‏

حيث كنت آنذاك قد خرجت عن سياق الدارج

الذي تتضمنه دروس ومنهاج فرع الرسم

إسماعيل فتاح الترك مع الفنانني كرمي رسن

وسعدي الكعبي،‏ بغداد 2002

إسماعيل فتاح الترك مع كرمي رسن والفنان

قاسم السبتي بغداد 2002

154


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1965

سيراميك،‏ 50 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2003

ركريلك على الورق * 75 56 سم

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1992

ركريلك على الورق * 75 56 سم

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1993

برونز،‏ * 22 12 * 5 سم.‏

مجموعة مؤسسة كنده للفن العربي املعاصر،‏ الرياض

إسماعيل فتاح الترك،‏ ١٩٨٦

فخاور،‏ * ٧ ٥ * ٤ سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1986

برونز،‏ * 37 20 * 9 سم.‏

مجموعة حسني حربه،‏ تورنتو.‏

153


152


للتاريخ رسالته املشفرة.‏

نستشف هذه الرسائل املشفرة بقراءة أولية

لوجوه إسماعيل،‏ الواجمة،‏ احلزينة،‏ الدامعة،‏ أو

الذاهلة أو تلك األقنعة الصلدة الصلبة الباردة

الفاقدة للمشاعر أو تلك التي فقدت أحاسيسها

من هول املصائب،‏ وهناك ثمة وجوه يغطيها

رماد احلرق وسخم الفجائع،‏ وجوه تنظر من

‏"كوّة"،‏ كوّة زنزانة محبوس فيها اإلنسان؟ أو كوة

بيت محجور فيه اإلنسان؟ ترنو ساهمة،‏ هائمة،‏

دامعة،‏ أو مغمضة ال تقوى على مشاهدة ما

يجري وال تريد أن تكون شاهداً‏ على اخلطيئة،‏

أو وجوه نصفية منشطرة.‏ جلها وجوه أنثوية

فهي الشاهدة التي ما زالت حية ويشاء الفنان

أن يبقيها حية،‏ فالذكور قُبروا أو يف طريقهم

إلى القبور.‏

يخيل للناظر أن كل وجه من وجوه إسماعيل

كان يعبّر عن قصة واقعية أو كان حكاية مروية

يسمعها يومياً‏ وهو منخرط مع أهله وطلبته

وزمالئه وأصدقائه،‏ وهم يتهامسون باملمنوع

ويوشوشون باحملظور.‏ وكل همسة وكل وشوشة

صدع يف النفس عميق،‏ وكم صدعاً‏ يف اليوم

يُصدع ؟ وكم فجيعة يف اليوم يُفجع؟

حني نُحر مئات اآلالف من الشباب العراقيني

وغادروا هذه احلياة يف عنفوان شبابهم،‏ تاركني

نساءهم مُرَمَالت وهُنّ‏ يف عنفوان شبابهن وقد

نُحِ‏ رنَ‏ مجازاً‏ يف هذه احلياة.‏

يف النحت لبست وجوه إسماعيل قناع البرود

واالنفعال اجلالسة باستقامة أو الواقفة باستواء،‏

رأسها املرفوع املتطاول،‏ ترقب وتشاهد لتروي

ما ال يُروى وحتكي ما ال يُحكى.‏ بعض من تلك

الفجائع امللونة بألوان الرايات واخلطايا امللوثة

بأدران األسباب واجلرائم املبررة مبختلف

الدواعي،‏ تطول النساء والرجال معاً،‏ الرجال

يطويهم املوت وتلفهم القبور،‏ والنساء الباقيات

هن الشاهد احلي،‏ الباقي على كل هذه األحزان

واملآسي،‏ هن احلبيبات والزوجات واألمهات

واألخوات والبنات املفجوعات،‏ هن وحدهن

حتملن وزر األيام وثقل السنني وقهر الدهر.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1971

أكريلك على كارتون،‏

برونز،‏ * 60 15 * 15 سم..‏

مجموعة خاصة،‏ عمان

151


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1998

برونز،‏ * 40 37 20* سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إإسماعيل فتاح الترك،‏ 1965

برونز،‏ * 16 7 * 5 سم.‏

مجموعة مؤسسة كنده للفن العربي املعاصر،‏ الرياض

إسماعيل فتاح،‏ 1972

برونز،‏ * 40 17 * 20 سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

إسماعيل فتاح،‏ 1998

برونز،‏ * 21 17 20* سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

150


إسماعيل فتاح،‏ 1975

برونز،‏ * 40 37 20* سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح،‏ 1998

برونز،‏ * 50 38 * 13 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1974

برونز،‏ * 22 33 *18 سم.‏ نسخة واحدة

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1965

برونز،‏ * 28 14 * 6 سم.‏

مجموعة مؤسسة كنده للفن العربي املعاصر،‏ الرياض

149


إسماعيل فتاح الترك،‏ 1994

زيت على كارتون،‏

* 80 55 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

عن النفس كلما سنحت الفرصة.‏ كان هذا هو

الروتني اليومي واملتنفس للتواري من املشهد

القامت،‏ إنه إعالن سري معارض ولكنه موارب،‏

أذ ال يبدو أن هنالك حالً‏ آخر ضمن ما هو متاح

وممكن.‏ ال سبيل غير هذا إذا رفضت االنتحار

وبعكسه فالهالك محيط بالكل وسيف املوت

مسلط على رقاب اجلميع دون استثناء.‏ إنسان

وفنان مثل إسماعيل شخص يحب احلياة ومقبل

عليها ال يريد أن ينتحر وال أن ميوت مجاناً‏ وال

يود أن يصبح رقماً‏ منسياً‏ يف زنزانة عفنة.‏ ما

زال يف عنفوان شبابه وله أهداف طوال عراض،‏

لم يقل كلمته بعد،‏ ولم يضع بصمته على دروب

هذه الدنيا،‏ أمامه الكثير ليفعل ويقول ويقدم.‏

هروبه كان للفن،‏ وصنو الفن املرأة"،‏ فهما

املتنفس وهما الواحة وهما الراحة التي تعينه

على املواصلة والتواصل.‏

ال يهدأ املبدع إال إذا أرسل رسالته إذ أنها ديدنه

ومحركه،‏ كيف ميكن ملثقف حسّ‏ اس أن يصمُت؟

صمت املبدعني مدويّ‏ ، وسكوتهم الظاهر

مشفّر.‏ وماذا لدى الفنان غير إزميله أو قلمه

أو ريشته؟ يبعث من خاللها لألجيال ويسجل

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1998

أكريلك على ورق،‏

* 70 50 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

148


147


إسماعيل فتاح الترك،‏ معارض و موارب

حسنني االبراهيمي،‏ مجموعة االبراهيمي

كان اسماعيل فتاح من الفنانني الذين انخرطوا

بقوة وبعمق بديناميكية احلياة التي احاطت

بهم منذ عودته الى بغداد من دراسته يف روما

عام 1965. وقد وضعه تكليفه بإقامة النُصُ‏ ب

البرونزية التاريخية من قبل أمانة بغداد،‏

وبعد ذلك تكليفه يف الثمانينات بإقامة بعض

النُصب العامة وأهمها نصب الشهيد،‏ وعضويته

يف الهيئة التدريسية يف كلية الفنون اجلميلة،‏

وعالقاته االجتماعية والواسعة وحركته الدائبة،‏

وشخصيته املنفتحة،‏ وسلوكه املرح وابتسامته

الواسعة،‏ كلها وضعته يف قلب احلياة النشطة

والدائبة يف بغداد الفترة التي عاشها فيها،‏ وكلها

أيضاً‏ اشتركت يف تكوين االنطباع العام الذي

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2004

اكريلك على الورق،‏ * 95 75 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح،‏ 1988

أكريلك على ال الترككارتون،‏ * 100 70

سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

تشكل عنه.‏ رجلٌ‏ محب للحياة،‏ مقبلٌ‏ عليها،‏

مليء بالطموحات،‏ يريد أن يطير بإجنازاته الى

عنان السماء.‏ ولم ال؟ مبدعٌ،‏ تقني يعمل بيده

يرسم وينحت،‏ ومتمكن وأستاذٌ‏ يف صنعته،‏ يأمل

بالتغيير وميُ‏ ‏َنِي النفس باإلجنازات واخللود،‏ ابن

جلجامش وسليل متوز.‏

كان اجلو السياسي العام طموحاً‏ أيضاً‏ ويريد

حتقيق اإلجنازات،‏ وبدأ حملة بناء وإعمار

وخاصة يف املجاالت التي حتقق أهداف

النظام السياسية ضمن طروحات احلزب

احلاكم.‏ والفن التشكيلي هو إحدى القنوات

التي حتقق رؤى احلكام وأهدافهم وخاصة يف

النحت واملنحوتات،‏ ومَنْ‏ أبرز من ميكن تكليفه

بعمل كهذا؟ اسماعيل كان األبرز.‏ ومن يقول

ال؟ ألي طلب يأتي من سلطة رسمية؟ ال ‏"ال"‏

يف العراق،‏ تعني رفضاً‏ والرفض يعني موقفاً،‏

واملوقف يعني الضد واملعارضة بدون تأويل أو

تفسير.‏ واملعارضة من أي نوع تقود اإلنسان إلى

إشكاليات ال ميكن التكهن بنتائجها،‏ وخاصة أن

موقفاً‏ معارضاً‏ من فنانٍ‏ مبدعٍ‏ مثل إسماعيل

سيصل صداه فوراً‏ إلى أسماع السلطات العليا

وبسرعة البرق،‏ ورد الفعل املتوقع سوف يأتي

من هذه السلطات أسرع من البرق.‏ وأمثلة

وقعت يعرفها اجلميع ألساتذة وأفراد ومثقفني

مت تغييبهم لوشاية واش أو حسد حاسد.‏

بني رهافة حس الفنان املسكونة فيه وبني

مطرقة الواقع وضغوطه وحمالت القمع

املنظمة والتي بدأت ضد املعارضة السياسية

والرأي اآلخر،‏ إبتداء من القوميني العرب إلى

الشيوعيني إلى املنشقني البعثيني إلى تصفية

القيادة القطرية الرسمية والكادر املتقدم حلزب

البعث نفسه يف 22. متوز.‏ 1979 إلى نشوب

احلرب العراقية اإليرانية إلى حمالت القمع

واالعتقاالت واإلعدامات باجلملة يف اجلنوب

والشمال بأنواع التهم اجلاهزة...‏ كان الرفض

واالشمئزاز والشجب تتراكم يف أعماق نفس

كل مثقف وكل إنسان واعي أعماق النفس يف

الالوعي،‏ ولكن الوعي يف أشد حاالت التشنج

والتحفز والتحفظ،‏ ماذا يصنع املثقف أمام

تنكيل السلطة وعنفها األعمى؟

الهروب،‏ وللهروب طريقان:‏ إلى اخلارج أو إلى

الداخل.‏ ومثل ماليني العراقيني اختار إسماعيل

الداخل،‏ داخل نفسه حيث زوايا املوهبة واإلبداع،‏

نحتاً‏ ورسماً‏ وتدريساً،‏ ويف الليل صحبة وترويح

146


145


يضم مختارات من مجموعتي،‏ ومنها لوحة

كبيرة إلسماعيل،‏ هدية منه لتزيني داري املكعب

يف بغداد.‏ لم تنشر،‏ أنشرها هنا.)صفحة 139(

تلفن أخي ضياء من دبي فرحاً:‏ ‏"معاذ عملت

بهذا املعرض يوماً‏ مشهوداً‏ للفن العراقي".‏ وكان

يحتوي أعمال جيل الثوار،‏ ضياء العزاوي ورافع

الناصري ومحمد مهر الدين وشاكر حسن

وعلي طالب وإسماعيل فتاح وكرمي رسن وكاظم

حيدر.‏

كان كرمياً‏ مع أصدقائه،‏ يرسم يف بيوتهم بعد

أن نأكل السمك.‏ نتشارك بالرسم ونتركه.‏

لدي لوحات تشاركنا بها تشحيطاً‏ وموقعة،‏

رمبا فقدت.‏ هو بالذات لوحاته تتعطر برائحة

السمك املسگوف ‏)اختصاص فذ(.‏ يترك

لوحاته كنوزاً.‏ كرمي...‏ وكان يشملني كرمه.‏

نحت واحد لشارع حيفا،‏ حددنا املوقع واستوردنا

املواد.‏ نحت كله حب وجمال كاد يزين شارع

حيفا،‏ لم يكتمل.‏ ال بأس.‏ بالتأكيد كان مصيره،‏

لو اكتمل،‏ فناء اجلهل واحلقد.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2001

أكريلك على الورق،‏ * 75 57 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1998

برونز *15 3 * 3 سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1990

أكريلك على الورق،‏ * 75 57 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 2002 كالري كرين ارت،‏ دبي.‏

تصوير ضياء العزاوي

144


األعراف واملقاييس االجتماعية وخاصة البالية

منها.‏ يحاول التصعلك ويتشبه بالغجر القادمني

من منطقة بوهيميا يف أوروبا الوسطى.‏ وكما

هي احلال يف التراث الثقايف األوروبي،‏ هو ذلك

الفقير ‏)وهو ليس كذلك(‏ واإلنسان البسيط

املنفرد بطبعه واملتميز بأسلوبه،‏ الذي ال يهتم

مبظهره وال باملال ألنه مشغول دائماً‏ بفنه

وطقوسه الغريبة.‏ يساعد الغير ويرعى الصحبة

واإلبداع أينما كان.‏

يف عالم الفنون ما ميكن أن يُصطلح عليه ‏"دنيا

البوهيميني".‏ لكنه ابن بلده،‏ وما نصب الشهيد

إال خير شاهد على ذلك،‏ ما فوق االنتماء

املتجدد.‏

أعود اآلن إلى صحبته أيام الثمانينات.‏ عبثنا

سوية ورسمنا،‏ أنا متطفل عليهم.‏ ‏"متسمكنا"‏

املسگوف سوية،‏ أما الباجة الليلية فكانت

طقساً‏ إجبارياً.‏ وال بد من أن أذكر هنا محبة

البغداديني إلسماعيل،‏ قلما ارتضوا النقود:‏

‏"أستاذ عيب".‏

أذكر هذا لسبب حيّرني دائماً.‏ أنا على سفر

خالل احلروب وللعمل يف أوروبا.‏ ومع ذلك لم

أفوّت أياً‏ من املعارض الفنية احلديثة والتجارب

املستحدثة يف النحت والفن.‏ وإذ باسماعيل

مواكب،‏ من أين لك هذا احلس؟ أنا يف أملانيا

أتعقب اجلديد وهو يف بغداد بدون سفر،‏

مواكب.‏ هناك من يقول ليزا،‏ زوجته.‏ نعم التأثير

األملاني قوي على عمل إسماعيل وخاصة يف

الرسم.‏ حتى بعض أعمال بويس قبل ذهابه إلى

الفن التركيبي.‏ معاصر مع حدس قوي ال يعيه

هو لكنه متأصل فيه،‏ فخور به.‏ ومن هنا تأتي

ثقته الفنية غير املساومة.‏ إسماعيل فذ،‏ ترك

مريدين متميزين.‏ أدخل كثيراً‏ من الشطحات

الفنية وخاصة يف النحت.‏ مُريدوه يواصلون

العمل.‏

مدرسة الفن العراقي دائمة.‏ أتذكر عندما اتصل

بي صديقي ضياء العزاوي،‏ لتنظيم معرض

143

إسماعيل فتاح 2002

مواد مختلفة على الورق * 75 60 سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح 1988

اكريلك على الورق * 100 70 سم

مجموعة خاصة.‏

إسماعيل فتاح الترك 1965

برونز * 24 10 * 12 سم

مجموعة مؤسسة كنده للفن العربي

املعاصر،‏ الرياض


142

إسماعيل فتاح الترك 2001

أكريلك على القماش * 150 120 سم

مجموعة خاصة،‏ بيروت


إسماعيل فتاح الترك 1969

برونز،‏ * 40 30 * 8 سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

141


قبرص،‏ وبعمر يناهز التسعني.‏ أخبرني أن

إسماعيل كان من تالمذته املتفوقني يف فرع

السيراميك.‏

ڤالو،‏ وهكذا كان يناديه أستاذ النحت الكبير

جواد سليم،‏ يف قبرص يتمتع مع أهله بالعطلة

الصيفية.‏

‏"ڤالو ترجع إلى بغداد،‏ هذا طلب جواد،‏ يف

احلال.‏ لدينا جلنة الختيار طالب البعثات إلى

املعاهد األوروبية.‏ ومن فرع السيراميك لديك

طالب أريده ضمن البعثة يف مادة النحت.‏ إنه

إسماعيل فتاح".‏

يقول ڤالنتينوس:‏ أنا ال أرد طلباً‏ جلواد،‏ ألنه

هو الذي استوقفني وأنا يف طريقي إلى توماس

كوك.‏ لم أحتمل بغداد.‏ شجعني على تبديل رأيي

والبقاء يف بغداد.‏ استلمني ورعاني،‏ وعرفني

على األصالة.‏ لواله أنا اآلن مدرس يف ثانوية

قبرصية".‏ ڤالنتينوس قالها يف خطاب تكرميه

يف نيقوسيا.‏ نعم عاد مسرعاً‏ ليتفق الثالثة على

إرسال إسماعيل يف البعثة،‏ لدراسة النحت بدل

السيراميك.‏

نعم هكذا يسلم الكبار.‏ وهو كان يف محل الثقة،‏

واسطة االنتقال من دور الرواد إلى دور الثوار،‏

ثوار يف البحث عن خصوصيتهم الشخصية،‏

وليس خارج مدرسة الهوية املستلمة.‏ نعم

اجلميع أجاد واحلركات حتت املظلة متواصلة،‏

والفن العراقي املتميز يفترش صاالت العالم

املتحمس لألعمال اجليدة.‏

إسماعيل الفنان يحيّرني.‏ صديقي الشخصي،‏

ساعدنا يف محنتنا أيام تشييد شارع حيفا،‏

زاملنا وصاحبنا يف املكتب،‏ يف اجلد والهزل.‏

وهو غير تقليدي يف جميع تصرفاته.‏ ‏"عبثية

محببة رغم غرابتها"،أو متمرد ال يندمج مع

إسماعيل فتاح الترك 1988

الوان مائية على الورق * 59 41 سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

إسماعيل فتاحالترك 1988

أكريلك على الورق * 100 70 سم

مجموعة خاصة،‏

إسماعيل فتاح الترك 1988

أكريلك على الورق * 136 102 سم

مجموعة خاصة

140


إسماعيل فتاح الترك،‏ املعماري فيصل اجلبوري

واملعماري معاذ اإللوسي،‏ بغداد 1988.

تصوير بد احلاج

إسماعيل فتاح الترك 1988

أكريلك على القماش * 139 142 سم

مجموعة خاصة،‏

139


ماذا يعني إسماعيل فتاح الترك

معاذ األلوسي

ماذا يعني إسماعيل فتاح ملسيرة الفن العراقي

املتميز،‏ والذي أثبت بعض الوجود بخصوصيته،‏

وبهوية مواكبة للتطور والتمدن اإلنساني أجمع،‏

تثبتها املتاحف واملجموعات املعروفة وتقديرها

لفناني العراق.‏ ماذا يعني إسماعيل؟ وما موقعه

من هذا احلركة؟

أهم ما يكسب الهوية يف الفن،‏ وهنا أضم

العمارة واألدب،‏ هو االستمرار.‏ إنها عملية

تسلٌم واستالم وتسليم.‏ هنا يكمن دور اثنني من

فنانني العراق،‏ رمما اجلسر بني الرواد واألولني

وبني شباب يبحث عما يضيف.‏ وهذا ما أغنى

احلركة الفنية.‏ هذه العملية مستمرة إلى

يومنا هذا،‏ ضعفت يف األدب ‏)ما عدا الرواية(‏

واختفت يف العمارة.‏ العمارة تعنيني أيضاً،‏

فقد توقف االستالم وتالشت العملية برمتها،‏

وأصابها التشويه وفقدت األصالة.‏ مدن العراق

تشهد على ذلك،‏ عملية املسخ مستمرة.‏

يف الفن املقاومة قوية.‏ قاوم الفنانون وبشراسة

كثيراً‏ من اإلسفاف الفني،‏ ونحت األسد عند

مدخل النجف خير دليل،‏ واملعركة مستمرة.‏

والفشل يف إضاءة نصب 14 متوز شاهد على

ذلك.‏

نعود إلى إسماعيل.‏ إنه من جيل استلم من

أساتذة كبار،‏ وسلمها إلى أساتذة هم اليوم كبار

أيضاً.‏

هنا حادثة أسردها،‏ رمبا لم يعرفها كثيرون

منكم.‏ طبعاً‏ قلة من فناني اليوم بعمر يُوصف

بالتجسير.‏ أنا من جتسير العمارة استلمت وما

سلمت،‏ ال أعرف حلد اآلن.‏ ومن خالل جيلي

علمت بهذه احلادثة التي تعني وتفسر ما أنا

بصدده اآلن.‏

أساتذة معهد الفنون اجلميلة يف نهاية

اخلمسينات ثالثة:‏ جواد سليم للنحت،‏ فايق

حسن للرسم،‏ وللسيراميك ڤالنتينوس كراملبوس

القبرصي/العراقي،‏ جاري اآلن يف ليماسول ،

138


إسماعيل فتاح الترك مع بدر احلاج،‏ الدوحة.‏

إسماعيل فتاح الترك 1998

برونز،‏ * 20 10 * 18 سم

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك ، نصب الشهيد،‏ 1988

تصوير بد احلاج

137


136

حقق إسماعيل رغبته األخيرة ودفن يف أرض

العراق.‏ لكن العراق الذي عرفه تبدّل جذرياً.‏

انتهت ديكتاتورية ‏"الزعيم امللهم"‏ ليحل مكانها

عراق ممزق زُرعت أرضه بقواعد احملتلني،‏

ونهبت ثرواته وال تزال،‏ وسرقت آثاره،‏ وأقام

احملتلون دويلة متصهينة يف شماله.‏ لكن

رغم محاولة البعض ممن جاءوا على الدبابة

األميركية من قضم أجزاء مما يحيط به من مقتربات

للتقليل من قيمته اجلمالية،‏ ظل يرتفع يف سماء بغداد

نصب الشهيد يحدث األجيال العراقية احلاضرة والتي

لم تولد بعد عن عظمة فنان انتهت حياته عندما تشظى

العراق أمامه.‏


إسماعيل فتاح الترك 2001

أكريلك على القماش * 148 103 سم

مجموعة خاصة،‏ بيروت

135


إسماعيل يعمل بصمت يف محترفه ويبدع.‏

صعوبات جمة كانت تواجهه أثناء العمل.‏ ألوان

الرسم والورق والبرونز مواد مفقودة.‏ ونظراً‏ إلى

انكبابه على إجناز املواد النحتية جلأ إلى شراء

حديد السيارات القدمية،‏ وكان يجري صهر

احلديد ثم يعاد استعماله يف صب التماثيل.‏

لذلك كانت غالبية األعمال النحتية التي أجنزها

يف تلك الفترة تتعرض بسرعة للصدأ والتآكل

بسبب رداءة املعدن املستعمل.‏ أما األوراق

الضخمة احلجم اخلاصة بالرسم واأللوان،‏

فكان ضياء العزاوي يتولى إرسالها له من لندن

إلى بغداد عبر األردن.‏ كانت رحلة وصول تلك

املواد تستغرق أكثر من شهر لصعوبة إيجاد

مسافرين مستعدين حلملها.‏

يف أحد األيام كنت يف زيارة حملترف ضياء

العزاوي يف لندن وإذ به يفتح ملفاً‏ فيه مجموعة

من الرسوم امللونة أجنزها إسماعيل على

األوراق الكبيرة احلجم التي أرسلها له العزاوي.‏

بسرعة مت بيع تلك األعمال وأرسلت األموال إلى

إسماعيل حيث كان كغيره من العراقيني يعاني

اقتصادياً‏ بسبب احلصار.‏ كان كل ما جناه يف

حياته الفنية مودعاً‏ يف املصارف العراقية،‏ ومع

احلصار والهبوط احلاد لقيمة العملة العراقية

أصبحت ثروته البسيطة جداً‏ ال قيمة لها.‏

يف هذا املجال أود اإلشارة إلى حادثة أعتقد

بأن الوحيد الذي يعرف بها هو الصديق ضياء

العزاوي.‏ كانت شركة ميتسوبيشي اليابانية

تتولى تنفيذ نصب الشهيد،‏ لكن تنفيذ العلم

العراقي الضخم كانت تتواله شركة بريطانية

زودها إسماعيل برسم صغير للعلم.‏ وعندما

انتهت الشركة من عملية صب العلم البرونزي،‏

كان على إسماعيل أن يعطي املوافقة النهائية

على مواصفات العمل قبل شحنه إلى بغداد.‏

وعلى هذا األساس وصل إسماعيل إلى مطار

لندن،‏ حيث فوجئ باستقباله من قبل أصحاب

الشركة على مدرج املطار،‏ ونقلوه بواسطة

طائرة هليكوبتر إلى خارج لندن حيث مقر

املصنع.‏ تكرمي لم يعتد إسماعيل عليه سابقاً.‏

كان أصحاب املصنع الرئيسي يتمنون أن يوافق

إسماعيل على ما نفذوه،‏ ألن اعتراضه على على

التنفيذ سيسبب لهم خسائر مادية وتأخير يف

التسليم،‏ لذلك حمللوا له انهم مستعدون لدفع

املال مقابل موافقته.‏ وهذا األسلوب شائع

يعتمده عادة املقاولون األجانب يف تعاملهم

مع الكثير من السماسرة العرب.‏ كان رد فعل

إسماعيل عنيفاً‏ وبالطريقة العراقية املباشرة،‏

شتم احلاضرين وهددهم برفض ما أجنزوه إذا

أكملوا احلديث معه.‏

يف الواقع لم يكن إسماعيل مهتماً‏ على اإلطالق

بالنواحي املادية.‏ وكان بسلوكه هذا،‏ رغم ندرة

األموال يف العراق،‏ يخالف الكثير من الفنانني

العرب.‏ هذا ما عرفته عن قرب.‏ كان كرمياً،‏

وديعاً،‏ مبدعاً،‏ ومنوذجاً‏ لإلنسان العراقي

الطيب القلب.‏

على الرغم من سنوات احلصار املجرمة الطويلة

على العراق،‏ إال أن األميركيني لم يستطيعوا

إخضاع البلد والسيطرة عليه.‏ استعانوا

مبندوبني من جلان نزع أسلحة الدمار الشامل،‏

وكانوا جميعهم بدون استثناء عمالء للمخابرات

األميركية.‏ لكنهم رغم ذلك لم ينجحوا يف

مساعيهم.‏ وكل اجنازاتهم كانت مزيداً‏ من بؤس

وشقاء وفقر للعراقيني.‏

كانت غلطة صدام حسني املميتة،‏ والتي دُفع

إليها من قبل األميركيني،‏ غزو الكويت.‏ كانت

خطوته تلك سبباً‏ لتدخل مباشر من قبل

األميركيني للبدء بعملية تدريجية إلسقاط

العراق والسيطرة املباشرة عليه.‏ ارتكب

األميركيون جرمية رهيبة بقصفهم أرتال اجليش

العراقي املنسحبة من الكويت بقنابل اليورانيوم

املخصب،‏ والذي استعملوه الحقاً‏ يف معركة

احتالل مطار بغداد متهيداً‏ الحتالل العراق.‏

وهكذا انتشرت أمراض السرطان بكثافة بني

العراقيني،‏ وامتألت مستشفيات األردن ولبنان

وأوروبا بأرتال من املرضى العراقيني الحقاً.‏

كان األردن املتنفس الوحيد الذي يُسمح

للعراقيني بالدخول إليه.‏ وقد استغل النظام

األردني ذلك إلى أقصى احلدود،‏ ثم انقلب على

العراق وسار يف ركاب قوات الغزو األميركي،‏

متناسياً‏ ماليني الدوالرات التي دفعها العراق

معونات ومساعدات على كافة املستويات.‏ كان

إسماعيل يزور األردن بني فترة وأخرى.‏ ميضي

يف عمان بضعة أسابيع ثم يعود إلى بغداد.‏

خالل زياراته تلك كنا نتحدث هاتفياً،‏ وكان

على اتصال متواصل مع رفيقه ضياء العزاوي.‏

لكن عندما وصل الوضع يف العراق إلى االنهيار

شبه الكامل،‏ غادر إسماعيل بغداد إلى عمان.‏

ويف األردن أقنعه ضياء العزاوي بصعوبة كي

يغادر إلى قطر حيث مت تأمني مكان إلقامته،‏

إضافة إلى محترف تبرع به الشيخ حسن بن

محمد آل ثاني.‏ بصعوبة وتردد انتقل إسماعيل

إلى الدوحة،‏ وهناك التقيت به والعزاوي مرات

عديدة.‏

يف السنوات القليلة التي أمضاها إسماعيل يف

الدوحة أجنز أعماالً‏ فنية رائعة،‏ خاصة متاثيل

اجلنود الضخمة وعددها أربعة وعشرون متثاالً‏

متثل حرساً‏ يقفون صفوفاً‏ متراصة خلف متثال

ضخم ‏"للقائد امللهم".‏ وكان عمله هذا تعبيراً‏

رمزياً‏ ملا حدث للعراق.‏

على الرغم من توافر اإلمكانات واجلو املناسب

له ملواصلة عمله اإلبداعي يف الدوحة،‏ األمر

الذي لم يكن متاحاً‏ يف العراق،‏ إال أن أخبار

العراق كانت متزقه كما سائر العراقيني الذين

تشردوا ولم يكن يتخيلون أنهم سيصبحون

الجئني يوماً‏ ما.‏

باعتقادي أنه لو توافرت السماعيل فتاح ظروفاً‏

طبيعية يف مجتمع غير العراق،‏ لكان أبدع الكثير

الكثير.‏ فعلى الرغم من الظروف القاسية،‏ فإن

ما أجنزه يتجاوز جماالً‏ وبنية ومعنى الكثير من

أعمال فنانني كبار.‏ هذا الكالم ليس تقريظاً‏

له،‏ بقدر ما هو واقع جتذبك إليه أعماله التي

جعلت منه أحد أبرز الفنانني العراقيني والعرب

يف العصر احلديث،‏ على الرغم من إغراق

األسواق بعد وفاته بالكثير من األعمال املزورة.‏

يف ذكرى رحيل إسماعيل فتاح،‏ إن دعوتي

ألصدقائه وتالمذته وملن عرفه عن قرب أن

يبدأوا منذ اآلن العمل على توثيق شامل ألعماله

الفنية وتكرميه بكتاب توثيقي علمي،‏ أو بإقامة

متحف خاص ألعماله يف العراق الذي أحب

وأبدع الكثير من أجله.‏

134


إسماعيل فتاح الترك 2000

حبر صيني على الورق * 100 80 سم

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت

إسماعيل فتاح الترك 1992

حبر صيني على الورق * 76 56 سم

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت

إسماعيل فتاح الترك 2004

حبر صيني على الورق * 66 52 سم

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت

إسماعيل فتاح 1988

اكريلك على القماش * 138 105 سم

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت

133


132


إسماعيل فتاح الترك 1992

حبر صيني على الورق * 76 55 سم

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت

إسماعيل فتاح الترك 1992

حبر صيني على الورق * 76 55 سم

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1995

الوان مائية على الورق * 63 47 سم

مجموعة حسني حربه،‏ تورينو.‏

إسماعيل فتاح الترك غير مؤرخة

الوان مائية على الورق * 20 16 سم

مجموعة خاصة.‏ لندن

131


البغدادية التي ال تنسى.‏

كان إسماعيل شديد االعتزاز مبا أجنزه،‏

إذ ألول مرّة تسنح له الظروف بوضع أفكاره

املبدعة موضع التنفيذ وبتلك الضخامة واملهابة

والرمزية.‏ ومبناسبة احلديث عن نصب الشهيد

ال بد من ذكر حادثة أخبرني بها إسماعيل،‏

ملخصها أن نصب الشهيد أنقذ حياته من موت

محتم.‏ وبالعودة إلى التفاصيل،‏ فقد سُ‏ نّ‏ يف

العراق زمن صدام حسني قانون يقضي بإعدام

كل شخص يتناول شخص الرئيس بالشتم أو

اإلهانة.‏ وكان إسماعيل معتاداً‏ على قضاء

أمسياته البغدادية يف املطاعم برفقة أصدقاء

يتناولون خاللها الكحول ويتناقشون يف شتى

املواضيع.‏ ويبدو أنه يف إحدى الليالي تطرق

احلديث إلى الرئيس وأسرته وحاشيته،‏ فلم

يكترث إسماعيل بل قام بشتم الرئيس واألسرة

معاً.‏ ويبدو أن أحد احلضور كان يعمل مخبراً‏

لدى جهاز املخابرات،‏ فقام بنقل اخلبر إلى

األجهزة األمنية.‏ وتلقائياً‏ وصل اخلبر إلى مكتب

الرئيس،‏ وكان إسماعيل وقتها اسماً‏ مشهوراً‏

الرتباطه بنصب الشهيد.‏

يف تلك الليلة كانت محطة اإلذاعة البريطانية

‏)بي.بي.سي(‏ تذيع برنامجاً‏ عن أهم النصب

التذكارية املنجزة يف ذلك العام،‏ وأظن أنه عام

1984، وكان صدام حسني وطارق عزيز يستمعان

إلى البرنامج الذي شارك فيه خبراء معماريون

وفنانون عامليون.‏ وجرى حتليل ألبعاد نصب

الشهيد ومعانيه وارتباطه باحلضارة العربية

اإلسالمية وتراث فن بالد ما بني النهرين.‏

واعتبر اخلبراء أن النصب هو من أبرز األعمال

الفنية عاملياً.‏ كان صدام وطارق عزيز يف قمة

السعادة عندما سلم مدير مكتب الرئيس ورقة

صغيرة لصدام تبلغه أن إسماعيل فتاح شتمه

وشتم األسرة.‏ استدعي إسماعيل على الفور

إلى القصر ولم يكن يعرف السبب.‏ فور وصوله

مازحه صدام قائالً:‏ شتمتني وشتمت األسرة يف

حالة سكر،‏ سأسامحك.‏ وأشاد بعمله املعماري

الرائع كونه فخراً‏ للعراق.‏

كان إسماعيل من الذين يفضلون السهر يف ليل

بغداد.‏ وأذكر أثناء جولة يف سيارته ذات مساء

مررنا بالقرب من بوابة ضخمة،‏ وإذ بها البوابة

للقصر امللكي املعروف بقصر الرحاب.‏ وكان

صدام حسني يقضي بعض األوقات فيه.‏ أخبرني

إسماعيل أنه كان يقود سيارته بعد منتصف

الليل ودخل مسرعاً‏ بوابة القصر،‏ وحلسن حظه

تعرف احلرس إليه وإلى سيارته...‏ وأنقذت

حياته مرّة أخرى من موت محتم.‏

مع توقف احلرب العراقية اإليرانية،‏ توهم صدام

حسني أنه أصبح اآلمر الناهي يف املنطقة.‏ فبدأ

مغامرات أدت يف النهاية إلى تدمير العراق.‏ وزّع

السالح واملال وفتح معسكرات التدريب للقوى

املتحالفة مع إسرائيل يف لبنان نكاية ‏"بالعدو

السوري".‏ وبأسلوب اخلطوة خطوة بدأ املخطط

األميركي الهادف إلى السيطرة الكلية على

العراق وثرواته.‏ مت فرض احلصار الشامل على

العراق ملدة جتاوزت العشر سنوات.‏ خالل تلك

الفترة مات مئات اآلالف من العراقيني،‏ وبصورة

خاصة األطفال.‏ ورفع الغرب شعار ‏"سالح

الدمار الشامل"‏ الكاذب جملة وتفصيالً.‏

يف تلك الظروف العصيبة على العراقيني،‏ نادراً‏

ما غادر إسماعيل العراق.‏ فاملغادرة ألي شخص

كانت تتطلب إذناً‏ من املخابرات التي أحكمت

سيطرتها على كافة مرافق البالد.‏ رويداً‏ رويداً‏

دبّ‏ الضعف يف اجلسد العراقي املنهك،‏ وكان

130


129


إسماعيل فتاح الترك 2001

أكريلك على القماش * 120 100 سم

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت.‏

إسماعيل فتاح الترك 1988

مواد مختلفة على الورق * 102 70 سم

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت.‏

إسماعيل فتاح الترك 1995

مواد مختلفة على الورق * 76 55 سم

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت.‏

إزداد الوضع سوءاً‏ مع إزاحة البكر وتولي صدام

حسني السلطة،‏ حيث خطط لتصفية قيادات

رئيسية يف حزب البعث يف مسرحية مرعبة

سجلت وقائعها.‏ تبدل العراق بصورة جذرية.‏

ومع السعي األميركي لتمرير اتفاقية كامب

ديفيد بني السادات واإلسرائيليني،‏ اندلعت

احلرب الدموية العبثية بني العراق وإيران،‏

والتي استمرت عدة سنوات وحصدت مئات

اآلالف من العراقيني واإليرانيني.‏

يف عام 1978 تقرر إقامة نصب للشهيد يف

بغداد.‏ دعي العديد من الفنانني للمشاركة يف

تقدمي أفكارهم وتصوراتهم حول النصب املزمع

إقامته.‏ بعد جلسات نقاش وتقييم لألفكار

املقدمة،‏ مت اختيار مشروع إسماعيل فتاح

الذي هو عبارة عن قبة عباسية منشطرة إلى

قسمني يخرج من وسطها العلم العراقي مرتفعاً‏

مع أرواح الشهداء نحو السماء.‏ وقد بدأ البناء

فيه بداية الثمانينات مما جعل البعض يربطه

باحلرب العراقية اإليرانية.‏

يف الواقع،‏ رغم أن أعمال إسماعيل النحتية

كانت موزعة يف شتى أنحاء بغداد كتماثيل

معروف الرصايف والفارابي وأبو نواس ويحيى

بن محمود الواسطي وغيرهم،‏ إال أن نصب

الشهيد هو بدون أدنى شك من أبرز أعماله

على اإلطالق،‏ ليس على صعيد العالم العربي

فقط،‏ بل يعتبر من أضخم وأبرز األعمال

النحتية عاملياً.‏

يف آخر زيارة لي إلى بغداد،‏ دعاني إسماعيل

لزيارة النصب يف منطقة الرصافة عند املساء.‏

حلسن احلظ هذه املرة كنت أحمل آلة تصوير.‏

يقع النصب على مساحة مسطحة ضخمة حتيط

بها من كل اجلوانب أشجار النخيل.‏ على جدران

الطابق األرضي أسماء آالف الشهداء العراقيني

إضافة إلى متحف وبركة تتدفق منها املياه من

وسط األرض كرمز لدم الشهيد.‏ استفاض

إسماعيل يف الشرح،‏ كان يف قمة السرور وهو

يتجول يف ذلك املكان،‏ وقد استطعت التقاط

مجموعة من الصور له وللنصب يف تلك األمسية

128


موقد يتم فيه طهو أسماك العراق ويُحضر طبق

‏"املسكوف".‏ ما أن جلسنا حول الطاولة حتى بدأ

أصدقاء إسماعيل بالتوافد.‏ أذكر منهم املعماري

معاذ األلوسي والفنان طارق إبراهيم وغيرهما.‏

كان إسماعيل جنم احلضور،‏ أحاديث متنوعة

وأقداح العرق العراقي تدور على احلضور.‏

يف ذلك الوقت كان أحمد حسن البكر يتولى

السلطة،‏ وكان الوضع العام محتمالً‏ بشكل

نسبي.‏ هذا الكالم بتحفظ شديد مقارنة مع

ما حدث الحقاً.‏ كانت أجهزة األمن منهمكة يف

حملة دموية ضد الشيوعيني العراقيني،‏ وبالطبع

كانت أيضاً‏ يف حرب شعواء ودموية مع السوريني.‏

بدر احلاج،‏ إسماعيل فتاح الترك،‏

املعماري فيصل اجلبوري واملعماري معاذ

االلوسي،‏ بغداد 1988

127


تشظي العراق وغياب إسماعيل فتاح الترك

بدر احلاج

كان آخر حديث لي مع إسماعيل فتاح قبل يومني

فقط من وفاته.‏ أخبرني الصديق ضياء العزاوي

أنه مت نقل إسماعيل بطائرة خاصة إلى بغداد

وفقاً‏ لرغبته،‏ وأنه يرقد يف املستشفى حيث

يقضي أيامه األخيرة.‏ كنت أعرف أنه أصيب

بالسرطان،‏ وأن وضعه الصحي صعب جداً‏ رغم

محاوالت معاجلته.‏ طلب العزاوي مني االتصال

بإسماعيل،‏ فقلت له من الصعب أن أحتدث معه

وهو على فراش املوت،‏ ماذا ميكنني أن أقول له؟

أصرّ‏ العزاوي عليّ‏ قائالً:‏ ‏"بالتأكيد سوف يكون

مسروراً‏ يف احلديث إليك".‏ إتصلت به،‏ كان

صوته خافتاً‏ ومتعباً،‏ رحب بي.‏ وال أزال أتذكر

كلماته األخيرة املعبّرة عندما سألته عن وضعه

الصحي،‏ إذ أجاب ‏"ضربوا العراق بالكيماوي،‏

واآلن يضربون جسدي بالكيماوي أيضاً".‏ كان

جرح العراق النازف قد هزّ‏ إسماعيل وآالف

املبدعني العراقيني أمثاله الذين تشردوا يف

شتى أصقاع األرض.‏ البعض متت تصفيته

جسدياً‏ بعد أن استتب األمر لالحتالل األميركي

والصهاينة الذين شاركوا األميركيني يف تصفية

العلماء واملفكرين واألدباء والعسكريني وكل

مبدع يف بالد الرافدين وهم باآلالف.‏ كانت

كوامت الصوت تالحقهم يف كل مكان.‏ سنة 2003

انتهك العراق مرة أخرى من قبل املغول اجلدد

باسم ‏"احلرية"،‏ وال تزال حتى اليوم جلجلة أهل

العراق مستمرة.‏

أذكر أن أول لقاء لي مع إسماعيل فتاح كان

يف بيروت يف أوائل سبعينات القرن املاضي

عندما عرض بعض أعماله الفنية يف ‏"غاليري

ون"‏ مع فنانني عراقيني آخرين أمثال رافع

الناصري وضياء العزاوي وغيرهما.‏ الحقاً‏

يف أواخر السبعينات عندما كنت أعمل يف

الصحافة،‏ كنت أزور بغداد باستمرار.‏ وكان

الصديق ضياء العزاوي قد استقر نهائياً‏ يف

لندن بسبب مضايقات متواصلة من قبل أجهزة

األمن العراقية جراء مواقفه السياسية.‏ زودني

العزاوي برقم هاتف إسماعيل،‏ ويف إحدى

الزيارات اتصلت به،‏ وعلى الفور جاء الفندق

وسألني عن أخبار العزاوي ودعاني إلى الغداء.‏

أثناء تناول الطعام،‏ وكان يوم خميس على ما

أذكر،‏ سألني هل سبق لك أن زرت بابل؟ قلت ال،‏

قال:‏ ما رأيك يف الذهاب باكراً‏ يوم غد،‏ وهو يوم

عطلة،‏ إلى بابل ونعود ظهراً‏ كي نتجنب احلر

الشديد يف شهر متوز.‏ رحبت بالفكرة،‏ ويف

صباح اليوم التالي تناولنا فنجان قهوة،‏ وعندما

حاولنا اخلروج من الفندق صرخ أحدهم بصوت

مرتفع:‏ ممنوع.‏

إلتفتنا إلى مصدر الصوت،‏ وكان رجالً‏ يجلس

وراء طاولة يف زاوية من بهو الفندق.‏ توجه نحوه

إسماعيل وحتادثا.‏ عاد إليّ‏ إسماعيل وقال:‏

سأنتظرك هنا،‏ أرجع آلة التصوير إلى الغرفة

ألنه ممنوع استعمالها.‏ عندما حاولت االعتراض

على أساس انني صحايف،‏ وما هو اخلطر على

األمن القومي يف استعمال آلة تصوير.‏ ضغط

إسماعيل على يدي وقال بصوت منخفض:‏ ‏"ال

تناقش،‏ قد نذهب سوية إلى السجن،‏ ضع آلة

التصوير يف الغرفة وكفى".‏

نفذت أوامر ‏"حماة احلرية"‏ وتوجهنا إلى بابل.‏

رغم الصباح الباكر كان اجلو حاراً‏ بشكل ال

يطاق،‏ لم يسبق لي أن عشت يف مثل ذلك اجلو.‏

مكيّف السيارة لم يخفف من وطأة احلر.‏ علق

إسماعيل ممازحاً‏ قائالً:‏ هل عرفت اآلن ملاذا

حتدث غالبية انقالباتنا العسكرية وثوراتنا يف

شهر متوز؟ احلكام نيام،‏ والضباط يغتنمون

الفرصة ويقتنصون احلكم".‏

كان إسماعيل مزهواً‏ وهو يتجول بني آثار بابل

شارحاً‏ لي البعد احلضاري الضارب يف أعماق

التاريخ لفن العراق،‏ وبصورة خاصة مجسمات

األسود على اجلدران.‏ كانت رحلة تثقيفية ال

تنسى.‏ لألسف بعد االحتالل األميركي للعراق،‏

لم يجد الغزاة مكاناً‏ إلقامة قاعدة عسكرية

لقواتهم إال بني تلك اآلثار اخلالدة.‏ ولتلك

اخلطوة معنى ال يخفى على أحد،‏ خاصة وأن

من مهام تلك القوات نهب آثار العراق وبصورة

محددة خزائن املتحف العراقي.‏

يف طريق العودة إلى بغداد حملنا يف الطريق

الصحراوي الذي تندر فيه اخلضرة راعي

جمال.‏ توقفنا،‏ وحتدث معه إسماعيل وأطلق

بعض النكات باللهجة العراقية.‏ تعجبت كيف

يستطيع ذلك الراعي حتمل حرارة الشمس التي

ال تطاق واضعاً‏ على رأسه فقط كوفية عراقية.‏

كانت مفاجأة إسماعيل لي عندما وصلنا إلى

بغداد ظهراً،‏ أن توجهنا إلى أحد املطاعم يف

الهواء الطلق والبسيط جداً‏ على ضفة نهر

دجلة.‏ رحب صاحب املطعم بلباسه التقليدي

العراقي بإسماعيل الذي أبلغه أنني زائر من

لبنان.‏ قال صاحب املطعم:‏ العرق العراقي أفضل

من العرق اللبناني.‏ كان املطعم عبارة عن طاولة

خشبية مستطيلة على التراب وحولها بعض

الكراسي وبجانبها وعاء ضخم يحوي قطعاً‏

كبيرة من الثلج حلفظ األسماك،‏ إضافة إلى

126


إسماعيل فتاح الترك مع مجموعة العاملني

مبشزروع النصب بينهم املعماري سامان كمال

واملعماري سعد الزبيدي.‏

تفصيل معماري للنصب

125


مناذج االعمال النحتية والتشكيلية مثل الراية

والتشكيل البرونزي حول الينبوع واكليل سعف

النخيل.‏ ومت تصنيع تلك االعمال يف مشاغل

متخصصة يف اململكة املتحدة حتت اشراف

اسماعيل.‏ عقود اعمال املرحلة الثانية وقعناها

انا واسماعيل مع امانة بغداد عام 1988 كل على

انفراد.‏ العقد االول وقعته انا عن اعداد تصاميم

جدار الشهداء يف منطقة اخلندق وداخل املتحف

بطول يزيد على 3 كيلومترات مع االشراف

املوقعي على تنفيذها و ملدة قاربت السنتني كما

وقع اسماعيل فتاح عقد تنفيذ نقش االسماء

على اجلدار وتصميم و نحت اجلداريات الفنية

املختلفة ضمن ذلك اجلدار.‏ شارك يف خط و

نقش االسماء عدد من اخلطاطني والنقارين

والنحاتني ومت اجنازه يف سنتني

اختيار موقع املشروع

لم يكن محددا يف البداية ومت اختياره من قبلنا

‏)ا نا واسماعيل فتاح ) معا بعد فوز املشروع

و التوجيه بتنفيذه ومن خالل زيارات قمنا

بها لعدة مواقع مقترحة وبحضور مهندسني

مختصني من أمانة بغداد.‏ لم يكن سهال

احلصول على موقع مناسب يف جانب الرصافة

قريب من مركز مدينة بغداد مبساحة ال تقل عن

نصف مليون متر مربع.‏ فكان اختيارنا للبحيرة

املجاورة ملدينة االلعاب ومت تعديل تصاميم

املشروع لتتالئم مع املوقع اجلديد ومت ادخال

عناصر املياه والبحيرات ضمن التصميم وبشكل

متكامل معه عرض املشروع للمناقشة واغناءه

باالفكار واملقترحات بعد اختيار املشروع و خالل

فترات البحث واملناقشة مت دعوة مجموعة من

املهندسني املعماريني

واالستشاريني وعدد من اساتذة كلية الهندسة

يف جامعة بغداد وعرض عليهم املشروع ملناقشته

ضمن جلسة عمل بهدف اغناءه باألفكار

واملقترحات قبل املباشرة بالتنفيذ . كما مت يف

وقت الحق دعوة شخصيات محلية وعاملية الى

ندوة ملناقشة فلسفة وتصاميم مشروعي نصب

الشهيد ونصب اجلندي املجهول عقدت الندوة

يف بغداد على مدى ٣ ايام حضرها املئات من

املختصني واملفكرين والفنانني واملهندسني قدموا

خالل الندوة افكارا لتعزيز املبادئ املعتمدة يف

التصاميم ومقترحات فكرية وتشغيلية متت

االستفادة منها للمشروعني.‏

تنفيذ املشروع

بعد اتضاح معالم املشروع للجميع صار التوجه

بإعطاءه اهمية قصوى يف التنفيذ مع تخصيص

املبالغ الالزمة لذلك و باعلى املستويات .

مت اختيار واحدة من اكبر الشركات املقاولة

اليابانية للتنفيذ وحتت االشراف املباشر

للمصممني وفريق املعماريني ومهندسي امانة

بغداد.‏ ونظرا خلصوصية التصميم وتعقيد

االنظمة االنشائية وامليكانيكية والكهربائية

واختيار موقع املشروع يف وسط بحيرة صناعية

، مت استقدام استشاريني عامليني متخصصني

للمشاركة يف اختيار احللول الهندسية املناسبة

وتقدمي املشورة الضرورية لصاحب العمل

وللمقاول.‏

النص اعاله يف مجمله هو ما مت نشره يف كتيبات صدرت عن املشروع،‏ كنا نتمنى إن يكون هناك

تفصيل لصيغة ما مت تقدميه كمشروع للمسابقة ، أن نتعرف كيف جاءت الرسوم التي نفذها

الفنان إسماعيل لتفاصيل املشروع ( القبة املشطورة،‏ الراية واجلدار الذي نقشت عليه االسماء(‏

وهل كانت جزء من مخططات التقدمي،.؟ هل هذه الرسوم ( والتي تعكس الفكرة املركزية

للنصب ) هي نتيجة حلوارات بني املعماري والفنان كما يذكر سامان ام انها من افكار الفنان

إسماعيل كما يشير يف حواره مع رافع الناصري..؟ ام هي نتيجة اجتهادات املجموعة التي تكونت

بعد إقرار املشروع ؟

124


مشترك.‏ متت مناقشة فكرة املسابقة فيما بيننا

خالل جلسات عمل وعصف ذهني لتحديد

فلسفة التصميم واختيار العناصر الرمزية له

وقد أخذ ذلك وقتا طويال مت خالله حتليل فكرة

الشهادة وأصولها التاريخية واالجتماعية وحتى

الدينية مع بحث الرموز التي ميكن ان تدل على

مثل هذا احلدث الفذ . توصلنا من خالل تلك

النقاشات الى مبادئ سائدة ...... كون الشهيد

حي...‏ صعدت روحه الى السماء حلظة تضحيته

بحياته من اجل ارضه ووطنه وشعبه....‏ من هنا

انطلقت فكرة وفلسفة التصميم بإلغاء فكرة

املوت واملقابر والتركيز على احلياة

كون الشهيد حي وان الشهادة هي عطاء للحياة

واستمرار لها وان الشهيد يضحي بحياته

لتستمر احلياة يف وطنه من بعده ويحافظ على

حياة أبناءه وأهله . متت ترجمة تلك املفاهيم

الى عناصر نحتية و معمارية متكاملة فيما بينها

ضمن اطار فلسفي ومت تطويرها وإنضاجها

ضمن مراحل املشروع املختلفة .

قدم للمسابقة 11 تصميما مختلفا 10 منها كانت

لتماثيل وشواخص ومنحوتات ألشخاص بحاالت

مختلفة وسط حدائق ومقابر منظمة للشهداء.‏

التصميم احلادي عشر كان فريدا بفلسفته و

فكرته التي ألغت املوت و القبور من فلسفة

املشروع وركزت على احلياة مع الشهادة وعلى

الفرح والزهو الذي يرافق مراسم االستشهاد يف

املجتمع العراقي و منذ القدم.‏ وهذه كانت من

اهم املعايير التي اختير على اساسها املشروع

ومت التوجيه بتطويره وإنضاجه ليكون معلما

مميزا وصرحا وطنيا عراقيا يرتبط باألرض

والوطن ومتت

تسميته رسميا بنصب الشهيد . التصاميم

االولية للمسابقة تضمنت منوذجا مبقياس

مصغر لنصفي قبة النصب مع مخططات

معمارية اولية

للنصب واملتحف حتت منصة النصب وتقريرا

مكتوبا عن الفلسفة التصميمية.‏

جلنة حتكيم املسابقة

اهم احملكمني الذين ساهموا بتقييم املشاريع

املقدمة واختيار الفائز منها هما شخصان كانا

يحتالن موقعني مهمني يف حينه،‏ االول طارق

عزيز ، امني سر مكتب الثقافة واالعالم يف

القيادة القومية وشفيق الكمالي عضو املكتب

نفسه يف حينه.‏

فريق العمل االستشاري بعد التوجيه بتنفيذ

املشروع تقرر فك ارتباطه مبكتب الثقافة

واإلعالم وربطه بأمانة بغداد وطلب منا انا

واسماعيل تشكيل فريق عمل استشاري يعمل

معنا الستكمال متطلبات العمل وتهيئته ليطرح

على شركات مقاولة عاملية تتعهد باستكمال

الدراسات الهندسية له حتت اشراف مباشر

من املصممني والفريق االستشاري وامانة بغداد

مبا يضمن اجلودة العالية يف التنفيذ واحلفاظ

على االفكار التصميمية خالل مراحل التنفيذ.‏

مت االتفاق بيننا انا واسماعيل على اسماء الفريق

االستشاري من اربعة من املهندسني املعماريني

املعروفني من قبلنا ومت اقتراح االسماء على

اجلهات املشرفة على املشروع ومت اعتمادها.‏

وخصصت مكتبي اخلاص كمقر لعملنا و الفريق

املعماري الجناز مراحل املشروع املطلوبة.‏ مت

تعزيز الفريق االستشاري للمشروع الحقا بعدد

آخر من املهندسني واملختصني .

عقود املشروع

مت ابرام عقد املشروع بني امانة بغداد و بيننا

( انا واسماعيل معا(‏ سنة 1980 بعد مرور

ما يقارب السنتني من املسابقة كما مت فيما

بعد توقيع عقد جانبي مع اسماعيل لتصنيع

تخطيطات اولية لفكرة النصب من عمل الفنان

إسماعيل فتاح الترك مع موديل اولي للنصب.‏

123


نصب الشهيد والعالقة مع إسماعيل فتاح

سامان كمال

اول معرفتي بإسماعيل فتاح كانت سنة 1969

عندما كان محاضرا يف قسم الهندسة املعمارية

يف كلية الهندسة - جامعة بغداد و وكنت انا يف

حينه طالبا يف السنة الثالثة . درسني اسماعيل

مادة النحت كجزء من متطلبات الدراسة يف

القسم املعماري يف حينه.‏ بعد تخرجي كنا نلتقي

من حني آلخر يف املعارض التشكيلية املختلفة

كما كنت من رواد معارضه الفردية واملشتركة

مع فنانني اخرين.‏

يف عام 1978 زارني اسماعيل يف مكتبي و طلب

مني ان أصمم له بيته اخلاص على ارض ميلكها

و يضم اضافة للسكن ستوديو ) مشغل ( خاص

إلنتاج أعماله التشكيلية و النحتية،‏ و أخذ

بعد ذلك يتردد باستمرار على مكتبي لبحث

التصميم ومتابعة مراحل التنفيذ وكانت لقاءاتنا

تتم عدة مرات يف األسبوع وأحيانا بعد أوقات

املكتب يف مطعم فوانيس او جمعية الفنانني او

أماكن اخرى .

مسابقة نصب الشهيد

خالل احدى لقاءاتنا يف تلك السنة ( 1978(

كلمني اسماعيل عن مسابقة معلنة يف وسائل

االعالم موجهة من مكتب الثقافة واالعالم يف

القيادة القومية لتصميم نصب و مقبرة للشهداء

يف بغداد شهداء العراق يف حركة 1941 و يف

معارك فلسطني وسواهم.....‏ . لم يكن اسماعيل

متحمساً‏ للمشاركة يف املسابقات املفتوحة التي

كانت تقام يف حينه بسبب مشاركة العديد من

الفنانني فيها وبدون ضوابط محددة.‏ علما ان

صيغة الدعوة كانت متواضعة وغير مغرية وتدل

يف مضمونها على متثال بحجم كبير ضمن

مقبرة منظمة لدفن رفاة الشهداء مع احلدائق

والساحات و اماكن للزيارات واالحتفاالت يف

املناسبات الوطنية.‏

بعد نقاشات عديدة فيما بيننا اتفقنا على العمل

سوية على املوضوع ومت تقدميه يف حينه بشكل

122




١١٩ 119


شهادات

١١٨

118


117


املسعى خصص أكثر من مرسم يف إطار خطة

يُدعى فيها الفنان للعمل يف هذه املراسم حيث

تتوافر ظروف لإلنتاج رسماً‏ ونحتاً.‏ كان قدومه

للدوحة بداية تاريخية غنية ملا أنتجه من لوحات

وأعمال نحتية متنوعة املواضيع واألحجام طيلة

السنوات السبع التي عاشها يف الدوحة مع

زيارات قصيرة لبغداد،‏ هي الثروة احلقيقية

التي أضافت لتاريخه الفني الطويل.‏ واحد من

أبرز ما أنتجه،‏ إلى جانب أعمال أخرى،‏ هو

ما سميته أنا ‏"اجلنرال وحمايته"،‏ حيث عمل

منوذجاً‏ واحداً‏ من البالستر بارتفاع مترين

وبسطوح حادة ومبالمح غير واضحة.‏ ثم كررها

24 منوذجاً‏ ولونها بألوان مختلفة،‏ تقف خلف

رجل عريض املنكبني ووجه عبوس جالس على

كرسي غير واضح املالمح.‏ إلى جانب عمل

آخر لرجل جالس على كرسي وبارتفاع كلي يف

حدود 180 سم،‏ فيه حتول جديد للتعامل مع

الشخص حيث يعكس ميالً‏ للتكعيبية لبعض

أجزاء اجلسم،‏ مع عناية غير معهودة بالتفاصيل

وخاصة في الصدر.‏ أما شكله المتكرر للوجه فقد

أخذه إلى مدايات جديدة حيث شكلت ارتفاعات الكتل

المكونة للوجه وبحجمه الكبير وسيلة لتحديد مالمح

الوجه،‏ كما جرّب في حينها لكي تكون األلوان إضافة

أخرى.‏

املراجع

‎1‎‏.مجلة الشاهد السياسي،‏ السنة اخلامسة،‏

العدد 199/ 198 ديسمبر 2000 صفحة 51-52

2. نفس املصدر السابق

‎3‎‏.نفس املصدر السابق.‏

4. مجلة فراديس،‏ باريس العدد 4/5/1992

5. كاليري الكوفة أسسه املعماريون محمد مكية

وسعيد مظلوم وهنري زفوبدا عام 1974، وهو

ثاني قاعة أهلية مت افتتاحها يف بغداد.‏

‎6‎‏.وضاح فارس،‏ مجلة حوار،‏ العدد ٢٢، السنة

1966، ص.‏‎140‎

7. نفس املصدر السابق

8. تقرير التصاميم األولية ملشروع نصب

ومتحف الشهيد.‏ القيادة القومية،‏ مكتب الثقافة

واإلعالم،‏ كانون األول 1979

‎9‎‏.يذكر رافع الناصري يف أحاديثه اخلاصة،‏ وقد

سمعته منه عداة مرة عما سمعه من إسماعيل

متحدثاً‏ عن تصوره لفكرة العمل قائالً‏ إنهما

كانا جالسني معا حني مضى إسماعيل يحدثه

بحماسة عن فكرة نصب الشهيد كما يتصورها،‏

ومن اجل توضيحها أمسك ببرتقالة فشطرها

إلى نصفني،‏ وباعد بينهما ثم قال:‏ هكذا سيكون

النصب.‏

10. ‏)يف خريف عام 1986 وأثناء انعقاد الدورة

األولى لبينالة بغداد العاملي،‏ كنتُ‏ برفقة النحات

البريطاني كينيث أرميتاج حني ضمنا صرح

الشهيد،‏ تطلع أرميتاج إلى األعلى،‏ ورأيته يضع

يده على فمه ويقول بصوت خافض This(

)unspeakable يكون إلى حالة من حاالت

العبادة(‏ مي مظفر،‏ كتاب الفن العراقي احلديث،‏

التواصل والتمايز.‏ 2015 ص 134

11. دليل معرضه يف كاليري الكوفة.‏ 1988

12. دليل املعرض املشترك ‏)ليزا فتاح،‏ ومحمد

مهر الدين وإسماعيل فتاح(.‏ املركز العلمي

الثقايف ، 1992

13. دليل معرض ‏"وفاء لبيكاسو"،‏ قاعة بغداد،‏

1997

إسماعيل فتاح الترك 1994

أكريلك على القماش مع تلوين االطار * 76.2 50.8 سم

مجموعة معني خوري،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1986

رأس من األراضي املقدسة

بالستر وملون باالكريلك * 35 65 * 20 سم

مجموعة متحف معهد العالم العربي،‏ باريس

إسماعيل فتاح الترك 1963

برونز،‏ * 36 26 * 16 سم

مجموعة منى احلالق،‏ بيروت

116


115

تفصيالً‏ من جسم املرأة أو الرجل.‏ هو بعض

من العالقة مع ما كنا جنده يف أعماله النحتية

يف السبعينات،‏ ليتطور فيما بعد ويحقق عبرها

وجوهاً‏ تتنوع بني االختزال يف التفاصيل وبني

الغنى الشكلي كما جنده يف العمل الذي أجنزه

يف الدوحة حيث استخدم تنوع السطوح كوسيلة

يف حتديد مالمح الوجه.‏ ويف أحدها أضاف

اللون كعامل إغناء له.‏ ومع مرور السنوات ظل

الوجه املستطيل كلوحة عالمة فارقة له عبر

تنوع اإلضافات اللونية،‏ بينما اختفى شكل

املستطيل أو املربع املفرغ يف النحت ليحل

محله جدار يشكل جزءاً‏ من التكوين غني

باألشكال أو الرموز التي ترتبط بالشكل امللحق

به.‏ يف املعرض الذي أقيم يف كاليري الكوفة

عام 1989 حتت عنوان ‏"حتية جلواد سليم"،‏

شارك بثالثة أعمال.‏ حاول أن يعيد تصوره

ألعمال جواد،‏ فيها الكثير من البدائية خاصة

يف اخلطوط كشكل مضاد ألناقة أعمال جواد

املعروفة.‏ ‏)صورة رقم 42( 41، 40،

كان للحصار الدولي وقع مدمر على ظروف

مئات اآلالف من العراقيني،‏ مما دفع املئات

من الشريحة املتعلمة واملهنية ملغادرة العراق.‏

ومن بني املغادرين أوالده.‏ ثم جاءت وفاة زوجته

عام 1992. وكان قد اشترك معها ومع محمد

مهرالدين يف معرض مشترك نادر.‏ وقد كتب

شاكر حسن عن أعمال إسماعيل:‏ ‏"فإسماعيل

ينحو نحو التعبيرية مع استلهامه لبعض املؤثرات

احلضارية،‏ يقدمها ضمن منهج لغوي،‏ أي بإحالة

النزعة التمثيلية إلى شيء من التكوين املعتمد

على تقسيم اللوحة إلى حقلني أو أكثر،‏ وينعكس

ذلك انطالقاً‏ من اختياره للموضوع اإلنساني،‏

لشخصني أو وجهني بشريني أو صدرين...‏

إلخ".)‏‎11‎‏(‏

خالل السبعينات أنتج العديد من األعمال

النحتية املتميزة،‏ بعضها بنسخة واحدة ليعود

فيما بعد إلنتاجها بنسخ محدودة لكن بأحجام

أكبر.‏ كما عمل على إنتاجات كبيرة ومتنوعة

منها ‏"الرجل والقناع".‏ ‏)صفحة رقم 106، 22،

111( يف هذه األعمال هناك تأكيدات على الكتلة

وعلى ترابط لتعدد األشكال.‏ منها عمل متيّز

كثيراً‏ كان نتيجة ملشاهدته صورة فوتوغرافية

لبيكاسو يحمل إحدى لوحاته.‏ بساطة هذا

العمل واختزاالته املدهشة شكلت فيما بعد

بعضاً‏ من اإلضافات اجلديدة ملسيرته أسوة

باجلدار الذي يضم رموزاً‏ مختلفة.‏ ثم عاد

يف الثمانينات للتماهي مع بيكاسو يف عمله

املعروف ‏"رجل يحمل حمالً"‏ لينتج عمالً‏ متميزاً‏

‏"رجل يحمل ديكاً".‏ كتحية لهذا الفنان ‏)صفحة

رقم (. 22 هذا الرمز الفحولي سيأخذ مساراته

املتكررة يف اللوحات والطباعة بشكل ملحوظ.‏

مت إنتاج أعماله النحتية يف مصهره اخلاص

به،‏ وبالتعاون مع بعض الفنانني الشباب من

تالميذه،‏ وبشكل خاص علي رسن الذي صاحبه

طيلة السنوات ومنذ منتصف الثمانينات.‏ ومع

بداية التسعينات،‏ وبفعل تأثير العقوبات،‏ كانت

أعمال زوجته ليزا محرضة له بشكل غير

مباشر بأعمالها التعبيرية املذهلة التي رسمت

فيها حياة قامتة هي شهادة على ظروف العراق

حينذاك.‏ بعد وفاتها انصرف إلى حياة المبالية

شغلته عن اإلبداع الفعلي الذي طاملا متيز

به حتى عام 1995، عندما التقيته يف عمان

وأقنعته بالسفر إلى الدوحة حيث كان الشيخ

حسن آل ثاني يعمل على بناء مجموعة فنية

عربية كنواة ملتحف للفن العربي.‏ وضمن هذا

إسماعيل فتاح الترك 1988

أكريلك على االورق * 102 70 سم

مجموعة خاصة

إسماعيل فتاح الترك 1988

أكريلك على االورق * 102 70 سم

مجموعة خاصة

إسماعيل فتاح الترك 1988

أكريلك على االورق * 90 80 سم

مجموعة خاصة

إسماعيل فتاح الترك 1988

أأكريلك على االورق * 102 70 سم

مجموعة خاصة

إسماعيل فتاح الترك وضياء العزاوي،‏ الدوحة 1988


114


تتوسطها.‏

وعلى الرغم من انشغاله مبتابعة تشييد النصب،‏

وبشكل خاص التأكد من دقة تنفيذ أسماء

الشهداء على احلائط احمليط بالنصب،‏ ظل

مواظباً‏ على إنتاج القليل من لوحات الرسم مع

أعمال نحتية صغيرة متكن عبرها من تشذيب

املؤثرات التي كانت واضحة يف جوانب عدة،‏

ليحقق فيما بعد مع مرور السنوات أشكاالً‏

وتكوينات ذات رموز تتنوع بتنوع التكوين النحتي،‏

هي عالمات دالة عليه.‏

ضياء:‏ ضمن مجموعة متحف الفن احلديث يف

معهد العالم العربي عمالن نحتيان مثيران حقاً‏

فيهما جمع بني الرسم والنحت،‏ لهما عالقة

بعملك الذي عرضته يف الرباط عام 1978.

العمالن ظال مجهولني بشكل من األشكال رغم

تاريخ إنتاجهما عام 86-1987 ‏)صورة الغالف

وصفحة رقم 116(.

نعم هذان العمالن مت اقتناؤهما من قبل

املتحف.‏ وهي جتربة كانت مثيرة لي ألن فيها

نوعاً‏ من التحدي يف القدرة على اجلمع بني

النحت والرسم،‏ وهو أمر يحتاج قدراً‏ من االنتباه

للموازنة بني جمالية اللون وبني تنوع السطوح

التي تتحقق بفعل تنوع الشكل النحتي.‏ يضاف

لهذين العملني الوجه الذي تضمه مجموعتك

الشخصية.‏

ضياء:‏ كذلك منحوتة الوجه التي عملتها،‏ كما

قلت لي مرّة،‏ يف ندوة تلفزيونية،‏ لها عالقة

أكيدة بذلك لكنها مؤرخة عام 1984.٠ ‏)صفحة

)34

هذا العمل أجنزته وبسرعة كنموذج النشغاالتي

ضمن ندوة تلفزيونية يف بغداد،‏ ولم يكن لدي

الوقت فيما بعد السترداده منهم.‏

توافرت إلسماعيل عام 1986 الفرصة للمجيء

إلى لندن لإلشراف على نصب الراية العراقية

التي كانت جزءاً‏ من نصب الشهيد.‏ وخالل

وجوده أعاد اتصاله مبا يحدث من تبدالت يف

التجربة الفنية العاملية.‏ أخذه احلماس بشكل

لم أتوقعه.‏ وخالل سفراته أخذ معه كمية من

الورق املصنع يدوياً‏ وباحلجم الكبير مع دفترين

كنت قد هيأتهما لي شخصياً.‏ بداية عام 1988

فاجأني إسماعيل مبعرض كامل مع دفتر كتحية

جلواد سليم.‏ وهي جتربة جديدة لم تكن ضمن

اهتماماته،‏ كنت قد اقترحتها عليه كجزء من

املشاركة يف معرض كنت أعمل عليه ليقام

يف كاليري الكوفة كتحية جلواد.‏ نظمت لهذه

املجموعة معرضاً‏ شخصياً‏ يف كاليري الكوفة يف

لندن.‏ قدّم لها الصحايف املعروف ماكس جويس

مراسل جريدة ‏"هيرالد تريبيون"‏ الدولية:‏ ‏"هناك

العديد من الفنانني العرب املعروفني يف بلدانهم

سمحوا لعروبتهم أن تكون لها السيطرة على

طريقة رؤيتهم ومعرفتهم،‏ بينما آخرون ممن

درسوا يف بلدان أخرى عادوا بتقاليد أساتذتهم

من األجانب.‏ يف كال احلالتني إسماعيل فتاح

كان استثناء.‏ بعد دراسته يف معهد الفنون يف

بغداد وإكمال دراسته يف روما،‏ هو اآلن أحد

أهم الفنانني العراقيني.‏ شخوصه املعروضة

يف معرضه احلالي متتلك سلطة برؤية عاملية

خاصة به.‏ موضوعاته قليلة ومحدودة،‏ رجل

وامرأة بعالقة حميمة،‏ دراسة تشخيصية،‏ وجوه

وأنواع غامضة لطبيعة جامدة.‏ يف تنوع لوحاته

هناك مهارة يف العني واليد خلدمة ذهن متقد".‏

)10(

يف نتاجاته هذه حتول واضح عما عرف به من

ميل للون األبيض مع تدخالت لونية محدودة

أو كوالج.‏ يف أعماله اجلديدة خطوط حادة

ومتضادات لونية قوية مع تأكيدات على تفصيل

الوجه أو اجلسد.‏ وعلى الرغم من محدودية

مواضيعه وعدم امليل لوضع عناوين لها،‏

فقداكتسبت أعماله انتساباً‏ له رغم تكرارها.‏

يف بعض األعمال ظهر تكرار شكل املستطيل

ضمن تكوين اللوحة،‏ والذي يضم وجهاً‏ أو

إسماعيل فتاح الترك 1998

برونز،‏ * 12 10 * 5 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك 1984

برونز،‏ * 17 16 * 7 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

113


إسماعيل فتاح الترك 1961

زيت على القماش * 100 ٨٠ سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

112


شارك حوالي أحد عشر فناناً.‏ وفوزك باجلائزة

يحسب بالتأكيد لطبيعة اللجنة التي حكمت

هذه املشاركة!‏

هذا صحيح،‏ وبعد الفوز طلب منا األستاذ

طارق عزيز تأسيس مكتب ليشرف على تطوير

املشروع وإغناء مكوناته.‏ فعمل سامان كمال على

التعاون مع مجموعة من أصدقائه املعماريني

لتحويل التصورات األولية مع تقدمي تقرير عن

الفلسفة التصميمية للنصب،‏ والتي اعتمدت

على احلياة مع الشهادة،‏ وعلى الفرح والزهو

اللذين يرافقان مراسم االستشهاد يف املجتمع

العراقي.‏ ومت التوجيه لتطوير املشروع كي يكون

صرحاً‏ وطنياً‏ سُ‏ ميّ‏ رسمياً‏ بنصب الشهيد.‏

ضياء:‏ تتذكر اللغط الذي دار حول النصب

عندما رشح جلائزة االغا خان املعمارية

املشهورة.‏

نعم.‏ املشكلة أنه،‏ عندما أعلنت املسابقة

وفكرت باملشاركة،‏ كان عليّ‏ أن أقدم عمالً‏

متكامالً‏ ألنه كما تعرف حتتاج فكرة النصب

إلى تصور هندسي أنا ال أملكه.‏ لذا طلبت من

سامان كمال،‏ الذي كان أحد تالميذي عندما

درّست لفترة محدودة يف قسم العمارة،‏ والذي

كان يشرف آنذاك على بناء بيت واستوديو لي،‏

طلبت مساعدتي يف حتقيق الفكرة معمارياً.‏

بالنسبة لي،‏ وحسب املوديل الذي عملته للقبة

والرسوم األولية لها هو األساس.‏ وما مت من

إضافات ومساحات هي اجتهادات ونوع من

اإلضافة اجلمالية قدمتها املجموعة املعمارية.‏

إال أنهم مع األسف حاولوا تقليل قيمة الفكرة

األساسية،‏ وهي القبة املشطورة واحلاضنة

للراية املخترقة أرضية املنصة إلى العمق

واملنبثقة من جديد إلى األعلى،‏ لتدل بذلك على

عمق ارتباط الشهيد باألرض،‏ وإعطاء األهمية

لإلضافات كاملقتربات واملتحف.)‏‎10‎‏(‏

يقترب هذا النصب من جتربة خالد الرحال

الذي صمم نصب اجلندي املجهول،‏ والذي

يعكس فيه تعاوناً‏ معمارياً‏ أيضاً.‏ إال أن نصب

الشهيد قيمته اجلمالية ليس يف املقتربات

املعمارية فقط وما أضيف إليها من مساحات،‏

وإمنا يف بساطة الشكل اجلمالي للقبة الزرقاء

املنشطرة إلى قسمني،‏ وعالقة ذلك بالراية التي

111


ضياء:‏ أتذكر يف عام 1978 كانت مشاركتك

يف الدورة الثانية ملعرض السنتني للفن العربي

الذي أقيم يف الرباط بعمل رأس كبير فيه جمع

بني الرسم والنحت،‏ ومت وضعه يف حينها على

مساحة رملية!‏

هذا صحيح.‏ كانت فلسطني موضوع

املعرض يف حينها،‏ وسميت العمل ‏"رأس من

األرض املقدسة".‏ وقد وضع حسبما سمعت

على األرض أمام لوحة كبيرة لكاظم حيدر،‏

إلى جانب مشاركتك أنت بعمل كبير كنت قد

أجنزته يف مرسم الفنان محمد القاسمي كما

قيل.‏ يومها اعتبر اجلناح العراقي أهم جناح

على مستوى األعمال،‏ ويف التزامه باملوضوع

املطروح،‏ على خالف األجنحة األخرى.‏

ضياء:‏ ويف نفس العام شاركت يف معرض

ملجموعة من الفنانني العرب أقيم يف املركز

الثقايف العراقي يف لندن بأعمال نحتية صغيرة

فيها مغادرة ملحوظة عن منحوتاتك التي جئت

بها من إيطاليا!‏ ‏)صفحة رقم 64-65( و)‏ 68(

نعم،‏ كان عليّ‏ إعادة النظر ببعض اجلوانب

من جتربتي وإخضاعها ملا تكوّن لدي من

مرجعيات بعضها ذو عالقة بزياراتي للمتحف

العراقي مع طالب األكادميية.‏ ومع ذلك فإن

أي متابع ألعمالي النحتية يدرك العالقة بني

التجربتني ويالحظ املستجدات يف جوانب من

هذه املنحوتات.‏

ويف نفس العام أعلنت مسابقة تصميم نصب

للشهداء.‏ لم يكن إسماعيل متحمساً‏ يف البداية

للمشاركة،‏ بسبب ما كان يف صيغة اإلعالن من

أفكار ال تتجاوز عمل نصب كبير ضمن مقبرة

تخصص لدفن رفات الشهداء مع حدائق عامة

حتيط باملكان.‏ إال أنه سرعان ما وجد يف هذا

املشروع فرصة لتحقيق حلمه بعمل يأخذ

مكانته ضمن ما هو موجود من أعمال نصبية

كجدارية جواد سليم والنصب اجلديد للجندي

املجهول.‏ يف املطبوع الذي نشر عام 1979 جند

تخطيطات متنوعة إلسماعيل لقبة مشطورة مع

تفاصيل أخرى للنصب.)‏‎8‎‏(‏

ضياء:‏ من أين جاءتك فكرة القبة املشطورة،‏

أليس يف ذلك تأكيد ألهمية العمارة ال للنحت؟

)9(

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1990

مواد مختلفة على الورق،‏ * 75 60 سم.‏

مجموعة االبراهيمي،‏ عمان.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1990

برونز ، 190 * 40 * 30 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة

أخالفك الرأي يف ذلك،‏ ألنني بوضع القبة

على األرض قد جردتها من قيمتها املعمارية.‏

وهو أمر مضاد ملا هو شائع معمارياً‏ حيث

تكون القبة مكملة للبناء،‏ بينما هي اآلن شكل

أساسي وليس إضافة.‏ ثانياً،‏ بفعل االنشطار

حتوّلت القبة إلى تكوين فني يلغي مهمتها

كغطاء للفضاء.‏ وأصبحت بهذا الفعل حاضنة

للراية العراقية وأعطت للمكان بعداً‏ دينياً...‏

قد ال تعرف بأنني كنت مياالً‏ أصالً‏ ألن تكون

القبة ذهبية،‏ إال أن مساحتها الكبيرة قد تولد

انعكاسات بفعل الشمس القوية فتؤذي املارة.‏

هذا ما قاله اخلبراء،‏ لذا ذهبنا إلى اللون

األزرق املتداخل مع اخلضرة،‏ وهو شائع بشكل

عام يف اجلوامع العراقية.‏

ضياء:‏ أنا أميل ملا انتهيت إليه ألن اللون األزرق

له عالقة بالسماء،‏ أي أنه ذو بعد سماوي على

العكس من لون الذهب الذي هو لون أرضي

ومترف وله عالقة باملوروث الكنسي ويقلل من

اجلانب الروحي الذي يستبطنه االستشهاد.‏

كانت املشاركة فيها،‏ كما علمت،‏ واسعة إذ

110


بصيغة جتميعية،‏ ثم يحاول إعادة العمل عليها

بعد إجنازها بالشمع حيث يعتقد بأن طواعية

وحساسية هذه املادة توفر له ملسات خاصة

من الصعب حتقيقها مبواد أخرى.‏ إن متابعة

منحوتاته منذ منتصف الستينات وما أجنزه

من أعمال يف روما تعطينا تأكيدات واضحة

لشخصيات تختزل اإلنسان ملالمح محدودة

هي يف الغالب لصالح التكوين الفني أكثر منها

لطبيعة املوضوع،‏ مع اهتمام بالتالعب باجلسم

اإلنساني ومنحه استطاالت يف قسم من اجلسم

مع إلغاء للقسم العلوي،‏ أو جعله تكويناً‏ يترابط

مع إضافات ذات بعد رمزي.‏ يف هذه األعمال

تأخذ تقنية الطني وعملية اإلضافة واحلذف

طابعاً‏ سيبقى معه إلى آخر منجزاته.‏

مرّت السنوات األولى من السبعينات وإسماعيل

ينشغل بني إجناز ما كلفته أمانة العاصمة من

نصب،‏ ويف بعض األحيان تطوير منحوتاته

الصغيرة وبني مهمته التدريسية.‏

109


املاهرين،‏ أذكر منهم مكي حسني واحتاد كرمي،‏

كانت املهمة شاقة بكل املواصفات،‏ فنحن لم نكن

منتلك مثل هذه املهارة،‏ ولم يكن هناك إستوديو

مختص ملثل هذه األعمال،‏ مما اضطرني لصبها

يف حديقة البيت الذي كنت أسكنه،‏ ولم يكن

بيتكم بعيداً‏ عنا.‏ إلى جانب استخالص مادة

البرونز من مخلفات املكائن العاطلة املوجودة يف

شارع الشيخ عمر.‏ لم تكن هذه األعمال سوى

فعل مهارة وليست إبداعاً.‏

ضياء:إنشغلت بهذه األعمال قرابة األربع

سنوات،‏ وقد كان واضحاً‏ أن انشغالك هذا

قد قلل فرص البحث يف األعمال ذات العالقة

مبسعاك اجلدي.‏ أال جتد يف تلك السنوات

بعضاً‏ من ضياع الوقت إلجناز أعمال حرفية

تتعلق باملهارة ال باإلبداع كما ذكرت؟

أوافقك الرأي اآلن،‏ لكن يف حينها كان

الوضع الفني زاخراً‏ بالتحديات،‏ إلى جانب

احلاجة ملبالغ متنحني الكثير من احلرية.‏ وال

أخفي عليك،‏ لو لم تتوافر مثل هذه األعمال

ملا وجدت نفسي قادراً‏ على البقاء يف مهنة

التدريس التي لم تكن مجزية حقاً.‏

ضياء:‏ بعدها عملت عام 1972 على تنفيذ

نصب للشاعر أبى نواس وآخر للرسام يحيى

الواسطي والذي أجنزته بفترة ال تبدو معقولة

نظراً‏ إلى حجم العمل!‏

كنت أنت طرفاً‏ يف ذلك.‏ فقد متت تهيأة

مهرجان الواسطي بفترة قصيرة جداً.‏ وكانت

إحدى فعاليات املهرجان إزاحة الستار على

نصب هذا الفنان الذي خلف لنا إحدى أهم

املخطوطات اإلسالمية واملعروفة مبقامات

احلريري.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1988

برونز ، 54 * 12 * 10 سم.‏

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان

على الرغم من انشغال إسماعيل يف العديد من

األعمال التي غالباً‏ ما اعتبرها نوعاً‏ من املهارة

ال اإلبداع،‏ فقد كان يحاول إيجاد الفرصة

لعمل منحوتات صغيرة تصب يف املنهج الذي

اختطه لنفسه،‏ وهو تطوير عناصر موضوعاته

التي هي اإلنسان يف مواجهة ما من رؤى.‏ ويف

كثير من أعماله كان يفضل أن ينجزها بالطني

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1965

زيت على القماش،‏ * 34 72 سم.‏

مجموعة اخاصة،‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1965

زيت على القماش،‏ * 48 56 سم.‏

مجموعة اخاصة،‏

108


كال العملني كنت أحاول مطاوعة ما كنت أعمله

من أعمال نحتية صغيرة،‏ وضمن موضوعات

أختارها مزاجياً‏ لتوفير احللول يف جانبها

العملي والتقني،‏ كذلك إخضاع متطلبات اجلهة

التي كلفتني لتحقيق هذا العمل ألسلوبي.‏ بعدها

كلفني املعماري هشام منير بعمل جدارية ملدخل

شركة التأمني،‏ كان ذلك عام 1970. وخالل

عملي يف اجلداريات السابقة كنت قد بدأت

بالتعرف على النحت العراقي من خالل زيارة

املتحف العراقي مع طالب األكادميية.‏ كان

النحت السومري مثيراً‏ حقاً‏ خاصة يف الدمى

الطينية املفخورة ذات العوالم الغامضة.‏ يف هذا

العمل حاولت إخضاع هذه املعرفة لعالقات

جديدة مع الفراغ.‏ وقد استخدمت فيها الكثير

من العناصر والرموز التي ظلت تعاودني بني

احلني واآلخر.‏ كنت محظوظاً‏ من جهة عالقتي

مع املعماري هشام منير الذي لم يتدخل يف

العمل،‏ بل ولم يكترث لطبيعة العالقة بني العمل

ومهمة الشركة التي أنشأت هذه العمارة.‏

ضياء:‏ لدي صورة جميلة مليرو يجلس يف

مرسمه،‏ وخلفه صورة معلقة لإلله أبو السومري

أحد أهم معروضات املتحف العراقي يف بغداد.‏

أعتقد بوجود تأثيرات غير مباشرة للفن

السومري يف عديد من أعمال الفنانني

األوروبيني.‏ لقد شغلتني هذه األعمال كما

خلقت لدي حافزاً‏ ملواجهة التحدي،‏ وبالتالي

البقاء يف العراق.‏ وعندما طرحت مسابقة

ألربعة نصب ألربعة من أبرز الشعراء العراقيني،‏

وجدتها فرصة ذهبية الختبار جتربتي الفنية.‏

قدمت أربعة مناذج على أن يحقق يف حالة

الفوز ضعف احلجم الطبيعي.‏ كانت النصب

املقترحة للشعراء الرصايف،‏ الكرخي ‏،الكاظمي،‏

والزهاوي.‏ فزت بثالثة منها لكنني لم أنفذ

إال اثنني.‏ لقد أغرقتني هذه التجربة بالكثير

من االلتزامات،‏ خاصة وأنني قررت صب هذه

األعمال يف بغداد بالتعاون مع بعض طالبي

إسماعيل فتاح الترك 1997

برونز،‏ * 144 38 * 28 سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1998

مواد مختلفة على القماش

*118 103 سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

إسماعيل فتاح الترك 1995

مواد مختلفة على الورق * 80 60 سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

107


يف الفن احلديث،‏ كاستعمال الرموز واملنطق

الهندسي وتطوير األشكال الهندسية،‏ والتجريد

االنطباعي،‏ والبحث يف املادة للخروج بخواصها

الطبيعية وما يتبع ذلك من حوادث لونية إلى

سطح اللوحة،‏ إلى ما ال نهاية له من التجارب

املدرسية يف التجريد.‏ التجريد عند فتاح وسيلة

للوصول باللوحة قرب هدفها األخير الغامض:‏

تقصر عنه دائماً،‏ لكنها تشير إليه.‏ بهذا،‏ بالسر

البسيط،‏ املتباعد،‏ اجلميل،‏ تتميز لوحات فتاح.‏

حتاول اإلطالل عليه،‏ ال يحاول فلسفة ومنطقة

وتفسير الفن.‏ يكتفي بتجربة الرسم،‏ تكتسب

خواصها ومميزاتها أثناء حدوثها وحسب

ضروراتها.‏ ويجد التاريخ والتراث دربه بعفوية

أحياناً‏ إلى أعماله وضمن هذا املفهوم وحده".‏

قبل سفره إلى روما كنت أشاهد إسماعيل عن

بعد.‏ كنت يف الصف األول،‏ القسم املسائي مبعهد

الفنون اجلميلة بينما كان يتهيأ للسفر للدراسة

يف إيطاليا.‏ توثقت عالقتي به بعد عودته،‏ وصار

لقاؤنا اليومي مع مجموعة من الفنانني الشباب

يثير العديد من األسئلة واالختالفات.‏ لم يكن

إسماعيل كثير العناية بالثقافة الفنية كنصوص

وكتب،‏ كان ميتلك حساً‏ نقدياً‏ وعيناً‏ على اكتشاف

ما هو إبداعي قلما أجده لدى فنانني آخرين.‏

كان شديد السخرية من املقاالت التنظيرية،‏ ولم

يحاول أن يضع قبعة الفلسفة على رأسه كما

كان يفعل البعض مباهاة.‏ يف جمله البسيطة

وعنايته بتأكيد العمل الفني كمنجز عياني أوالً‏

ما جعله من أكثر األساتذة تأثيراً‏ مبن يحيطه

من طالب يف األكادميية.‏

ضياء:أتذكر بأنك لم تكن قانعاً‏ بالبقاء يف

بغداد،‏ وغالباً‏ ما حتدثت عن رغبتك بالعودة

إلى روما.‏ فما الذي أغراك بالبقاء إذاً؟

ال أدري!‏ لكن من املؤكد أن حصولي على

تنفيذ جدارية مدينة الطب قد فتح بوابة العمل

ملا هو خارج مناخ التدريس يف األكادميية.‏

ضياء:‏ وأيضاً‏ حصولك على ثالثة نصب من

أربعة يف املسابقة التي أعلنتها أمانة العاصمة

يف بغداد؟

قبل ذلك نفذت جدارية من البرونز كواجهة

لنقابة احملامني،‏ وأخرى لوزارة الصناعة.‏ يف

106


أعماالً‏ انطباعية رسمها أثناء تواجده يف بيروت

مما خلق رداً‏ سلبياً‏ عند النقاد حينذاك!‏

هذا صحيح،‏ لقد كان خطأ جسيماً‏ ارتكبه

كاظم ودفع ثمناً‏ لذلك...‏ وما كان بحاجة إلى

ذلك.‏

أستقبل معرض إسماعيل بترحاب واضح،حيث

كتب وضاح فارس:‏ ‏"بال حاجة لالختباء خلف

إسماعيل فتاح الترك 1997

مواد مختلفة على القماش * 66 52 سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

القضايا واألزمات،‏ يقف إسماعيل فتاح صحيحاً‏

قوياً‏ أمام اللوحة.‏ قضيته األولى الشكل وأزمته

األهم اخللق.‏ يجرّد عمله بسهولة من االنفعال

العاطفي والفكري ليعطي اللوحة كياناً‏ خاصاً‏

جديداً‏ يجد مكانه يف نظامه بال غرابة أو

افتعال.‏ فبعد املد األول الذي أعطاه جواد سليم

وفائق حسن وغيرهما حلركة الفن العراقي

احلديث،‏ بعد فترة الركود التي مرّت منذ غياب

جواد سليم الذي كان املجدد األقوى يف بغداد،‏

بقي الرسم يحمل آثار سليم وأشكاله وابتكاراته،‏

وصار تعاطي مالمح احلياة العراقية يف الرسم

إجازة مرور سهلة مملة يختبئ خلفها القصور

الفكري الذي يعانيه أغلب فنانينا.‏ ولعل هذا

جزء من صعوبة أعمال إسماعيل فتاح،‏ كونها

تبدأ جتربتها من منطلقات جديدة أكثر تقدماً،‏

اعتدنا تسميتها - انهزاماً‏ من حتدياتها - غربية

أو دخيلة".)‏‎6‎‏(‏

‏"يأتي إسماعيل فتاح ليرفض مفاهيم أصبحت

بحكم املسلمات يف ممارساتنا واحتكاكنا بالفن،‏

كااللتزام العقالني للمجتمع والتراث والتاريخ

واحلضارة،‏ وإحياء وقولبة الفنون القدمية كالفن

املصري والسومري واآلشوري واخلط العربي...‏

إلى آخر سلسلة ال تنتهي يف احلضارات

الشرقية،‏ يرفض ترميم التاريخ والسباحة يف

بحر أغلقناه حتى صار مستنقعاً،‏ ويأتي ببداية

جديدة تتجه بسرعة إلى أواخر القرن العشرين.‏

تسابق مفاهيمه ومقاييسه،‏ تبدأ عنده وال تدري

أين ينتهي أو ترفض أن تنتهي.‏ وهذا قدر يرافق

العمل األصيل اجلريء.‏ املخاطرة بأن ال تصل

يف النهاية،‏ وهذا ما يقع فيه أكثر فننا احلديث

قبل أن يبدأ.‏ يرسم نهايته ويعود الطريق

رجوعاً،‏ ويبرر املشي باملقلوب بحادثة تاريخية

أو ظاهرة اجتماعية يربط نفسه بها ويختبئ

خلفها.‏ أما اخللق وإضافة جديدة جدية إلى

احلياة والفن،‏ فغربية دخيلة وخارج املوضوع".‏

)7( ثم يشير إلى أن ‏"لوحات فتاح حتمل الكثير

من خواص فن آخر يتعاطاه:‏ النحت.‏ فيها كلها

تركيز على الكتلة وترابطها بالفراغ أو بكتلة

أخرى.‏ ينحت طريقه إلى النهايات األكثر غرابة

يف عمله.‏ الشكل عنده بهدوء وبال طفرات،‏

يغيّب اللون وينقله إلى حالة عامل مساعد يف

اللوحة،‏ وال يبقى إال الكتلة والفراغ والتركيب،‏

بينها ترابط عضوي مشحون باألزمة.‏ التجريد

يف لوحاته جتريد بسيط شفاف يكاد يقع،‏ ألنه

يخلو من أكثر ‏"العادات"‏ التي اعتدنا خص

التجريد بها،‏ وأكثرها خواص بداية التجريد

105


شكلت تاريخاً‏ إبداعياً‏ يضاف للتجربة الفنية

العراقية بشكل عام،‏ كما شكلت اجتاهاً‏ جديداً‏

وإعالناً‏ واضحاً‏ لغياب ما عرفناه من موضوعات

وأساليب يف اخلمسينات.‏ وجند عند إسماعيل

تراوحاً‏ بني التشبيه والتجريد يف اللوحة الواحدة،‏

مقيماً‏ بذلك الصلة بني األجسام املستدقة

التي يهواها كنحات وبني شفافية البياضات

والزراقات التي يهواها كرسام.‏ لوحاته تتميز

بتوازناتها الدقيقة وخفتها الطرية،‏ تنبثق فيها

غنائية الضوء عن غنائية احلب.‏ وإسماعيل من

الفنانني القالئل الذين استطاعوا التوفيق بني

الرسم والنحت.‏ فبني هذا املعرض الذي كان

أشبه بنشيد صويف مقتصد يف تردداته اخلطية

واللونية غارق يف الوجد والتأويل الروحي،‏ وبني

معرض كاظم حيدر كمسرح ميثولوجي شعبي

غارق يف التراجيديا وذي مرجعية واضحة من

حيث رموزها الشعبية...‏ ما بني النموذجني

سيأخذ الفن العراقي طريقاً‏ واضحاً‏ يف فردية

األبحاث،‏ على الرغم من استمرار ظاهرة

اجلماعات الفنية ومحاوالت البعض صياغة

مفهوم جماعي متسرع للعمل الفني.‏ )4(

ضياء:‏ وبعد ذلك بأشهر أقمت معرضك األول

يف بيروت ضم مختارات من املعرض الذي

أقمته يف املتحف الوطني مع أعمالك يف كاليري

الواسطي )5(، كيف كان استقباله فنياً؟

لقد أثار معرضي يف بيروت الكثير من

النقد اإليجابي،‏ وبشكل أشعرني بذلك احلماس

للجديد الذي بدأ يفرض حضوره على احلركة

الفنية.‏ لبيروت يف تلك السنوات مكانة لم تقل

عن العديد من البلدان األوروبية،‏ مدينة زاخرة

بالفعاليات الثقافية والفنية،‏ وبنفس الوقت

كانت مكاناً‏ لاللتقاء بالتجارب العربية والتعرف

على أبحاثها املختلفة.‏

ضياء:‏ أتذكر يف حينها نشرت أعمالك مع نص

قصير حماسي أشاد بتجربتك يف مجلة ‏"حوار"،‏

على عكس ما حدث مع كاظم حيدر الذي ضم

إلى جانب بضعة أعمال من معرض الشهيد

إسماعيل فتاح الترك 1964

برونز،‏ * 35 14 12* سم

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان

104


نقلته فيما بعد إلى بيروت.‏ لقد كان املناخ العام

يحمل الكثير من االلتباس يف املواقف الفنية،‏

إلى جانب نوع من احلرية البعيدة عن االلتزام

السياسي،‏ ما جعلنا ندخل يف معارك واجتهادات

أبعدتنا بعض الشيء عن جيل الرواد املؤسسني

حلركة احلداثة الفنية.‏

العمل يف اجلانب النفعي والتقليدي لهذا الفن.‏

كذلك لم يكن معنياً‏ بالتقنيات التي غالباً‏ ما

تستدرج الفنان إلى انضباطية يعتبرها سجناً‏

جلمالية اخليال.‏ يف عام 1969 إنتقل لتدريس

فن النحت يف أكادميية الفنون اجلميلة،‏ وبقي

فيها حتى منتصف التسعينات.‏

ضياء:‏ ما عرضته من أعمال بعد عودتك من

روما حمل الكثير من التبدالت الشخصية،‏ لم

يعد الفالح والقرية وبعض املظاهر الشعبية

جزءاً‏ من قاموسك الفني.‏ ال بل ذهبت إلى

ما هو أبعد،‏ إلى مخاطبة مشاهدين خارجيني

وغامضني؟

أنت تتذكر املشهد حينذاك،‏ وتتذكر اخلفة

التي واجهني بها بعض األصدقاء من الفنانني.‏

إال أن ذلك لم مينعني من إقامة معرض آخر

يف الصالة التي كنت أنت تشرف عليها،‏ والذي

عند عودته إلى بغداد،‏ كان املشهد اإلبداعي

للتجربة الفنية قد تبدل بشكل لم يتردد

إسماعيل عن اإلسهام به،‏ وأن يكون يف طليعة

من تبنى الروح اجلديدة التي حملت الكثير من

صفات الرفض،‏ ومتثلت يف أعمال العديد من

الفنانني الشباب،‏ وأعمال اآلخرين الذين عادوا

من دراستهم يف اخلارج من بلدان مختلفة.‏ لم

ميض وقت إال وفاجأ املتابعني للحركة الفنية

مبعرض شخصي يف املتحف الوطني للفن

احلديث،‏ ضم أعماالً‏ نحتية ولوحات زيتية إلى

جانب العديد من التخطيطات ألفكار نحتية.‏ لم

تكن إيقاعات معرضه تتماهى مع ما هو شائع،‏

بل كانت عجينة فيها من التمرد والغرابة ما

جعل املعرض عالمة استفهام لم يدرك معناها

العديد من الفنانني ممن حوله.‏ كانت منحوتاته

الصغيرة كائنات فيها الكثير من الصبر

والتأني،‏ وذات حساسية هي األشد نفوذاً‏ مما

عرفه النحت العراقي.‏ فقد عكست منحوتاته

ولوحاته مغادرة كلية للموضوع احمللي.‏ هناك يف

كل عمل شيء يفصلنا عما عرفناه من أدوات

ورؤى،‏ إنه زمن مختلف كلياً.‏ أعمال تغلب عليها

البساطة اللونية وامليل ملوضوعات ذات عالقة

باجلانب اإلنساني من احلياة مبعناها الشامل.‏

كان زاهداً‏ يف استخدامه للون،‏ حيث اقتصرت

لوحاته على اللونني األبيض واألسود وما بينهما

من تدرجات لونية،‏ إلى جانب وحدات من ألوان

محدودة أخرى.‏ وكانت عناوين لوحاته مطابقة

ألعماله ‏"إنسجام باألبيض"،‏ ‏"أشكال وردية"،‏

‏"الفضاء والكتلة"،‏ ‏"صورتان وموضوع"‏ و"أربع

كتل وفضاء"،‏ وغيرها.‏ هذه العناوين بدت للوهلة

األولى وكأنها مفاتيح لفتح أشكاله املغلقة،‏ إال

أن بساطة التكوين واحلساسية املذهلة للسطح

رغم محدوديته جعلتا من تلك العناوين مجرد

ترددات لغوية مبفهوم شعري.‏ إلى جانب

لوحاته،‏ عرض إسماعيل أعماله النحتية مع

مجموعة من األعمال التخطيطية ذات العالقة

باألعمال النحتية املعروضة،‏ ويف نفس الوقت

لها إستقاللية الفتة.‏ فهي أعمال ذات انشغاالت

لونية مائية بسيطة وحساسة.‏ وهي أعمال

103


صالة أخرى وتوقيع عقد للعرض معهم.‏

ضياء:‏ من كان معك يف تلك الفترة من الفنانني

العراقيني أو العرب؟

كان معي فيصل عجمي من سوريا،‏ كما كان

يف السنة النهائية لؤي الكيالي.‏ وكذلك التقيت

كمال بالطة من فلسطني.‏ أما من العراقيني

فكان ميران السعدي وغازي السعودي.‏

ضياء:‏ كنت يف روما عندما تقدّم جواد سليم

لتنفيذ عمله املعروف واملقام حالياً‏ بساحة

التحرير يف بغداد،‏ هل عملت معه فيه؟

نفذ جواد هذا العمل يف فلورنسا،‏ وقد ذهبت

إليه مرات عديدة حيث كنت أشتغل على تنفيذ

املراحل األولى لألشكال،‏ كما كان أيضاً‏ محمد

غني.‏ لكن جواد غالباً‏ ما كان يبدل الكثير مما

عملناه لكي يتالءم وأسلوبه النحتي الذي فضله

لهذا النصب.‏

ضياء:‏ ماذا عن خالد الرحال الذي قدم إلى

روما لعمل نصب للزعيم عبد الكرمي قاسم؟

لم يكن خالد الرحال شخصية عادية،‏ كان

مبدعاً‏ حقاً.‏ كان دائم االنشغال بأفكار متنوعة،‏

وسريع الغضب ومتقلباً‏ يف عالقاته.‏ لم يكن مع

األسف على عالقة جيدة مع جواد الذي كان

دائم التذمر منه.‏ غالباً‏ ما كنت أشاهده يرسم

لوحات مثيرة يف املقهى الذي يؤمه الفنانون

العرب.‏ كان مولعاً‏ برسم اخليول والثيران،‏

وبشكل أصبحت أعماله مادة سريعة الشراء

من قبل السواح األجانب.‏ وهو اضطر لذلك

بعد انقالب عام 1963 الذي أطاح بعبد الكرمي

قاسم حيث خشى عودته إلى العراق.‏

أكمل إسماعيل دراسته عام 1964، إذ حصل

على الدبلوم العالي يف النحت من اكادميية

روما،‏ ودبلوم آخر يف السيراميك من معهد سان

جاكمو يف روما.‏ وعبر نشاطه خارج األكادميية،‏

حصل على اجلائزة األولى للفنانني العرب عام

1962، واجلائزة األولى للنحت للفنانني األجانب

عام 1963. عاد إلى العراق ليعمل مدرساً‏ يف

معهد الفنون اجلميلة لفن الفخار.‏ وسرعان ما

بدأت خالفاته مع أساتذة الفرع بسبب تشجيعه

لطالبه على عمل املنحوتات الفخارية أكثر من

إسماعيل فتاح الترك 1976

مواد مختلفة على الورق ، 52 * 76 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك 1997

مواد مختلفة على الورق * 70 52 سم

مجموعة خاصة،‏

إسماعيل فتاح الترك 1985

مواد مختلفة على الورق ، 76 * 54 سم

مجموعة خاصة،‏

إسماعيل فتاح الترك 1977

مواد مختلفة على الورق * 70 52 سم

مجموعة كنده للفن العربي املعاصر،‏ الرياض

102


موكباً‏ ساهم فيه خالد الرحال بعمل كبير ميثل

حمامة السالم.‏ أما جواد فقد ساهم بعمل هو

جندي يحمل ترساً،‏ نفذت له هذا العمل من

منوذج مصغّر أيضاً‏ بنفس تقنية العمل السابق،‏

ثم رسم جواد على الشكل النهائي.‏

مبقدار ما كان إسماعيل تلميذاً‏ بارزاً‏ بني

أقرانه،‏ فإنه لم يثر أنتباه الوسط الفني كما

حصل مع تالميذ آخرين وإن كانوا أكبر عمراً‏

منه.‏ كان مهووساً‏ بعمله مع أستاذه،‏ ويف نفس

الوقت يحاول تأمل ما يحيطه من أعمال

للمدرسني اآلخرين وهم ممن كانوا ميثلون أهم

الفنانني املعروفني،‏ أمثال فائق حسن وغيره.‏

كما كان شديد االنتباه ألعمال تالميذ آخرين

متقدمني عليه يف الدراسة،‏ منهم:‏ شاكر حسن

باستخداماته للمورث الشعبي وبأسلوب يحمل

بصمات التجربة التكعيبية حينذاك.‏ وكاظم

حيدر الذي جلب االنتباه بأعمال عديدة فيها

الكثير من املغامرة،‏ منها لوحته املعروفة عن

استشهاد احلسني.‏ وطارق مظلوم الذي كان

يجمع بني الفن الشعبي والبدائي ومالمح من

النحت اآلشوري.‏ ولم ميض وقت إال وكان هؤالء

األربعة وعلى اختالف أعمارهم قد سافروا

لدراسة الفن يف أوروبا.‏ سافر شاكر حسن إلى

باريس،‏ وكاظم حيدر وطارق مظلوم إلى لندن،‏

أما إسماعيل فكانت وجهته روما.‏

مت قبوله يف أكادميية روما للفنون يف الصف

الثالث مباشرة نظراً‏ إلى مستواه الفني املتقدم

على الرغم من جهله للغة اإليطالية.‏ إال أنه فضل

البدء من الصف الثاني لكي يُتاح له الوقت ملعرفة

اللغة،‏ وكذلك االطالع على التجارب احلديثة

هناك.‏ لم يجد إسماعيل دراسته مجدية،‏ فقد

كان أستاذه شديد الولع بالفن الكالسيكي وهو

ما كان يحاول فرضه عليه.‏ ومبرور الوقت وجد

إسماعيل ضالته بالعمل خارج األكادميية على

أعمال نحتية صغيرة تعكس تأثيرات فنانني

تعرّف على أعمالهم هناك.‏ لم يجد يف أعمال

هنري مور،‏ الذي كان يلقي بظله على أعمال

أكثرية جيله،‏ مرجعية تتناسب وتصوراته

للشكل.‏ وجد يف أعمال الفنان اإلنكليزي كنث

أرميتاج خالل اخلمسينات ما كان يبحث عنه،‏

ذلك االهتمام بالتبسيط يف تكوين الكتلة ويف

حتقيق أشكال تشخيصية أكثر إنسانية يف

تفاعلها مع الفراغ احمليط بها.‏ أما يف الرسم

فكانت أعماله يف السنوات األولى من دراسته

تعكس تأثراً‏ واضحاً‏ بالفنان اإليطالي كتوزو إلى

جانب بيكاسو.‏ ولم ميض وقت طويل إال وجنده

قد شذب هذه التأثيرات لتحقيق تكوينات فيها

الكثير من التبسيط واالختزال اللوني.‏ وسرعان

ما وجد صالة لعرض أعماله يف الرسم والنحت.‏

وكانت املفاجأة يف شراء جميع أعماله من قبل

إسماعيل فتاح الترك 1974

برونز،‏ * 30 42 * 18 ‏.سم

مجموعة خاصة.‏

101


محمد غني،‏ علي طالب،‏ سلمان البصري وإسماعيل

فتاح الترك،‏ معرض جماعة الظل،‏ متحف الفن احلديث

، بغداد 1970

املرفوضات ‏)وهي األعمال التي مت رفضها يف

معرض املنصور(.‏

ضياء:‏ خالل عملك مع جواد،‏ هل ساهمت

مبساعدته يف بعض أعماله الفنية؟

نعم،‏ طلب مني يف إحدى املرات تكبير منوذج

مصغر عمله ملسرحية ‏"أوديب ملكا"‏ الذي كان

قد ترجمها جبرا إبراهيم جبرا.‏ نفذت العمل

بارتفاع خمسة أمتار بهيكل معدني غطيته بورق

الصحف وصبغته باللون األبيض،‏ ثم جاء جواد

ورسم عليه تخطيطاً‏ باللون األسود.‏ وقد وضع

النموذج عند مدخل املسرح وأثار إعجاباً‏ كبيراً.‏

ضياء:‏ كنت يف بغداد عندما قامت ثورة 14 متوز

1958 وحينها انقلبت األمور بشكل كلي.‏ أقيمت

معارض عديدة ورسم طالب معهد الفنون

جدران معهدهم بالكامل،‏ إلى جانب مساهمات

رسمية متنوعة خالل االحتفال السنوي حيث

كانت هناك مواكب فيها الكثير من اجلهد

الفني.‏ أين كنت من هذه الفعاليات؟

كانت هناك مساهمات مثيرة كما أشرت.‏

يف احتفاالت السنة األولى قدّم معهد الفنون

إسماعيل فتاح الترك 1974

برونز،‏ * 30 42 * 18 . مجموعة خاصة.‏

100


صور مختلفة إلسماعيل فتاح الترك يف مشغله يف روما،‏ مع

صورة لبعض نشاطاته خارج االكادميية.‏

99


عندما سمع من الراديو تأسيس املعهد،‏ وجد

نفسه أمام رغبة حادة لاللتحاق به.‏ ويف حينها

قدم عملني كان قد نقلهما من الكتب،‏ وهما

‏"اجلوكندا"‏ لدافنتشي و"العائلة"‏ ملايكل أجنلو.‏

ضياء:‏ كيف جاءتك فكرة تقدمي هذا النوع من

األعمال؟

كنت شديد اإلعجاب بأعمال الفنانني

املستشرقني،‏ وكنت أحاول رسمها مرات عديدة.‏

ضياء:‏ ماذا كان رد جلنة القبول؟ وهل تتذكر

فنانني آخرين كانوا معك؟

أبدى الفنان عطا صبري إعجابه الشديد،‏

فتم قبولي يف قسم الرسم وذلك لعدم وجود

قسم للنحت حينذاك.‏ معي كان أدهم إبراهيم

وخالد العسكري،‏ وعلى الرغم من قوة أعمال

األول فإنه لم يتمكن من املواصلة.‏

ضياء:‏ كنت أشاهدك يف مرسم األستاذ جواد

سليم يف القسم املسائي،‏ ما الذي جعلك تلتحق

بالدراسة املسائية يف معهد الفنون إلى جانب

دراستك الصباحية؟

يف أحد الدروس طلب منا األستاذ إسماعيل

الشيخلي يف حصة األعمال اليدوية عمل رمانة.‏

نفذت ما مت طلبه بشكل دقيق وتفصيلي،‏

وعندما شاهدها أخذني من يدي وذهب بي

إلى األستاذ جواد سليم وقال له:‏ ‏"هذا الطالب

يحتاج الهتمامك".‏ إلتفت جواد لناحيتي وقال

لي:‏ ‏"أقترح أن تأتي إلى القسم املسائي للعمل

معي".‏ وبالطبع كان أمراً‏ مثيراً،‏ خاصة وأنني

كنت أقيم يف القسم الداخلي ولدي الكثير من

الوقت الذي ميكن استغالله واكتساب املزيد من

املعرفة.‏

لم يكن إسماعيل يعرف ما هي أهمية جواد،‏

ولم يدر أن من يحيط به من مدرسني هم يف

الواقع أهم الفنانني العراقيني حينذاك.‏ لعل

تدخل جواد سليم رائد حركة احلداثة الفنية

قد فتح األبواب أمامه ملا هو أبعد من الدراسة

املنهجية والتقليدية.‏ يف حينها يذكر إسماعيل

أنه كان معجباً‏ بالفن االشتراكي املتمثل يف

الكثير من النصب،‏ وقد حاول التعبير عن هذا

االعجاب أمام أستاذه.‏ فما كان من جواد إال

القول الذي لم يدرك معناه يف حينها،‏ ولم ينسه

حتى آخر أيامه:‏ ‏"إذا كنت معجباً‏ بهذا النوع من

الفن فلن يكون باستطاعتي تقدمي ما يفيدك".‏

أصيب إسماعيل بخيبة منه،‏ ولم يصدق

كيف ألستاذه قول ذلك.‏ يف الصف الثاني يف

املعهد،‏ طلب جواد منهم عمل موضوع.‏ فاختار

إسماعيل عمل فالح يقف مع مسحاه.‏ يقول:‏

‏"بدأت بتهيئة الهيكل املعدني ثم قمت بتغطيته

جواد سليم يتفحص املوديل الذي يشتغل عليه إسماعيل فتاح الترك،‏ معهد الفنون اجلميلة،‏ بغداد ١٩٥٧

بالطني يف أماكن مختلفة.‏ وعندما شاهده جواد

طلب مني البدء بصبه بالبالستر.‏ استغربت من

طلبه وقلت له لكنني ال زلت يف املراحل األولى

من بنائه.‏ ال بأس،‏ قال جواد،‏ ميكنك عمل آخر

كما تريد.‏ عند االنتهاء من صب الهيكل املعدني

صبغه جواد بنفسه بلون برونزي وطلب مني

عرضه،‏ كان ذلك عام 1957.

هذا النوع من العالقة اختصر إلسماعيل الكثير

من االلتباسات،‏ وجعله أكثر قناعة يف البحث

عمّا هو أبعد من املرئي،‏ ال بل الذهاب ملغامرة

اكتشاف نفسه ومدى طاقته على االختالف

األسلوبي عن أقرانه.‏ بعد أن أكمل إسماعيل

دراسته يف معهد الفنون،‏ القسم الصباحي،‏ قدّم

أوراقه للعمل يف وزارة املعارف كمدرس رسم

حيث مت تنسيبه إلى معارف الناصرية.‏ وهنا

تدخل جواد سليم عندما علم بذلك،‏ فأخذه

بيده إلى الوزير شخصياً‏ وطلب منه تعيينه يف

بغداد لكي يظل على اتصال باملعهد...‏ وكان له

ما أراد.‏

كان دوام إسماعيل يف القسم املسائي نوعاً‏ من

اخلبرة ال تتوافر بسهولة،‏ فقد كان أكثر من

تلميذ بالنسبة ألستاذه.‏ ولم يكن معنياً‏ باجلانب

الرسمي منها،‏ لكن أستاذه جواد طلب من اإلدارة

قبوله يف الصف الرابع ملا كان يتمتع به من قدرة

فنية متميزة.‏ أتاح له هذا القبول فرصة التقدم

لدراسة الفن،‏ وقبوله يف إحدى الزماالت التي

أعلنتها وزارة املعارف يف تلك السنة.‏

ضياء:‏ من املعروف بأنك درست فن الفخار

عندما ذهبت إلى روما،‏ ما الذي جعلك تختار

هذا الفرع،‏ خاصة وأنك كنت من أكثر التالميذ

إبداعاً‏ يف النحت على األقل؟

كان ذلك مقترح أستاذي جواد ألنه،‏ كما

أعتقد،‏ كان راغباً‏ عند عودتي أن أعمل يف قسم

الفخار الذي كان يشرف عليه الفنان القبرصي

املعروف فالنتينوس.‏

ضياء:‏ قبل سفرك إلى خارج العراق للدراسة،‏

هل تتذكر املشهد الفني العراقي خاصة وأنك

سافرت عام ثورة ‎1958‎؟

كان املشهد الفني متواضعاً،‏ وكان معرض

املنصور السنوي أهم األحداث.‏ شاركت يف

إحدى دوراته،‏ فتم قبول عملي النحتي ورفض

عملي يف الرسم.‏ نشرت مجلة ‏"العاملون يف

النفط"‏ التي كان يشرف عليها جبرا إبراهيم

جبرا صورة لعملي النحتي وعنوانه ‏"احلفافة"‏

ودفع لي دينارين عن ذلك.‏ كما شاركت

حينها مع كاظم حيدر ونوري الراوي مبعرض

98


كانت سعادته يف تصيده للحظة التي يشعر

فيها برغبة العمل بغض النظر عن ظروفها،‏

أو كما يقول:‏ ‏"ال وقت محدداً‏ لديّ‏ وال برمجة

يف العمل واحلياة".)‏‎2‎‏(‏ كان يذهب إلى الرسم

جلانبه العملي على صعيد املكان،‏ وهو أيضاً‏

نوع من التخلص من الضغط الروحي عندما ال

يتمكن من إجناز ما يفكر به نحتاً،‏ على الرغم

مما يذكره يف نفس املقابلة بأنه ‏"يرسم عندما

يتأزم"،‏ ثم يضيف ‏"بأن الرسم يؤرقني كثيراً‏ بل

يعذبني".‏ )3(

إنتقل إسماعيل مع أهله إلى مدينة الناصرية.‏

ويف أحد األيام شاهده مدرس الرسم يف

البصرة وهو يرسم من اخليال.‏ أواله عنايته

وشجعه على الذهاب إلى مرسم املدرسة عندما

يتاح له الوقت.‏ بعد االنتهاء من دراسته للمرحلة

املتوسطة يف الناصرية،‏ التحق مبعهد الفنون

اجلميلة الذي كان قد تأسس حديثاً‏ عام 1952.

يذكر إسماعيل يف حواره أنه حتى تلك اللحظة

لم يكن ذا طموح فني،‏ بل كان منشغالً‏ بلعب

كرة القدم وعمل أي شيء يقضي به الوقت.‏

إسماعيل فتاح الترك يف مشغله ببغداد.‏ 1976

إسماعيل فتاح الترك 1976

بالستر *28 36 * 14 سم

مجموعة خاصة.‏

97


حوار ضياء العزاوي مع إسماعيل فتاح الترك

يشكل الفنان إسماعيل فتاح،‏ سوية مع جواد

سليم وخالد الرحال،‏ ظاهرة متميزة يف تاريخ

الفن العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام،‏

وذلك يف جمعهم بني النحت والرسم،‏ مجاورة

فيها الكثير من االبداع رغم االختالف الكبير

بني كال التعبيرين.‏ ويف السنوات األخيرة من

حياته،‏ انشغل إسماعيل وبشكل مدهش يف

طباعة احلفر على املعدن حيث أنتج العشرات

من األعمال خالل تلك السنوات،‏ عاكساً‏ فيها

انشغاالته كرسام.‏ فال غرابة إن ظلت نتاجاته

مرتبطة مبوضوعات وأشكال لوحاته املرسومة

بألوان الزيت أو اإلكريلك.‏

آل ثاني ، الدوحة،‏ مع بعض مساعديه ممن

اشتغلوا معه يف بغداد،‏ إلى جانب ما توافر لي

من فرص منذ قدومه إلى الدوحة عام 1995.

وقد شكلت هذه السنوات جانباً‏ هو األهم يف

تاريخه اإلبداعي ملا توافر له من مواد ودعم مع

صحبة من الفنانني العراقيني الذين مروّا عليه

خالل تواجده يف الدوحة.‏

يف هذه األحاديث،‏ يتذكر إسماعيل أن األعمال

اليدوية أثارت اهتمامه رغم ما جلبت له يف بعض

األحيان من غضب أستاذه بسبب استخدامه

طباشير الصف لعمل أشكال مختلفة،‏ وهو أمر

لم يكن متوافراً‏ عملياً‏ خالل احلرب العاملية

إن تقييم إجنازاته الفنية يواجه معضلة كبيرة

بالنظر إلى عدم اهتمامه شخصياً‏ مبا هو خارج

فعل النحت أو الرسم،‏ ويف مجتمع فني ال يجد

يف التوثيق الفني إحدى األوليات األساسية يف

التجربة الفنية،‏ هذاإلى جانب السنوات الصعبة

التي واجهها املجتمع العراقي من حروب

وحصار دولي لم يُعرف له مثيل يف التاريخ

احلديث،‏ يجعل املهمة غير مكتملة إال يف حدود

معينة.‏ ويف حوار سجلت بعضاً‏ منه عام 2002

يف اإلستديو الكبير الذي وفره الشيخ حسن

الثانية.‏ ويف أحيان أخرى كان على العكس،‏ حيث

يقول:‏ ‏"كنت يف الرابع إبتدائي عندما ذهبت مع

خالي الذي كان يعمل يف ميناء البصرة ملشاهدة

حاملة طائرات لقوات احللفاء.‏ وعند عودتي

إلى البيت عملت على تنفيذها باملقوى،‏ وبشكل

أدهش خالي الذي قدمها هدية إلى متصرف

البصرة حينذاك".‏

وغالباً‏ ما كنت أتساءل وأنا أشاهد عبثيته

إن كان قد غادر طفولته حقاً!‏ فهو كما عرَف

نفسه يف مقابلة صحافية عام : 2000 ‏"طفل

يلعب بالطني ويلهو بلعب األلوان".)‏‎1‎‏(.وظل

كذلك طيلة حياته.‏ كان مهووساً‏ بحياته خارج

البيت،‏ وبعالقاته بأصدقائه.‏ ولم يخطر ببالي

يوماً‏ عندما كنا نلتقي يومياً‏ يف النصف الثاني

من الستينات وحتى مغادرتي العراق منتصف

السبعينات،‏ بأنه يدرك مسؤوليته كصاحب

عائلة كبيرة ‏)ولدان وابنتان(،‏ وأنه بهذا العبث

يحرم نفسه من الوقت املطلوب لتحقيق أفكاره

التي يرسمها على أية ورقة متاحة حوله.‏ لم يكن

من النوع الذي يهتم بالوقت،‏ باملعنى التقليدي.‏

96


يلونونها فكانت النتيجة كما ترى عمل جميل

يبعث على التفاؤل والسعادة.‏

رافع-‏ وملاذا ال توجد أعمال كهذه هناك؟

إسماعيل-‏ أعتقد أنهم يفتقرون إلى اجلرأة.‏

رافع-‏ ماذا كان دور املعمار يف شارع حيفا؟

إسماعيل-‏ كان املعمار راغبا بذلك.‏ لكن القرار

كان قرار أمانة بغداد.‏ كان ينبغي أن يكون هناك

نظام تخطيطي متطور إلدخال هذا النوع من

الفن.‏

رافع-‏ يف جدة مثال يوجد الكثير من هذه

األعمال اجلميلة منتشرا يف املدينة،‏ وساحات

نيو دلهي مليئة باألعمال احلديثة.‏ سانخو

تشودري،‏ النحات الكبير عضو يف بلدية املدينة.‏

ما هو تقييمك للنحاتني الشباب؟

إسماعيل-‏ على الرغم من أن حركة صغيرة قد

بدأت بالنهوض خالل السنوات األخيرة،‏ فإن

النحت ما زال متأخرا،‏ وهذا ليس هنا فقط.‏

فقد كنت يف القاهرة مؤخرا وشاهدت معرض

نحت عربي جماعي،‏ معظم األعمال لم يكن

فيها مايثير االهتمام.‏ سامي محمد من الكويت

فنان واعد.‏

رافع-‏ أين معظم أعمالك،‏ املقتنيات؟

إسماعيل-‏ أغلبها يف إيطاليا وبغداد وكثير منها

يف بيروت.‏

رافع-‏ إسماعيل،‏ هل ستعود إلى الرسم؟

إسماعيل-‏ ليتني أستطيع،‏ إنها أعظم أمنياتي.‏

أعمل الكثير من التخطيطات وأجمع بني بعضها

أحيانا،‏ ثم ألتقط لهذه األشكال صورا فتظهر

ذات تأثير قوي جدا.‏ فأستمتع جدا بتأثيرها

علي.‏

نشرت هذه املقابلة يف مجلة كلكامش العدد ١٩٨٧ ٣،

باللغة اإلجنليزية بعد أن مت نقل احلوار من العربية إلى

اإلجنليزية من قبل الصديقة لبنى محمود أملان التي

حضرت اللقاء بطلب من رافع.‏ وبطلب من الصديق

الفنان ضياء العزاوي قمت بترجمة احلوار ثانية إلى

العربية لينشر هنا ألول مرة.‏

إسماعيل فتاح الترك 1994

برونز،‏ * 8 20 * 52 سم

مجموعة منى احلالق،‏ بيروت

إسماعيل فتاح الترك 1984

بالستر،‏ * 32 18 * 8 سم

مجموعة حسني حربه،‏ تورينو.‏

إسماعيل فتاح الترك 1978

برونز،‏ * 31 18 * 20 سم

مجموعة خاصة

95


94

لدينا يفتقر إلى قيادة منذ رحيل جواد سليم.‏

رافع-‏ هل ترى حاجة إلى القيادة؟

إسماعيل-‏ بكل تأكيد.‏ جواد سليم أوجد وحده

حركة فنية كاملة.‏

رافع-‏ لكنه لم يقصد ذلك.‏ وبغض النظر عما

قدمه من إجناز،‏ ليس بوسعنا أن نظل دائما

نقول جواد وليس غير جواد.‏ لقد فتح لنا آفاقا

ورؤى جديدة.‏ حتى يف الرسم،‏ من بوسعه قيادة

فن الرسم اليوم؟ القيادة،‏ كما أراها تأتي من

تراكم ما يُطرح من اخلبرات والتجارب.‏

إسماعيل-‏ أتفق معك متاما.‏ وبهذا الشكل نحن

نتأثر بتجارب كبار الفنانني.‏

رافع-‏ بوصفك أستاذ النحت يف كلية الفنون هل

أثّرت باي من طالبك؟

إسماعيل-‏ حاولت دائما أن أفتح أذهان طالبي.‏

كنت أدرّس طالب اخلزف،‏ ومنذ ثالث سنوات

فقط بدأت أدرّس طالب النحت.‏ تعرفت إلى

طالب موهوبني جدا،‏ لديهم حماسات وهم

على استعداد أن يطوروا نتاجهم إذا ما أحسن

توجيههم.‏ يف التدريس يبني األستاذ عالقات

قريبة مع الطالب.‏ بإمكاني أن أقول إنني

ساعدت على تكوين حركة صغيرة..‏ وقد بدأت

فعال.‏

رافع-‏ شاهدت يف زيارتي إلى كوريا اجلنوبية

أعمال طالب يف األكادميية حتتل احلدائق

العامة إسهامات منهم بفن البيئة.‏

إسماعيل-‏ النحت يف احلقيقة فن أكثر مالءمة

للبيئة من الرسم.‏ أنا أيضا رأيت أعماال من فن

البيئة يف كندا،‏ على سبيل املثال عمل مكوّن من

احلصى وسط البحر،‏ مؤثر جدا.‏

رافع-‏ معظم هذه األعمال تصلح للتأثيرات

الفوتوغرافية.‏ أي مكان يف بغداد تراه األنسب

ملثل هذه األعمال،‏ أال تتعتقد أن شارع حيفا هو

األنسب؟

إسماعيل-‏ بكل تأكيد.‏ مثل أعمال طالبي يف

الساحة الصغيرة أمام مركز الفنون.‏ أعطيتهم

مجموعة عظام يف البداية ثم طلبت منهم أن


انفصاال تاما.‏ ففنانو جيل الستني درسوا يف

اخلارج وحني عادوا إلى العراق فقدوا االتصال

مع التطورات التي حصلت يف نهاية اخلمسينيات

ومطلع الستينيات.‏

إسماعيل-‏ الثقافة أصبحت أمرا ضروريا يف

الستينيات بينما يف السابق كان الرسم هو املهم.‏

جواد سليم مثال جلأ إلى البحث.‏

رافع-‏ لكن جواد كان استثناء.‏

إسماعيل-‏ شاكر حسن آل سعيد أيضا ينتمي

جليل اخلمسني.‏ لكن فنه أخذ يتطور يف 1966،

وإسهامه اجلاد يف احلركة الفنية العراقية بدأ

يف السبعينيات.‏

رافع-‏ لم يكن حاضرا يف العراق يف تلك املرحلة

بل كان يف فرنسا.‏ لنعد ثانية إلى محطاتك

الرئيسة،‏ هل كانت رحلتك إلى تورنتو مرحلة

رابعة يف جتربتك؟

إسماعيل-‏ يف كندا رأيت أعماال كبيرة حتتل

فضاءات مفتوحة.‏ رأيت يف كل من إنكلترا وكندا

أعماال جريئة وأصيلة.‏ أذكر أنني رأيت يف تورنتو

نحتا يتألف من ثالثة مكعبات كبيرة ينحدر

الواحد من اآلخر.‏ كما شاهدت أفالما كثيرة

عن هذا النوع من الفن القائم يف الفضاءات

املفتوحة.‏ شعرت أنني ال أختلف عنهم،‏ فإذا

كانوا هم قادرين على إبداع أعمال كهذه

فبوسعي أيضا أن أعمل مثلهم.‏ تلك األعمال

ألهمتني اجلرأة.‏

رافع-‏ على الرغم من أن مفهوم احلداثة بذلك

املعنى لم يكن واضحا يف العراق،‏ فإنك متثل،‏

بل يف احلقيقة واحدا من رموز احلداثة.‏ كيف

ترى نفسك؟

إسماعيل-‏ لم أكن وحدي.‏ كنا مجموعة فنانني،‏

نحاتني ورسامني أقمنا قاعدة للحداثة يف

العراق.‏

رافع-‏ لكنها ظلت حركة صغيرة.‏ وأنا أخشى

أن يحصل تراجع.‏ إلى أي حد يتسم النحت

العراقي باحلداثة؟

إسماعيل-‏ ما زال النحت غير حداثي.‏ حتى

احلديث منه ليس يف الواقع حديثا.‏

رافع-‏ يف فن الرسم العكس هو الصحيح.‏

إسماعيل-‏ النحث أكثر صعوبة،‏ كما أن النحت

93


أهم احملطات يف جتربتك.‏ ما الذي تال مرحلة

دراستك يف معهد الفنون ثم إيطاليا؟

إسماعيل-‏ كان أستاذي يف إيطليا خير معني

لي كما كان جواد سليم يف بغداد.‏ لكن املعارض

يف روما وبينالي فينيسيا وغيرها كان لها تأثير

هائل.‏ من هنا بدأت أميل إلى النحت اإلجنليزي

وفن أرميتاج خصوصا.‏ وقد قلت له لدى لقائنا

إنني تأثرت يف شبابي بفنه.‏ الفن اإلجنليزي

على األغلب تشخيصي على غرار مدرسة مور.‏

لكن مور ميلك احلركة واحليوية داخل الشكل

شأن الفنون الشرقية كالسومرية واملصرية.‏

رافع-‏ قال مور إنه تأثر بالفن السومري.‏ هل

أقمت أي معرض يف إيطاليا أثناء إقامتك هناك؟

إسماعيل-‏ أقمت معرضا للرسم والنحت.‏ ففي

1963 بدأت شخصيتي الفنية تتبلور يف النحت.‏

رافع-‏ أتذكر ثقتك الكبيرة بنفسك.‏

إسماعيل-‏ لقد حصلت على جائزة ماركوتا يف

إيطاليا،‏ وجائزة فاريكا يف 1965.

رافع-‏ مع ذلك لم حتاول الدخول إلى العاملية.‏

أنت شاركت يف معارض مشتركة عاملية ولكنك

لم تقتحم العالم.‏

إسماعيل-‏ ألن النصب العامة أستهلكت معظم

وقتي.‏ اآلن أنا أشعر باألمان وأعرف ما أريد،‏

وأدرك أي املؤثرات تغني تطور فني.‏

رافع-‏ أال تعتقد أن التواصل مع بقية العالم

أمر مهم؟ كثيرون مييلون إلى االكتفاء بالتجربة

احمللية.‏

إسماعيل-‏ هذا محض غباء وغير مقبول على

اإلطالق.‏

رافع-‏ على كل حال نحن جزء من العالم.‏ ومهما

كنا منضي يف خط واحد مع بقية دول العالم،‏

نحن عراقيون وجذورنا يف هذه األرض.‏

إسماعيل-‏ الفن العراقي على وجه اخلصوص.‏

فهو يتميز عن فنون العالم العربي وفنون

العالم أجمع مبا ميلكه من صفات جلية.‏ وأكبر

الفنانني،‏ عشرون فنانا رمبا،‏ يحملون شيئا من

روح الفنون العراقية.‏ وهذا هو احلال مع فناني

جيل الستني.‏

رافع-‏ لقد أجنزت منحوتتك لشركة إعادة

التأمني بعد حرب 1967، فهل تعتقد أن تلك

احلرب كان لها تأثير حاسم على الفن يف

العراق.‏

إسماعيل-‏ بكل تأكيد.‏ كانت مرحلة مهمة

أحدثت تغييرات كبيرة.‏ كان الشعراء والفنانون

من جيل املرحلة املبكرة من الستينيات يتمتعون

مبواهب إبداعية كبيرة ولكنهم كانوا يفتقرون

إلى وضوح الرؤية.‏ بينما أثّرت احلرب العربية

اإلسرائيلية يف 1967 على مزاج املبدعني

وميولهم.‏

رافع-‏ كان منتصف الستينيات مرحلة التغييرات

الكبيرة يف العالم.‏ كان التغيير كليا ال يتقصر

على التقنيات،‏ بل شمل املفاهيم وطرق التفكير.‏

الفن احلقيقي بدأ يف 1965.

إسماعيل-‏ كانت حقبة اخلمسني يف احلركة

الفنية العراقية جتريبية.‏ بإمكانك أن تالحظ

ذلك يف املعارض التي أقامها فائق حسن وجواد

سليم حيث جتد مختلف األساليب واالجتاهات.‏

فنانو الستينيات انطلقوا من فكرة معينة أو رؤية

ثم راحوا يعملون على إثرائها.‏

رافع-‏ نعم،‏ لقد تغيرت شخصية الفنان.‏ أصبح

لديه إحساس باملسؤولية،‏ ولم يعد ذلك الرسام

الذي يعمل من أجل الرسم فقط.‏ أصبح مسؤوال

عن أفكاره.‏ فبدأ يقدم محاضرات ويدير

نقاشات ويف الوقت نفسه ظهرت نشاطات فنية

أخرى كفن امللصق وغيره.‏

إسماعيل-‏ لم يكن جيل الستني امتدادا جليل

اخلمسني.‏ بل كان هناك انفصال كامل.‏ لقد ثار

الستينيون على اخلمسينيني.‏

رافع-‏ التغيير حصل يف الرؤية.‏ ولكنني أعتقد

أن الالنفصال حصل بشكل طبيعي،‏ ولم يكن

إسماعيل فتاح الترك مع رافع

الناصري،منتصف الثمانينات،‏ بغداد

إسماعيل فتاح الترك 1989

برونز ، 64 * 24 * 30 سم.‏

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان.‏

٩٢


91


باألحرى بغدادية.‏

إسماعيل-‏ نعم القبة عراقية.‏ واصلت البحث

عن القبة.‏ قرأت بحثا خاصا عن القباب ووجدت أن

أصل القبة عراقي.‏ حتى القوس األندلسي يعود

أصال إلى األختام السومرية.‏ لم تكن لدي رغبة

بعمل نصب تشخيصي للشهيد.‏ هكذا جتسد

شكل القبة.‏ رأيت أن بإمكان بغداد وفضائها

الكبير أن يكون فيه قبة كبيرة.‏ يف البانثيوم

يوجد أكبر قبة يف العالم بارتفاع 32 مترا.‏ وهذا

ما أردته بالضبط.‏

رافع-‏ هل كنت تعرف املكان الذي سيحتله

النصب؟

إسماعيل-‏ ليس يف ذلك الوقت.‏ ولكنني أصررت

على أن يوضع يف فضاء مفتوح.‏ يف احلقيقة كان

من املفروض أن يوضع يف موقع آخر.‏ النصب

الكبيرة أصلها من الشرق:‏ اإلهرامات واملسلة

واملنارة امللوية وغيرها.‏ فاألرض منبسطة مما

يجعل باإلمكان مشاهدة هذه النصب من كل

مكان.‏ قبل 300 عام فقط بدأ األوربيون بتقليد

هذه األعمال وكانوا قد استولوا على املسلة.‏

حتى برج إيفل ال ميكن مشاهدته كامال إال

عن قرب.‏ 300 ارتفاع قبة نصب الشهيد 40

مترا.‏ يف بداية النقاش أُثيرت فكرة وضع القبة

على مكان مرتفع.‏ لكنني رفضت الفكرة رفضا

قاطعا.‏ يضع األوربيون معابدهم وكنائسهم على

مرتفع من أجل أن تكون مرئية

رافع-‏ وضع هذا النصب على مكان مرتفع كان

سيجعله أقرب إلى املسجد.‏ لكنه يف احلقيقة

نحت،‏ عمل فني.‏

إسماعيل-‏ نعم وعمل حداثي جدا.‏ يف البداية

راودتني فكرة أن أجعل الشهيد ينبثق من قلب

العمل.‏ لكنني لم أحبّذ الفكرة ووجدتها فكرة

درامية جدا.‏ هنا بدأت تتكون عندي فكرة

التضاد بني احلياة واملوت..‏ فكرة القطعتني

وهما تتحركان معا نحو الشهادة واخلصب

ومجرى احلياة.‏ فبدأت أحرك القطعتني حتى

حتقق لدي التداخل الذي أريد...‏ ذلك ما

أسعدني وأرضاني إلى حد كبير.‏

رافع-‏ هل بإمكانك أن تربط هذا التفاعل مع ما

حتقق من تفاعل يف أعمالك النحتية األخرى.‏

إسماعيل-‏ نعم لقد ساعدني ذلك كثيرا.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ يف احملترف،‏ بغداد 1990

إسماعيل فتاح الترك،جبرا إبراهيم جبرا ومي مظفر،‏

قاعة احملترف،‏ بغداد 1990

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1990

برونز ، 190 * 40 * 30 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة

فالفكرة واحدة باألساس.‏

رافع-‏ هل اعتمدت فكرة القبة والقوس.‏

إسماعيل-‏ ال أبدا،‏ وإمنا يف القبة فقط.‏ أما

القوس فهو نابع من القبة.‏ إنه بسيط جدا وأنا

أردته بهذه الطريقة.‏ لذلك رفضت فكرة وضع

أية كتابة أو نقش على اجلدران.‏ القبة اكتست

باللون األزرق من اخلارج والداخل حيث يتداخل

الضوء والظل.‏

رافع-‏ ما هو الوقت الذي استغرقه العمل

لالنتهاء منه؟

إسماعيل-‏ سنتان ونصف.‏

رافع-‏ ما هي األعمال األخرى التي نفذتها يف

تلك الفترة؟

إسماعيل-‏ العمل التجريدي لقصر املؤمترات

وبعض املنحوتات الصغيرة.‏

رافع-‏ هل باإلمكان القول إن نصب الشهيد يعد

نقطة حتول يف جتربتك الفنية.‏ أعتقد أن أي

دارس لفنك البد أن يقسم التجربة إلى مرحلتني

ما قبل النصب وما بعده.‏ فما رأيك؟

إسماعيل-‏ وأنا أعتقد كذلك،‏ فقد أصبح كل

ما أنتجته بعد نصب الشهيد وقصر املؤمترات

أكثر تطورا.‏

رافع-‏ هل تعتقد بأنك ستصل إلى مرحلة

التجريد الكامل؟ أو األفضل دعنا منر من خالل

90


وافق على اختيار هذا العمل-‏ اجلرأة الكبيرة.‏

مالحظة:‏ ‏)أذكر هنا للتاريخ أنني كنت قد

رافقت آرمتاج يف تلك اجلولة.‏ حني عبر بنا

بالباص جسر اجلمهورية أصبح نصب احلرية

شاخصا بوضوح أمامنا.‏ قلت له:‏ هذا من

األعمال اخلالدة التي نفخر بها للفنان جواد

سليم.‏ سكت ولم يعلّق.‏ وحني وقفنا داخل القبة

الزرقاء حتت نصب الشهيد،‏ تطلع إلى الفضاء

العالي،‏ ثم جمع كفيه حتت ذقنه يف حركة

شبيهة بالصالة،‏ وقال:‏ This is unspeakable

مي مظفر(.‏

رافع-‏ لعل يف القيام بعمل جتريدي بهذا املقاس

حتد كبير السيما يف العراق ويف أي بلد عربي

آخر.‏

إسماعيل-‏ هل تتذكر عندما كنت أناقش معك

فكرة النصب.‏

رافع-‏ بالتأكيد بل أتذكر كيف شرحت لي الفكرة

عندما أمسكت ببرتقالة وشطرتها إلى نصفني.‏

ما هو مصدر الفكرة؟

إسماعيل-‏ يف عام 1972 كان لدي خامت عليه

صورة شمس ينبثق من قلبها شهيد.‏ بدأت أعيد

النظر وقلت لقد مُنحنا كل احلرية إلبداع العمل

وبدون أي حتديد للكلفة املالية.‏ فكرة القبة

جاءت يف اآلخر.‏ كنت دائما مسحورا بالقبة

التي متثل العظمة.‏

رافع-‏ القبة حتمل مالمح محض عراقية أو

تفصيل جانبي جلانب من القبة املشطورة مع الراية

العراقسة

منوذج الراية العراقية مع اكليل الشهيد متوسطا

القبة املشطورة يف نصب الشهيد.‏

89


88


أن ألعب بشكلني أو ثالثة.‏ نصب شركة إعادة

التأمني يحتوي على هذا التداخل بني األشكال

ومن ثم فإنني أستغل أسلوب عرض العمل.‏

فالشخص يظهر ثم يتراجع إلى اخللف ليظهر

ثانية يف الواجهة.‏ فهو يخدع املشاهد.‏ بدأ

هذا عندي نتيجة انبهاري بالسينما،‏ األفالم

األمريكية،‏ حني تصور الكاميرا املشهد باتساع

ثم تقترب بتركيز يف الوقت الذي تتمظهر فيه

الصورة بأشكال وقوالب مختلفة.‏

رافع-‏ هل استمر هذا االنبهار بالسينما مع

امتداد جتربتك الفنية؟

إسماعيل-‏ نعم يف جميع أعمالي.‏

رافع-‏ هل تقوم أنت بصب أعمالك بالبرونز؟

إسماعيل-‏ نعم.‏

رافع-‏ سنتحدث اآلن عن نصب الشهيد.‏ هذا

عمل يستحق حقا أن نحتفي به.‏ فهو عمل

مدهش العلى مستو بالعراق والعالم العربي

فقط وإمنا على مستوى العالم اجمع.‏ عندما

شاهده النحات اإلنكليزي كنيث آرمتاج خالل

حضوره مهرجان بغدادالعاملي األول للفنون

التشكيلية،‏ أبهره وقال:‏ ‏"هذاالعمل يفوق

الوصف".‏

إسماعيل-‏ بل ضمني إليه عندما التقينا الحقا

يف ذلك املساء.‏

رافع-‏ كان يبحث عنك.‏ فاألوربيون يبحثون عن

كمال العمل،‏ وقد وجد أرميتاح هذا الكمال بني

الفضاء واالرتفاع،‏ وحدة العمل يف كلًّ‏ متكامل.‏

بغض النظر عن حقيقة أنه قد شاهد أعماال

عاملية كثيرة.‏ وكان قد زار قبل قليل نصب

اجلندي املجهول.‏ إن أحد أهم األمور التي نفتقر

إليها عموما هو أسلوب العرض.‏ لدينا أفكارنا

وتصوراتنا واحلساسية وجميع املتطلبات الفنية

األخرى،‏ لكننا ال نحسن عرضها.‏ يعد نصب

الشهيد عمال متكامال يخلو من أي خطأ.‏

إسماعيل-‏ حني ناقشت العمل مع أرمتاج بعد

أن التقينا الحقا قال لي إن أمورا ثالثة حققت

عظمة هذا العمل:‏ التصميم-‏ ومتانة التصميم

الكبيرة،‏ ثانيا التنفيذ،‏ وثالثا الشخص الذي

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1972

متثال الفنان يحيى الواسطي،‏ بغداد

87


رافع-‏ رمبا يعود ذلك لكونك رساما ونحاتا.‏

متى بدأت العمل بالتماثيل الصغيرة؟

إسماعيل-‏ يف السبعينيات.‏

رافع-‏ دأبت على عمل مربعات وحروف ورموز

إلخ.‏

إسماعيل-‏ صحيح.‏ لكنني كنت أعمل املربع مذ

1976 نقابة احملامني.‏ تلك كانت بابا فيها مزيج

من مربعات وكتابات من الرقم الطينية،‏ تأثيرات

سومرية بسيطة وجميلة.‏

رافع-‏ هل بوسعنا أن نقول أن لديك مسارين

رئيسني يف فنك،‏ أحدهما فن تشخيصي يحمل

رموزا وغيرها واآلخر جتريدي مثل نصب

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1990

برونز ، 30 * 14 * 12 سم.‏

مجموعة مؤسسة كنده للفن العربي

املعاصر،‏ الرياض

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1990

برونز ، 60 * 15 * 15 سم.‏

مجموعة مؤسسة كنده للفن العربي

املعاصر،‏ الرياض

كنت يف إيطاليا.‏

رافع-‏ لكن املربع غدا أكثر وضوحا يف السبعينيات

يف لندن ويف املعرض اجلماعي يف بغداد 1976

ثم ‎1978‎‏.أنا أيضا أعزو استخدامك للمربع إلى

نصب إعادة التأمني العراقية.‏

إسماعيل-‏ صحيح،‏ ولدي جدارية ثانية يف

الشهيد وغيره.‏

إسماعيل-‏ رمبا.‏ لكن احلركة بني شكل وآخر

موجودة حتى يف الفن التشخيصي.‏

رافع-‏ هذا صحيح،‏ ولكن باألساس هناك

أسلوبني تشخيصي وآخر جتريدي.‏

إسماعيل-‏ كنت فنانا جتريديا أيضا.‏ أحب

86


85

٧٦


إسماعيل-‏ أيضا خالل 1968-1970.

رافع-‏ جميع تلك األعمال نُفّذت خالل تلك

الفترة،‏ من برأيك كان وراءها؟

إسماعيل-‏ املعمار هشام منير،‏ كان مينحني

الكثير من احلرية،‏ يف تلك الفترة أيضا نفذت

نصب وزارة الصناعة التي تقع كذلك يف ساحة

اخلالني.‏

رافع-‏ هذا ينقلنا إلى موضوع آخر:‏ عالقة

العمارة بالفن.‏ كانت هناك تلك احلركة الكبيرة

خالل الفترة 1968-1970 وكان وراءها هشام

منير،‏ ولكن ملاذا توقفت يف مرحلة معينة؟

إسماعيل-‏ هشام بذاته واصل عمله.‏ ثم انتقل

النشاط إلى شارع حيفا،‏ غير أن األعمال لم

تكن على تلك الدرجة من النجاح.‏

رافع-‏ على املعماري أن يكون لديه فكرة

واضحة.‏ األعمال التي نًفذت يف قصر املؤمترات

كانت ناجحة عموما ألن املعمار كان لديه فكرة

واضحة.‏ أعمالك تشخيصية،‏ فما الذي دعاك

إلى عمل نصب جتريدي لقصر املؤمترات؟

كثيرون رأوا أن ذلك العمل لم يكن بصالح

جتربتك.‏

إسماعيل-‏ لقد قمت بنحت أعمال جتريدية

كثيرة يف إيطاليا،‏ ال تشبه ذلك العمل بطبيعة

احلال.‏ التشخيص ما كان يناسب ذلك املبنى.‏

أنا استخدمت الفن املالئم لذلك املبنى احلديث

املشيد بالرخام األبيض.‏ لقد منحني البياض

إحساسا بأن املكان واحة لذلك استخدمت

النخلة املجردة لتكون رمزا لها.‏ كما جعلتها

بقطعتني إشارة إلى دجلة والفرات.‏

رافع-‏ هل تنسب هذا العمل إلى عملك ‏"نصب

الشهيد".‏ إسماعيل هذا العمل جاء الحقا،‏

نصب الشهيد كان يف 1978. لكن أساس الفكرة

واحد:‏ حركة جتمع بني شكلني أو قطعتني.‏

رافع-‏ لو طلبت منك تقييم أعمالك سيأتي

نصب الشهيد يف القمة ويليه نصب قصر

املؤمترات فما هو الثالث؟

إسماعيل-‏ شارع حيفا.‏

رافع-‏ هل يحمل املفهوم نفسه؟

إسماعيل-‏ ال أبدا.‏ إنه عمل تشخيصي مؤسلب.‏

فقد جاء بعد عودتي من لندن حيث عملت يف

املشغل الذي كان النحات هنري مور يصب فيه

متاثيله.‏ قمت بعمل متثال صغير بتأثير من

هنري مور.‏ يف الواقع حمل التمثال تأثيرات مور

والنحت السومري معا.‏ بدأ ميلي إلى النحت

السومري يف إيطاليا،‏ ثم أصبحت أعمل الحقا

حتت كال املؤثرين السومري واألوربي احلديث.‏

نصب شارع حيفا يحمل عظمة النحت السومري

الشبيه بأبو سنبل.‏ ثم قمت بتلوينه وكنت يف

غاية الرضا عنه.‏ بوسعك أن تقل إن التلوين كان

واحدا من حيلي،‏ لكنني ارحتت له.‏

رافع-‏ هل لوّنت متاثيلك يف إيطاليا؟

إسماعيل-‏ نعم،‏ منذ بداية رحلتي إلى هناك.‏

موديل منحوتة النخلة العراقية،‏ برونز.‏

مجموعة محمود العبيدي،‏ عمان

موديل منحوتة النخلة العراقية،‏ باملرمر االبيض والتي

نفذت خصيصا لبناية قصر املؤمترات،‏ بغداد

84


83

استحوذ النحت على الكثير من وقتي وجهدي

مع ذلك لم أتوقف عن رسم التخطيطات وعمل

منحوتات صغيرة.‏ أقمت معارض كثيرة يف

جمعية الفنانني التشكيليني وقاعة الواسطي.‏

كانت معارض للرسم والنحت.‏

رافع-‏ لنتوقف عند هذه النقطة.‏ خالل حقبة

الستني مارست النحت والرسم معا،‏ ملاذا توقفت

عن الرسم؟

إسماعيل-‏ ما زلت حتى اليوم أعشق الرسم

والتخطيط وأستمتع بهما،‏ لكن النحت استحوذ

على جزء كبير من وقتي.‏

رافع-‏ إلى أي حد أثر تأثيث الساحات العامة

باملنحوتات على عملك؟

إسماعيل-‏ كان التأثير كبيرا جدا وأنا لم

أعتبرها قط أعماال إبداعية بل كانت محض

مهنية ميكن أن يقوم بها أي صانع ماهر،‏ لكن

الدولة كانت بحاجة إلى مثل تلك األعمال.‏

رافع-‏ ألم يكن هناك محترفون بوسعهم تنفيذ

مثل هذه األعمال،‏ أعتقد أن هناك الكثير من

احلرفيني املتخصصني بتنفيذ أعمال كهذه؟

إسماعيل-‏ نحن نفتقر إلى مثل هؤالء احلرفيني.‏

فالنحات اإليطالي كنونينكا،‏ الذي نفذ متثال

امللك فيصل األول ومتثال أتاتورك،‏ حريف كبير

ولكنه ال يحسب ضمن احلركة الفنية اإليطالية.‏

رافع-‏ متى بدأت العمل بتمثال الرصايف الذي

يحتل ساحة الرصايف،‏ وهو أول هذه النصب؟

إسماعيل-‏ خالل 1968-1970.

رافع-‏ والنصب الذي يحتل واجهة شركة إعادة

التأمني العراقية،‏ مقر وزارة التجارة حاليا؟

إسماعيل-‏ خالل 1969-1970.

رافع-‏ هذا العمل يقف على القمة من أعمالك،‏

كيف تراه قياسا للرصايف والكاظمي وغيرهما؟

إسماعيل-‏ كان علي أن أقوم بعمل تلك النصب

ألسباب مادية.‏ كما أردت أن أبني ملن كان يشكك

بقدراتي على أن بوسعي تنفيذ أعمال مثلها.‏

رافع-‏ أال ترى أن ما تقوله مجرد تبرير؟!‏ كثيرون

أيضا يشككون بقدرتي على التخطيط.‏

إسماعيل-‏ هذا ليس تبريرا،‏ كانت النصب

حاجة ضرورية.‏

رافع-‏ كيف تقيّم عملك لشركة إعادة التأمني؟

إسماعيل-‏ أضعه يف ذروة أعمالي شأن نصب

جلجامش الذي يحتل مدخل قصر دار السالم

‏)لقد تعرض العمل للسرقة بعد عام 2003(

رافع-‏ ومتى عملت نصب مدينة الطب؟

إسماعيل فتاح الترك 1988

مواد مختلفة على الورق،‏ * 160 120 سم

مجموعة حسني حربه،‏ تورينو

إسماعيل فتاح الترك 1973

برونز،‏ * 32 34 * 19 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن


82


81


حوار رافع الناصري مع إسماعيل فتاح الترك

يف عام 1987 أجرى الفنان رافع الناصري حوارا

فنيا مع صديقه وزميله الفنان إسماعيل فتاح يف

مسعى لتوثيق املسيرة الفنية للنحات والرسام

املبدع وقد دار احلوار يف مشغل الغرافيك الذي

كان الناصري قد أنشأه للتو يف حي املنصور

ببغداد.‏ أجري احلوار لغرض نشره يف امللف

اخلاص عن الرسام والنحات املبدع يف مجلة

كلكامش الفصلية التي كان الناصري يشرف

على تصميمها.‏ وقد متيز بتجاوزه أسلوب

السؤال والرد ليصبح حوارا بني فنانني لكل

منهما جتربته وموقفه من الفن،‏ ما يتفقان عليه

وما يختلفان فيه.‏ املمتع يف احلوار أنه تناول

مسيرة احلركة الفنية العراقية وتطورها منذ

مطلع ستينيات القرن املاضي ونشأة التجربة

الفنية لكال الفنانني وتبلور سماتها آنذاك.‏

وقد استُهل احلوار بالعودة إلى أول معرض

إلسماعيل فتاح يف 1958.

رافع-‏ أود أن أعود بك إلى أول معرض شخصي

شاركت به يف النادي األوملبي يف بغداد يف 1958

كما أعتقد.‏

إسماعيل-‏ معرض الثورة.‏ وهو أول معرض نًظم

عقب قيام الثورة.‏

رافع-‏ أثار استغرابي أن أرى تأثير الفنان فائق

حسن على لوحاتك بدال من جواد سليم على

الرغم من أن جواد كان يف ذروة جتربته الفنية.‏

إسماعيل-‏ جميع الفنانني وأنا من بينهم كانوا

متأثرين بفائق حسن ال بجواد سليم.‏ كان جلواد

مساره القائم على أفكار وتصورات جماعة

بغداد للفن احلديث لذلك لم يتأثر به الفنانون

كثيرا.‏

رافع-‏ هل حافظت على أسلوبك ذاك بعد

ذهابك إلى إيطاليا؟ فأنا أعرف أنك درست

الرسم على يد فائق والنحت على يد جواد.‏

إسماعيل-‏ لقد أصبت بصدمة شديدة يف

إيطاليا.‏ أسميها صدمة ثقافية ولم أستطع

عمل أي شيء يف السنة األولى وأدركت حينذاك

أننا معزولون متاما يف العراق.‏ كان محور حياتنا

فائق حسن وقليل غيره وكان علي أن أكيّف نفسي

ألمتكن من اإلمساك بذلك العالم الواسع جدا.‏

مفاهيمنا كانت مهزوزة بعض الشيء وال تستند

إلى أسس متينة.‏ يف أيطاليا فقط استطعت أن

أعيد النظر بتصوراتي وطريقة تفكيري ومن ثم

بدأت أفهم جتربة جواد سليم.‏

رافع-‏ أعتقد أننا مازلنا نقيم يف عزلة عن

العالم.‏ لكن الوعي الفني تقدم بشكل كبير

إلى حد أن خريج معهد الفنون أو كلية الفنون

اجلميلة اليوم حني يذهب إلى خارج العراق

سيواجه ضغطا كبيرا لدى مواجهته عاملا مليئا

بالتجارب واخلبرات.‏

إسماعيل-‏ لكن الشباب اليوم يستفيدون منا

أكثر مما استفدنا نحن من جيل الرواد.‏

رافع-‏ ممكن أن يكون هذا صحيحا إلى حد

كبير.‏ لكن احلركة الفنية برمتها يف العالم

اتسعت اتساعا كبيرا وأصبح أمام الفنان فرص

كبيرة.‏ أنا أذكر معرضك الشخصي بعد عودتك

من إيطاليا فقد كانت جتربتك صادمة.‏ كل

األعمال كانت باللون األبيض مع ضربة سوداء

أو شيء من اللون.‏ كنتُ‏ بطبيعة احلال قد عدت

للتو من الصني ولم أكن يف احلقيقة مياال للفن

احلديث.‏ وأنت تعرف أن مفهوم احلداثة لدي

تطور بعد عودتي من البرتغال.‏

إسماعيل-‏ تلك الرحلة كانت مهمة لتجربتك

الفنية.‏ عودة إلى معرضي ذاك،‏ فقد كانت

نتائجه سلبية إلى حد أن اجلمهور بصق على

اللوحات.‏

رافع-‏ وماذا عن موقف الفنانني منه؟

إسماعيل-‏ قلة فقط تذوقوا التجربة.‏

رافع-‏ أين جتد موقع ذلك املعرض من جتربتك

الفنية؟

إسماعيل-‏ بداية ويف السنة األولى كنت أرسم

على طريقة فائق حسن.‏ ثم وقعت حتت تأثير

التعبيريني من أمثال نولده وبيكمان وكوكوشكا.‏

يف تلك األثناء التقيت زوجتي فكان لها تأثيرا

كبيرا على جتربتي الفنية.‏ الحقا وقعت حتت

تأثير الواقعية اإليطالية اجلديدة مثل گوتوزو

وغيره،‏ ويف الوقت نفسه بدأت تظهر عندي

مالمح وتوجهات خاصة.‏ ثم بدأ اللون األبيض

يسحرني بينما تضاءلت األلوان األخرى وخفتت

إذ كنت أخلط األبيض باألسود وغيره من

األلوان.‏

رافع-‏ قد يكون ذلك نتيجة تأثير ممارستك

للنحت.‏ فقد بدأت شخوصك تظهر كما لو أنها

منحوتة.‏ تكويناتك يا إسماعيل كانت تشخيصية

وليس جتريدية،‏ ما الذي دعاك إلى أن تصدم

اجلمهور؟

إسماعيل-‏ آه..‏ بعض اللوحات كانت جتريدية.‏

رافع-‏ قد تكمن أهمية ذلك املعرض مبا طرح

من أفكار وأساليب جديدة.‏

إسماعيل-‏ كانت مرحلة ‎1960-1965‎سنوات

ميتة.‏ بعد عودتي من إيطاليا يف 1964 تعرفت

إلى عدد كبير من الفنانني الشباب املتفتحني

املبدعني والتواقني إلى املزيد من املعرفة.‏

رافع-‏ علينا أن ال ننسى اثنني من كبار املؤثرين

اللذين كان تأثيرهما قد بدأ آنذاك،‏ وهما

أرمتوفسكي والزسكي.‏ وكالهما فنانان مجددان

بذاتهما.‏ فما هو احلدث اآلخر الذي تتذكره؟

إسماعيل-‏ كاظم حيدر يف معرضه ‏"الشهيد"،‏

على الرغم من أنني لم أستسغه برمته .. ففيه

الكثير من الرسوم التوضيحية .illustration

رافع-‏ إلى أي وقت امتدت تلك املرحلة.‏

إسماعيل-‏ لغاية حرب حزيران 1967. بعدها

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1963

زيت على القماش،‏ * 40 29 سم.‏

مجموعة اخاصة،‏ لندن.‏

80



حوار مع إسماعيل فتاح الترك


77


، كان يهرب من امام كل ما يومىء الى احلدث

اجللل . مع ذلك فقد كرم االموات اجمل تكرمي

يف نصب الشهيد ، الصرح اللذي كنا نتمنى ان

يضم رفاته كما ضم صرح اجلندي املجهول

رفات سلفه خالد الرحال .

كلماته الودودة التي تسربت منه الى سماعة

الهاتف يف حلظة خاطفة من حلظات سكون

االلم الشديد وهو على سرير املرض يف ابو

ظبي ، كانت كلمات قليلة خافتة ونابعة من

القلب . لعله اراد ان يقول الكثير وال شك . ذلك

ما سيبقى مخزونا يف ذاكرة االرض ، وبعض ما

سيبقى يف ذاكرة االصدقاء ، ومايف دورنا من

نتائج يده العبقرية . فشأنه شأن سلفه واستاذه

جواد سليم ، كان غزير االنتاج ، موزع القوى ،

نهما للحياة والعمل التكل له ذراع وال تختفي

عنه ابتسامة . تهوره وجنونه وفوضويته ومحبته

الفائضة وتسامحه وغضبه كله نابع من طبيعة

العراق بطاقاته وتناقضاته ، بعطائه ودماره ،

بافراحه ومأسيه . اما قلبه الكبير فقد اتسع

اجلميع اصحابه واعدائه .

يف الواحد والعشرين من يوليو )2004( وصل

اسماعيل فتاح الترك الى بغداد قادما من ابو

ظبي ، وهو يف الرمق االخير ‏.طلب ان يلقي

نظرة على بغداد من فتحة النافذة ، ففاضت

روحه وفارق احلياة مطمئنا الى بقائه هناك .

لم يشاهد احد وهو يتسلل من النافذة متجها

نحو فضاء اهلل الرحب . ولم يستوقفه حرس

ولم يعترض طريقه ناقم اومنتقم . سرى طليقا

الى حيث سبقه قبل اشهر شاكر حسن آل سعيد

، وكالهما ترك على العراق من االثر ما ال

تستطيع اشد جيوش االرض همجية ان متحوه.‏

إسماعيل فتاح الترك 1997

اكريلك على الورق * 75 57 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك 1988، لندن

تصوير ضياء العزاوي

إسماعيل فتاح الترك،‏ علي طالب ورافع الناصري،‏

بغداد.‏ تصوير جاسم الزبيدي

إسماعيل فتاح الترك ورافع الناصري،‏ عمان 1995

76


75


الرحال ، حني درس يف معهد الفنون اجلميلة

واكتسب من االثنني الوعي مبوروث العراق

يف النحت على احلجر ، كما ادرك منجزات

السومريني يف تطويع حجر البازلت واكتشاف

تقنيات الصب بالبرونز . وحني درس يف ايطاليا

، وتبنى النحت احلديث ظهرت على اعماله

االولى مؤثرات فنانني عامليني ‏)جياكوميتي ،

ثم هنري مور وكينيث ارميتاج ولني تشادويك

) يف مراحل مختلفة . ومع ان هذه املؤثرات

تشي مبرجعياتها بني حني واخر ، اال ان املنجز

إسماعيل فتاح الترك 1997

اكريلك على الورق * 75 57 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1989

اكريلك على القماش * 105 85 سم

مجموعة حسني حربه،‏ تورينو

النهائي العمال الترك ال يحمل غير بصمة

فنان معاصر ورث فنون أرض الرافدين وتشرب

بروحها.‏

عمالقة فتاح

االبداع الفني لدى اسماعيل الترك هو احلياة

. وهو ال ينفرد يف هذه الصفة ، وامنا هي

جزء من تكوين توارثه الفنانون املبدعون من

تركة جواد سليم وفائق حسن ، والفنانني اللذين

جعال للفن قيمة ، ومكانة ال يفرط بهما ابدا .

فقبل ان يداهمه املرض ويحد من نشاطه الفني

، امضى اسماعيل الترك يف قطر اشهر طويلة

الجناز مشروع نحتي كبير يتألف من مجموعة

اشخاص عمالقة ‏)بارتفاع يزيد على املترين لكل

منها بالوان حادة متيز كل متثال عن االخر . لقد

بدت اشكالها غريبة وهي تقف بقامات ممتدة

، ومناكب عريضة ، واطراف دقيقة على منط

شخوص اسماعيل هذا اجليش من العمالقة

الذي يذكرنا بجيش التركوتا الصيني يقف وراء

شخص اخر يف حالة جلوس على كرسي خشبي

ضخم . لقد اطلعني اسماعيل على هذه االعمال

يف قطر يف مطلع مارس من عام ٢٠٠٣ وبدا يف

اوج نشاطه سعيدا بامرأته الشابة التي تزوجها

اخيرا ، وكانا ينتظران طفلهما الثاني . كان قد

انتهى من حتقيق مراحل متقدمة من هذا العمل

العمالق ، لكنه لم يكمل مراحله التالية .

اما يف بغداد ، فقد عمل الترك على وضع مشاريع

لنصب فنية مضمونها احلب ، كان من املفروض

ان حتتل ساحات عامة يف بغداد ، وهي مشاريع

ظلت على شكل مجسمات صغيرة لم يكتب

لها ان ترى النور . اما قبل مغادرته العراق اى

قبل سنتني تقريبا ، فقد ترك اسماعيل الترك

مجموعة كبيرة من املنحوتات املختلفة االحجام

ويف وضعيات متنوعة اشخاص جالسون او

واقفون ، داخل مربع او فوق مكعب . عرض

بعضا منها يف معرضه اخلاص الذي اقامه يف

دار الفنون يف عمان قبل بضع سنوات . وهي

اعمال حساسة جدا الى احلد الذي تتنكر فيه

ملادة البرونز وتبدو اقرب ما تكون الى شواهد

حية ما زال يتقاطر منها الطني . كما ترك وراءه

اعداد هائلة من الصور و التخطيطات امانة بني

يدي اصحابه وتالميذه . فماذا يكون مصيرها

يف خضم هذه الفوضة العارمة التي يعيش فيها

العراق ؟

رحل عنا اسماعيل الترك قبل اوانه ، ويف ذروة

حيويته وقد بلغ السبعني . ولم نره اال مرحا

وحيويا ميأل املكان بدوي ضحكاته . كان طاقة

متفجرة . قمته املمتلئة ال توحي اال بقوة بنيته

وديناميكية شخصيته . اما نسيجه فكان بالغ

الرقة . كان يقطع بغداد طوال وعرضا ال يكاد

يستقر يف مكان ، ودائما يحمل أفكاره اخلالقة

ومشاريعه التي ال تنتهي .

لم اعرف انسانا يخشى املوت خشية اسماعيل

74


عميقة اخترق جذور التاريخ من اجل امتالك

الشكل الذي يجسد ديناميكية الشخصية بقدر

ما يجسد ماساتها املتوارثة . ففي هذه االعمال

اعتمد الفنان اسلوبا جتريديا لم يتخلى فيه عن

الهيئة العامة لالنسان،‏ رجال كان ام امرأة ، ولكن

تبسط يف جتسيد الشكل وميزه براس صغير ذو

مالمح مطموسة ، وجذع ضخم يتألف من كتلة

على شكل مربع او مستطيل ، واطراف دقيقة

‏.اما سطوح اجلسم فلها ملمس خشن بارز حني

يتم صبها بالبرونز متنح املشاهد احساسا بانها

شخوص تنتمي لساللة من طني لم يصقل بعد

. متيزت شخوص الترك بوقفاتها الساكنة،‏ غير

ان الفنان من خالل بعض اللمسات الفنية على

سطح العمل يخرج الشكل من مكونه ويجعله

نابضا باحلركة.‏

لقد كادت هذه االعمال النحتية الرائعة تسقط

يف الظل حني انتهى العمل ، يف منتصف الثمانني

من القرن املاضي ، من نصب الشهيد ، هذا

العمل العمالق الذي وضع الفنان بعد االنتهاء

منه امام حتد كبير لقدراته االبداعية ، فقد

وقف تائها مرتبكا امام اجنازه املذهل ليتسائل

كيف يتسنى له التفوق على ما تفوق به . هل

ميكن ان يكون هذا هو عمله االخير ؟ وماذا

سيفعل ببقية العمر وبالطاقات اخلالقة التي

تتحرك يف داخله ؟

لقد قيل الكثير عن هذا العمل ، واتهم بكونه

عمال غير اصيل لكن نصب الشهيد عمل

ابداعي محض نابع من روح التجربة املعمارية

االسالمية التي متثلها الفنان ومنحها طابعه

اخلاص .

ونحن لم نر من منحوت الترك غير تشخيصية

مؤسلبة ؟ يبدو ان شكل القبة ، بشهادة زمالء

مقربني منه ، كان من العناصر التراثية التي

طاملا غازلت مخيلة الفنان كغيرها من العناصر

حتى سنحت الفرصة لتحقيقها يف عمل فريد

. لقد استطاع الترك يف هذا النصب الطافح

بالسمو والرفعة ان يحقق توازنا بني التراثي

واحلداثي من خالل منحه ملسة الفنان اخلاصة

التي اصبحت سر تفرد عمله الفني ، وهي حركة

صغيرة يفصل فيها بني عناصر تكوينية ومينحها

خصوصية . وهذا ما حققه يف القبة الفيروزية

لنصب الشهيد حني شطرها الى نصفني ،

وحرك اجلزأين ليترك الفضاء الداخلي متصال

بالفضاء اخلارجي . وبتلك النقلة الصغيرة

جتاوز الشكل التقليدي يف الوقت الذي جسد

من خالله اخلصوصية الثقافية . اما التجربة

الروحية املتحققة من الوقوف داخل جزئي القبة

املشطورة بارتفاعها البالغ اربعني مترا ، فال

ميكن ان تدرك اال باملمارسة احلية .

ولعل هضم التجارب الفنية ايا كان مصدرها

الثقايف ، واستيعابها ثم اعادة انتاجها ضمن

اسلوب متفرد هو ما مييز جتربة اسماعيل

الترك . فقد تتلمذ على ايدي جواد سليم وخالد

ضياء العزلوي،‏ إسماعيل فتاح

الترك وناظم

رمزي،‏ لندن 1988

إسماعيل فتاح الترك 1994

اكريلك على القماش * 66 50 سم

مجموعة خاصة

73


ارض العراق ، فهي اجمل ما انتج الفنان الكبير

، رسما او حفرا ‏)غرافيك ) .

للرسم شأن لدى الترك ال بد من الوقوف عليه

. لقد ارتبط الفنان بزوجته االملانية االصل ليزا

التي كانت زميلة دراسته يف روما ، ورافقته حتى

وفاتها يف منتصف التسعني من القرن املاضي .

كانت ليزا رسامة ، بارعة ، ذات شخصية فنية

فذة طاولت قامة اسماعيل يف مجال الرسم

ان لم تكن فاقته . متيزت باسلوبها التعبيري

احلاد الذي كان له سحره الكبير وتأثيره على

الفنانني خاصة الشباب منهم يف العراق . كانت

ذات مزاج خاص ، وقلما كانت تظهر او تلتقي

احدا من الفنانني او غير الفنانني . كرست

حياتها لفنها فكانت منافسة قوية السماعيل

والتحدي االقوى امامه . لقد شغل النحت

جل وقت اسماعيل وجهده . فكان يرسم يف

الساعات التي يسرقها من بقايا الليل . فوجود

هذه الطاقة املبدعة الى جواره كان عامل شد

كبير للمنافسة.‏ وكان يوم اسماعيل موزعا ما

بني ساعات التدريس الصباحية يف اكادميية

الفنون ، ومشغل النحت اخلاص به.‏ ثم حياته

االجتماعية الصاخبة التي لم تخلو يف كثير من

االحيان من التحديات وتوليد االفكار اجلديدة

‏.كان اسماعيل طاقة متفجرة من احليوية ، والن

الرسم اكثر طواعية وايسر تنفيذا من النحت

، فقد كان الرسم مجال ترويح له ‏،يفرغ فيه

شحناته الفائضة متى ما سنحت الفرصة ‏،يف

اى مكان وعلى اي سطح يقع حتت يده .

موضوعات الفنان اسماعيل الترك ، رسما او

نحتا ، هي موضوعات قليلة تكاد تقتصر على

موضوع العشق الذي كان هاجسه االول متمثال

بهيئة رجل ، بتجليات متنوعة . لقد رسم الكثير

من الوجوه التي تتكرر احيانا يف لوحة واحدة ،

وهي وجوه حتمل اسى عميقا غامضا ، وحسا

دراميا ال يتناسب مع ظاهر شخصية اسماعيل

املليئة بالتفائل واملرح . وجوه اسماعيل التي

صورها يف بورتريهاته املبسطة واملؤسلبة حتمل

مالمح كائنات معذبة لها مالمح بارزة ، تتطلع

ابدا بعيون حزينة حتدق بقوة وثبات ‏.هي وجوه

معاصرة وموروثة معا.‏ وعلى الرغم من انها

اشكال مبسطة فان الفنان ، وبحركة خفيفة

يضفي بها التكوين ، ويحقق يف الصورة بعدا

يجعل مالمح الوجه تبدو مجسدة وحيوية .

كان احلب ، اذن ، بتجلياته املختلفة ، موضوع

الترك االثير الذي عبر عنه من خالل الرجل

واملرأة ن يتبسط يف تصويرهما شكال ويتعمق

مضمونا . تشهد على ذلك رسومه ، على الورق

او القماش ، ذات االحجام الكبيرة التي كان

ينفذها باالحبار امللونة وغيرها من االلوان ،

فيصور رجال ونساء عرات بكامل هيئاتهم ،

وباحلجم الطبيعي احيانا انها اروع ما رسمت يد

الفنان ، بقوة تعبيريتها وجمالياتها االخاذة.‏ لقد

صور الترك حالة الرجل واملرأة يف وجودهما

االول،‏ بحرية متناهية احيانا ، فكان يجسد من

خالل هذه االشكال االسطورية ما يوحي باصل

اخلليقة وسر الوجود .

موثرات نحتية

يظل النحت لدى اسماعيل الترك هو االهم يف

مجمل اجنازاته الفنية الغزيرة . ومع ان اعمال

الفنان على امتداد سيرها توحي ببعض تاثيرات

نحاتني عامليني معاصرين ، فان اسماعيل الذي

تشرب منذ صباه مبنحوتات العراق القدمي ،

ونهل محبتها على يد استاذين بارعني : جواد

سليم وخالد الرحال ، ومتكن من استيعاب

جميع املؤثرات ومنحها طابعه اخلاص .

قدم الترك اعماال اكدميية متقنة ونصبا تذكارية

، فقد اجنز العديد من متاثيل الشخصيات

االدبية والفنية كابي نؤاس والفارابي والرصايف

وال تزال حتتل اماكنها يف ساحات بغداد . ولكن

اجنازه االكبر واالهم يتمثل يف اعماله االبداعية

احلرة . لقد كان فنانا اصيال ذا رؤية انسانية

72


٧١


اسماعيل فتاح الترك:‏ ذاكرة االرض

مي مظفر

غادرنا اسماعيل فتاح الترك وهو ال يزال يف

عنفوان عطائه . فهو لم يتوقف عن النحت

او الرسم حتى نهاية حياته . برؤية انسانية

عبر عنها باسلوب فني ينم عن ادراك ومعرفة

بالتراث الفني العاملي قدميه وحديثه بدءاً‏

من حضارة وادي الرافدين . وستظل اعماله

الشاخصة على ارض العراق ، او املوزعة يف

شتى انحاء العالم يف مجموعات عامة و خاصة

، شاهدا على تلك اخلصوصية العراقية املمتدة

الى فنون وادي الرافدين ، وجسرا بني املاضي

واحلاضر .

حني عاد الى بغداد يف منتصف عقد الستني

( من القرن العشرين ) ، واكمل دراسته الفنية

يف روما ، اقام الترك اول معرض شخصي له

يف املتحف الوطني للفن احلديث ( كولبنكيان )

يف بغداد . فعرض مجموعة لوحات فاجأ بها

جمهور املشاهدين ووضعهم امام حتدي كبير

جلدة طرحه وغرابة تكويناته ( نقل اسماعيل

الترك معرضه هذا الى بيروت فالقى جناحا

كبيرا ) لقد كان املعرض صادما يف اختزاله

واقتصاده يف اللون والشكل الى ادنى حد .

وهاتان السمتان الزمتا اعماله املرسومة ،

فاالقتصاد باللون ، مع غلبة االبيض ، وعدم

التنازل عن اخلط مع التبسط يف الشكل ، طبعت

رسومه كافة . انه نحات املالمح املطموسة

والنابضة باالسى تلح عليه ، ويلح يف تصويرها.‏

اماتخطيطاته الكبيرة التي جسدت شخصيته

االسطورية بروحية نحات يريد للجسم احملدد

بخطوط عميقة ان يخترق الورق ويخرج الى

املشاهد حامال كل دالالته الرمزية املستلة من

إسماعيل فتاح الترك 1992

الوان مائية عىل الورق،‏ * 74 55 سم.‏

مجموعة خاصة

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1978

برونز،‏ * 34 20 * 8 سم

مجموعة خاصة،‏

70


إسماعيل فتاح الترك 1980

برونز * 40 62 * 1.5 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ بيروت

إسماعيل فتاح الترك 1972

برونز * 14 11 * 1 سم.‏

مجموعة خاصة،عمان

إسماعيل فتاح الترك 2002

اكريلك عىل الورق * 114 92 سم

مجموعة مجيد بريش.‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك 1992

اكريلك عىل الورق * 74 56 سم

مجموعة خاصة عامن.‏

69


طباعة أهدرت صفاء املساحات اللونية التي أظهرتها

ألوان الكريلك بجالء ، وبالعكس ، فإن قوة هذه األعمال

تظهر فقط يف وحدة تنظيمها اخلطي التعبيري ، وهذا

ما ظهر واضحاً‏ يف االعمال الكرافيكية غير امللونه أو

أضاف إليها خطوطاً‏ لونيه رهيفة ، إذ استطاع فيها

، بسبب مايتيحه الكرافيك ، وصل خطوط كانت يف

السابق سائبة يف الفراغ مجسداً‏ تكامالً‏ حسياً‏ بني

طبيعة اجلسد من حيث هو كذلك والتحديد اخلطي

الذي يجلي مناطق القوة والتعبير وبساطة االداء . لقد

التقت اخلطوط بهيئات محددة متماسكة ، ألن القيمة

الكرافيكية جتسدت بتقنية الطباعة مما ترتب عليه

أن يعيد الفنان تقومي اخلطوط ليس بوصفها رسماً‏ بل

كحفر يستعاد يف وحدة عمل له انتساب جديد .

احلياة

يف األيام التي كنت أراه يومياً‏ أحيانا كان الترك فيها قد

اجتاز اخلامسة والستني من العمر . لم نكن نتحدث عن

أعمارنا ، ولست أدري ماذا كان يشكل التقدم بالعمر

لديه.‏ كنا نتداول الشائعات السياسية ونحن نضحك.‏

كان نشطاً‏ ومثابراً‏ لكن هالة قديس متعب كنت أراها

محلقة فوق رأسه.‏ وألني كنت أتقدم بالعمر،‏ وكان هذا

بالنسبة لي يبدو أشبه باخلالص ، فقد اعتقدت أن

التقدم بالعمر يفكك من احتراساتنا يف تلقي املتع أو يف

توليدها من أشياء بسيطة لكي نستخدمها يف حياتنا ،

كما أن التقدم يف العمر يحررنا ، ألنه يعزلنا وقد يحمينا

من بعض التكاليف التي سبق أن دفعناها يف شبابنا.‏

يف تلك األيام قارنت بني أعمال اسماعيل فتاح الترك

القدمية وأعماله التي وصف أنها حققت له احلرية

واملتعة ، وأدركت أنه بحث عن املتع التي تناسبه وتسهم

يف حمايته ، متع ولّدها من تفسير لونه العاطفي أكثر

من تفجيره وجتديده .

لقد بدا لي أبيقورياً‏ حسياً‏ يريد أن يعطينا وجه الرجل

الواثق املستمتع أكثر من الرجل الذي يبحث عن طريق

مقلق باهظ التكاليف ، وليس هذا باألمر الهني على

أية حال ، ويف الشروط العراقية املظلمة أعدّه إجنازاً‏

وكفاحاً‏ .

68


واألمر مفهوم ، فهو ال يصور اشخاصا بل يبني

اجسادا ال يريد أن يلقي عليهم أية شبهة متثيل

أو أداء محدد حتى لو كان يف التعبير بالوجه .

أما يف رسومه االخيرة فقد أظهر هذا التعبير

يف أقل التفاصيل رهافة . ومرة اخرى نلتقي يف

رسمه بفكرته عن نقاء اخلطوط التي تلتقط

اجلوهري وحتذف الباقي .

قبل أن يسحب رسومه األصلية الى الكرافيك

استخدم ألوان ‏“الكريلك”‏ الساطعة املضيئة ،

وميكن القول انه استخدم السلم اللوني كله من

دون احتراس ، مظهرا هارمونية مليئة بالعافية

والسطوع . ولقد لون جميع السطوح مبا فيها

االطارات . ومن الواضح انه كان متمتعا وسعيدا

وال يخشى لومة الئم . لعل تلك الرسوم منحته

احلرية .. احلرية يف هذه احلدود التي اختارها

أو التي أجبر عليها بسبب دافع ما .. وأحسب

أن أصباغ ‏“الكريلك”‏ متنح مثل هذه احلرية على

مستوى السهولة وجتلي التنفيذ على نحو مباشر

وسريع . ويجب ان ال نستغرب بعد هذا كله

أن يلجأ الترك الى زخرفة االطارات ، وحتويل

عمله كله الى مهرجان صاخب مشبع باللون .

أعتقد أن نقلته الى الكرافيك لم تكن محسوبة جيدا ،

والسيما أنه استخدم مواضيع الرسوم امللونة نفسها من

دون إعادة تقومي ، كما أن تلوين األعمال الكرافيكية لم

يظهر النتيجة االولى ، وبالعكس حتول اللون الساطع

الى ما يشبه استخدام االلوان املائية الباهتة . لقد بحث

عن الشفافية اللونية،‏ اال اني لم أر إال نتيجة من نتائج

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1978

برونز،‏ * 49 49 * 23 سم

مجموعة خاصة،‏ بريوت.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1978

برونز،‏ * 29 37 * 6 سم

نسخة واحدة

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

67


التي نكتشف فيها أن حامل القناع يحمل وجهه

املقتطع . يف هاتني املنحوتتني حافظ الترك

على جمالياته األصلية من اختزال ومتاسك

وهيبة الكتلة واستقرارها ، مضيفا إليها حيوية

التفكر باحلياة واللعب املمتاز واملناكدة .

الرسم واللون

إن االنشغال الطاغي باجلسد االنساني لدى

الترك سواء يف النحت أو يف الرسم ميكن تعليله

بأن فنه انساني النزعة وحسي . لكن إذا فكرنا

بأن الترك لم يستفد أبدا من األوضاع اإلنسانية

يف تنوعها احلياتي ، فتماثيله دائما منتصبة يف

الفضاء ونادرا ما تفعل شيئا ، كما انها ال تتجاور

يف عالقات جسدية حسية ، فلنا أن نستنتج أن

مفاهيمه اجلمالية حدّت من منو أية وجهة نظر

عاطفية ونفسية عن االنسان . ولعل اقتصادياته

الشحيحة عاندت دوما حسيته الكامنة ، وهذا

ما يفسر أن أعماله متتلك طاقة درامية من دون

أن تتجسد يف متثيل درامي . إنها تتفجر من

الداخل يف شوق الى فعل ما رمبا كان مؤجال

. كما أن اختياراته غير املعبأة بوجهات نظر

عاطفية مباشرة ظلت حبيسة صراع داخلي

. وأحسب أن خروجه يف سنوات التسعينيات

إلى الرسم والزخرفة واللونية املبالغ فيها قد

تشكل دليال على ذلك ، وقد نعد ذلك تعويضاً‏

أملته احلياة التسعينية الكئيبة ، رافقه حتول

يف االهتمامات . واحلال أن الترك صرّح لي

أكثر من مرة عن حبه للون لكنه ظل محترساً‏

يف استخدامه على نحو صريح وواضح ، لعل

اقتصادياته اجلمالية الشحيحة مارست دور

اللجام . ثمة احتمالية يف هذا الشأن ، ألن

اللون اغراء بصري مباشر ال ميكن حتميله

دائما وجهة نظر عاطفية جذرية،‏ أما الرسم

فهو شيء آخر ، علماً‏ أن رسومه األخيرة ظلت

محافظة على اقتصادياتها اجلوهرية النقية ،

مما يلقي شكوكا على أي استنتاج جريئ.‏

لم يغير الترك املنطقة التي يعمل فيها ، فاالقنعة

والرؤوس والوجوه حاضرة يف رسومه كما يف

منحوتاته . يف النحت كان يلغي التعبير يف الوجه،‏

66


منتخب يعمل مبعزل عن الفضاء الكلي الذي

يحيط بالعرض ، وأحسب أن الفنان كان واعياً‏

متاماً‏ حلجم منحوتاته الصغيرة التي تعمل يف

أحياز اصطناعية فنية وليس يف فراغات املكان

الواقعي ، واحللول التي قدمها يف هذا الشأن

كانت مثيرة ومناسبة منعت عن أعماله التشتت

يف الفضاء وخلقت شكال من أشكال التبئير

املسرحي من دون أن يكون مسرحياً‏ حقاً‏ ومن

دون اإلعتماد على حل من حلول الوضعيات

املسرحية .

إن شخوص الترك غير مميزين إال بوقفاتهم

وذوبان أجسادهم ، مياثلون الظالل واألشباح

، مختزلون ، ال يتصنعون وقفة ، ويف أكتافهم

العريضة وأقدامهم النحيفة ال يبدون واقفني

حقاً‏ . إنهم عراة من دون أن يبدوا كذلك،‏ ألن

الفنان اعتاد انتاج عاطفة مخفية أومقموعة

وذلك بحذف أي عالقة مباشرة ، أو أي وضع

مباشر ، يفيد الشرح أو تقدمي صورة روائية .

فإذا ما أقام عالقة ما بني منحوتاته فهي دائما

تفرقها املسافات والفراغات.‏ وحتى هذه املسافة

ستختفي فيما بعد ألنه سيجعل من شواخصه

االنسانية أوابد فردية معزولة يف الفضاء

متمظهرة يف عري ذابل ، ولهذا السبب جعلها يف

حجم طبيعي بعد أن كانت تأخذ قياساتها من

قياسات ساعديه القصيرتني ، وذلك لضمان

اشتغالها بالفضاء . إنه يجسدها يف الكثير من

األحيان دون رؤوس ، فاملميز عنده ، يف حدود

هذه الظالل واألشباح هو اجلسد ليس إال،‏

عرض األكتاف الذي يعوض عن الرأس ويؤكد

الساقني . واملميز اآلخر هو تقنية البناء التي

أظهر حريته فيها مبسحات أصابعه ، ثم املرونة

، واحلس باملادة التي تذوب وهي تتشكل .

ان جمهرة كبيرة من منحوتات الترك هي

صوامت تعتمد مبدأ املواجهة - مبدأ استعاره

من التماثيل السومرية الدينية ، حيث ما يواجهنا

وحده مكوّر ومشغول ، وهو فضال عن سماته

الدينية القدمية فانه اقتصادي من حيث الكلف

التعبيرية العامة ، ومناسب للترك الذي اعتاد

احلذف التشريحي واالهتمام بالكتلة العامة من

حيث االستقرار وعدم التشتت .

ان الفكرة اجلمالية ملنحوتات الترك ذات احلجم

الطبيعي تتلخص بالتعبير يف الكتلة العامة

كوحدة مكتفية بنفسها ، ليس لها نظير ، وال

تتكافأ بعالقة اخرى ، وإذا فعلت فعلى نحو

رمزي غير مباشر . ولعلنا نستنتج أن االنشغال

النحتي االصيل للترك هي حذف العالقات

اخلارجية ذات الطبيعة املسرحية ، واظهار

املنحوتة جسداً‏ خالصاً‏ نزع عنه أي أمل يف أن

يكون شيئا آخر.‏

ان وقفات تلك األجساد النقية كانت استثمارا

غارقاً‏ يف جمالية خالصة ال تعكرها لوعة أو

هواجس فكرية مباشرة ، وهو أمر يثير الدهشة

بالنسبة لفنان معاصر انساني النزعة عاش يف

بيئة ثقافية جدالية . واحلقيقة أن الترك لم ينتج

غير منحوتتني أو أكثر باحلجم الطبيعي جتسد

حالة من احليوية االنسانية أو يجترح مغزى

فكريا فيها . ففي هذين العملني كان مدهشا

يف جعل اجلسد االنساني يتحدث بلغة احلياة .

األول منحوتة ( حامل الديك ) املليئة بالعافية

واملرح مبا متثل من ذكورة مضاعفة حتيلنا الى

الفخر املمتع الهازل . والثاني منحوتة ( القناع )

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1971

برونز ، 41 * 20 * 24 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1971

برونز ، 41 * 20 * 24 سم

مجموعة بدر الحاج،‏ بريوت

65


64


النحت االغريقي ، فاألول وقور والثاني شبابي

مارس طيش احلياة . وفضّ‏ ل النحت األتروسكي

الساذج بعض الشيء على النحت الروماني ،

إال أنه باملقابل أحب بورتريهات الشخصيات

الرومانية لقوتها وتعابيرها النبيلة . وكان من

البداهة أن يحب النحت السومري ، وقد أخذ

منه أحد املبادئ الوظيفية أال هو مبدأ املواجهة.‏

ليس من البساطة أن نستدل بتلك اخلطاطة

السابقة على طبيعة عمله النحتي ، فهو نحات

معاصر ، إال أن برنامجه النحتي ظل بعيداً‏ عن

بناء أو متثل أفكار ووضعيات وتصوير حركات

، وأرى أنه قدّم بدائل عنها ، فاحلركة التي

حتتاج أو تنتج مسافة عوّض عنها بوضع مسافة

مكانية بني كتلتني ساكنتني يتغير املنظور ما

بينهما بواسطة حركة املشاهد.‏ أما الوضعيات

فقد عوّض عنها بالعالقة اإلميائية ما بني

هاتني الكتلتني من حيث اختالف النسب بني

حجميهما والطبيعة اجلسدية لهما . لعل احلل

األول متوفر يف منشأة نصب الشهيد بقوة ، مع

األخذ باحلسبان القياسات الكبيرة لهذا النصب

. فقد شطر الفنان قبة من الطراز العراقي الى

قسمني متساويني وباعد بينهما يف حركتني الى

اليسار واليمني على نحو أنتج مركزين لهما

، مع وجود كتلة رمزية صغيرة يف الوسط .

النتيجة البصرية لهذا التدبير أننا يف التفافنا

حول النصب من مسافة مناسبة سنجد تغيّراً‏

يف املنظور وحركة يف كتلته العامة ما بني انفتاح

وغلق .

ال شك أننا يف املنحوتات الصغيرة ال نلمس مثل

هذا النشاط يف الرؤية بقدر ما نلمس موحيات

التعبير وخطوط التبئير يف العرض الفني

. واحلال أن الفنان عوّض عن احلركة بخلق

عالقات فراغية داخل كتلة الشواخص نفسها

ثم ما بينها وبني كتلة أخرى أصغر منها بحيث

نراها مرة مخترقة بالفراغ ومرة متجسدة

يف عمق تراتبي . هذا النسق نفسه يعوض

عن حيوية الوضعيات عن طريق خلق مشهد

مسرحي اميائي وساكن بواسطة احليز اخلاص

التي تعمل فيه املنحوتتان على حساب الفراغ

الكلي ملكان العرض.‏ إن أحد األمثلة املعروفة

يف هذا الترتيب هو وضع رأس كبير ينام أفقياً‏

أمام كتلة من الشواخص ذات الرؤوس الصغيرة

، أو وضع شواخص أمام لوح مستطيل ميثل

جداراً‏ . ويبدو لي أن الترك استخدم اللوح

اجلداري خلفية للشواخص لوظيفتني ، األولى

لإلسقاط العاطفي الرمزي ( اشارات وخطوط

وأشكال أنثوية كاألثداء ) وفيها حتول هذا

اجلزء الى لوحة رسم ، والثانية حتويل املسافة

بني اجلسدين املختلفني من كونها مكانية الى

كونها نفسية توحي باالنقطاع وعدم االتصال

. ويف كل األحوال جندنا أزاء حيز مكاني فني

63


إسماعيل فتاح الترك 1980

مواد مختلفة عىل ورق ملصوق عىل القامش

* 200 139 سم.‏

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة

إسماعيل فتاح الترك 1988

اكريلك عىل الورق امللصوق عىل القامش

* 85 125 سم

مجموعة خاصة.‏

فقد بدأ يراها نسبيا يف حدود قيمتها التذكارية

، مؤكدا على االعمال النحتية ذات القيمة الفنية

املعدة للعرض التي أقامها يف تلك الفترة نفسها

الضاجة باحليوية واالنتاج . أنا اآلخر أجد أن

منحوتات العرض الفني متثل سلوكه الفني أكثر

من تلك االعمال التذكارية . قد أختلف مع

الفنان يف الرؤية ، فالقيمة التذكارية ال تلغي

القيمة الفنية . ويبدو لي أن متاثيل الشخصيات

كلها عانت يف العراق من انعدام تنسيق فني

بينها وبني األحياز التي أقيمت فيها ، وهي على

أية حال أقيمت على عجل ومن دون استشارة

من املعماريني وجماعات التخطيط احلضري

، وقد حملت معها مشاكل القرارات اإلدارية

والسياسية والرغبة يف التظاهر واإلدعاء .

مقارنة بأعمال مماثلة نفذها فنانون آخرون فان

أعمال الترك هي األفضل من حيث التناسب

والتعبير العام واالختزال واالستقرار . اال أنني

شخصياً‏ ما كنت أطيق تكبيرها بنسب مضاعفة

لتبدو عمالقة وغريبة ، والسيما تلك التي كانت

تقف على قدميها يف الساحات العامة . إن

هذا التضخيم للشخصيات الثقافية يحولهم

الى أبطال مشوهني ، وأعتقد اننا ثقافيا وبيئياً‏

أقرب الى قياسات ذراع أو ساق ، وتلك هي

قياسات الفنان نفسه،‏ ولعلها تشكل واحدة من

مصادر األمنوذج الثقايف العراقي الذي يتجلى

يف القياسات النسبية لبيوتنا وأزقتنا وآثارنا

، حتى عمارتنا احلديثة املرتفعة لم تستطع

االرتفاع على نحو متطرف ، واالجتاه العام يف

البناء ظل متمسكا بالبناء األفقي .

أزاء ذلك كانت متاثيل الشخصيات اجلالسة

التي نفذها الفنان ، حتى يف نسبها املضاعفة ،

أقرب الى التحديدات اجلمالية التي اعتمدها

، فاجلالس ملموم الكتلة ، وجسده ينغمر فيها .

إنه مجموع يف بروز غير مشتت مما يعطيه سمة

الوقار والرصانة : اليدان ملمومتان ، الساقان

غير ظاهرتني ، ويشغل مساحة أفقية أكبر نظراً‏

الندماج مجموع نقاط ارتكازه .

صورة النحت

كان الترك مسكوناً‏ بالنماذج التاريخية من دون

اهتمام كاف باملفهوم الثقايف الذي يفسرها أو

يولدها أو ينتج قرائن لها . إن ذوقه الفردي

واستجاباته اخلاصة املدربة يستوليان على

أحكامه اجلمالية ، يف حني كانت طرقه

االقتصادية يف التعبير تتجاوز املفاهيم إلى

معاجلة االقتراحات التي يجدها أثناء العمل

ليس إال . وكان يوضح أفكاره اجلمالية يف

املنجزات احلضارية على نحو سلبي ، فهو ال

يحب كثيراً‏ ، وأحياناً‏ كان يحب . فعلى سبيل

املثال كان ال يحب النحت االغريقي ألنه يعتني

بالتفاصيل اجلسدية واحلركة ، وال يحب

نحتي عصر النهضة والباروك الهتمامهما

بالوضعيات . إذن لم يكن يحب التفاصيل وال

الوضعيات وال األجساد املتحركة ، وبالعكس،‏

أحب السكون ووقار الكتل عدمية التفاصيل

واألشكال التي تنغمر بالكتلة وال ميكن الفصل

بينهما . ولقد أحب النحت املصري وفضله على

62


الفنان االصلي ليس اقامة وحدة بنائية من

عناصر مختلفة ، وال حتى متثيل شيء غائب ،

وال التقرب من أداء محدد ، بل االحتفاظ بالقيم

الفنية نفسها املرتبطة باخلط ورهافة التحديد

، ومن ثم عالقة اخلط والشكل بالبياض.‏

من الوجهة اجلمالية الصرفه كان الفنان قد أكد

على قيم كهذه يف النحت ايضاً‏ . فمالمسة مادة

اخلط للبياض يف الرسم كانت تأكيداً‏ ملالمسة

احلدود اخلارجية ملادة التمثال احمليط بالكتلة

. إن السعي الى الرهافة يف التحديد ونفي

التشريح وحسية االداء الفني والعزوف عن

العالقات الروائية هي قيم جمالية هيمنت على

رسوم الترك كما يف منحوتاته .

مواقف

أعتقد أن الوسط الفني والثقايف العراقي يف

عقدي السبعينات والثمانينات لم يعامل رسوم

النحات الترك اال كنتاج فرعي . الترك نفسه

أسهم يف هذا التصور ، فانتاجه قليل وفنيته

خالصة ، وتخطيطاته املتقشفه ما كانت لتباري

تقاليد اللوحه الزيتية أو ما يعتقد بأنها أعمال

كاملة . لكن هناك سبباً‏ آخر اكثر اهمية ،

وهي أن تلك الفترة كانت منتجة للفنان على

مستوى النحت ، فقد كلف باقامة عدد كبير

من متاثيل الساحات ( الرصايف،‏ الواسطي ،

ابو نواس ، الفارابي ، الكاظمي ) وحني فاز

تصميمه لنصب الشهيد وجد نفسه ازاء أكثر

األعمال أهمية يف حياته وأكثرها مدعاة للتفرغ

والتكريس . واألمر مفهوم فنصب الشهيد ليس

نصباً‏ عادياً‏ بل هو عمل معماري مشهدي هائل

انسجمت فيه تطلعات متنوعة على مستوى

التصميم والتنفيذ والتصنيع والرؤية اجلمالية

. إنه باختصار منشأة تدخلت يف اقامتها جهات

فنية وانشائية عديدة .

ويبدو أن استغراقه بذلك العمل الكبير ألقى على

متاثيل الساحات التي أقامها وجهة نظر جديدة ،

إسماعيل فتاح الترك 1973

الوان مائية عىل الورق،‏ * 75 55 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1976

الوان مائية عىل الورق،‏ * 75 55 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن

61


60


من هذا أنها ال تؤكد على احليوية التي يتيحها

الرسم من حيث االتصال املباشر وانعدام

التوسطات التقنية ، فليس من املناسب وصف

هذه احليوية متعارضة مع أنساق فنية أخرى إالّ‏

يف حالة اللجوء اليها خالصا من يباس شديد

أو معاناة يف التعبير . إن قرارا بهذا الشأن

متروك لتداعي هذه احلاالت فضال عن التقييم

الشخصي . وال شك يف أن اإلحساس بها بقوة

من قبل نحات قدمي قد يغرينا باستحصال معنى

جديد كهذا : لم أعد أحب النحت فهو ال مينحني

احلرية واملتعة كما يف الرسم ! لكن الترك لم

يصل الى هذه املرحلة . االمر كله يتلخص بأن

الفنان فسّ‏ ر على نحو مضمر القيمة العاطفية

الهتمامه املتزايد بالرسم ، وأنه متشوق إلى

اسماعيل فتاح الترك،‏ 1957

اسماعيل فتاح الترك،‏ معهد الفنون

اجلميلة،‏ بغداد 1958

جواد سليم مع النحات خليل الورد

ومجموعة من طالب معهد الفنون

اجلميلة،‏ بغداد منهم،‏ الفنان اسماعيل

فتاح الترك،‏ النحات عيدان الشيخلي

والنحات ودود الشيخلي 1958

59

عاطفة لونية كانت مؤجلة طويال .

معادلة القيم الفنية

أفادنا الترك عن تاريخه الفني بأنه كان

يستخدم اللون يف رسومه التشخيصية من دون

خشية يف سنوات دراسته بروما يف الستينيات

، لكننا لالسف لم نطلع عليها . أما يف العقدين

التاليني فنستطيع التأكيد على أن رسومه فيها

كانت متقشفة جدا يف اخلطوط واملادة اللونية

واالنشاء . كانت قريبة من جتارب التخطيط

احلر غير املرتبطة بأي غرض عملي يختص

بالنحت ، وموضوعاتها تلخصت بتمثيل اجلسد

االنساني أو أجزاء منه ( رجل ، امرأة ، االثنان

معا ) ولقد امتنع الفنان عن أي متثيل روائي لها

وجعلها تبدو مجرد حركة خط متآكلة يف الفضاء

تعنيّ‏ حدودا مختارة باختزال وتذهب متالشية

على صفحة بيضاء . إن اسلوبها التعبيري ال

تقوده ارادة متثيل محددة وال هواجس فكرية

وال رغبة يف اظهار اية أوضاع تشي باحلركة

والشغل وأعمال التفسير ، بل أرادت اظهار نقاء

اخلطوط اخلارجية وكفايتها وعالقتها بالفراغ

، من هنا كانت انشغاال فنيا صرفا،‏ وقيمتها

اجلمالية مؤكدة بهذا املقياس وحده ، والفنان

نفسه لم يستخدم التلوين فيها االّ‏ على نحو

مسحات من ألوان محايدة شفافة وظفت فنيا

وأدت الى متاسك االشكال يف الفراغ.‏

ثم حقق الترك يف انتقالة قصيرة الى الرسم

التجريدي القيم السابقة نفسها ، مضيفاً‏ اليها

عنصر املصادفة الفنية . ومرة اخرى نالحظ

ضمور اللون وحتديد وظيفته كساند او مكافئ

غير جوهري . لقد ظلت ألوانه محايدة ، بل

جاءت أحادية ، وال تعدو غير نقاط ولطخات

حبر حتركها أحياناً‏ فرشاة تسحب اخلط الى

انشائية جنينية ما كان الفنان يكررها ، ألنها

لم تكن تشكل سوى حلظة تنفيذ ال تسترجع.‏

ويبدو أن هناك قصداً‏ فنياً‏ من ورائها.‏ فمشروع


وطلب املزيد . اال نبحث عنهما يف احلياة

والعمل ؟

البحث عن الداللة

أود فيما يأتي أن أضيّع كلمات الترك هذه يف

عمله الفني أو أعيد دالالتها الناشطة فيه . ال

يعنيني هنا اختبار الكلمات بحد ذاتها والتأكد

من صدقها،‏ بل مساءلة االجناز الفني قبل كل

شيء واكتشاف جمالياته .

إن كلمات الفنانني عن خبراتهم الشخصية

مهمة لكن ليس بأهمية النتيجة الفنية التي

يتوصلون اليها . وأحسب أن املوقع املناسب

لها هو االحتفاظ بها كحاشية للتعاطف والفهم

وحتسني التلقي .

الكلمات تعيش منطقها ، ولقد أصبحنا منتبهني

أكثر مما مضى الى وجود عنصر زمني ثقايف

يلون اخلبرات الشخصية ويغير من دالالت اللغة

، حتى لو اعتقد الفنانون أنهم يعملون يف زمن

مطلق . وثمة مثال مناسب يف هذا الشأن ،

فالكثير من مبدعينا اعتادوا قدميا ربط العمل

الفني باملعاناة واأللم وليس باحلرية والفرح

والتمتع . ولقد دللوا بطريقة ال تخلو من اقناع

على أنهم حصلوا على مكافآتهم عن جدارة!‏

ازاء ذلك يحدث أن يختبر الفنانون نسقا فنيا

محددا ليتحولوا منه الى آخر أو يستفيدوا

منه باحثني عن الرضا والكفاية - ولرمبا يف

كلمات الترك نفسها : احلرية واملتعة . إن

حلظات مثل هذه تضم خبرات التحوالت

االسلوبية ، واستخدام مواد جديدة ، وتغيير

املفاهيم اجلمالية . مثل هذه التنقالت تنتج

حالة من النشاط يف التعبير اللغوي تضم اليها

جميع السلوكيات التي ال ميكن تقدير دوافعها

احلقيقية يف حلظتها . إن الترك نفسه قدم

مثاال على ذلك : فقد أدخل يف برنامجه الفني

ثقافيات كان يتحرج منها ، كاحلديث عن تاريخه

الشخصي والفني . وال شك يف أن انتاجه الغزير

يف الرسم قد عزز من ذلك البرنامج ، مثلما

أثار تسؤالت عما يضمره يف النحت . وأخيرا

خاض جتربة جديدة يف الكرافيك من دون أن

يخشى الطبيعة النوعية لهذه النقلة ، وبالعكس

أشار بوضوح إلى إحدى الوظائف التي يتيحها

الكرافيك وهي االنتشار .

واملالحظ أنه بوساطة الكرافيك أعاد إنتاج

بعض الرسوم التي أجنزها يف السنوات االخيرة

أو حافظ على روحيتها . إن هذا يعني أنه كرس

لرسومه التعاطف الالزم لكي يراها منتشرة

حقا يف تقنية تخدم هذا الهدف املعلن.‏

إن هذه التحركات متت يف جو مليئ بالهمة

واحلماس شكلته يف األصل رسوم نثر فيها

الفنان غزارة لونية فاجأت اجلميع . من جهة

أخرى علينا أن ال نستنتج من هذه االختيارات

اجلديدة أي مغزى سلبي يف عالقة الفنان بعمله

االصلي كنحات . فهي ال تعاكس النحت وال

تثير فيه اضطرابا كما سوف نالحظ . وأكثر

58


57


إسماعيل فتاح الترك ، معهد الفنون اجلميلة،‏ بغداد 1958

ال أريد بهذا املقال أن أكتب مرثية لفناننا الراحل

اسماعيل فتاح الترك . لقد غادرنا والعراق ال

ميتلك الوقت الكايف لرثاء نفسه . سمعت أنهم

عادوا به من قطر وهو يف أنفاسه األخيرة ،

وقبل أن ميوت واتاه الصبر واإلحساس بالشوق

لكي يلقي نظرة أخيرة من نافذة املستشفى التي

ال تبعد كثيرا عن دجلة . وحدها هذه النظرة

كانت عزاؤه وعزاءنا .

نحن الذين تكاثرت علينا األحزان النني يف هذه

األيام نلقي بنظرنا الى مدينتنا ، فخر طفولتنا

الشاردة ، بدهشة خرساء كأننا نودعها الى

األبد.‏ لم نعد نكترث باملوت بل بهذا املوات

الذي يطوقنا ، وهو موات قدمي يف احلقيقة

، وإذا لم أكن مخطئا فقد راح اسماعيل فتاح

الترك يف سنواته األخيرة يقاومه بالرسم واللون

على نحو أثار تساؤالتنا ، فهو املقل بالرسم ،

واستخدام اللون على وجه التحديد ، راح يلون

حتى اطارات أعماله الفنية ، ثم عمد الى وضع

الصبغة على متاثيله البرونزية .

ابتداءً‏ من هذه االستجابة غير املتوقعة بات

الرسم امللون كأنه يعوض عما افتقده الفنان ،

وما افتقدته احلياة الثقافية ، من حماس وألق

وأمل . واحلال أن مقالتي تبدأ من هذه اللحظة

التي أظن أنها تضم مواقع قوة الفنان واخفاقاته

، حيث الرسم يعكس الكثير من أشكال ودالالت

محترف الفنان النحتي ، وحيث النحت يضحي

قياسيا جدا ومالزما للتقشف واحلذف الذي

اعتمده الفنان مخلصاً‏ جلمالياته القدمية .

إن الزمن مهم ههنا : فما أن انتهت حرب

اخلليج الثانية حتى بدا الترك أكثر استعدادا

واغراءَ‏ من ذي قبل لكي يتقبل نشاطا كان

يحرجه يف السابق.‏ فقد أجنز عددا كبيرا من

الرسوم التي نفذها على الورق ، وأسهم ببعض

املعارض املشتركة ، وأقام معارض شخصية

توجت مبعرض كبير للكرافيك والرسم . لقد

بدا واضحا أن الفنان خلص الى جتربة احتاجت

الى تأكيد ، من هنا لم يخف سعادته من كونه

توصل الى حل مشبع . قال لي أن الرسم أخذ

يثير عنده حس احلرية واملتعة . فاذا اضفنا

استخدامه للون بغزارة ، وهو املقلّ‏ فيه ، فلنا أن

نعتبر ذلك تأكيدا اضافيا .

إن سر االهتمام املتزايد يكمن إذن يف احلرية

واملتعة املستحصالن من الرسم . ما من شرح

أفضل من هذا ، فال يوجد ما يختفي خلف

احلرية واملتعة ويتقدمهما غير السعي اليهما

إسماعيل فتاح الترك 1997

اكريلك عىل الورق،‏ * 75 55 سم.‏

مجموعة خاصة،‏

56



اسماعيل فتاح الترك

بني النحت والرسم

سهيل سامي نادر

54


التمثال بهذا سابقة قوية للتكعيبية اخلالصة

والبسيطة".‏

من الواضح وعلى مر العصور ومن جتارب

سبقت وأسماء علقت يف الذاكرة أن حياة

الفنان هي خليط من الرفاهية والبؤس.‏ تضفي

احيانا قصص احلب ذات النهاية التراجيدية

سحنة كئيبة على اعمال الفنان،‏ بل ورمبا تنقله

من النقيض الى النقيض،‏ الى عوالم جديدة

مختلفة متاما عن ماكان عليه.‏ اال انها بال شك

كانت وما زالت أحد أهم املسببات يف كسر

التكرار واجلمود والبحث عن مجاالت اخرى

غير التي اعتاد عليها.‏ واخلوض يف جتارب

جديدة تفرضها احلالة املزاجية للفنان.‏ فقد

تنقل بيكاسو على سبيل املثال،‏ عدة مرات بني

األساليب والتنقنيات بسبب حالته املزاجية اوال،‏

وتأثير النساء عليه ثانيا.‏ فبالرغم من مراحل

بيكاسو الفنية املتعددة والغنية بشكل عام،‏ إال

أن تأثير ثيودورا ماركوفيتش ‏)دورا مار(،‏ الفنانة

والنجمة الصاعدة يف عالم التصوير الفوتوغرايف

آنذاك،‏ كان له الفضل يف صناعة أهم أعمال

بيكاسو.‏ حيث صورت ‏)دورا مار(‏ املشاعر

واهتمت بالتفاصيل،‏ فمن ارصفة الشوارع

الى اجلدران واقبية الكنائس،‏ ولم تلبث حتى

تناولت البورتريت الشخصي لها كمادة لعكس

احلالة السائدة واجلو العام لإلنسان األوروبي

إبان احلربني العامليتني،‏ ومن خالل استخدام

تقنيات الطباعة املزدوجة للصورة السالبة،‏

استطاعت أن تنتج أعماال فوتوغرافية رائعة

اجلمال.‏ ولعل البورتريت املعنون ب)البورتريت

املزدوج مع القبعة(‏ - 1930 1936 يجعلها يف

القمة كما كانت هي عليه،‏ وهو العمل الذي كان

خلف اجناز عمل املراة الباكية لبيكاسو،‏ والذي

يعتبر نقطة حتول يف مسيرته الفنية الطويلة

وطفرة كبيرة يف تاريخ الفن احلديث.‏

وكذلك هو احلال مع فناننا الكبير اسماعيل

فتاح الترك،‏ فمن تأثير خطوط والوان الفنانة

واالنسانة ليزا التي طغت على معظم اعماله

االولى والى املرحلة ‏)النووسوية(‏ وهي املرحلة

التي متثل العشرين سنة االخيرة قبل رحيله.‏

سنجد املرأة يف معظم الوجوه والرموز والكلمات

التي يبدو وكأنه ينحتها على الورق يف معظم

هذه الدفاتر بل وحتى على اللوحات والتماثيل،‏

عله يتخلص من ذكراها التي ما لبثت تطارده

كما يبدو يف كل مكان.‏ لقد بدا فيها الفنان أشبه

بجسر ابداعي نعبر من خالله الى حضارة بالد

الرافدين واألساطير التاريخية والشعبية وهي

مشحونة بالعواطف اخلام واملصقولة باالسلوب

الفطري تارة والتعبيري تارة أخرى.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 1997-2000

مختارات من دفتر ارجتاالت بصرية،‏

* 35 29 سم.‏ 48 صفحة مع غالف

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

صفحات من دفتر ارجتاالت بصرية 1997-2000

مواد مختلفة على الورق.‏ * 36 31 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

53


52


إسماعيل فتاح 2001

مختارات من دفتر غير مكتمل ، مواد

مختلفة على الورق.‏ * 16 12 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

51

رفضاً‏ ملسلمات كينونة راهنة وبحث عن كينونة

بديلة مرجتاة بعد احساس بخيبة،‏ أو رمبا ليس

ابعد من عالمة ايقونية لشكل الرفض وبنفس

الوقت شكل تزيني بقيمة جمالية محببة لدى

الفنان.‏

إال أن هناك ما يذكي اتصاف هذا التصرف

باملماحكة،‏ وهو تعمده عدم رسم الوجه الكامل

ل ‏)نووس(‏ وإبقائه كنصف وجه فقط.‏ فهل كان

ذلك متعمدا إلخفاء هوية ‏)نووس(‏ ام بسبب

وجودها الغير الكامل يف تضاريس الذاكرة ؟ أو

رمبا كنوع من أنواع التأكيد على اجلزء األعلى

من الوجه كالعيون واحلاجبني والشعر.‏

إن وجه ‏)نووس(‏ ومجموعة كبيرة من الوجوه

التي رسمها الترك اعتمدت بشكل كبير على

ملهمات الفن الرافديني القدمي،‏ حتى أننا يف

الدفتر الثاني واملوجه الى االعزاء الى قلبه،‏

سنجد تخطيطا ملونا لفتاة كتب عليها بخط

يده ‏)فتاة سومر(‏ عام 1995، ‏)صورة رقم 10(

والتي تعد متثالً‏ أسلوبياً‏ مباشراً‏ لرأس فتاة من

الوركاء والذي يعود تاريخه إلى العام 3100 قبل

امليالد،‏ والذي مت العثور عليه يف مدينة الوركاء،‏

جنوب العراق.‏ وهو اللقية األثرية الهامة املنفذة

بصيغ هندسية تصميمة اختزالية يف التعبير،‏

حتولت الى ايقونة متخضت عنها العديد من

التأثيرات و بزخم كبير يف أعمال عمالقة الفن

العراقي ومنهم جواد سليم وضياء العزاوي

ومحمد غني حكمت وآخرون.‏

ومن اجلدير بالذكر ما اشار اليه أرنولد هاوزر

يف كتابه ‏)الفن واملجتمع عبر التاريخ(‏ عن ما

تتميز به فنون بالد مابني النهرين من نزعة

عقالنية جتريدية باالضافة الى متثيل بعض

األجزاء يف الوجه من خالل املبالغة يف تكبير

حجم األنف والعني مثال،‏ للتعبير عن األهمية

وتصغير الباقي للتهميش.‏ ويف كتاب ‏)سومر

فنونها وحضارتها(‏ يقول أندريه بارو:‏ ‏"ان رأس

فتاة من الوركاء،‏ كان مبثابة متثيل انثوي خالد

ونقل دقيق للحالة البشرية.‏ فقد يبدو لنا وكاننا

نتلمس شعاعا من عينني حيتني داخل محجرين

فارغني،‏ أما الشفتان فلم تكن بهما حاجة الن

تقتربا منا كيما نسمع ماتريدان ان تنطقا به،‏ ذلك

ألن متوجهما الذي أكمل الوجنتني الرقراقتني،‏

يتحدث عن نفسه"‏ ويف محل آخر سيقول:‏ ‏"ميثل


على أنها ذات تأثير كبير عليه.‏ مما دعاني الى

االعتقاد بانها هي ذاتها ‏)الشيطانة(‏ التي ذكرها

االستاذ محمد اجلزائري يف مقاله عن الترك،‏

والشيطانة تعني املراة الذكية باللهجة العراقية،‏

ظهرت ‏)نووس(‏ يف احدى صفحات الدفتر إلى

جانب نص يدون تاريخ يوم 31 من شهر أكتوبر

عام 1988. و)نووس(‏ هي واقعاً‏ احدى طالباته

التي خطفت قلبه وهام بها عشقا،‏ اال ان فرق

السن الكبير والظرف االجتماعي آنذاك وكذلك

زواجها من رجل آخر،‏ حال دون دميومة هذه

العالقة.‏

ففي ذات الدفتر اخمن ان الفنان رسم مشهداً‏

يروي فيه شيئاً‏ من حكايته معها:‏ ثالث نساء

ورجالن،‏ أحدهما يظهر خلف االخيرة من

اجلهة اليسرى.‏ ويبدو فيه بدور ثانوي حيث

يقف يف اخللف بهيئة مختلفة متاما عن ماهو

عليه الرجل األول الذي تصدر وجوده الرئيسي

على املشهد.)صورة رقم 8( وباإلضافة إلى

تخطيطات أخرى لذات ‏)النووس(‏ حيث تظهر

يف إحداها وعلى وجهها عالمة )x( كنوع من

اإللغاء أو الشطب،‏ ‏)صورة رقم 9( رمبا كان ذلك

50


صورة رقم 8

املتميزة التي حققها الفنان منذ البداية ستجعل

من املمكن قبول تطويره الجتاهات وتقنيات

وتخصصات مختلفة جاءت من خالل تعرفه هو

وزوجته ليزا عليها.‏

وجوه من الذاكرة

‏"هذه الوجوه تدون نسيانها،‏ ولن تغيب

‏)الشيطانة(‏ وإن فارقتك - قلت - عرفتها إذا

؟ ‏...نعم،‏ هي كما سميتها متاما،‏ الشيطانة !

وتعيد رسمها،‏ تعويضا عن ذلك احلب اخلائب

؟ الوجوه،‏ هل تدون نسيانها؟ انت تعلم ‏...نعم.‏

إنها ذكرى النسيان !"

هكذا يصف الناقد محمد اجلزائري وجه

احدى شخصيات الترك التي عبر عنها يف

فنه،‏ ففي املجموعة الثانية من دفتر ‏)حتية

الى جواد(‏ ستكون بعض الرسومات من نصيب

تلك الشخصية والتي أطلق عليها الفنان اسم

‏)نووس(،‏ حيث ظهرت مرة وهي مرسومة

بنصف وجه،‏ وقد قام الترك بإعادة رسمها

عدة مرات و بصياغات مختلفة،‏ وكما يخيل

لي،‏ فإنها لم ترسم عشوائيا يف هذا الدفتر

حتديدا،‏ بل بسبب رغبة الفنان يف التأكيد

صفحات من دفتر ارجتاالت بصرية 2000

مواد مختلفة على الورق.‏ * 36 31 سم

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة

49


محققا بذلك النمط االرجتالي الديناميكي يف

أعماله،‏ بعض خطوطه تبدو كما وصفها بول

كلي ‏"خطوط يف نزهة حرة".‏

كان لدخول ماري لويز شيك ‏)ليزا فتاح(‏ الفنانة

االملانية يف حياة وروح الفنان فتاح الترك الفضل

يف والدة أسلوبه اجلديد الذي لم يكن معهودا

يف العراق سابقا،‏ إذ صنع الترك فناً‏ مشحوناً‏

بالعواطف اجلياشة اختلط فيه التجريدي

بالتشخيصي رمبا،‏ كنتيجة قصة احلب العنيفة

التي عاشها مع ليزا يف ايطاليا اثناء دراسته

للفن،‏ وايضا من خالل عالقة قائمة على

الرومانسية املفرطة الى الرباط الزوجي والعودة

الى بغداد.‏ انتمت ليزا فتاح الى ابناء جيلها من

الفنانني االملان التواقني الى احلرية وجتريب

كل ماهو جديد،‏ والذين كانوا يخوضون معارك

شرسة مع الفنانني املفاهيمني والتجريدين

بقيادة ‏)مايكل فرنر(‏ وهو ناشط يف مجال الفن

وتنظيم املعارض الفنية.‏ قبل ان يتحول الى

جامع وتاجر ومروج للفن.‏ ومما الشك فيه أن

ذكاء ‏)فرنر(‏ وعالقته املتينة بالتعبيرين اجلدد

باإلضافة الى دوره القيادي الذي متيز بادائه

املمتاز،‏ كان من العوامل التي ساهمت بنجاح

هذه املغامرة.‏ ورغم أن حركة التعبيرين اجلدد

شكلت قطيعة ومترد على االساليب النمطية،‏

وقد يبدو ظهورها يف البداية كرد فعل إزاء

التأثيرات السائدة آنذاك إال أنها كانت حصيلة

تراكمات من سلسلة من التغييرات االجتماعية

واالقتصادية والسياسية والتي كانت وراء بزوغ

الوعي الفني االستثنائي السائد آنذاك.‏ أُطلق

على هذا األسلوب تسميات مختلفة مثل الوحشية

اجلديدة او الفن الردئ او مابعد الطليعة الى

ان استقر االمر على التعبيرية اجلديدة.‏

وقد اهتم التعبيريون اجلدد بترجمة األفكار

واملشاعر التلقائية واتسمت بأساليب يسودها

الشطط واملبالغة الشديدة يف استخدام اللون

واملواد وملمس السطح وهي احلالة التي تعكس

املزاج املضطرب ملعظم فناني املرحلة،‏ بالوانهم

املتضادة والزاهية وضربات فرشاتهم السريعة

العنيفة ومواضيعهم املشوهة احملتوى او الشكل

وتقنياتهم التلقائية البدائية.‏ ومما الشك فيه أن

احلال يف العراق لم يكن افضل من ماهو عليه

يف الدول االوربية والغربية وبامكاننا تخيل

حجم التحديات التي خاضها الفنان اسماعيل

فتاح الترك والفنانة ليزا عند تبنيهم أساليب

هذه احلركة اجلديدة.‏ إال أن سيرته الذاتية

املفعمة بروح التحدي واالجنازات الفنية الفردية

دفتر ارجتاالت بصرية 2000

مواد مختلفة على الورق.‏ * 36 31 سم

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني،‏ الدوحة

صورة رقم ١٠

48


لنا رجل عارٍ‏ يرتدي مايشبه قناعاً‏ مستطيالً‏ مع

قرون،‏ ورجل آخر خلفه تنعكس صورته يف املرآة

وهي مجردة هذه املرة من القرون،‏ ‏)صورة رقم

4( أهي يا ترى قرون أنكيدو ‏)الرجل / الثور(‏

التي كان يرتديها على رأسه ؟ وهو الشخصية

الثانية يف ملحمة كلكامش السومرية ؟ أنكيدو

الذي كان يعيش حياته البدائية قبل أن تسلبه

إياها ‏)شامهات(‏ تلك املرأة التي استنفدت قوته

ومنحته العقل بدال عنها ؟ ويف الصفحة املقابلة

لهذا التخطيط،‏ رسم الترك رجال وامراة باللون

االسود بعيون كبيرة ابرزها من خالل استخدام

اللون االبيض على خلفية سوداء،‏ هل كان

الترك يتمثل نفسه يف صورة انكيدو بعد لقاء

‏)شامهات(‏ من خالل الصورة املعكوسة يف

املرآة ؟

ويف مكان آخر،‏ نطالع صورة من الدفتر املعنون

‏)لألحبة(،‏ حيث تظهر فيها امراة بصحبة رجل

وهما يقفان عاريني،‏ ‏)صورة رقم 5( ويظهران

كما لو كانا يف حالة استعداد اللتقاط صورة

فوتوغرافية.‏ حيث بدى رأس الرجل معكوساً‏

من سطح مراَة.‏ ويف صفحة اخرى رسم الترك

صورتني متقابلتني على صفحتي الدفتر

لشخوص وهم يعكسون وجوه بعضهم يف املرايا

‏)صورة رقم 6( رسمت اللوحة بألوان فاحتة

تضمنت تدرجات اللون األصفر والبني،‏ ونالحظ

أن الشخص الذي يجلس يف منتصف الصفحة

اليسرى،‏ قد ظهر بوجه وثدي مغطيان بخطوط

احلبر األسود،‏ وال شك بأن هذا اإلجراء

سيحفزنا باجتاه البحث عن تفسير ما،‏ إال أن

ذلك قد يكون ليس اكثر من إنشاء صاف للوحة

بال دالة،‏ حيث يطغى عنصر االنشغال يف بنية

اللوحة مبعزل عن اجلانب السردي أو الداللي،‏

هي إذن اإلشكالية التي ميكن أن تواجهنا يف

العديد من أعمال الترك،‏ حيث نتسائل:‏ أين

يشير ويرمز وأين يلعب باملفردات يف ذاتها

من غير أن حتيل الى معاني ؟ وبإمكاننا واحلال

هكذا،‏ تصنيفها ضمن لوحات لفنانني آخرين

يف تاريخ الفن،‏ توافرت على حلول وانشاءات

غامضة من غير أن يكون لها رصيد مضموني او

داللي،‏ أفليس الفن يف جزء كبير منه،‏ ليس أكثر

من لعب باملفردات ؟ أو مادة محفزة للقراءة

الذاتية احلرة للمتلقي.‏

ويف تقنية ومشهد مشابه،‏ جند رسماً‏ أخراً‏ يظهر

فيه انكيدو مرة ثانية مرتديا قناعا مستطيال

بقرون ويقف خلف نسائه.‏ ‏)صورة رقم 7( حيث

تبدو إحداهن وهي حتمل قطة،‏ وهي أحد

رموز الشهوة والرغبة وكذلك اخلداع.‏ فيما

بدت املرأة االخرى بوجه غطاه تظليل غامق

وهي حتمل احلمامة التي اشتهرت برمزيتها

للسالم والروح املقدسة،‏ ثمة هنا ما هو جدير

باالهتمام،‏ حيث أن جدلية العالقة بني الداخل

واخلارج يف تخطيطات الترك باتت ‏)رمبا(‏ ذات

معنى ومقصد،‏ إذ لم تقتصر هذه الثنائيات على

الوجه والوجه املعكوس يف املرآة،‏ كما يف أعمال

سابقة له،‏ وإمنا عززتها الوجوه الدراماتيكية

النصف املضاءة أو النصف مظلمة أو النصف

ملونة او حتى الفارغة من املالمح.‏ وهي اقرب

الى اشباح،‏ وكأنها مشاهد من مسرح االقنعة

واملرايا والظالل،‏ تتالقى االضداد على منصته

فيصبح الداخل مرئيا واخلارج مستترا وتلعب

فيه ثنائيات احلياة أدوارها:‏ الظالم والضياء،‏

اخلير والشر،‏ الوفاء واخليانة،‏ احلرب والسالم،‏

البدائية والتحضر،‏ املرأة والرجل.‏

التعبيرية األملانية اجلديدة

لقد مت تنفيذ مالمح الوجوه وحتديد الشخصيات

وخصائصها يف دفاتر الترك بتلقائية و اختزالية

عالية وحتوير متعمد،‏ معتمدا اخلطوط

واملساحات وتدرجاتها ‏)التونات(.‏ وقد قام

الفنان يف حتديده للشخصيات باستبدال

الشروط التقليدية يف الرسم االكادميي بالنزعة

‏)التعبيرية اجلديدة(‏ التي ظهرت يف الثمانينات

من القرن املنصرم،‏ إذ عالج رسوماته بطريقة

معاصرة اتسمت بكل من اخلطوط اخلشنة

يف آن واخلطوط املنسابة اواملتكسرة يف آن

آخر.‏ ثمة خطوط هائمة وبال خيارات دالة

على معنى او شكل مقروء محدد،‏ حفظ لها

الفنان اخالصها للسحنة التجريدية الصريحة،‏

47


سم

46


الرموز املستعارة من نصب احلرية،‏ ستقابلها

عند جواد الكف اليسرى للمرأة حاملة الشعلة

وكف السجني الذي يحطم القضبان،‏ إذا حتيلنا

اليد هنا - وهي اجلزء األكثر رمزية يف جسم

اإلنسان - الى القوة والسلطة واحلماية،‏ وقد

تأخذنا ايضا الى معنى االعتراف والتوبة،‏

وبالرغم من تعددية املعاني لرمز الكف يف

العديد من الثقافات واألديان،‏ إال أنها يف

النهاية ترمز إلى احلماية،‏ وهي ايضا اشارة

‏)قف(،‏ او ان االمر ماعاد يحتمل،‏ وهي حلظة

إعالن االحتجاج والرفض.‏ كما يف مشهد التمرد

املتمثل بالثائر واحلصان.‏

الداخل مرئياً‏ واخلارج مستتراً‏

لقد أعاد الترك يف إحدى صفحات دفاتره

تخطيطا لوجه جواد سليم والذي يظهر منعكسا

على سطح مراَة ممسوكة بالسبابة واإلبهام،‏ قابله

يف الصفحة املجاورة برسم وجه غير معكوس يف

مرآة هذه املرة وهو لرجل رافديني رأسه أشبه

برأس سرجون االكدي،‏ ‏)صورة رقم 3( وسنجد

هنا التركيز على كبر حجم العيون واالنف،‏ ما

الذي فعله الترك هنا يا ترى ؟ لقد أظهر وجها

معكوسا يف مرآة ‏)تخطيط جواد املعاد(‏ ويف

الصفحة املقابلة رسم وجها بسحنة رافدينية

غير معكوس يف مرآة.‏ هل كان ذلك ليس أكثر

من مجرد رسومات حتضيرية ملشروع معرض

مثال،‏ أم كانت الغاية من ذلك إخراج رأس سليم

من املراَة واعطاءه الهوية الرافدينية ؟ ويف خيار

مشابه،‏ يف صفحة اخرى من ذات الدفتر،‏ يظهر

صورة رقم ٥

صورة رقم ٦

45


صورة رقم 2

املعتَمد قبل قرون عديدة،‏ والذي يقوم على

فكرة ان االشارة لدرجة االهمية يتم حتديدها

من خالل تباين احلجوم يف األشكال واملفردات،‏

وهي تعتبر احدى أهم املميزات يف اعمال

الترك.‏ ولكن،‏ ملاذا احلصان حتديدا ؟ وهل كان

الترك يشارك سليم يف أفكاره عن متثيل الثورة

ومترد الشعب أم أن ذلك كان مجرد تعبير ذاتي

محايد ؟ فحني ال يتسنى للفنان التعبير عن

حقيقة ما بداخله،‏ سيكون بإمكانه االستعانة

بالتمثيل عنها من خالل اقتباسات او اعادة

رسم مفردات بأنساق اخرى.‏ ولكن،‏ ماعالقة

ثورة الشعب بليلة احلنة مثال او الفالح وزوجته

؟ او كما اطلق عليها الفنان نوري الراوي،‏ عريس

وعروسة،‏ املستوحاة من النحت السومري ‏)اَبو

وزوجته(...‏ ما الذي كان يجول بخاطر الفنان

وهو يحدد خياراته ؟ فها هنا مشهد مشحون

بالصراعات والتمرد واستعراض السلطة

متمثال باحلصان والثائر،‏ يقابله يف الصفحة

التالية مشهد مستعار من مجموعة لوحات

لسليم ويف اجواء هيمن عليها الهدوء والسكينة،‏

صورة رقم 3

وقد رسم صورة لوجه معلق على احلائط المراة

ذات عيون سومرية واسعة،‏ ويف األسفل اثاث

وادوات منزلية وزخارف وكأنها لقطة اخذت

من احد زوايا البيوت العراقية.‏ فهاهنا اإليقاع

الصاخب املشبع بالضجيج وهناك مشهد مقابل

يوحي بالطمأنينة والسكون،‏ هل كان هذا مبثابة

جدار لألمنيات ؟ وان كان االمر كذلك،‏ فيا له

من صراع داخلي مكتوم يعتمل بني األمنيات

الضائعة وحلم احلرية.‏

وبخطوط مستقيمة تارة،‏ ومتقطعة مرتبكة

وحرة تارة أخرى،‏ شبيهة بأسلوب التحزيزات

اخلطية التي حفلت بها منحوتاته،‏ أعاد الترك

اجناز لوحات جواد التي تتسم باخلطوط

الواثقة الهندسية املتوازنة،‏ واملهتمه بتفاصيل

احلياة البغدادية اليومية يف املنازل واالزقة

الشعبية القدمية،‏ والتي تتغنى بالدفء العائلي

والعالقات احلميمة.‏ ومن اجلدير بالذكر أن

طبيعة التخطيط عند الترك هنا حتيلنا الى

طبيعة حساسية خطية مشابهة يف أعمال

جواد سليم يف األربعينيات والتي اختلفت متاما

يف اخلمسينيات.‏ مما يعني أن الترك استعاد

أعمال جواد اخلمسينية متبنيا أسلوبية خطوطه

االربعينية.‏

ثمة كف مفتوحة عند الترك يتكرر ظهورها يف

دفاتره عدة مرات.‏ ‏)صورة رقم 2( وهي ثالث

إسماعيل فتاح الترك 1988 مختارات من دفتر حتية الى

جواد سليم،‏ مواد مختلفة على الورق.‏ * 35 29 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

إسماعيل فتاح الترك 1990-1995 مختارات من دفتر

العائلة،‏ مواد مختلفة على الورق.‏ * 35 29 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

صورة رقم 4

44


43

صورة رقم 1

ماهي اال عملية حتفيز واستعداد للتمرد،‏ وايا

كانت االسباب،‏ فنحن أمام مشهد رجل وهو

يحاول كبح جماح حصان من خالل مشهد

مختار من قبل الفنان.‏ يظهر الرجل ذاته يف

تخطيط سليم بحجم يتناسب مع حجم احلصان

بينما يتضخم حجمه يف تخطيط الترك ‏)صوره

رقم 1( وهذا مايشير الى اعطاء االهمية لرمز

الرجل وتراجع اهمية رمز احلصان بالنسبة

له،‏ ملتزما من خالل ذلك مببدأ املبالغة يف

تصغير احلجم أو تكبيره يف الفن الرافديني

إسماعيل فتاح الترك 1988

مختارات من دفتر حتية الى جواد سليم

48 صفحة،‏ مواد مختلفة على الورق.‏ * 35 29 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏


دفاتر الترك:‏ تواشجات تراث وحياة شخصية

تغريد هاشم

‏"الرسم مجرد طريقة أخرى لالستمرار يف كتابة

دفتر املذكرات"‏

بابلو بيكاسو

مع الدفاتر الفنية للفنان إسماعيل فتاح الترك

ننطلق يف رحلة مع ابن بصرة السندباد التي ما

تزال نسائمها اجلنوبية الرطبة تالمس ارواحنا

املتقدة بالعشق األبدي الرض الوطن.‏ ومعا،‏

نغور يف أسباره من خالل البحث يف دفاتره

الفنية التي أنتجت ما بني العام 1988- 2000.

‏"الوفاء الى جواد"‏ هو عنوان أول هذه الدفاتر،‏

وثمة دفتر آخر بال عنوان يشير محتواه الى

من عرفهم يف حياته،‏ حتى أنه كتب فيه بتاريخ

28 شهر نوفمبر من عام 1995: ‏"كل مارسم

يف هذا الدفتر هو أعز االحبة واروع الناس

الذين أحببتهم يف حياتي".‏ وأما الثالث فكان

بال عنوان مع تكرار متعمد لبعض املواضيع

واملفردات،‏ كالوجوه مثال،‏ وهي ثيمة مفضلة

اتخذ لها أمكنة يف جميع دفاتره تقريبا.‏ انبثقت

فكرة إجناز دفتر ‏)حتية الى جواد(‏ بعد لقائه

بالفنان ضياء العزاوي يف لندن،‏ والذي كان

يستعد إلقامة معرض حتية للفنان جواد سليم -

وهو كتقليد مارسه الكثير من الفنانني العامليني

أمثال بيكاسو وانتوني كالفيه وروبرت روشنبرغ

- تبنى فيه الفنان ضياء العزاوي وكذلك الفنان

الترك،‏ الرموز واملفردات التي كان يستخدمها

الفنان الكبير الراحل جواد سليم .

رسم الترك يف أجزاء من تلك الدفاتر باحلبر

االسود وتدرجاته،‏ مع اضافة اللون االوكر

‏)التبني(‏ احيانا وقلم الرصاص احيانا اخرى

وخصوصا يف دفتره املعنون الى جواد،‏ بيد أنه

يف دفاتره االخرى،‏ أنتج أعماال باأللوان املائية

واالكريلك،‏ متنقال بني اللون االزرق واالحمر

واالصفر،‏ محافظا على نقائها تارة ومازجا

بعضها ببعض تارة أخرى.‏

حفل الكثير من تلك األعمال مبواضيع الوجوه

املختلفة:‏ وجوه االستاذ املعلم جواد سليم ووجوه

العاشقات،‏ والزوجة واالبن واالصدقاء…‏ وثمة

ايضا تخطيطات حتضيرية للوحات وتواريخ

مكتوبة أو تدوينات ألفكار وذكريات وكأنه كان

يفكر رسما بالقلم والفرشاة.‏

يف دفتر ‏)الوفاء الى جواد(،‏ نطالع مجموعتني

من األعمال:‏ األولى موجهة الى الفنان الكبير

جواد سليم بشكل مباشر،‏ وهي تعنى بإعادة

رسم لوحات هذا األخير بأسلوب اسماعيل

الترك الشخصي وايضا مختارات من رموز

نصب احلرية.‏

لم تكن خيارات الترك تلك عشوائية على ما

أظن،‏ فقد استدعى يف هذا الدفتر بعضا من

رموز نصب احلرية كاحلصان والكف املفتوحة

وهي بالذات الكف اليسرى للفتاة حاملة الشعلة

والسجني الذي يحطم القضبان،‏ باإلضافة

إلى وجه للفنان سليم وبعض من لوحاته مثل:‏

صبيان يأكالن الرقي والفالح وزوجته وليلة

احلنة ولوحات اخرى.‏

سيعيد الترك يف هذا الدفتر صياغة احلصان

اجلامح يف نصب احلرية للفنان جواد سليم

من خالل قراءته الذاتية ألحدى دراساته

التحضيرية ملشروع ذلك النصب.‏ حيث يظهر

فيه احلصان اجلامح ومحاولة السيطرة عليه

من قبل أحد الرجال.‏

وقبل أن نسترسل يف حديثنا عن استعادة الترك

للمفردة هذه،‏ علينا العودة قليال الى مفهوم رمز

احلصان يف نصب احلرية والذي يتجلى من

خالل تنصيب جواد سليم للحصان الرمز وهو

محاط باربع رجال لكل منهم رمزية معينة يف

تاريخ العراق وحتديدا ثورة ١٤ متوز 1958، كما

ذكر جبرا إبراهيم جبرا يف كتابه ‏)جواد ونصب

احلرية(‏ 1974، وهو يستعيد فيها حادثة جتمهر

الناس واسقاطهم متثالني مهمني يف بغداد،‏

أولهما كان ميثل اجلنرال البريطاني ‏)مود(‏

على صهوة احلصان قرب السفارة البريطانية

والثاني كان للملك فيصل األول وهو ايضا

على صهوة احلصان قريبا من مبنى اإلذاعة

والتلفزيون.‏ والثالث كان ميثل الشعب الثائر،‏

وأما الرابع فسيرفع الراية معلنا اندالع الثورة،‏

وللفنان شاكر حسن آل سعيد رأي آخر ورد

يف كتابه ‏)جواد سليم،‏ الفنان واالخرون(‏ يؤكد

فيه على حرية قراءة العمل الفني،‏ فيقول:‏ ‏"إن

وضعيات االشخاص واالشياء يف هذه اللوحة

متثل الفوضى ثم التهيؤ،‏ ومن ثم التحول نحو

نظام الثورة الشعبية،‏ وهو موضوع زاخر مبعنى

االنطالق والبدء،‏ رغم دواعي احلفاظ على

الوضع السابق.‏ وهكذا فإن االجتاهات املتقاطعة

اآلن هي اجتاهات متعارضة.‏ فاحلصان ينطلق

قافزا نحو اليمني وهو ما توحي به قدماه

االماميتني يف حني يتجه برقبته نحو االعلى،‏

وبراسه نحو اليسار."‏ ويستنتج آل سعيد بأن

التأكيد على فوضى االجتاهات كما وصف،‏

42


مناذج من اللوحات املزورة،‏ ومقارنة بني

النحت االصلي والعمل املزور للنحت من

عام 1987

41


ببغداد،‏ نحت إسماعيل فتاح الترك صبيحة يوم

العرض وجه ‏)بورتريت(‏ إحدى طالباته يف قسم

السيراميك يف أكادميية الفنون اجلميلة.‏ كان

التمثال الوجه ما يزال رطباً‏ عندما قامت طالبة

أخرى منثارة بكسر أنف التمثال،‏ متصورة انه

ال وقت للترك باعادة نحته وعرضه مساء ذات

اليوم.‏ لكن الروح الظريفة واملتمردة التي كان

يتمتع بها الترك دفعته ألخذ التمثال الى صائغ

ذهب يف شارع النهر،‏ وطلب منه صياغة األنف

من الذهب اخلالص،‏ ليكون وقع املفاجأة شديداً‏

على الطالبة الغيورة.‏ وهكذا أصبح التمثال ذو

االنف الذهبي واحداً‏ من أجمل أعمال ذلك

املعرض.‏ هذه احلادثة تعكس الطريقة التي كان

يتصرف بها واحد من أهم فناني جيل ما بعد

الرواد يف العراق الذي رحل أول أمس،‏ الفنان

إسماعيل فتاح الترك،‏ والذي عُرف إضافة إلى

إجنازاته الكبيرة،‏ بانحيازه الدائم إلى جيل

الشباب ومراهنته عليه".‏ )33(

سأل عادل كامل الفنان الترك مرة:‏ ما الذي

يبهجك حد الفناء؟ فأجاب الترك:‏ احلياة.‏

- باي معنى؟

- بالوالدة واملوت…‏ أو ما بينهما.‏

- ما الذي يقلقك اآلن؟

- املوت.‏

املصادر

- 1 جان بول سارتر،‏ كتاب جمهورية الصمت،‏

ص 125

- 2 ندوة ومعرض استعادي يف ذكرى إسماعيل

فتاح الترك يف عمان:‏ 30-11-2006 - القدس

العربي - من أياد كنعان

- 3 عن مقالة الناقد حامت الصكر:‏ أشخاص

التُرك

- 4 رسالة عن تلك األيام،‏ ضياء العزاوي،‏ مجلة

العربي

- 5 الستينيات أزهى مراحل الثقافة العراقية،‏

حوار أحمد الواصل،‏ 3 نوفمبر -2011 جريدة

الرياض - امللحق الثقايف العدد 15837

- 6 عن مقال:‏ طيات يف ذكرى املاضي واحلاضر،‏

صحيفة املدى

- 7 شربل داغر،‏ مجلة العربي،‏ العدد 554،

الصادر عام 2005، ص 158

- 8 جريدة املدى اليومية:‏ عراقيون فترة

الستينات ظاهرة عربية عامة...‏ وإن كانت لها

خصوصيات عراقية،‏ األربعاء 27-2-2019

- 9 ضياء العزاوي،‏ لون يجمع البصر:‏ نصوص

وحوارات يف الفن التشكيلي،‏ صدر يف لندن سنة

2001

- 10 مجلة املشاهد السياسي،‏ ص 50، العدد

198/199 سنة 2000

- 11 فصول من تاريخ احلركة التشكيلية يف

العراق،‏ اجلزء الثاني،‏ ص 33

- 12 مقال جبرا ابراهيم جبرا املعنون:‏

الستينيون

- 13 شاكر حسن آل سعيد،‏ فصول من تاريخ

احلركة التشكيلية يف العراق،‏ اجلزء الثاني،‏ ص

47

- 14 عادل كامل،‏ كتاب من دميوزي إلى عصر

العوملة...‏ مشفرات املوت وأطياف احلرية

- 15 سهيل سامي نادر،‏ كتاب اخلشن والناعم،‏

ص 213

- 16 سهيل سامي نادر،‏ طيات يف ذكرى املاضي

واحلاضر

- 17 سهيل سامي نادر،‏ كتاب اخلشن والناعم،‏

ص 218

- 18 علي النجار،‏ صحيفة املدى 23- - 8

2014 العدد 3153

- 19 عادل كامل،‏ كتاب من دميوزي إلى عصر

العوملة...‏ مشفرات املوت وأطياف احلرية

- 20 عادل كامل،‏ املرجع السابق

- 21 سهيل سامي نادر،‏ كتاب اخلشن والناعم،‏

ص 218

- 22 ندوة نقدية ومعرض استعادي يف ذكرى

إسماعيل فتاح الترك يف عمان:‏ -11- 30

2006، القدس العربي،‏ من أياد كنعان

- 23 ملف إسماعيل فتاح الترك،‏ مجلة العربي

الكويتية يف عددها الصادر عام 2005 ص،‏ 169

- 24 من حوار له مع سعد هادي،‏ مجلة املشاهد

السياسي،‏ ص 5، العدد 198/199 سنة 2000

- 25 سهيل سامي نادر،‏ كتاب اخلشن والناعم،‏

ص 216

- 26 سهيل سامي نادر،‏ املرجع السابق ص 214

- 27 حامت الصكر،‏ محمد غني نسخة معاصرة

للنحّ‏ ات القدمي،‏ من صفحة الكاتب يف االنترنت.‏

- 28 سهيل سامي نادر،‏ كتاب اخلشن والناعم،‏

ص 215

- 29 سهيل سامي نادر،‏ املرجع السابق.‏

- 30 سهيل سامي نادر،‏ املرجع السابق.‏

- 31 فائز جواد،‏ من مقاله بجريدة الزمان

بتاريخ:‏ 2 آب عام 2017

- 32 سهيل سامي نادر،‏ كتاب اخلشن والناعم،‏

ص 221

- 33 الترك،‏ هل كان عليه أن ينتظر أطول مما

يجب ؟ الشرق األوسط،‏ 24 يوليو 2004 العدد

9370

منوذج اخر العمال التزوير

40


املزورة املنسوبة إلى الترك.‏ وال مجال هنا

لدراسة مستفيضة عن هذه الظاهرة املثيرة

لالشمئزاز،‏ خصوصاً‏ وأنه من املمكن واملؤلم أن

يكون مرتكبو جرائم التزوير هذه من الفنانني

املمتهنني للفن أنفسهم،‏ ولكن حصرياً‏ أولئك

الذين ال يتمتعون مبواهب جيدة وال حساسية

عالية،‏ كما يظهر من أعمالهم املزورة الواضحة

التزوير.‏ ‏)صفحة رقم 39 و 41( كذلك تعرضت

منحوتات ولوحات للترك للتخريب والتالعب

ببعض منها.‏ فلم يُكتَب جلداريته يف منطقة

ساحة اخلالني أن تبقى،‏ إذ أن لصوص اخلردة،‏

بُعَيدَ‏ احتالل العراق،‏ عاجلوها كما عاجلوا أغلب

أعماله بالنهب والتخريب.‏ وكذا كان احلال مع

نصب ابي نؤاس،‏ حيث اختفت املنحوتات الناتئة

يف قاعدة التمثال - لست أدري إن اختفت كلها

أو بعضها - ولم يبق لصوص اخلردة لكف متثال

ابي نؤاس إال إصبعاً‏ واحداً.‏ وقد شاءت سخرية

القدر أن تبقى السبابة ثابتة يف محلها وهي

إصبع اإلشارة وتوجيه االتهام!‏ وما زالت بعض

مزادات الفن تعرض للبيع اعماالً‏ مزورة منسوبة

زوراً‏ إليه،‏ حتى أن هناك طبعات غرافيكية نُفذت

بعد وفاته ومت وضع توقيع مزور عليها.‏ ومما

يثير املزيد من احلزن واألسى يف هذا السياق،‏

هو ما رواه السيد فائز جواد عن زوجة الترك

‏)داليا شاكر محمود،‏ وهي الزوجة الثانية للفنان

بعد وفاة زوجته األملانية(‏ مبناسبة الذكرى ١٣

لرحيله:‏ ‏"طال الدمار بعد احتالل العراق معظم

أعماله من لوحات ومتاثيل مخزونة داخل بيته

يف منطقة العطيفية ببغداد حني داهمه اجلنود

األميركان،‏ ولم يكن يسكنه غير احلارس،‏ بحجة

التفتيش عن السالح املهرب.‏ بعثروا اللوحات

وداسوها بأرجلهم،‏ وأتلفوا بعض اللوحات

والتماثيل متاماً.‏ هذا ما الحظته انا شخصياً‏

من عدم استقامة أسطح بعض اللوحات وبدت

متموجة حتت أطرها.‏ وكأنها كانت تصر على

أن تبقى شاهدة على عنف وقبح احملتل دائماً.‏

وتكمل حديثها يف تذكر ما بعد هذه األحداث

بفترة:‏ ‏"تأزم الوضع يف العراق وسيطرت

املليشيات املسلحة على الشارع،‏ وأقحم الناس

عنوة يف شرك التعصب الطائفي.‏ ثم حدثت

مداهمة أخرى من قبل املليشيات املسلحة

بحجة أن الترك كان قد أجنز أعماالً‏ فنية

لصالح النظام السابق،‏ وللمرة الثانية أتلفت

أعمال فنية أخرى وصار البيت خراباً".)‏‎31‎‏(‏

كان مشغل الترك األول يقع يف وسط حي شعبي

بغدادي مبنطقة الفحامة بجانب الكرخ،‏ وكان

مطالً‏ على نهر دجلة.‏ ثم انتقل الى منطقة

العطيفية،‏ بعد ان انتقل من مشغله الذي كان يف

بيته يف حي املستنصرية بجانب الرصافة،‏ وذلك

بعد وفاة زوجته الفنانة األملانية ليزا الترك.‏

شهادات

يروي الناقد سهيل سامي نادر:‏ ‏"يف األيام التي

كنت أراه يومياً‏ أحياناً‏ كان الترك فيها قد اجتاز

اخلامسة والستني من العمر.‏ لم نكن نتحدث

عن أعمارنا،‏ ولست أدري ماذا كان يشكل التقدم

بالعمر لديه.‏ كنا نتداول الشائعات السياسية

ونحن نضحك.‏ كان نشطاً‏ ومثابراً،‏ لكن هالة

قديس متعب كنت أراها محلقة فوق رأسه.‏

وألنني كنت أتقدم بالعمر،‏ وكان هذا بالنسبة

لي أشبه باخلالص،‏ فقد اعتقدت أن التقدم

بالعمر يفكك من احتراساتنا يف تلقي املتع أو

يف توليدها من أشياء بسيطة لكي نستخدمها

يف حياتنا.‏ كما أن التقدم يف العمر يحررنا،‏ ألنه

يعزلنا وقد يحمينا من بعض التكاليف التي سبق

أن دفعناها يف شبابنا.‏

يف تلك األيام قارنت بني أعمال إسماعيل فتاح

الترك القدمية وأعماله التي وصف أنها حققت

له احلرية واملتعة،‏ وأدركت أنه بحث عن املتع

التي تناسبه وتسهم يف حمايته،‏ متع ولدها من

تفسير لونه العاطفي أكثر من تفجيره وجتديده.‏

لقد بدا لي ابيقورياً‏ حسياً‏ يريد أن يعطينا وجه

الرجل الواثق املستمتع أكثر من الرجل الذي

يبحث عن طريق مقلق باهظ التكاليف.‏ وليس

هذا باألمر الهني على أية حال،‏ ويف الشروط

العراقية املظلمة أعدّه إجنازاً‏ وكفاحاً".‏ )32(

ويذكر الصحايف معد فياض:‏ " لم يتدافع الترك

مثلما كان يفعل غيره ممن يدعون أنهم يف

واجهة الفن العراقي من أجل تنفيذ أو نحت

متثال للرئيس السابق صدام حسني،‏ بل بقي

مبنأى عن هذه املوجات التي جرفت مبغرياتها

املادية غالبية الفنانني العراقيني الذين كانوا

يطمعون مبكافأة مالية ملجرد مشاركتهم بنحت

متثال أو نصب يجسّ‏ د صدام حسني.‏ وعندما

سألته ذات مرة عن سر عدم إجباره على نحت

متثال لصدام،‏ قال:‏ ‏"لقد فعلوا،‏ ضغطوا عليّ‏

وأرسلوا من الفنانني من يهددني.‏ وما استجبت

وقلت ال أستطيع،‏ وكدت اترك العراق لذلك،‏

حتى كفوا عني".‏ كان مشغله يف حي الفحامة

بجانب الكرخ مطالً‏ على نهر دجلة قبل أن

يصادر صدام حسني املنطقة برمتها ليبني

هناك أحد قصوره،‏ مما اضطر الترك الختيار

مكان آخر يف منطقة العطيفية.‏ وكان قد انتقل

من مشغله الذي كان يف بيته يف حي املستنصرية

بعد وفاة زوجته الفنانة األملانية ليزا،‏ التي

كانت تشكل جانباً‏ مهماً‏ من املشهد التشكيلي

العراقي،‏ الستغراقها يف الثقافة العراقية عامة

واحلياة البغدادية خاصة،‏ فكانت حتسب كفنانة

عراقية أكثر منها أملانية.‏

يعد ‏"نصب الشهيد"‏ الذي صممه الترك واحداً‏

من أروع األعمال الفنية ليس يف العراق وحسب

بل على مستوى العالم.‏ وقد عرف الفنان يف هذا

النصب كيف يستفيد من الفراغ،‏ قال الترك:‏

‏"هذا أسلوب عراقي بحت،‏ يف استخدام الفراغ

او الفضاء يف األعمال النحتية أو املعمارية.‏

وخير أمثلة على ذلك زقورة بابل وزقورة أور أو

املئذنة امللوية يف سامراء.‏ ويأتي نصب الشهيد

وفق ذات الفلسفة النحتية،‏ كل ما قمت به هو

أنني أحدثت شقاً‏ يف القبة اإلسالمية،‏ احتراماً‏

لروح الشهيد العطشى للحرية.‏ هذا النصب

يتحرك مع حركة املشاهد حوله،‏ وألوانه

الفيروزية املتداخلة باألخضر تعطي انطباعات

لونية أخرى على امتداد النهار وانعكاسات

أشعة الشمس".‏ مات إسماعيل فتاح الترك

بعد صراعه مع مرض سرطان القولون،‏ تاركاً‏

خلفه حياة عاشها بكل خطوط طولها وعرضها.‏

وأكاد أتخيل ابتسامته التي حتمل معاني الفرح

واالزدراء لكل ما هو سائد،‏ والتمرد ضد

الثوابت احلياتية.‏ أتخيلها بقيت مرسومة فوق

وجهه وهو يغادرنا.‏ وأتساءل بعد كل اجنازاته

الفنية واحلياتية منذ والدته يف البصرة وحتى

وفاته ببغداد:‏ هل كان عليه أن ينتظر ليتألم أكثر

وهو الشخص الذي طاملا حتدى األلم بسخرية

مرة عميقة؟ يروى أنه:‏ ‏"يف واحد من معارضه

الشخصية الذي أقامه يف نهاية الثمانينات على

صالة الفنان رافع الناصري يف حي املنصور

39


لهم جذور شرقية مثل مور و جياكوميتي...‏

بعد عودتي إلى العراق،‏ يف مطلع الستينيات،‏

وبصورة غير مقصودة،‏ شعرت بأني فنان عراقي

معاصر بأبعاد فنية تنتمي إلى الروح الشرقية.‏

وبدأت تتعمق هذه الروح وترتبط بالقيم الفنية

العاملية التي هي مشحونة بهذه األبعاد الفنية".‏

ولنالحظ هنا ورود جملة ‏"تأثرت بفنانني لهم

جذور شرقية"،‏ وهو الشرط الذي جمع بني

الترك ومصادر تأثيراته.‏ ويقول الدكتور حامت

الصكر:‏ " لم يكن محمد غني حكمت وال جواد

سليم أو خالد الرحّ‏ ال وإسماعيل فتاح ونداء

كاظم وغيرهم من نحاتي العراق يفتقرون

إلى املؤثرات احمللية،‏ وبالتالي ال تتحداهم أو

تستفزهم أو تستلبهم املؤثرات النحتية الغربية

رغم دراستهم يف اخلارج،‏ واطالعهم على

منجزات النحت الغربي احلديث".‏ )27(

وجتدر اإلشارة هنا الى مجموعة املالحظات

القيمة يف هذا املضمار،‏ كما وردت يف مقالة الناقد

سهيل سامي نادر يف كتابه ‏"اخلشن والناعم"،‏

والتي ذهبت الى حتديد بعض احللول التقنية

التي اختارها الفنان كنتيجة لوجهات نظره حول

بعض احلقب التاريخية للفن األوروبي وأساليبه،‏

فيقول:‏ "... وكان يوضح أفكاره اجلمالية -

يقصد الترك - يف املنجزات احلضارية على

نحو سلبي،‏ فهو ال يحب كثيراً،‏ واحياناً‏ يحب.‏

فعلى سبيل املثال كان ال يحب النحت اإلغريقي

ألنه يعتني بالتفاصيل اجلسدية واحلركة.‏ وال

يحب نحتي عصر النهضة والباروك الهتمامهما

بالوضعيات.‏ إذن لم يكن يحب التفاصيل وال

الوضعيات وال األجساد املتحركة.‏ وبالعكس،‏

أحب السكون ووقار الكتل عدمية التفاصيل

واألشكال التي تنغمر بالكتلة وال ميكن الفصل

بينهما.‏ ولقد أحب النحت الروماني،‏ إال أنه

باملقابل أحب بورتريهات الشخصيات الرومانية

لقوتها وتعابيرها النبيلة".‏ )28(

وسيأتي الناقد بعد ذلك باستنتاج على قدر

من األهمية واحلسم،‏ مستنبطاً‏ من فحوى

تصريحات الفنان.‏ وأهميته تكمن يف كونه يرسم

مالمح جتربة الترك اإلبداعية التي استقرت

أسلوبياً‏ بسبب ميله إلى خيار ‏"ان يحب"‏ النحت

السومري،‏ فيقول الناقد:‏ ‏"وكان من البداهة

أن يحب النحت السومري،‏ وقد أخذ منه أحد

املبادئ الوظيفية أال وهو مبدأ املواجهة".‏ )29(

وعلى هذا األساس،‏ ميكننا أن نذهب باجتاه

كون الفنان قد اختار الفن السومري كمرجعية

أسلوبية،‏ مبا تتضمنه من قيمة هامة،‏ وهي

‏"مبدأ املواجهة"‏ الذي تتسم به غالبية أعماله.‏

وأياً‏ كان األمر،‏ فإن قراءة جتربة وتصريحات

الترك من قبل الناقد سهيل سامي نادر تعزز

بشكل ال لبس فيه أن الترك كان - ورمبا منذ

بداياته - مياالً‏ الى استلهام الفن السومري اوالً،‏

قبل التأثر بأساليب أخرى.‏ ويرى نادر أن الترك

كان يحتكم الى ‏"ذوقه الفردي"‏ وإلى ‏"طرقه

االقتصادية"،‏ فهما كانا السبب الذي دفعه إلى

جتاوز ‏"املفاهيم"‏ فاسحاً‏ لنفسه من خاللها

املجال ملعاجلة االقتراحات التي يجدها أثناء

العمل ليس إال،‏ فيقول:‏ ‏"كان الترك مسكوناً‏

بالنماذج التاريخية من دون اهتمام كاف باملفهوم

الثقايف الذي يفسرها أو يولدها أو ينتج قرائن

لها.‏ إن ذوقه الفردي واستجاباته اخلاصة

املدربة يستوليان على أحكامه اجلمالية،‏ يف

حني كانت طرقه االقتصادية يف التعبير تتجاوز

املفاهيم إلى معاجلة االقتراحات التي يجدها

أثناء العمل ليس إال".‏ )30(

تخريب وتزوير األعمال

اثناء بحثي عن مواد نصية وصور لالستفادة

منها يف كتابة هذا النص،‏ صُ‏ عقت بكم األعمال

منوذج من اعمال التزوير ، بتدخل لوني على عمل

طباعي

38


القياسات الكبيرة لهذا النصب.‏ فقد شطر

الفنان قبة من الطراز العراقي إلى قسمني

متساويني وباعد بينهما يف حركتني إلى اليسار

واليمني على نحو أنتج مركزين لهما،‏ مع وجود

كتلة رمزية صغيرة يف الوسط.‏ النتيجة البصرية

لهذا التدبير أننا يف التفافنا حول النصب من

مسافة مناسبة سنجد تغيراً‏ يف املنظور وحركة

يف كتلته العامة ما بني انفتاح وغلق".‏ )25(

يروي ليث الترك شقيق الفنان ما له أهمية

كبيرة كمصدر للمدرك الشكلي ‏)القبة املشطورة(‏

عند الفنان وهو ‏"تطلعه إلى السماء منذ طفولته،‏

والقصص التي كانت ترويها والدته عن انفتاح

السماء ليلة القدر".‏ ويعرج د.‏ شربل داغر

إلى نصب الشهيد بعد أن يستعرض شيئاً‏ من

مساهمات الترك يف إثراء التجربة اإلبداعية

العراقية قائالً:‏ ‏"إن الفنان العراقي إسماعيل

الترك عالمة دالة ولها أكثر من إشارة ويف غير

اجتاه.‏ أقبل الفنان على ممارسة حركاته العفوية

يف أعماله الفنية التي وسمت خطوط رسمه،‏

فرسوم الترك تلقائية أشبه برسوم جتريبية

متهيدية رسمتها يد غير مجزمة ضعيفة يف

عدتها الفنية.‏ هذه الطراوة لم تفارق يده الفنية

حتى يف أعماله العمالقة مثل نصب الشهيد

يف مطلع الثمانينات،‏ بل حتوّلت إلى بساطة

أخاذة يف الشكل ويف احتالل املساحة واحلجم

يف هذا العمل الذي سيبقى عمله األنقى يف

مسيرته الفنية الغنية.‏ لم يسلك الترك إلى

النحت طريقاً‏ متعرجة مثلما فعل النحات خالد

الرحال يف نصب اجلندي املجهول،‏ فقد اجته

الترك صوب القبة البغدادية ذات اللون الشذري

‏)وهو نوع معبّر ومميز فاللون األزرق معروف

جداً‏ يف بغداد(‏ فشطرها إلى نصفني من دون

أن يكونا متقابلني يف صورة تامة،‏ لقاء يتم أو ال

يتم بني شطري القبة بني األرضي والسماوي،‏

بني زرقة القبة وبياض األرضية،‏ بني ما يتمناه

الشهيد وما ال يبلغه بالضرورة.‏ لقاء فيه فرقة

بقدر ما فيه رغبة من االجتماع".‏ على ان ما رواه

الترك عن طفولته يعزز أيضاً‏ طبيعة املصادر

التي ألهمته،‏ فقد قال:‏ ‏"إن االنقالب األول الذي

حدث يف حياتي بدأ باملوت،‏ وقد حدث ذلك يف

الطفولة وترك بصمات كبيرة يف حياتي كلها.‏

وبدأت تتبلور أفكاري بفعل هذا احلدث"،‏ إذ

يذكر الفنان أنه كان قد شاهد يف عام 1948

أماً‏ ترفض البكاء على ولدها الذي أستشهد

يف فلسطني.‏ وكانت ال تقبل أن يبكيه أحد،‏ بل

أن يهلل اجلميع.‏ وتقول إن ولدها ‏"شهيد مات

من أجل الوطن".‏ ويروي الترك ايضاً:‏ ‏"يف عام

)1940-1941( يف شارع ‏"أبو األسود"‏ بالعشار،‏

ومن شرفات تطل عليه،‏ كانت الشرطة تقاوم

االحتالل البريطاني.‏ وأتذكر جيداً‏ أن أحد

أفراد الشرطة واسمة ‏)عباس(‏ كان يقاوم ثم

استشهد.‏ وقد مر جثمانه من أمامنا وسط عدد

قليل من األشخاص...‏ لكن هذا احلدث كان

يرسم لي موتاً‏ متميزاً!‏ كان ذلك قد حدث وأنا

يف السادسة من عمري،‏ إنه املوت األسطوري.‏

وقد حفر يف نفسي أثراً‏ كبيراً‏ للبطولة والقيم

والدفاع عن الوطن...".‏

كان لهذه األحداث،‏ كما تؤكد ذكريات الفنان،‏

صلة عميقة بعمله ‏"نصب الشهيد".‏ يقول الفنان

ضياء العزاوي يف ذلك النصب:‏ ‏"إن نصب

الشهيد هو عمل فني مبدع يستحق كل التقدير،‏

وحتى من الناحية الرمزية والتاريخية،‏ فإنه

ال ميجد شخصا معيناً،‏ وبالتالي فإنه يستحق

احلفاظ عليه بل تطويره كي يأخذ مفاهيم

جديدة تؤكد على تضحيات جميع املناضلني

العراقيني من جميع األطياف السياسية،‏ ويف

كافة الفترات التاريخية التي مر بها العراق

املعاصر.‏ برأيي،‏ يجب أن يصبح هذا النصب

املؤثر،‏ رمزاً‏ جلميع الذين سقطوا يف احلروب،‏

وجميع من ناضلوا وعذبوا وماتوا يف السجون أو

املقابر اجلماعية.‏ لقد ضحى الشعب العراقي

بكافة قومياته وأطيافه،‏ بشكل وقدر لم يسبق له

مثيل يف التاريخ املعاصر،‏ لذلك يجب أن نحافظ

عليه بكل ما أوتينا من شجاعة وقوة".‏

إال أن الرياح جتري مبا ال تشتهي السفن،‏ فقد

ظهرت بوادر نوايا مبيتة تنحو باجتاه إلغاء أو

حتوير هذا النصب.‏ فسيكتب عبد اجلبار العتابي

من بغداد ملجلة ‏"إيالف"‏ اإللكترونية مايلي:‏ ‏"أثار

اقتراح،‏ وافقت عليه احلكومة العراقية بإقامة

نصب جديد لضحايا جرمية سبايكر يف موقع

‏"نصب الشهيد"‏ ببغداد،‏ ردود أفعال سلبية منددة

باإلجراء ومحذرة من املس بالنصب بأي شكل

من األشكال،‏ خاصة أن االقتراح يتضمن اقامة

مدفن جلثامني شهداء سبايكر.‏ فقد أكد فنانون

تشكيليون أن أية إضافة عليه ستمثل تخريبا له".‏

ويكتب الناقد سهيل سامي نادر:‏ "... وحني فاز

تصميمه لنصب الشهيد وجد نفسه إزاء أكثر

األعمال أهمية يف حياته وأكثرها مدعاة للتفرغ

والتكريس.‏ واألمر مفهوم،‏ فنصب الشهيد ليس

نصباً‏ عادياً‏ بل هو عمل معماري مشهدي هائل

انسجمت فيه تطلعات متنوعة على مستوى

التصميم والتنفيذ والتصنيع والرؤية اجلمالية.‏

إنه باختصار منشأة تدخلت يف إقامتها جهات

فنية وإنشائية عديدة".‏ )26(

ومن اجلدير بالذكر أن الفنان الترك كان سعيداً‏

بتخليصه لبعض الفنانني الشباب من احلرب

العراقية - االيرانية،‏ ليعملوا معه يف نصب

الشهيد.‏

املؤثرات

إن أغلب من كتب عن منحوتات الترك أشار

إلى ما طرأ عليها من مؤثرات لفنانني عامليني

‏)جياكوميتي،‏ هنري مور،‏ كينيث آرميتاج،‏ لني

تشادويك(،‏ إال أنني شخصياً‏ أميل إلى التقليل

من درجة التأثير التي رسخها البعض بقوة،‏

ذلك ألن أي نظرة فاحصة ومتأنية ملا تركه

إنسان وادي الرافدين من منحوتات،‏ ستكون

كفيلة مبعرفة األصول التي استمد منها هؤالء

الفنانون أساليبهم،‏ ومن ضمنهم الترك وأعماله

التي تشير بدورها وبقوة لتلك الفنون باعتبارها

مرجعياته األصيلة ومرجعيات الفنانني الغربيني

على حد سواء.‏ لقد صرح الترك يف غير مرّة

حول هذا الشأن مبا يلي:‏ ‏"طيلة وجودي يف

اوربا تاثرت بكل املدارس املعاصرة،‏ واستفدت

من أبعادها الفكرية والتقنية...‏ وتأثرت بفنانني

37


‏)صفحة رقم 36 و 37(

نصب الشهيد

‏"قطبان مهمان أفكر فيهما باستمرار:‏ احلياة

واملوت…‏ وقد استطعت أن أنهي قلقي من املوت

يف نصب الشهيد".‏

يقع نصب الشهيد يف جانب الرصافة من

بغداد.‏ وأقيم عام 1986 ويعتبر من أبرز املعالم

املعمارية للعاصمة العراقية.‏ وهو من تصميم

املهندس املعماري العراقي سامان أسعد كمال،‏

والقبة من تصميم إسماعيل فتاح الترك.‏

يتكون النصب بشكل رئيسي من القبة العباسية

املفتوحة بارتفاع 40 متراً‏ والراية التي ترتفع

بطول خمسة أقدام فوق األرض وثالثة أمتار

حتت األرض حيث تشاهد على شكل ثريا،‏ ثم

الينبوع الذي يتدفق ماؤه إلى داخل األرض.‏

ويتألف النصب من منصة دائرية قطرها 190

متراً‏ جتثم فوق متحف سفلي،‏ ويجتمع هذا

الطاقم بأكمله وسط بحيرة صناعية واسعة.‏ أما

تنفيذ النصب فكان من قبل شركة ‏"ميتسوبيشي"‏

وفقاً‏ ملواصفات صارمة وضعتها مؤسسة ‏"أوف

آروب وشركائها لالستشارات الهندسية"‏ التي

اشتهرت بتصميم مبنى دار األوبرا يف سيدني،‏

وتولت تنفيذ مختلف مراحل التصميم التفصيلي

مع مجموعة من املهندسني العراقيني.‏

حوّل الترك يف هذا النصب الضخم،‏ شكل

العمارة اإلسالمية إلى شكل معماري معاصر،‏

من خالل شطر القبة الفيروزية للنصب الى

نصفني غير متقابلني،‏ وحرّك اجلزءين لينفتح

فضاؤها الداخلي ويلتقي مع الفضاء اخلارجي.‏

كان ذلك الفعل بسيطاً‏ وعميقاً‏ يف آن،‏ وقد أودع

فيه الفنان عصارة صراعه الداخلي بني هاجس

املوت واحلياة،‏ ومفهومه عن الروح واجلسد

والفناء.‏ لقد وصل إسماعيل يف عمله هذا إلى

أوج زهده الشكالني،‏ حيث ال عناصر تزينية

وال زخرفة،‏ وال ثرثرة أشكال،‏ مكتفياً‏ ببالغة

مختزلة وعميقة التعبير.‏ ونصب الشهيد هو

كمثل نصب احلرية جلواد سليم،‏ عمل يتخطى

زمانه،‏ وال يخضع لنزعات اخلطابات السياسية

لذلك الزمان.‏ أقيم النصب على أرض واسعة

ومفتوحة،‏ ويشعر املرء كما لو أن قبته تنشطر

للتو،‏ يف حال مروره حول النصب،‏ إذ أن شطري

قبته يبدأان بالتباعد أحدهما عن اآلخر بالتبعية

إلى حركة املار،‏ ثم ليظهر بينهما العلم العراقي

املرفوع.‏

ويصف الترك جتربته مع نصب الشهيد مبا

يلي:‏ ‏"أنا أعتقد أن نصب الشهيد هو خالصة

كل جتاربي الفنية على صعيد اإلبداع واملعاناة

وبالقيم العظيمة املرتبطة باإلنسان العظيم…‏

وكان لدي شعور بانني أستطيع التعبير عن

إنساننا…‏ فجاء نصب الشهيد.‏ وهو أمل،‏ أو

قل،‏ هو طموح كبير أن أكون أنا اإلنسان -

الفنان - الذي عبّر عن أعظم رمز للحياة".‏

ويذهب الناقد العراقي سهيل سامي نادر إلى

وصف احللول التعبيرية التي اعتمدها الترك

يف أعماله النحتية وقادته يف النهاية إلى احلل

الذي اعتمده يف نصب الشهيد قائالً:‏ "... إن

برنامجه النحتي ظل بعيداً‏ عن بناء أو متثل

افكار ووضعيات وتصوير حركات،‏ وأرى أنه

قدم بدائل عنها،‏ فاحلركة التي حتتاج أو تنتج

مسافة عوّض عنها بوضع مسافة مكانية بني

كتلتني ساكنتني يتغير املنظور ما بينهما بواسطة

حركة املشاهد.‏ أما الوضعيات فقد عوّض عنها

بالعالقة اإلميائية ما بني هاتني الكتلتني من

حيث اختالف النسب بني حجميهما والطبيعة

اجلسدية لهما.‏ لعل احلل األول متوفر يف

منشأة نصب الشهيد بقوة،‏ مع األخذ باحلسبان

مشهد تفصيلي للقبة املشطورة مع تبيان الراية العراقية.‏

منظر جوي لنصب الشهيد

36


رجل وإمرأة لصق بعضهما،‏ جند

أن لهذين الشخصني وجهني بال

مالمح.‏ ويجلس الرجل واملرأة

بجسميهما العريضي األكتاف

التي تشبه أكتاف اآللهة

السومرية،‏ جلسةً‏ محكومة

مببدأ املواجهة،‏ ذلك املبدأ

الذي عرفناه يف الفن العراقي

القدمي،‏ وكأن جلستيهما ارتكبتا

منذ األزل ويف حالة حضور

نافذ وثابت،‏ يعزز دميومته

شعورنا بذلك الثقل والثبات

ودرجة قساوة املواد التي صُ‏ نِعت

املنحوتات منها وهي احلجر أو

البرونز.‏ وكأن جلستيهما لن

تعتريهما الرغبة بالقيام ابداً،‏

وال عجب من ذلك،‏ فتلك من

روح الثبات املستشرية يف غالب

أعماله.‏ إال أنه عززها بشكل

أكبر يف هذه املجموعة النحتية،‏

ومما زاد من هذا الثبات ملمس

هذه التماثيل الصقيل الذي

يوحي بالسكينة والوقار،‏ وعلى

العكس من أعماله النحتية األخرى حيث كان

سطحها خشناً‏ وغير مصقول.‏ وتصف السيدة

الناقدة العراقية مي مظفر موضوع املرأة والرجل

مبا مفاده:‏ ‏"لقد صوّر حالة الرجل واملراة يف

وجودهما األول،‏ وبحرية متناهية احياناً،‏ فكان

يجسّ‏ د من خالل هذه األشكال األسطورية ما

يوحي باصل اخلليقة والوجود".‏ )23( ‏)صفحة

33 ،32 ،31 و )35

الوجه امللون

نحت الترك رأساً‏ ذا حدود خارجية ستبدو

لنا متموجة حال إن أطلنا تأمله،‏ رأساً‏ حددت

قسماته األخاديد واملساحات اللونية املتداخلة

يف آن،‏ واملنفصلة كتلوينات حرة يف آن آخر.‏

سمّاه وجهاً‏ وليس رأساً،‏ رمبا لكونه أقل نتوءاً‏

مما يجب،‏ أو ألنه طلي بألوان زادت من قرابته

إلى الوجه أكثر من الرأس.‏ إن ما يهمنا يف

منحوتة الترك هذه،‏ هو مزجه ملالمح الرسم

والنحت ببعضهما يف عمل واحد،‏ فهل كان

هذا املزج يا ترى محطته املأمولة األخيرة،‏

حيث ينتهي النزاع الذي اضطرم بداخله بني

شخصيتي النحات والرسام منذ سنني طويلة،‏

وحتى ينتفي مسوغ ذلك القلق الذي استعمر

نفسه...‏ قلق اخليار ما بني أن يكون رساماً‏ اكثر

من نحات أم نحاتاً‏ أكثر من رسام ؟

متثل املنحوتة امللونة رأس أمرأة،‏ بشفاه حمراء

معتمة ومطعمة بقليل من البقع الزرقاء،‏ وأنف

طويل يسير بانحناء،‏ ويتبعه الفم يف حركته

املتجهة الى اجلهة اليمنى من وجهها الذي

تقاسمت عيناه صفتي اجلحوظ يف اليسرى

منهما والنعاس يف اليمنى.‏ ثمة زحف منتشر

للون األخضر القوي على األنف وعلى اجلبني

األمين متخطياً‏ حدوده وصاعداً‏ حتى شعر

الرأس.‏ يتقاسم مع األصفر الذي يغطي الوجنة

اليسرى قوة السطوع اللوني.‏ وتبدو الوجنتان

غائرتني،‏ داعمتني بذلك شعورنا بذبول الوجه،‏

مع حتديد أجزاء مطلية بلون أزرق غامق وقوي،‏

وأخرى أقل سطوعاً‏ مثل األبيض املختلط قليالً‏

باألخضر،‏ والبني ثم الرمادي،‏ موزعة على

احلواشي بشكل يزيد من اإليحاء باحلركة.‏

اعتمد الفنان يف هذا العمل على التعبير احلر

و االرجتالي،‏ وهو الذي وصل إلى حد إرباك

السير الصحيح للخط اخلارجي الطبيعي للوجه

املائل لالستطالة.‏ وتظهر قسمات الوجه كما لو

كانت شبه مبتورة،‏ من خالل إيحاءات املساحات

اللونية واألخاديد التي تنتظم يف مجموعة من

التكرارات احلادة ملنخفضات ومرتفعات ترسم

مالمح وجه مليء بإشارات اخلوف والترقب

القلق،‏ عززها الفنان بتصعيد حالة التنافر

اللوني والتعبيري بني صفحتي الوجه.‏

يفسد شكل النحت هذا،‏ املناحي التقليدية

التي عرفناها للنحت والرسم،‏ إذ ينجز الفنان

هنا عمالً‏ فيه الكثير من اخلشونة والتعبير

اخلام والبلبلة احلادثة بسبب الطالءات امللونة

واخلشنة،‏ حيث يرسم اللون األخضر واألبيض

شكالً‏ حاداً‏ من األسفل كأنه نصل سكني،‏ موحياً‏

بانشطار الوجه إلى نصفني،‏ يف حني يقوم اللون

األصفر على اجلهة اليسرى بتفعيل سطح

الوجنة بقوة.‏ وتعمل مفردتا األنف الطويل والفم

اللتان مالتا قليالً‏ عن موضعهما املتوسط يف

الوجه،‏ إلى تصعيد حالة الالمتاثل يف قسماته.‏

ثمة أخدود صارم وقوي يف اجلهة اليسرى من

هذا الوجه وكأنه جرح عميق،‏ ذكرني بجرح وجه

العذراء مرمي يف لوحة بإحدى كنائس مدينة

‏)جنستوخوفا(‏ البولندية،‏ إذ ترك اثر اجلرح نصل

سيف ألحد سراق الكنيسة الغاضبني بسبب عدم

وجود ما يستحق السرقة يف الكنيسة،‏ فلم يجد

إال وجه العذراء يف اللوحة اخلشبية ليصب جام

غضبه فيه.‏ ثمة أيضاً‏ تشابه ما بني متوجات

الشال الذي تلبسه العذراء ومتوجات احلدود

اخلارجية لوجه إسماعيل فتاح الترك.‏ ما الذي

دعاني يا ترى لذلك التذكر الغريب؟ وهل ترتبط

إحاالت الفنان الشكلية بدوال تستند إلى ذاكرة

جمعية عابرة حلدود التواصل الطبيعي؟ وهل

ميكن لهذا األخدود أن يكون محض صدفة؟

إسامعيل فتاح الرتك 1984

وجه،‏ بالستر ملون بالوان االكريلك،‏

* 26 4 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

تفصيل من لوحة السيدة العذراء،‏ ‏)مدينة

جنستوخوفا ) بولندا

35


34


الصدور،‏ األرجل،‏ األيدي واألعناق...‏ يف فضاء

هيمنة اجلسد الشفاف.‏ حيث اخلطوط تخطىء

مساراتها بسبب تسرع نزقها،‏ فتكرر محاوالتها

احلثيثة الستعادة متثيل مراجعها الشكلية،‏

صاعدة بتكررها املهيب،‏ إلى قيامة ذلك اجلسد

البشري األثيري يف شكله الفارع املتسامي.‏

‏)صفحة رقم 25 و 26(

وجوه املستطيالت

‏"الرسم هو وهم،‏ قطعة من السحر،‏ لذلك ما

تراه ليس ما تراه"‏

‏)الفنان األمريكي فيليب غوستون(‏

طفق الترك يرسم وينحت،‏ خالل أخريات

سنوات حياته،‏ وجوهاً‏ استعارت شكل حدودها

من املستطيالت الهندسية.‏ رسم ونحت على

سطوحها اختصارات لعيون وأنوف وأفواه،‏ وهي

يف خيارات أخرى،‏ ليست سوى وجوه داخل

مستطيالت.‏ لكن،‏ هل صنع املستطيل يا ترى

وجوهه ووجوه األنباط املستطيلة من قبله؟ أم

أن تلك الوجوه صنعت ذلك املستطيل؟ لقد

خرق النحات عقيدة الوجه البيضوي،‏ وعلى

املستطيل اآلن أن يقنعنا بأنه ليس سوى وجه،‏

وعليه أيضاً،‏ أن يذهب بوجه الكائن باجتاه

امليتافيزيقيا،‏ بعيداً،‏ إلى املاورائيات،‏ حيث

ال شبيه وال واقع مستعاد.‏ وهكذا ايضاً،‏ قام

النحات اإلغريقي يف عصره الكالسيكي بوضع

الوجوه البشرية يف ذات املكان اخلفي املاورائي،‏

ولكن هذه املرّة باعتماد صيغة اإلفراط يف

مثالية تفاصيل الوجه.‏ نحن نطالع هنا رغبتني

ملحتني:‏ اختزالية متقشفة احتكمت إلى

الهندسة وقبلت بأقل القليل،‏ مقابل رغبة أخرى

لم متجّ‏ د الوجه الواقعي إال لبرهة،‏ ثم تخطته

باجتاه البذخ يف ترقيته إلى مقام الوجه املثالي.‏

حتوّلت مفردات وجوهه:‏ العينان واألنف والفم،‏

ملا يشبه إمياءات ضالعة يف عجالة البث.‏ وهي

أيضاً‏ كالوجه بكُلّيَته جاءت كسليلة لألشكال

الهندسية اخلالدة.‏ ويف معمعة الهندسة هذه،‏

سيترك لنا الترك اخليار يف أن نقرأ الوجه على

أنه مستطيل،‏ أو أن نقرأ املستطيل عينه على أنه

وجه.‏ ورمبا سنقرأ املستطيل كإطار لوجه صار

على مقرب كبير منا،‏ حتى انعدم بسبب هذا

القرب حده اخلارجي،‏ فصار أدنى إلى وجوه

صامته تطالعنا من شواهد قبور.‏ آثر إسماعيل

أن ينحت ويرسم وجوهه لتواجهنا،‏ متاماً‏ كما

أراد لها من قبله الناسك املتعبد النبطي:‏ وجوهاً‏

ليست كالوجوه.‏ لكن إن أطلنا النظر فيها،‏

فسوف تنقِّبُ‏ عيوننا يف فضائها املستطيل،‏ بحثاً‏

عن احلد املطموس للوجه الواقعي،‏ ذلك الوجه

الذي عرفناه متصفاً‏ أبداً‏ بانحناءاته،‏ لنستعيد

بذلك التنقيب طبيعة انحناء خطه اخلارجي

الذي يرسم له حدوده.‏ إن عيوننا العنيدة،‏

التي ال تقبل األوهام البصرية بيسر،‏ ستبيّض

ما اعتبرته مسوّدة نصوص بصرية لوجوه،‏ ثم

ستجهد يف استعادة املدرك الشكلي البَدائيّ‏

لها.‏ ستستعيد عيوننا يف ذلك الفضاء األخرس

املستطيل،‏ ذلك اخلط احلدودي الذي أخفاه

الفنان.‏ ويف أعمال أخرى من نفس املجموعة،‏

حيث ينحت ويرسم وجوهاً‏ بال عيون،‏ ستبحث

أعيننا هذه املرّة فيها عن أعيننا.‏ ثم ستجهد يف

شق طريق لتلك العيون الغائبة داخل غياهب

الفراغ األسود أو يف سطوع البياض أو أي لون

آخر أسند له الفنان دور خلفية لها.‏ لن تدوم

لعبة خفاء العيون هذه طويالً،‏ إال إذا ارتضيناها

وسلمنا بها،‏ ثم تخلينا عن احلاجة إلى قيافة

أثرها.‏ ويف الرسم،‏ سيتخذ سطح الوجه املرسوم

عنده،‏ هيئة ساحة للتجريب أو اللهو اللوني،‏

حيث تظهر األلوان من خالل حركة الفرشات

القصيرة،‏ كما لو كانت استعادة لتجاربه األولى

يف الفن الالشكلي،‏ أو التبقيعي.‏ وقد جاء يف

وصف الفنان والناقد األردني محمد العامري

ملفردتي الوجه والقناع يف أعمال الترك ما يلي:‏

"... فحني النظر إلى مفردة الوجه الذي يتكرر

يف جل أعماله،‏ سواء كان محموالً‏ علي اجلسد

اإلنساني أو حني يتمرأي وحيداً‏ يف مربع اللوحة،‏

نري أن الوجه الذي يتمثله الترك يف صياغاته

الفنية،‏ وجه له مرجعيات أسطورية تنتمي يف

مناخها إلى حضارتني:‏ حضارة سومر وحضارة

األنباط،‏ حيث يتبدي وجه اآللهة النبطية العزى

يف بنائيية الوجه من حيث االختزال ورصد

الهامش البصري الذي يحيط الوجه نفسه،‏

بل الذهاب إلى تأطير الوجه بخطوط جاءت

لتشكل اطاراً‏ حاصراً‏ للوجه الذي يتمثل فكرة

األيقونة ... وقلما أجد على سبيل املثال رسماً‏

لبروفيل لدي الترك،‏ بل ظل يكرّس ذلك الوجه

املواجه للمشاهد…‏ وتصبح مساحة الوجه

مساحة للتجريد اللوني وممارسة احلرية يف

الدخول إلى تلك املساحة واخلروج منها،‏ كما

لو أن الوجه قد اصبح الباليت التي ميزج ألوانه

عليها".‏ )22( ‏)صفحة رقم 29 ،28 ،27 و )30

الرجل واملرأة:‏ العاشقان

يف سلسلة منحوتاته ‏"العاشقان"‏ التي متثل جلسة

33


إسماعيل فتاح الترك 1995

مواد مختلفة على القماش،‏ * 220 180 سم.‏

مجموعة متحف الفن العربي احلديث،‏ الدوحة

32


حني،‏ أقرب إلمياءات تشير إلى الوفرة واللذة.‏

إختار لها يف آن،‏ مكاناً‏ على سطوح مربعة،‏

رمبا ليعزز بتلك املربعات طبيعتها األيقونية،‏

أو ليمنحها طبيعة شيئية.‏ لكنه يف آن آخر،‏

عاد ليبقيها يف أمكنتها األصلية على الصدور،‏

معلقة،‏ كما لو كانت أقرب إلى نياشني وأوسمة،‏

منها إلى اثداء.‏ تترشح من تلك األعضاء

اجلنسية،‏ رغباته الشبقة،‏ وولعه الكبير بجسد

املرأة،‏ فتطفو غرائزه على سطوحها سافرة عن

نفسها.‏ انه ينحت األثداء املترفة كما لو كان

يالمسها،‏ ويشط يف تكبير حجمها،‏ أفليس

التكبير من عالمات اخلصوبة؟ ثم انه لم يرد

لنا أن نراها يف سماوات التسامي العاليات،‏ بل

وهي كما هي متاماً،‏ موجودات أرضية صرفة.‏

ثمة أيضاً،‏ أفواه نساء بضّ‏ ة،‏ مرسومة او منحوتة

برقة تعبيرية واضحة،‏ مشبعة برغبة حسية

نافذة.‏ وبدت صراحة الشَ‏ عَر الكثيف،‏ لدى

شخوصه،‏ منبجسة من الصدور وحول أعضاءها

اجلنسية بال حشمة،‏ فهي بذلك منتجات غرائز

وسمو لها،‏ راح الفنان يستعيدها يف رسوماته

ومتاثيله ذات الهيئات غير املكتملة واملتعرضة

يف الغالب إلى نقص أو التباس مقصودين،‏

يؤجج بهما تلك احلاجة املتأصلة فينا للتأويل

الشكالني بكل مشاربه وخياراته املتعددة.‏

هي أيضاً‏ رسومات ومنحوتات بال مجازات،‏

وال أساطير او ميثولوجيات.‏ إال أن الفنان يف

املقابل بدا كما لو كان يجهد يف جمع الشتات

اإلنساني،‏ ويراهن على توحيده داخل متثال

إلنسان متوحد،‏ متثال إلنسان واحد،‏ وكأنه

خالصة كل الكينونات البشرية.‏ رسم شخوصه

بخطوط تتراوح ما بني صفتي الرصانة والنزق،‏

وما بني خشونة ورقة.‏ فمرّة،‏ تشق طريقها كمثل

شهب ثاقبة يف دجى السماء،‏ ومرّة،‏ متشي

متعرجة مترددة تختلج يف خطواتها.‏ إنها حدود

خطية صنعتها يده النزقة،‏ مشيرةً‏ الى الشيء

دون الرغبة يف متثيله بالكامل،‏ يتعرض بعضها

الى إنفجارات حبرية تنتشر هنا وهناك بسبب

ارجتالية حركة قلمه املتعجل ذي السن الذي كان

يبدو كما لو كان قد ترك أثر انغراسه يف الورق،‏

أو ألنه توقف ليترك ورائه بقعة واسعة - يروي

لي الفنان علي جبار أن الترك كان يصنع اقالمه

اخلشبية بنفسه،‏ وهي يف األصل عبارة عن

فرش قدمية يشقها من الوسط مبسافة حوالي

عشر سنتمترات،‏ لينساب احلبر إلى السن

بصورة منتظمة وعلى قدر أكبر من االستمرار-‏

أفضى مسلك الفنان هذا إلى اإلتيان بخطوط

ذات سمات غاية يف التنوع والتباين.‏ وسيعود

رأس القلم الصلب هذا إلى منحوتاته إلحداث

خطوط محزوزة على سطوحها،‏ خطوط هي

متثيل لتصدعات أو ندوب،‏ كأنها أخاديد ترسم

جروحها.‏ وتبدو هذه اخلطوط يف إحالة تأويلية

اخرى،‏ كما لو كانت محاوالت و جتارب لتحديد

تفصيلة أو تأكيد ملالمح عضلة أو تفعيل ملنطقة

يف اجلسد لم يرتض لها أن تكون ساكنة،‏ فآثر

أن يفعّلها بتلك اخلطوط املصفوفة،‏ املتوازية،‏

املتقاطعة،‏ املتقطعة،‏ املنكسرة،‏ اللينة،‏ القاسية،‏

ذات الشحنات التعبيرية الصارمة.‏ ثمة أيضاً‏

خطوط تتوقف يف منتصف طريقها،‏ فينقطع

إسترسالها يف توضيح مبتغاها الشكلي،‏ وكأن

التيه اعتراها.‏ وأخرى،‏ حتفر بإصرار وعناد

على السطح،‏ صورة ملالمح الشيء املراد رسمه.‏

وتسكن العيون،‏ األنوف،‏ األفواه،‏ الرؤوس،‏

إسامعيل فتاح الرتك 1987

بالستر * 20 18 * 31 سم

مجموعة خاصة

إسامعيل فتاح الرتك 1987

برونز‎20٠‎ * 18 * 31 سم

مجموعة منى الحالق،‏ بريوت

إسامعيل فتاح الرتك 1985

سيراميك * 20 18 * 10 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

31


واللعب املمتاز واملناكدة".‏ )21(

‏)صفحة رقم )33 ،32 ،31 ،30

فيقول:‏ ‏"لقد جتاوز يف أدائه التعبيري املتواصل

أقرانه.‏ لكنه ورغم كل ذلك لم يخرج من رداء

النحات الذي كانه.‏ وان استقى فنانو التعبيرية

األملانية مصادرهم التشكيلية من مسوخ املاضي

القوطي،‏ فإن شخوص الترك كانت دوماً‏ تتمتع

بهيبة نصبيتها،‏ شخوصاً‏ غير قابلة للكسر.‏

وهذه امليزة بالذات هي التي أقصتها مبسافة

ما عن هشاشة الشخوص التعبيرية احلداثية

األولى".‏ )18(

ويقول الناقد عادل كامل يف موضوع التأثيرات

األولى يف جتربة الترك،‏ وباألخص التأثر

بأعمال جياكوميتي وهنري مور:‏ ‏"وإسماعيل

فتاح،‏ لم يغفل تأثيراتهما عليه،‏ إلى جانب

بيكاسو،‏ وآخرين من دعائم احلداثة،‏ حتى

منتصف القرن املاضي.‏ ولكنه سيدرك أن املهمة

األولى،‏ ولكل فنان،‏ حتتم عليه أن ال يكون ظالً.‏

فاحلرية سمحت له بإعادة قراءة األزمنة،‏ مثلما

سمحت له أن ال يكون أسيرها".‏ )19(

ويف موضع آخر،‏ يقارن الناقد عادل كامل جتربة

الترك مع جتربة محمد غني حكمت فيقول:‏ "...

فإذا كان محمد غني حكمت قد مجّ‏ د اجلسد،‏

كعالمة بلغت ذروتها بالصياغات اجلمالية،‏

بدنيويتها،‏ فإن إسماعيل فتاح كان يتمثل لغز

احلياة كامتداد للموت تارة،‏ وكبذرة عنيدة غير

قابلة إال أن نشاركها لغزها،‏ برؤية ال ميكن

عزلها عن محركاتها،‏ على صعيد املجتمعات،‏ أو

على صعيد نخبها املعرفية،‏ الفنية،‏ تارة أخرى".‏

)20(

ويجدر هنا أيضاً‏ أن أشير إلى الصيغة التقنية

التي صاغها ورسخها الترك يف أعماله النحتية،‏

والتي ترسم مالمحها حركة الطني املترجرجة

التي غمرت بها يديه وأصابعه سطوح منحوتاته.‏

فمن خالل تلك الضربات العفوية واملالمس

اخلشنة واألخاديد،‏ بث احلياة مبوروثات تقنية

النحت االنطباعي،‏ حيث االعتماد على نظر

املتلقي الذي يترجم بصرياً‏ رجرجة السطوح،‏

للوصول الى هيئاتها املفترضة.‏ والبد من أن

نسجل هنا مالحظة مهمة للناقد سهيل سامي

نادر أشار فيها إلى أن شيئاً‏ من نزعة حيوية

إنسانية ظهرت جلية يف عملني نحتيني للترك

وهما ‏"حامل الديك"‏ و ‏"القناع"،‏ اذ يقول فيهما:‏

‏"واحلقيقة أن الترك لم ينتج غير منحوتتني أو

أكثر باحلجم الطبيعي جتسد حالة من احليوية

اإلنسانية أو يجترح مغزى فكرياً‏ فيها.‏ ففي

هذين العملني كان مدهشاً‏ يف جعل اجلسد

اإلنساني يتحدث بلغة احلياة.‏ األول منحوتة

‏"حامل الديك"‏ املليئة بالعافية واملرح مبا متثل

من ذكورة مضاعفة حتيلنا إلى الفخر املمتع

الهازل.‏ والثاني منحوتة ‏"القناع"‏ التي نكتشف

فيها أن حامل القناع يحمل وجهه املقتطع.‏ يف

هاتني املنحوتتني حافظ الترك على جمالياته

األصلية من اختزال ومتاسك وهيبة الكتلة

واستقرارها،‏ مضيفا إليها حيوية التفكر باحلياة

احلسية واخلصوبة

تسكن عالم الترك اإليروتيكي ديوك مرفوعة

الرؤوس بخيالء ألوانها الفاقعة.‏ وثمة أعضاء

ذكورية سافرة بال وجل،‏ ونساء بأثداء بظة

ومترفة،‏ ناءت بثقلها الشهواني،‏ وحتولت إلى ما

يشبه ايقونات تتكرر مراراً،‏ كما لو أنها يف كل

30


نافلة تقلل من هيبة سكونها وهو سر تصلبها

الظافر وامللوّح بانتصاره على الفناء وكأنه

انتصار بال نهاية...‏ لكن مهالً،‏ إن نوعاً‏ آخر من

تلك احلركة سيفلت من تلك الوحدانية،‏ حني

ينبجس من سحنة أجساده اإلنسانية املنحوتة

على شكل تضاريس طينية الهية،‏ صنعتها

يد النحات،‏ معززة اياها بكل طاقات ورفعة

روحه الرهيفة،‏ تلك الروح التي أفلحت يف أن

حتيل صالبة البرونز إلى ليونة آسرة،‏ ليونة

رعاها وراهن عليها لتذهب به بعيدا يف غمار

الذكريات،‏ مستعيداً‏ بها طعم الوجد الذي ذاقه

وعاشه ووصفه بولع لكل من عرفه عن قرب.‏

وكأنه بذلك الوصف املتجدد واملستعاد،‏ أشبه

بأسير شطحات لم يقر لها قرار.‏

ال تنأى شخوص إسماعيل عنا كما تفعل

شخوص جياكومتي،‏ فهي ليست هبة الضباب

والعدم،‏ وهما العامالن اللذان نخرا أجساد ذلك

األخير.‏ فشخوص إسماعيل ماهي إال أجساد

تشف عنها صبوة امللذّات وشهوات احلياة،‏

رغم ما يعتريها من سكون ظاهر.‏ وهي ليست

مظاهر فناء،‏ كما تفعل شخوص جياكوميتي،‏

بل نزوع الى احلياة.‏ وال توجد بالغة تعبيرية

ذات أثر واضح يف منحوتاته،‏ إال بقدر مايترشح

منها من وقار وهيبة متمثلة يف شخوصه النحتية

‏"الساهمة"‏ كما يصفها الناقد سهيل سامي نادر،‏

يف احدى مقاالته.‏

ولعل من املهم ايضاً‏ أن نذكر ما رواه الفنان

علي جبار عن لسان الترك معلالً‏ سبب تفريغه

ملنطقة الظهر يف جسم منحوتة الرجل،‏ وهو

تعليل يتعلق بشعور خوف قدمي من الغدر،‏ وذلك

مبباغتة اخلصم من اخللف.‏ وهو ما يرسخ

فكرة تركيز الفنان على قيمة احلياة يف مواجهة

املوت.‏

ويقول الناقد سهيل سامي نادر واصفاً‏ شخوص

الترك النحتية:‏ ‏"إسماعيل الترك عرف بفنه

اإلنساني،‏ لكن علينا التصحيح،‏ فما صبه يف

البرونز هو الفرد املتوحد الذي ال يتميز بتعابير

شخصية ولكن بعريه الذابل".‏ )16(

ثم يسترسل يف مكان آخر من النص:‏ ‏"إن

جمهرة كبيرة من منحوتات الترك هي صوامت

تعتمد مبدأ املواجهة - مبدأ استعاره من

التماثيل السومرية الدينية - حيث ما يوجهنا

وحده مكوّر ومشغول.‏ وهو فضالً‏ عن سماته

الدينية القدمية فإنه اقتصادي من حيث الكلف

التعبيرية العامة،‏ ومناسب للترك الذي اعتاد

احلذف التشريحي واالهتمام بالكتلة العامة من

حيث االستقرار وعدم التشتت".‏ )17(

لكننا جند مع ذلك أن الترك يف رسوماته

ومنحوتاته،‏ يلوّح لنا بطَ‏ يّباته،‏ متجلية كل مرّة

مبعونة حيوية مالمس سطوح أجساد شخوصه،‏

ومبا ينعكس ايضاً‏ من حياته وجتاربها التي

عززها برواياته املفعمة ولعاً‏ باملرأة،‏ ومبا هو

حسي باعثاً‏ اياه من خالل إشارات هنا وهناك

متيزت بسخاء عاطفتها األخاذة.‏ إذ يروي الفنان

علي جبار،‏ وقد كان احد تالميذ إسماعيل

املقربني:‏ ‏"كان الترك ال يضع حدوداً‏ بني حياته

وفنه،‏ أي أن ما يفعله يف حياته يجد اسقاطاته

يف فنه".‏ ويسجل الفنان والناقد علي النجار

مالحظة هامة بصدد تعبيرية شخوص الفنان،‏

ويعقد مقارنة بينها وبني التعبيرية األملانية

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2001

برونز * 30 24 * 10 سم

مجموعة عبد املجيد بريش.‏

إسماعيل فتاح الترك،‏ 2001

بالستر * 30 24 * 10 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏

29


التي تنعدم فيها الفوارق بني األشكال الفنية

املختلفة.‏ ومن اجلدير بالذكر يف هذا الصدد ما

نقله الفنان ضياء العزاوي عن لسان الترك وهو

يصف جتربة كاظم حيدر يف معرضه ‏"ملحمة

الشهيد"‏ إذ قال:‏ ‏"إنه معرض ينتمي الى املسرح

ال إلى الرسم".‏ اال ان العزاوي لم ينحاز ملوقف

الترك وال إلى تهكم كاظم حيدر،‏ إذ لم يجد

يف تعليق حيدر وال قول الترك ما ينتسب الى

رجاحة احلكم.‏ غير أن الترك سيجيب يف وقت

الحق على سؤال الناقد عادل كامل حول ما يراه

يف جتربة كاظم حيدر مبا يلي:‏ ‏"كاظم حيدر بدأ

يف اخلمسينات...‏ وهو رائد للشباب.‏ كان حركة

ديناميكية للرواد،‏ وهو الذي قادنا نحو الغريب

واجلديد والديناميكية".‏

الشخوص املنحوتة

ال تقبل شخوص الترك املنحوتة أن تظهر إال

إسماعيل فتاح الترك 1998

برونز * 42 21 * 9 سم

مجموعة بدر الحاج،‏ لبنان

منحوتة وجه نبطي،‏ البرتاء.‏

العراق":‏ ‏"فقد جاءت أعماله يف فضاءاتها قريبة

من مالمح الديكور املسرحي،‏ يف حني انتفى

هذا العنصر يف أعمال الترك يوم أقام معرضه

الشخصي يف نفس السنة".‏ وال شك يف أن ما

قدمه كاظم حيدر هو الرغبة يف التوحيد ما بني

سردية احلدث الديني ومناخ الرسم املستمد من

املسرح وديكوره،‏ يف محاولة للوصول إلى اللوحة

بزهد تفاصيلها،‏ متخذة من الوحدة والعزلة

مراتع لها.‏ وهي تبدو بوقارها الصارم املتني

متمسكة ابدا بسكونها،‏ الغية من ناموسها

احلركة واحليوية،‏ ذلك ألن هذين االخيرين

سيعمالن على إعاقة رغباتها الرامية إلى

الثبات والدميومة،‏ فراحت تستعير قوة تصلبها

الثاقب الغامض من املومياوات،‏ حيث ال حركة

28


ومن املهم هنا أيضاً‏ أن أسجل ما قاله الناقد

سهيل سامي نادر يف وصف توصالت الفنان

األدائية ملا لها من اهمية كبيرة يف هذا السياق:‏

‏"إن السعي إلى الرهافة يف التحديد ونفي

التشريح وحسية األداء الفني والعزوف عن

العالقات الروائية هي قيم جمالية هيمنت على

رسوم الترك كما يف منحوتاته".‏ )15(

والشك يف أن ما استنبطه األستاذ سهيل سامي

نادر من نوازع تقنية حددها يف أعمال الترك

الفنية بشكل عام،‏ ستجد مصداقيتها يف البنى

وسياقاتها يف أعماله منذ الستينات.‏ فقد

كانت تتراوح ما بني جتريد صريح بال دالالت

رمزية،‏ وقريب من ممارسات الفن الالشكلي،‏

وأخرى فيها حضور ألشكال عضوية،‏ حوّرها

لدرجة أن تصبح غريبة ومربكة وعصية على

التأويل،‏ وذلك باستخدام تفاصيل وتركيبات

غير معهودة.‏ فقد نبذ الترك العنصر التزييني

لصالح لوحة مشذبة متيزت بتحريرها من

تراكم التفاصيل،‏ حتى صارت أكثر تركيزاً‏ على

نقاء موضوعها.‏ ومبعنى ما،‏ كانت لوحاته تلك

حتمل توليفات ذات طابع غير معهود بالنسبة

إلى زمانها،‏ ولم يكن ليكتسب ذلك الطابع بعد

شرعيته يف الثقافة البصرية املعروفة آنذاك،‏ وال

حتى شرعيته من الناحية الفنية والتقنية،‏ التي

استتبت شروط منطقيتها يف تلك الفترة من قبل

جيل الرواد.‏ فلم يكن أحدا قد توقع أن حتدث

تلك اخلاصيات اجلديدة للرسم العراقي،‏ األمر

الذي ميكن أن يفسر غضب الفنان كاظم حيدر

بعد أن شاهد هذه األعمال يف معرضه األول.‏

فقد قال:‏ ‏"لو وُضعت يف غرفة مغلقة ليوم واحد

لكان بإمكاني ان أعمل معرضني من أعمال

إسماعيل فتاح الترك".‏ وكانت هذه شهادة تؤكد

عدم القبول بحلول تقنية وخيارات أسلوبية

تركن إلى إنشاء تصويري غرائبي وبال موضوع،‏

أو دوال مقبولة يف ذلك الزمان.‏ يف حني وصف

الفنان ضياء العزاوي ما قدمه الترك قائالً:‏

‏"لقد اختزل الترك يف هذا املعرض الكثير من

تزيينات كانت ال تخلو لوحة عراقية منها".‏ لقد

تبلور يف ذلك الوقت حضور للوعي الشعبي يف

الفن على يد كاظم حيدر يف معرضه الشخصي

عام 1965 والذي متحور حول موضوع ‏"ملحمة

الشهيد".‏ وقد القى استحساناً‏ كبيراً‏ كما يصرح

شاكر حسن آل سعيد يف اجلزء الثاني من

كتابه ‏"فصول من تاريخ احلركة التشكيلية يف

إسامعيل فتاح الرتك 2000

مواد مختلفة على الورق،‏ * 81 66 سم

مجموعة بدر الحاج،‏ بريوت

إسامعيل فتاح الرتك 2001

برونز،‏ * 37 25 * 7 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسامعيل فتاح الرتك 1998

طباعة عىل الورق،‏ * 70 50 سم

مجموعة خاصة،‏

27


26


التقليدية للرواد،‏ والتي كانت سائدة يف ذلك

الوقت،‏ كانت تلك األعمال مبثابة إرهاصات

او إضافات ملا سيأتي من جتارب أخرى حتمل

ذات النزعات املتمردة لدى فناني جماعة

‏"الرؤية اجلديدة"‏ التي ستضم:‏ ضياء العزاوي

وناظم رمزي ومحمد مهر الدين ورافع الناصري

وطارق ابراهيم وصالح اجلميعي ومكي حسني.‏

ويصف الناقد جبرا ابراهيم جبرا التداعيات

التي نتجت عمّا قدمه الترك من أعمال يف ذلك

املعرض:‏ ‏"ففي أواسط الستينات قدّم إسماعيل

فتاح الترك جتربة غريبة بالرسم،‏ وقد أثارت

السخط،‏ حتى أن اجلمهور استقبلها على نحو

غير الئق".‏ )12(

ويذكر الفنان شاكر حسن آل سعيد يف صدد ما

قدمه الترك من نشاط يف تلك السنة ما يلي:‏

‏"وقد بلغ احلماس بإسماعيل فتاح يف تقدمي

نفسه إلى اجلمهور هذا العام بأن عرض مرة

واحدة ثالثة معارض هي معرضه الشخصي يف

املتحف الوطني للفن احلديث،‏ ثم معرضه يف

اجلمعية البغدادية يف الصليخ،‏ وأخيراً‏ معرضه

الشخصي على قاعة ‏"جاليري وان"‏ يف بيروت.‏

أنه إذن كان يطرح رؤيته الفنية الشخصية عبر

أعماله الفنية،‏ وبشتى املستويات واألوساط".‏

)13(

ويسلط الناقد عادل كامل الضوء على معنى

جتربة الترك األولى يف منتصف الستينات

بقوله:‏ ‏"منذ وقت مبكر،‏ انشغل إسماعيل فتاح،‏

مبحركات الفن،‏ بصفتها غير مطلقة،‏ لكن هذا

لم يوقعه يف وهم التعريف لألسلوب أو للهوية.‏

فاملتحرك يف رؤيته قاده لالنتقال من املألوف

أو التقليدي إلى نقيضه،‏ فعندما أقام معرضه

الشخصي األول يف بغداد،‏ يف أواسط ستينيات

القرن املاضي،‏ كانت فاحتة عهد جليل مغاير

للرواد،‏ لعوامل مركبة ‏)عاملياً/عربياً/عراقياً(،‏

كي ميتلك اخلطاب الفني زمنه،‏ و)خلقه(‏ كما

كان مييز هذا املعنى عن الدافع األخالقي

املتداول.‏ فالنص الفني يتوخى حتقيق انشغاالت

متعددة لدى الفنان،‏ ال بصفته إعالناً‏ أو عالمات

جتارية،‏ بل فناً‏ وقد شذب كي تتحقق فيه ذات

التدشينات املبكرة يف األعمال الشبيهة بالفن،‏

لدى سكان املغارات،‏ وعند التجمعات السكانية

األولى".‏ )14(

إسامعيل فتاح الرتك 1973

حبر صيني على الورق 76* 56 سم

مجموعة بدر احلاج،‏ بيروت

إسامعيل فتاح الرتك 1962

الوان مائية على الورق * 53 45 سم

مجموعة خاصة،‏ عماك.‏

إسامعيل فتاح الرتك 1994

حبر صيني على الورق 73*55 سم

مجموعة خاصة،‏ عمان

25


كبيرة إلنسان يعيش يف هذه الفترة ويف العراق.‏

فجاءت أعمالي تعبر عنها".‏ ويقول شاكر حسن

عن ذات الفترة يف كتابه اآلنف الذكر:‏ ‏"وهكذا

يتضح لنا…‏ أن الفترة التي نحن بصددها كانت

غنية مبصادر البحث عن ‏)الشخصية الفنية(‏

من قبل الفنان العراقي،‏ خالفا للفترة السابقة

‏)مرحلة اخلمسينات(‏ حيث كان همه أن يبحث

عن مصادر الرؤية للجماعة الفنية.‏ أي أنه،‏ ‏)أي

الفنان(‏ بعد أن كان يفضل البحث عن رؤية فنية

عامة للجماعة التي ميثلها،‏ وهو بذلك يتمتع

بطاقات من الوعي االجتماعي،‏ أصبح مياالً‏ إلى

االنفراد يف طرح رؤيته الفنية الذاتية،‏ فهو اآلن

أكثر تعبيراً‏ عن وعيه الشخصي يف الفن".‏ )11(

كان موضوع اللوحة اخلمسينية يقوم على مبدأ

إعادة إنتاج الواقع االجتماعي كموضوع للرسم،‏

وقد تزامن ذلك مع دعوة املثقفني اخلمسينيني

لتحقيق تغيير داخل البنية االجتماعية عبر

أدوات تغييرية اجتماعية محافظة.‏ يف حني

جاءت اللوحة الستينية وثقافة الستينيني لتفعّل

نزعة التمرد على الواقع ومحاولة هدمه ونبذه

لبناء عالم جديد.‏ واتسم الفنان واملثقف الستيني

حلد ما بالذاتية والرغبة باالنشقاق عن املجتمع،‏

ولذا بدت أغلب األعمال الفنية يف ذلك الوقت

متيل إلى نزعة التعبير الذاتي،‏ لكن حلني من

الزمن،‏ إذ سرعان ما راحت تكشف عن مواقف

اجتماعية وثورية رصينة.‏ وبالتأكيد كانت هناك

ظروف موضوعية أدت إلى تلك النزعات الذاتية

والتجريبية،‏ حيث عصفت بالعراق وبالوطن

العربي أحداث سياسية واجتماعية صعبة

كانت وراء تشكيك الفنان بالطابع االجتماعي

للفن والثقافة،‏ فتحوّل باجتاه الذات وتصوراتها

من خالل بعدها السايكولوجي والغريزي خارج

املجتمع وشروطه اجلمالية والتعبيرية.‏ وتزامنت

مع هذا املوقف املتمرد،‏ حلول الترك التجريبية

املبكرة،‏ فبدت أعماله األولى قريبة من مظاهر

الفن الالشكلي مبفرداته التجريدية التي ال

تقبل اإلحالة إلى مرجع محدد.‏ ويبدو لي أن

قيمة هذه األعمال قامت على خلخلة ذائقة

املتلقي التقليدي من خالل هدم البنى اجلمالية

السائدة عنده،‏ والتبشير بأمناط جديدة تقوم

على استثمار املخيلة احلرة مبا يف ذلك من سبل

تعتمد على اعتماد الصدفة واالرجتال والرسم

الصايف ونبذ اجلانب األدبي السردي يف اللوحة.‏

فالفنان هنا ال يهدف إلى حتقيق معنى محدد،‏

وهو بهذا يلتقي مع الكثير من فناني احلداثة

التي دافعت عن مفهوم نفي مركزية املعنى يف

اللوحة،‏ والذي يعني التخلي عن احملتوى األدبي

املباشر،‏ وأن يهتم الفنان اوالً‏ بالصورة ككيان

قائم بذاته،‏ قبل أن يحيل الى شيء خارج عن

ذاته.‏

وسنجد مايعبر عن بوادر نضج هذه املعطيات

اجلديدة لدى الترك بعد عودته من روما،‏ وحني

أقام معرضه الشخصي األول عام 1965 يف

املتحف الوطني للفن احلديث ببغداد،‏ وقد كان

معرضاً‏ إشكالياً‏ أثار جدالً‏ يف الوسط الفني.‏

فقد قدم اعماالً‏ غالباً‏ ما كانت لها إيحاءات

سايكولوجية أو جنسية،‏ وشحنات من عواطف

ذاتية مباشرة مترد فيها إسماعيل على الواقعية

24


يجمع البصر:‏ نصوص وحوارات يف الفن

التشكيلي":‏ ‏"طرح إسماعيل يف معرضه األول

)1963( تفاصيل احلياة اليومية وبشكل خاص

املرأة كجسد وعالقات حياتية.‏ وقد حقق هذا

االهتمام بالقليل من التفاصيل.‏ كما كان زاهداً‏

يف استخدامه للون،‏ حيث اقتصرت لوحاته على

اللونني األبيض واألسود وما بينهما من تدرجات

لونية إلى جانب وحدات من ألوان محدودة

أخرى،‏ وكانت عناوين لوحاته مطابقة ألعماله

‏"إنسجام باألبيض"،‏ ‏"أشكال وردية"‏ وغيرها.‏

وإلى جانب لوحاته عرض فتاح أعماله النحتية

يف قاعة الواسطي،‏ وهذه األعمال تعتبر من

أبرز مناذج النحت العراقي والذي سيتخلى

عنها ولسنوات طويلة لصالح أعمال محافظة.‏

مثّل معرض فتاح اجتاهاً‏ جديداً‏ وإعالناً‏ واضحاً‏

لغياب ما عرفناه من موضوعات وأساليب يف

اخلمسينات،‏ فبني هذا املعرض الذي كان أشبه

بنشيد صويف غارق يف الوجد والتأويل،‏ وبني

معرض كاظم حيدر،‏ كمسرح ميثولوجي شعبي

غارق يف التراجيديا وذي مرجعية واضحة من

حيث رموزها الشعبية،‏ ما بني هذين النموذجني،‏

سيأخذ الفن العراقي طريقاً‏ يف فردية األبحاث

على الرغم من استمرار ظاهرة اجلماعات

الفنية ومحاوالت البعض صياغة مفهوم جماعي

متسرع للعمل الفني".‏ )9(

أما شاكر حسن آل سعيد فسيكتب عن ذات

العملني الذين ذكرهما العزاوي ‏"انسجام

باألبيض"،‏ ‏"أشكال وردية"‏ كما يلي:‏ ‏"إن

إنسانية إسماعيل فتاح التي يستأنف فيها

كما يقول إنسانية عصر النهضة األوربي

وخامتته ‏)الكالسيكية اجلديدة(،‏ والتي مثل لها

بلوحتيه ‏"انسجام باألبيض"‏ و ‏"أشكال وردية"‏

تتمسك بالشكل اإلنساني كمضمون مطلق

للعمل الفني".‏ لكننا سنجد يف تصريح للترك

ذي داللة قوية ومغايرة ملا ذهب إليه آل سعيد

ضمن حوار له مع االستاذ الناقد سعد هادي:‏

‏"إن فن عصر النهضة منحط،‏ وهو فن تقليد

وليس فن تأسيس،‏ مقارنةً‏ بني صرخة مونش

الشهيرة وبني صرخة اخرى يف عصر النهضة

واخرى معاصرة،‏ فوجدت أن الصرخة األولى

هي أكثر تعبيراً‏ وجماالً‏ من صرخات أخرى يف

تاريخ الفن".‏ )10(

من هنا نفهم حجم التمرد الذي كان يعتري

روح الفنان الترك يف ماضيه وحاضره،‏ حتى

أننا سنقرأ يف كتاب شاكر حسن آل سعيد

‏"فصول من تاريخ احلركة التشكيلية يف العراق"‏

تصريحاً‏ الفتاً‏ للترك،‏ فيه كشف ملا كان يعتري

ذاته الثقافية يف فترة منتصف الستينات فيقول:‏

‏"فترة )1964( التي مر فيها األدب والفن ال ميكن

فصلها عن الوعي العام سياسياً‏ واجتماعياً‏

ونفسياً...‏ كانت احلياة تعيسة،‏ وثمة تفكك

يف القيم،‏ وانحالل يف الطموحات.‏ واملصير

كان مبهماً...‏ وهذا ما جعلني أشعر مبأساة

إسامعيل فتاح الرتك 1997

برونز،‏ * 146 50 * 40 سم

مجموعة متحف نابو،‏ بريوت

إسامعيل فتاح الرتك 1997

برونز،‏ * 146 50 * 40 سم

مجموعة متحف نابو،‏ بريوت

إسامعيل فتاح الرتك 1964

برونز،‏ * 40 18 * 21 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

23


22


التقنيتني.‏ وهيأ أيضاً‏ ملجاورات بني أشكال

تتراوح ما بني حالة العتمة واإلضاءة،‏ مما فعّل

إحساسنا البصري بالظالل،‏ بينما عمد يف

مناطق أخرى إلى تقريب األلوان او دمجها إلنتاج

ظالل من نوع مختلف تقنياً،‏ كما هو احلال مع

بعض األلوان الرمادية الداكنة أو الفاحتة.‏

وحتفل أعمال الرسم األولى هذه مبستويات

مختلفة من أنساق األشكال املتكررة.‏ ونسق

التكرار هذا يضفي مسحة إيقاعية وتوتراً‏ مينح

الصورة مظهراً‏ بصرياً‏ إيقاعياً‏ من خالل متاثل

الوحدات التكرارية،‏ الذي يعتمد على توظيف

املربع أو املستطيل أو األشكال القريبة منهما.‏

وحصيلة تلك احللول التقنية واإلنشائية ستكون

أقرب إلى اإليحاء بأجواء املوسيقى منها إلى

الدالالت االدبية.‏ ‏)صفحة رقم 16 15، 14، و 17(

لكن علينا االنتباه هنا إلى أن مبحث الترك لم

يكن يف هذه املرحلة ليقتصر فقط على العناصر

املجردة،‏ إذ أنه اهتم أيضاً‏ باجلسد اإلنساني،‏

وعمد إلى وضعه مع تلك العناصر،‏ يف حني

جلأ يف أعمال أخرى إلى جعله منفرداً.‏ وأياً‏

كان خياره،‏ ففي كلتا احلالتني سيحيط الترك

شخوصه واشياءه املجردة بالفضاء،‏ أو بعبارة

أخرى الفراغ.‏ ثمة مجموعة ال ميكن إغفالها

ضمن هذا السياق مت إجنازها مبوازاة املجموعة

التجريدية،‏ وقد أشرنا إلى مثالني منها يف

هذا النص،‏ حيث يعالج الترك فيها األجساد

البشرية ضمن فضاءات مفتوحة،‏ ويظهر فيها

اجلسد اإلنساني بشكله احملور منبئاً‏ مبا

سيختاره الترك لشخوصه القادمة من أسلبة.‏

فها هو ذا جسد عريض املنكبني مستدق الرأس

والقدمني بال أيدي يف أغلب أحواله.‏ ويبدو

الترك يف هذه الفترة كرسام يرسم.‏ أكثر من

كونه نحاتاً‏ يرسم.‏ ولعل استنتاجي هذا مؤسس

على حترزه من جتسيم اجلسد بواسطة التظليل

املكثف،‏ وهي سمة تظليل أخذ بها النحاتان

جياكوميتي وهنري مور،‏ حيث النشاط اخلطي

واللوني عندهما هو يف أوج كثافته لإليهام

بالكتلة،‏ يف حني بدا الترك زاهداً‏ يف خطوطه

وألوانه،‏ حتى أدى ذلك إلى اقتراب شخوصه من

شكل األشباح أكثر من األجساد.‏ وقد عزز ذلك

املظهر الشبحي باسقاطه ملالمحها واتخاذها

لوضعيات أقرب الى التحليق يف الفضاء منها

إلى الوقوف على األرض.‏ ‏)صفحة 18 و 19(.

ويذكر الفنان ضياء العزاوي يف كتابه ‏"لون

إسامعيل فتاح الرتك 1964

برونز،‏ * 40 18 * 21 سم

مجموعة خاصة،‏

21


وجند يف موضع آخر وهو يف اللوحة املنجزة

عام 1966 تفصيلة لصورة فوتوغرافية لكف

مجتمعة مع أشكال جتريدية ‏)صفحة رقم 12(

األمر الذي أدى الى تصعيد التنافر ما بني ما

هو واقعي وما هو جتريدي ال شكلي يف إنشاء

غرائبي هذه املرة،‏ معتمدا على تهجني واضح

ملوضوع العمل الفني،‏ يف مشهد ملغز يطغى

عليه اللون الرمادي.‏

وأياً‏ كان األمر فإن هذه اللوحة كسابقاتها من

أعمال الرسامني الستينيني التجريبية التي

شهدت ظهور محاوالت إلجناز ‏)اللوحة املركبة(‏

التي تستخدم وسائل تعبيرية وبصرية مختلفة:‏

مزاوجة الفوتوغراف والتجريد الصرف يف

حالة لوحة الترك هذه.‏ ولم يكن من الصعب يف

تلك املرحلة أن يحزر املرء بأن مفهوم إسماعيل

األساسي يف الرسم كان أن يصنع صورة بالدرجة

األولى،‏ قبل أن يهتم بتفعيلها داللياً.‏ وقد جنح

يف التضييق على سبل ظهور الطابع التمثيلي

املدعوم باحملتوى،‏ ذاهباً‏ باجتاه التعبير عن

املشاعر اخلام واآلنية املباشرة،‏ فغدت لوحاته

من الناحية األدائية آنذاك مغطاة بالطالء الثقيل

وأعمال الفرشاة اخلشنة تارة،‏ والرقيقة تارة

أخرى.‏ وظلت تلك اللوحات كما أتت تابِعاتها،‏

ملتزمةً‏ بروح الرسم اجلريء واملكثف واملقتضب

موضوعاً‏ ومفردات،‏ واضعاً‏ يف مراكز تكويناتها

الشخصية البشرية املتوحدة واملموهة شكالً‏ و

ملمحاً.‏ كانت أغلب تلك اللوحات متثل مشاهد

هي أقرب إلى احللم،‏ وبال عمق منظوري،‏

املفردات فيها،‏ تسبح يف فراغ مسطح ومفتوح،‏

وبعضها ‏)وهي األعمال املنجزة ما بني العامني

1965 و 1966( سيعتمد فيها على جتريديات

ذات أشكال هندسية واخرى لينة ومرنة،‏ حتوم

مثل كتل من الضباب يف صدارة فضاء اللوحة،‏

لوحات رسمت بخلفيات شاحبة وأخرى فاحتة

األلوان،‏ ممتزجة بشكل أساسي باللون األبيض،‏

وهي األنساق اللونية التي تعلل سبب تسميته

للوحاته:‏ ‏"انسجام باألبيض"،‏ ‏"أشكال وردية"‏

وحتتوي فضاءات هذه اللوحات على مجاميع

من أشكال غير منتظمة،‏ تتقارب او تتباعد

قليالً‏ عن بعضها على السطح،‏ وهي عادة ما

تبدو على شكل هيئات محوّرة قليالً‏ عن شكل

املربعات أو املستطيالت،‏ وأخرى هي أشكال

ومساحات ملونة بارجتال وحرية،‏ جتتمع يف

مراكز التكوينات اإلنشائية للوحاته.‏ وعلى الرغم

من أن هذه األعمال غير مجازية إلى حد كبير،‏

إال أننا جند مع ذلك،‏ أن الفنان استدعى وجود

تلك املفردات وهي يف حالة تقارب أو حتشد

مكثف بالتبعية إلى تنوع متوضعها على السطح،‏

مما أوحى بوجود شيء من املناخ الدرامي،‏ ناجت

عن اقترابها أو ابتعادها عن عني الرائي تبعاً‏

لقوة سطوع اللون ودرجة حرارته.‏ تتمركز هذه

األشكال عادة يف وسط سطح اللوحة،‏ وتتنوع

مرة أخرى درجات اقترابها أو تباعدها داخل

حيزها،‏ باالستناد الى نوعية مالمس سطوحها

التي تظهر من خالل درجة خشونة او سماكة

الطالء،‏ مما يؤسس لنوعية هيكلية اإلنشاء،‏ يف

حني متنح التأثيرات اإلميائية لضربات الفرشاة

سحنة مضافة الى قيمة ذلك اإلنشاء.‏ ويوحي

استخدام السطوح الباهتة للخلفية،‏ التي تظهر

عليها األلوان الداكنة والفاحتة لألشكال،‏ إلى

وجود مناخ سدميي ضبابي منتشر،‏ تعززه

الطريقة التي يتالشى بها اللون يف اخللفية،‏

مما يعطي انطباعاً‏ كما لو كان ذلك الضباب

يبتلع بعض أجزائها البنائية.‏

أجنز الترك عدداً‏ من لوحاته بهذا النمط يف

مادة الزيت،‏ مستعمالً‏ تقنية الطالء اللوني

بسماكات مختلفة من األلوان غير الشفافة

على القماش،‏ بينما ترك طبقات اخرى سابقة

محتفظة بشفافيتها يف آن آخر،‏ مما أضفى

إيقاعاً‏ نستشعره بسبب ذلك التباين ما بني

إسامعيل فتاح الرتك 1965

زيت على القماش،‏ * 80 60 سم

مجموعة خاصة.‏

20


19


تنفيذه.‏

وال تخلو لوحة ‏"الطبيعة الصامتة مع سمكتني"،‏

‏)صفحة رقم 10( التي رسمها عام 1964،

واملنجزة بألوان الزيت من تلك التقاطعات

الديناميكية بني املفردات البنائية فيها،‏ لكن

بشدة أقل من لوحتيه السابقتني،‏ إذ جند ذات

االرتباك يف متوضع مفرداته وبعض أشكاله

املاثلة على حافة التجريد و امللونة باألحمر

القاني واألزرق الغامق واألصفر،‏ بدرجات

سطوع عالية،‏ وهي توليفة لونية جتمع األلوان

احلارة والباردة يف فضاء يعتريه تقاطع او جتاور

الظالم والنور،‏ مما أضفى على عمله هذا

وأعماله االخرى يف تلك الفترة،‏ ذلك الطابع

الدرامي املكثف واملتكرر،‏ والذي نالحظه أيضاً‏

من خالل بعض حلوله اإلنشائية،‏ حيث ينشر

مفرداته القريبة شكالً‏ إلى ما يشبه أشالء

أجساد وأشياء تبدو مهشمة أو شبيهة باللقى

األثرية املتعرضة للكسر أو الثلم.‏

ونرى ذلك قد متثل يف لوحته ‏"ذات األربعة

نساء"‏ املنجزة عام 1964، ‏)صفحة رقم 11(

التي طغى عليها اللون الرمادي والبني الفاحت

ومشتقاتهما،‏ مع استخدام اللون األسود كظل

لألجسام،‏ وتوزع بزهد القليل من اللون األزرق

الفاحت يف بعض أجزائها.‏ حوّل الفنان سطح

لوحته هذه الى فضاء مفتوح،‏ حتلق فيه أربعة

أجساد انثوية،‏ مختزلة الشكل،‏ وغير مكتملة

التكوين،‏ بوجوه منزوعة املالمح،‏ ثالثةٌ‏ منها

اكتفت أشكال أجسادها باتخاذ هيئة شبيهة

بشكل مثلث،‏ قاعدته ثديان مكتنزان وقمته

رأس،‏ وهي تتمثل بذلك االختزال ذي الروح

اخلاصة باألشياء املهشمة املتشظية التي اعتاد

نثرها يف لوحاته الستينية األخرى.‏ جتتمع

النساء األربع يف لوحته،‏ متمحورةً‏ ضمن نظام

تكويني مركزي،‏ ويف ذات الوقت توحي اجتاهات

حركتهن الديناميكية برغبة مكتومة يف االبتعاد

عن ذلك املركز.‏ ومن املهم هنا أن نشير إلى

إلغاء الترك لعنصر املكان التقليدي الذي كان

سائداً‏ يف اللوحات اخلمسينية،‏ وتعمده وضع

شخوصه يف فضاء فارغ.‏ واللوحة هذه هي من

التجارب املبكرة التي كانت تقوم على انتهاك

القواعد الثابتة،‏ واإلعالء من شأن سمات من

قبيل:‏ التالشي والزوال والتفتت أو التشظي.‏

ثمة أيضاً‏ عمل تخطيطي

ملون بألوان مائية مع

حبر أسود وقلم تخطيط

أبيض أجنزه عام 1963،

‏)صفحة رقم 12( جند فيه

شخصني وحصانني يف

حالة عنفوان حركي شديد،‏

تتجسد الديناميكية فيه

بأعلى درجاتها،‏ تعززها

تقاطعات األجسام

املرسومة بخطوط عصبية

حادة،‏ وحركة األشخاص

واألحصنة ذات الطاقة

التعبيرية العالية.‏ ومن

اجلدير بالذكر ان نشير

الى تأثر الترك يف هذا

العمل باملدرسة املستقبلية

اإليطالية وخصوصا

أعمال مارينو ماريني.‏

وقد نقل لي الناقد األستاذ

سهيل سامي نادر عن

الترك تصريحاً‏ بخصوص

إعجابه بأعمال ماريني.‏

إسامعيل فتاح الرتك 1966

الوان مائية على الورق * 33 44 سم

مجموعة كنده للفن العربي املعاصر،‏ الرياض

إسامعيل فتاح الرتك 1964

برونز،‏ * 30 24 * 14 سم

مجموعة متحف الفن احلديث،‏ بغداد.‏

إسامعيل فتاح الرتك 1965

زيت على القماش،‏ * 100 80 سم

مجموعة خاصة.‏

18


إسامعيل فتاح الرتك 1966

زيت على القماش،‏ * 80 80 سم

مجموعة خاصة.‏

إسامعيل فتاح الرتك 1966

مواد مختلفة على الورق،‏ * 46 60 سم

مجموعة خاصة.لندن

إسامعيل فتاح الرتك 1966

كواش على الورق،‏ * 65 50 سم

مجموعة خاصة.لندن

17


16


أدرجت آرائهم.‏ وكان الترك واحدا منهم حيث

متيز نشاطه بالتجريب والبحث عن حلول

وبدائل جديدة يف التقنية واخلطاب،‏ إذ أجنز

هو وآخرون من ذات اجليل اعماالً‏ فيها قدر

عال من املغامرة والتجديد.‏ كان بحثهم منصباً‏

على اإلتيان مبا يفتح للتجربة احمللية آفاقاً‏

جديدة.‏ ولعل من املهم هنا أن أشير الى بعض

األعمال األولى للترك والتي يظهر فيها هذا

البحث جلياً‏ ومحورياً،‏ فقد كانت جتاربه األولى

يف الرسم تنم عن جنوح واضح نحو جتديد

وجتريب األساليب والتقنيات اإلخراجية غير

املعهودة إلنتاج اللوحة.‏ ونستعرض هنا بعض

األمثلة من هذه املرحلة الهامة،‏ ففي اللوحة

التي أجنزها الترك مبادة الزيت عام 1961

‏"إمرأة عارية على كرسي"‏ ‏)صفحة رقم 8( جند

أنه جلأ إلى استثمار معطيات االجتاه الوحشي

والتكعيبي معاً‏ يف رسم مالمح لوحته،‏ حيث جند

تأكيده على قوة اخلط اخلارجي املنفّذ باأللوان

القامتة والتي تعطي شدة وخشونة يف التعبير

عن العمق،‏ إضافة إلى عدم االلتزام باللون

احمللي لألشكال،‏ فبدا جسد املرأة العاري

مطليا بالوان األصفر واألحمر واألزرق والوردي

ومشتقاتها.‏ وتبدو مفردات الصورة موزعة

بطريقة قريبة من األسلوب التكعيبي وخشونة

االجتاه التعبيري،‏ فيعتمد هذا العمل على صيغة

جتميعية لثالثة حلول تقنية وتعبيرية.‏ يف حني

جاءت لوحته ‏"الرسام والنموذج"‏ املنجزة عام

1962 ‏)صفحة رقم 8( بحلول تقنية فيها الكثير

من االختصارات الشكالنية والتي تذكّر نوعاً‏

ما بذات املوضوع الذي عاجله اإلسباني بابلو

بيكاسو.‏ إال أن الترك يف هذا العمل ذهب بعيداً‏

يف استفزاز عني املتلقي من خالل جرعة أكبر

من احملذوفات وتكريس األشكال املعوَّمة،‏ فصار

عمالً‏ ممتلئاً‏ باالختصارات الرمزية،‏ وبسماكة

وخشونة ألوانه ذات قوة السطوع العالية،‏

والتي اقتربت كثيراً‏ من النهج االختصاري

االصطالحي لالجتاه الوحشي.‏ حيث يعبّر اللون

عن نفسه كلون وملمس قبل أن يشير الى بنية ما

ميثله من أشياء داخل مشغل الرسام الذي هو

موضوع اللوحة.‏

وكذا احلال مع لوحة ‏"الفتاة املستلقية"‏ املرسومة

عام 1963 ‏)صفحة رقم 9(، حيث يرسّ‏ خ ذات

االهتمامات اللونية ولكن هذه املرة باقتراب

أكثر من املنحى الوحشي يف الرسم،‏ مع التأكيد

على أهمية اخلط لتحديد األشكال بشكل

جلي،‏ وعلى العكس مما حدث يف لوحة الرسام

ومنوذجه حيث أسند فيها لأللوان وحدها مهمة

حتديد األشكال.‏

ومع تسيّد الطابع التجريبي والبحثي الذي جنده

عند الترك آنذاك،‏ جند أيضاً‏ مثاالً‏ لعودته إلى

مالمح وأساليب األعمال الفنية جلماعة بغداد،‏

ولكن من خالل دمجها مع حلول تقنية جديدة

نوعا ما.‏ ففي العمل الذي وضع فيه مفردات

محلية شعبية مثل:‏ سبع عيون و كف العباس

ونوافذ شرقية،‏ وهو منجز عام 1963 ‏)صفحة

رقم 10(، سنجد فيه إنشاءً‏ تكوينياً‏ يذكر

بجماعة بغداد.‏ إال أن الترك يف عمله هذا يبدو

أقل صرامة يف اإلنشاء وأكثر حرية وتلقائية يف

إسامعيل فتاح الرتك 1965

زيت مع ورق فضة على القماش.‏ * 71 60 سم

مجموعة خاصة.‏

إسامعيل فتاح الرتك 1964

زيت على القماش.‏ * 50 65 سم

مجموعة خاصة.‏

15


أما الناقد سهيل سامي نادر فيقول مبعرض

حديثه عن شيء من مالمح الفن يف فترة

الستينات:‏ ‏"أقترح هنا أن نرى يف الستينات

الفنية مرحلة استطالع فردي يتجاوز مفهوم

األسلوب إلى ما يستطيع الفرد األعزل ان

يجيب عليه او يأخذه على عاتقه.‏ مثلت تلك

السنوات ظهورا جتديدياً‏ يف الفن العراقي،‏

فالفردية املتحججة بحياتها الداخلية باتت أكفأ

يف التعبير عن حاجاتها الى احلرية والهرب من

االمتثال االجتماعي الذي ظل قوياً".‏ )6(

يؤكد األستاذ سهيل على ‏"الفردية املتحججة

بحياتها الداخلية"‏ وأنها كانت االكفأ يف التعبير

عن حاجتها الى احلرية،‏ األمر الذي يعززه ناقد

آخر وهو األستاذ جبرا إبراهيم جبرا،‏ ففي

مقاله عن الستينات،‏ يشير الى اهمية الشخصية

اإلنسانية والفنية يف رسم مالمح الفن يف تلك

الفترة قائالً:‏ ‏"ثمة اتفاق مقنع:‏ إن األسماء

البارزة هي التي شكلت حقيقة الفن التشكيلي

يف العراق،‏ وليس املناخ هو الذي مهد لتلك

األسماء بالبروز".‏ سنجد هنا ايضاً‏ تشديداً‏ على

دور ‏"األسماء البارزة"‏ التي شكلت ‏"حقيقة"‏ الفن

التشكيلي وليس ‏"املناخ"‏ الذي شكل لها محيطها

االجتماعي والسياسي.‏ وكما يبدو هنا فإن

الناقدين يؤكدان على أولوية العنصر الفردي

يف رسم مالمح تلك الفترة.‏ ويف مكان آخر من

املقال يعود الناقد جبرا إلى الواقع االجتماعي

والسيكولوجي الذي كان يقف وراء بحث

الستينيني عن صيغ جديدة تتمثل هذا الواقع.‏

فيقول:‏ ‏"وجاء العقد الستيني،‏ باحداثه الدولية

والعربية واحمللية،‏ ليفجر أسئلة جديدة كالتي

تبلورت يف بيانات فنية،‏ أو عبر جتارب فردية،‏

حاولت تخليص الفن من الواقع االجتماعي…‏

فاحلداثة عادت تواجه هؤالء الرسامني بالبحث

عن تقنيات توازي الوعي االجتماعي واحلالة

السيكولوجية التي ظهرت عقب أحداث ذلك

العقد ‏)ثورة 1958...1963 رمضان...‏ نكسة

حزيران 1967(، كما أن التيارات األوروبية يف

الشعر والقصة واملسرح كانت قد نشطت يف

االجتاه ذاته".‏

يف حني يشير الناقد شربل داغر إلى عنصر

ثقايف مؤثر ساهم يف إحداث ‏"هزات يف

القناعات"،‏ وهو االطالع على الفكر الوجودي

فيقول:‏ ‏"اال اننا نعتقد أن عوامل سياسية وثقافية

مهمة كانت تلف املنطقة يف ستينات القرن

املاضي:‏ كالصراع العربي اإلسرائيلي وانفتاح

الثقافة العراقية على الفكر الوجودي السايد

عاملياً‏ وقتذاك،‏ قد أحدث هزات يف القناعات

‏)الراسخة(‏ التي كانت تشكل احملركات الفكرية

للفن التشكيلي العراقي.‏ كما ان الروح املغامرة

التي متيّز بها الترك هي التي جعلت اعماله

النحتية تخرج على اساليب سابقيه،‏ وواساتذته،‏

ورفاقه يف اان،‏ والسيما جواد سليم،‏ رائد النحت

يف العراق"‏ )7(

وتؤكد الكاتبة والناقدة العراقية فاطمة احملسن

على محاولة الستينيني خللق ‏"نخبة ثقافة"‏

يف مواجهة فكرة ‏"جماهيرية وشعبية األدب"‏

فتقول:‏ ‏"كانت الستينات العراقية أكثر ثقة

بالنفس يف اإلعراب عن مشروع يحاول أن يهمل

فكرة شعبية االدب وجماهيريته،‏ بل هي حاولت

أن تخلق نخبة ثقافة تتناقل لغتها ومفاهيمها

يف دائرة ضيقة.‏ وجابهت هذه احلركة حتديات

كثيرة يف العراق ألسباب بعضها إيديولوجي،‏

واآلخر يعود الى ما شاب بعض تطبيقاتها من

نبرة مصطنعة وحافلة باالدعاء،‏ األمر الذي أدى

إلى ردود فعل عنيفة وسمت لغة املدافعني عن

حداثة الستينات إلى اليوم".‏ )8(

ولعل يف ما أنتجه الفنانون الستينيون من أعمال

يف تلك الفترة،‏ ما يعزز فحوى تلك املظاهر

واملباحث اجلديدة التي أشار إليها النقاد الذين

14


واجلديد،‏ مطبوعات عربية كتب ودوريات تصل

من مصر ولبنان وسورية يف مواعيدها،‏ مسرح

نشط يجدد دمه باخلريجني والهواة،‏ إحتاد كتاب

دائم األنشطة واإلصدارات،‏ روائيون وشعراء

ومسرحيون ونقاد تضج بهم صفحات الصحف

واملقاهي األدبية والتجمعات.‏ عروض موسيقية

وراقصة.‏ مراكز ثقافية أجنبية وعربية.‏ كل

ذلك مع صعود ما عرف بجيل الستينيات

املتنوع االهتمامات.‏ رمبا عرف املثقفون العرب

ستينيي الشعر العراقي بسبب صالتهم مبجلة

شعر اللبنانية وسواها وعبر جماعة كركوك:‏

سركون و العزاوي ودمو وفائق وغيرهم،‏ وعبر

مجلة شعر 69 العراقية و الضجة التي أثارها

البيان الشعري،‏ و أعداد مجلة الكلمة…‏ ولكن

الستينيني التشكيليني والروائيني تقدموا بقوة

وفرضوا رؤاهم اجلديدة وأساليبهم".‏ )5(

إسامعيل فتاح الرتك 1961

مواد مختلفة على الورق،‏ 52* 38 سم

مجموعة الشيخ حسن ال ثاني.‏ الدوحة

إسامعيل فتاح الرتك 1966

مواد مختلفة مع كوالج على القماش * 70 80 سم

مجموعة خاصة

13


نهر ديالى.‏ كان معلماً‏ حديثاً‏ للرسم نتلقف نحن

فقراء املدرسة خطوطه على السبورة بدهشة

وافتتان.‏ وكثيراً‏ ما تداولنا ضحكة مشتركة حني

يتحدث بصوته الهامس عن ضرورة التمعن يف

صور ‏)األشخاص(‏ والتقاط ما مييز مالمحهم.‏

كان الترك ابن مدينة البصرة والدراسة ببغداد،‏

يلفظ الصاد مخففةً‏ ويُكثر من تكرار مفردة

‏)الشخص(‏ التي تصل أسماعنا الصغيرة سيناً.‏

وينقطع الترك عنا فجأة،‏ وحني سألته الحقاً‏

عن ذلك أخبرني بأنه انتقل إلى العاصمة ثم

التحق ببعثة دراسية يف روما على خطى أبي

النحت العراقي جواد سليم أستاذه الروحي

والفني".‏ )٣(

أما الفنان ضياء العزاوي فيصف عالقته

بالترك وبعض مالمح فترة الستينات فيقول:‏

‏"كان لقائي األول به يف الستينات بعد انقالب

شباط الدموي،‏ أتى ذلك اليافع القادم من

روما محمالً‏ بروح التمرد و ببضعة أعمال هي

ماتبقى من مخزونه الدراسي يف إيطاليا،‏ معه

زوجته ليزا بنت القبائل اجلرمانية املدهشة

اجلمال واملندهشة مبا يحيطها من عالم جديد.‏

ولعل أعماله التي عرضها يف صالة الواسطي

عام ١٩٦٥ كانت بيانه الفني ضد ما كان شائعاً‏

يف التجربة العراقية،‏ بيان اختزل اللوحة يف

الكثير من التزيينات التي كانت ال تخلو لوحة

عراقية منها،‏ فيها كان اللون األبيض ومشتقاته،‏

األساس يف خلق رؤيته،‏ وقد حمّل النحت الكثير

من خصائص اختزال اللوحة.‏ وبالقدر نفسه

كانت العالقة بينهما متباعدة بشكل الفت

للنظر.‏ لعب الفنان إسماعيل فتاح دوراً‏ مهماً‏

يف احلركة التشكيلية العراقية بأفكاره املتمردة،‏

كان يتسم بروح الالمباالة التي تذكرنا بتمثال

الرصايف حيث كان ينحته يف حديقة داره مع

مكي حسني واحتاد كرمي وسليم عبد اهلل.‏ لقد

أخذته تلك النصب عن ابداعه الفعلي لسنوات،‏

حيث مت فوزه بثالثة نصب للشعراء من مجموع

أربعة.‏ كان التمثال يتجاوز ثالثة أمتار بينما

ارتفاع بوابة احلديقة يف حدود املترين.‏ وهكذا

توالت األعمال الفنية للفنان يف مجالي الرسم

والنحت،‏ ومن يومها اصبح للفنان إسماعيل فتاح

قدسيته اخلاصة.‏ للرسم أيضاً‏ أهمية كبيرة

لدى الترك،‏ فقد ارتبط الفنان بزوجته األملانية

األصل ‏)ليزا(‏ التي كانت زميلة دراسته يف روما

ورافقته حتى وفاتها يف منتصف التسعني من

القرن املاضي.‏ وكانت ليزا رسامة بارعة ذات

شخصية فنية فذة طاولت مساحة إسماعيل يف

مجال الرسم،‏ متيزت بأسلوبها التعبيري احلاد

الذي كان له سحره الكبير وتأثيره على الفنانني،‏

خاصة الشباب منهم يف العراق".‏ )4(

مرحلة الستينات

لعل من املهم هنا أن استهل هذا النص مبا

صرح به الناقد العراقي حامت الصكر:‏ ‏"كانت

الستينيات أزهى مراحل الثقافة العراقية ال

األدب فحسب:‏ السينما واملسرح والتشكيل

واملوسيقى والصحافة والترجمة والتعليم و

املوروث الشعبي واملتاحف والنشاط اليومي

كلها مؤشرات على غنى تلك الفترة.‏ أحدث

األفالم تصلنا لتعرض يف دور كثيرة للسينما

ببغداد واحملافظات،‏ أنشط الرسامني وأكثرهم

عطاء يتكتلون يف جماعات.‏ وال مير أسبوع دون

معرض جتد فيه أحدث األساليب والرؤى.‏

صحافة ثقافية فعالة تكتظ باحلوار والسؤال

12


انتقلت عائلتنا الي الناصرية عام ١٩٥٠، إنشغل

إسماعيل باهتمامات أخري منها األدب والشعر

والسياسة والرياضة ايضاً،‏ مثل كرة القدم

واملالكمة،‏ التي مني بها شر هزمية علي يد أحد

أبناء مدينته القدمية البصرة".‏

أما بدايات مرحلة النضج فتمثلت،‏ كما ذكر

ليث،‏ يف انتقال العائلة إلى بغداد،‏ والتحاق

إسماعيل مبعهد الفنون اجلميلة يف بغداد عام

١٩٥٤، وتتلمذه علي يد األساتذة الكبار أمثال

جواد سليم،‏ وفائق حسن وحافظ الدروبي.‏ ثم

تابع حديثه عن سفره إلى إيطاليا،‏ حيث لم ينَس

ذلك الدين الذي حمّله إياه الفنان الكبير جواد

سليم.‏ وكان يُردد طوال حياته مأثر الفنان جواد

عليه،‏ ومنها حبه إلسماعيل وترشيحه له لزمالة

إيطاليا،‏ حتي أنه أخذ بيده إلى وزارة املعارف،‏

وأوصى مدير البعثات به،‏ حيث لم يكن هناك

مقعد شاغر سوي مقعد لدراسة السيراميك

يف إيطاليا،‏ وقد قُبل بها...‏ كان إسماعيل يعتبر

هذه االلتفاتة من لدن جواد ال تقدر بثمن.‏ )2(

ويروي الدكتور حامت الصكر نصاً‏ جميالً‏ عن

ممارسة الترك لعمله األول كمعلم للرسم:‏ ‏"وكما

كانت معروضات الترك تذكرية متتد بني سنوات

الثمانينيات وسنة غيابه مطلع األلفية الثالثة،‏

كذلك كانت قراءتي البصرية ألعماله تذكريةً،‏

يأتي من خاللها شخص إسماعيل فتاح يف

اخلمسينيات بشَ‏ عره الطويل وقامته القصيرة

وابتسامته داخالً‏ غرفة الدرس الطينية يف

مدرسة قرية الرستمية اإلبتدائية على ضفاف

إسامعيل فتاح الرتك،‏ 1963

مواد مختلفة مع كوالج على القماش * 97 79 سم

مجموعة خاصة

إسامعيل فتاح الرتك،‏ 1963

مواد مختلفة مع كوالج على القماش،‏ * 79 97 سم

مجموعة خاصة

إسامعيل فتاح الرتك،‏ 1964

زيت على القماش،‏ * 76 97 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

11


10

حايف القدمني وجيوب ثوبي مزدحمة باحلصى

الذي أحتفظ به لصيد العصافير،‏ فما كان

منه إال أن هز يده قائالً:‏ هل أنت من سيعتمد

عليه؟"‏ ويذكر شقيقه الفنان ليث أن إسماعيل

كان مولعا بتربية الطيور يوم كان فتى يافعاً،‏

وهي هواية مشهورة ومحببة لدى العراقيني.‏

وقال يف تصريح له أثناء حظوره لندوة نقدية

ومعرض استعادي يف ذكرى إسماعيل يف عمان:‏

‏"إن طفولة إسماعيل غنية مفعمة باحليوية،‏ هي

احليوية التي لم تتوقف حتي اللحظات األخيرة

من حياته وهو يودع هذا العالم.‏ كان ولعه بتربية

الطيور ال يضاهى،‏ حتي أنه نافس احملترفني

من ‏)املطيرجية(‏ وهو ابن الثالثة عشرة...‏ ال

بل أنه كان يسحب طيورهم الي برجه وهي

شطارة محترف.‏ عرف أنسال الطيور وأنواعها

وميزاتها،‏ وكانت العائلة تبدي صبرها الشديد

علي املشاكل التي تأتي من ذلك،‏ وال عجب إذن

أن يكون آخر عمل له هو تخطيط حلمامه…".‏

وتابع ليث احلديث عن إسماعيل:‏ ‏"عندما


تنفذ إلى عمقها.‏ وليس ذلك بسبب قلة البالغة،‏

بل ألن مادة العمل الفني وموحياته عند الترك

ال تصلح أن تصوغها الكلمات،‏ بل املواد ذاتها.‏

تشبهه كثيراً‏ شخوصه املرسومة واملنحوتة،‏

بلسان حالها الذي ال يصرّح عن مكنوناتها بيسر

وحرية.‏ ومع ذلك،‏ فإن شخوصه الضامرة هذه،‏

املتصلبة واملنكفئة على نفسها،‏ واملغيبة عنها

حيوية احلركة - بإصرار وعمد من مبدعها -

ما هي إال طبائعها التي ليس لها أن تشبهه يف

شيء.‏ فهنا بالذات،‏ سيقف الترك على الضفة

األخرى متخذاً‏ لنفسه مزاجاً‏ مختلفاً‏ متاماً‏

عن مزاجها،‏ فبدت شخصيته ظافرةً‏ بقوة متع

حياتها ودميومة صبواتها،‏ إذ كان الرجل منذ

طفولته وحتى مماته مترعاً‏ باحليوية والنشاط،‏

ضحوكاً،‏ عاطفياً،‏ ساخراً،‏ محباً،‏ وممتلئاً‏ بشهوة

احلياة.‏ أما شخوص أعماله،‏ فليس لنا اال ان ننعتهم

بزوارنا المتوحدين و المتحصنين بغشاوة غربتهم

عن عالمنا،‏ بوجوههم الصغيرة المموهة،‏ وأطرافهم

المستدقة،‏ التي تذكي اتصافهم بالخفة والرشاقة،‏ وكأن

أجسادهم الفارعة املمطوطة،‏ اخلاضعة لسطوة

مالمس سطوحها املتذبذبة،‏ تتشوف أبداً‏ إلى

مصائرها املبهمة.‏ لقد دمج الترك يف شخوصه

تلك،‏ املنهكة بترجرج سطوحها،‏ وتعب إنتظاراتها

الساكنة الصامتة،‏ تعدد الكينونات اإلنسانية يف

وحدة الكينونة اإلنسانية.‏ ‏)صفحة رقم 6(

البدايات

ولد الفنان إسماعيل فتاح الترك عام 1934 يف

محلة اخلندق مبدينة البصرة قريباً‏ من شط

العرب،‏ وله شقيق هو النحات ليث الترك وأربع

شقيقات.‏ ويروي البعض عن طفولته ماميت

بصلة الى نزقه الطفولي.‏ فحني رقد والده على

فراش املوت ناداه ليملي عليه وصيته،‏ فيذكر

الترك مايلي:‏ ‏"كنت يومها ألعب مع أقراني يف

الشارع،‏ دخلت على والدي وهو على فراش

املوت،‏ وما كنت أعتقد بأنه سيموت،‏ وجدني

إسامعيل فتاح الرتك،‏ 1961

زيت على القماش،‏ * 44 59 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن

إسامعيل فتاح الرتك،‏ 1962

زيت على القماش.‏ * 39 97 سم

مجموعة خاصة

إسامعيل فتاح الرتك،‏ 1961

زيت على القماش.‏

مجموعة خاصة

9


8


7


منحوتة شركة اعادة التامني.‏ 1972

ساحة اخلالني.‏ بغداد

ختم اسطواني

إسماعيل فتاح:‏ ولع الفن واحلياة

عمّ‏ ار داود

‏"إن النحت يخلق الفراغ بدءاً‏ من االمتالء:‏ فهل

يستطيع أن يُظهر االمتالء منبثقاً‏ وسط فراغ

سابق"‏ )1(

6

أتذكر أيام كنت يف مقتبل العشرينات من عمري،‏

أمرّ‏ بني وقت وآخرَ‏ بساحة اخلالني يف بغداد.‏

يومها،‏ كانت جتذبني إليها جداريته البرونزية

لشركة التأمني الوطنية،‏ تلك املاثلة بشخوصها

املثبتني على جدار بنايتها،‏ بأجسادهم النحيلة

و املتيبسة كاملومياوات،‏ وكأنها محلقة يف

الفضاء،‏ تشف هيئاتها الرصينة عن مسحة من

السحر وشيء من خشوع التماثيل السومرية

التي كنت أطالعها يف املتحف العراقي آنذاك.‏

أجساد رؤوسها مستدقة ووجوهها بغير مالمح.‏

فراح غياب مالمحها هذا يدفع مبخيلتي إلى

استخراج ذلك ‏)غير املشخص(‏ واستظهاره.‏

كانت تلك األجساد تخاطبني بلسان عالمات

غامضة،‏ وتذهب بي بحضورها اآلسر الغريب

إلى حيث ال أين.‏ متحررة من جاذبية األرض

ومحلقة،‏ وكأن صانعها بعث فيها روحا عتيقة

من أزمنة غابرة.‏

كانت هذه اجلدارية تبدو لي كحضرة طقسية

غرائبية،‏ ساكنة ومبهمة،‏ متارس حياتها يف

لبّ‏ حياة الشوارع البغدادية الصاخبة واملكتظة

باملارة.‏ وكأنها بغموض مفرداتها،‏ تختزل يف

كلية مكثفة حياة أرواح البغداديني املتعبة.‏ وضع

الترك فيها شخصني:‏ أحدهما عقد كفيه كما

تفعل متاثيل اآللهة السومرية،‏ ويطل علينا بجزء

جسده العلوي من خلف إطار مربع.‏ والثاني

ميسك بيديه ما يشبه صوجلاناً‏ يف قمته هالل

وحتته أربعة أشكال دائرية.‏ لقد اختار الترك

أيضاً‏ أن تظهر يف جداريته هذه عالمة املوت،‏

مرموزاً‏ لها بصورة اجلسد املكفن املنحوت على

قطعة النحت الناتئ املستطيلة قرب الشخصني،‏

مع مفردات أخرى موزعة داخل مربعات،‏ تذكر

باألختام االسطوانية يف حضارة وادي الرافدين.‏

كان الوقت الذي استغرقه يف تأملها يحيلني يف

كل مرّة إلى حيث ذلك اخلفي احملتجب بكواليس

احلياة الصاخبة وجلاجة أناسها.‏ وكأني بها

شبه مستغرق يف أحالم يقظة وتهوميات تقطنها

أجساد بهيئاتها الشبحية الغامضة واملعتمة،‏

وهي عتمة ال تستعرض تضاريس سطوحها

بيسر.‏ وسيبدو الفراغ الذي يحيط بتلك

األجساد متسيداً‏ ويف أعلى درجات سطوعه.‏

لم يتكلم إسماعيل فتاح الترك كثيراً‏ عن فنه،‏

رمبا كان ذلك بسبب عدم إميانه بأهمية

التفسير،‏ وهو تلك االداة التي أوكل إليها البعض

مهمة فتح باب املاهيات املوصد الذي تستتر

خلفه شخوصه وموضوعاته،‏ وهي ماهيات أراد

لها الفنان أن تظل حبيسة البكم واحلجب،‏ ولم

ال؟ فالعمل الفني عنده ليس لغة وليس أدباً،‏ وألن

الكلمات ستصف موضوعها وال تكتبه،‏ ودوال

أعماله - الكتومة والقليلة - لن تقبل أن تكون

ألفاظاً،‏ إذ ستسير األلفاظ مبوازاتها دون أن


احملارب

برونز،‏ * ١٤ ٢٧ سم

إسامعيل فتاح 1960

مجموعة خاصة،‏ لندن

برونز،‏ * 22 15 * 22 سم

مجموعة خاصة،‏ لندن


:

مجلة مهتمة بتاريخ الفن العراقي احلديث

املساهمني فيها حتت مظلة العمل اجلماعي والتضامني

صورة الغالف االول:‏ إسماعيل فتاح الترك 1986-1987. مجموعة متحف معهد

العالم العربي.‏ باريس

صورة الغالف الثاني:إسماعيل فتاح الترك،‏ اكريلك على الورق.‏‎2001‎

عمار داود : إسماعيل فتاح الترك،‏ ولع الفن واحلياة

تغريد هاشم : دفاتر الترك،‏ تواشجات تراث وحياة شخصية.‏

سهيل سامي نادر : إسماعيل فتاح بني النحت والرسم.‏

مي مظفر : إسماعيل فتاح الترك،‏ ذاكرة االرض.‏

حورات مع إسماعيل فتاح الترك

رافع الناصري

ضياء العزاوي

شهادات:‏

سامان كمال:‏ نصب الشهيد وعالقتي باسماعيل فتاح الترك

معاذ اإللوسي:‏ ماذا يعني إسماعيل فتاح الترك

بدر احلاج:‏ تشظي العراق وغياب إسماعيل فتاح الترك

حسنني االبراهيمي:‏ معارض وموارب.‏

كرمي رسن:‏ الفنان إسماعيل فتاح الترك،‏ إثر يف الصداقة والفن

علي جبار ‏:إسماعيل فتاح الترك،‏ شهادة مختصرة.‏

محمود العبيدي:‏ عن إسماعيل فتاح الترك،‏ الفنان واملعلم

نزار يحيى:‏ رسالة الى االستاذ إسماعيل فتاح الترك

مختارات من اعمال التخطيط.‏

مختارات من اعمال الطباعة.‏

وثائق،‏ متابعات ماكو

املراجعة اللغوية:‏ احمد بهبهاني

صور الصفحات 222-223 ،142 ،135 ،68 ،66 ،65 ،28 ،22 املصور منصور دبي.‏ بيروت

للمراسلة:‏ info@makouart.com

كرس هذا العدد ألعمال واحد من أبرز رموز احلداثة الفنية عربياً،‏ ضمن مسعى لتوثيق أعماله بعد أن نُهب متحف

الفن احلديث ودُ‏ مر قسم الوثائق فيه ‏)الذي أسسه املرحوم شاكر حسن(‏ بعد عام 2003 من قبل الرعاع واجلهلة

وحتت أنظار جنود االحتالل ورعايتهم كجزء من مهمة تدمير الذاكرة اجلماعية للشعب العراقي.‏ باإلضافة إلى

طبيعة إسماعيل والمباالته مبا أنتجه،‏ مما وفر الفرصة لبعض فناني ‏"سوق مريدي"‏ املشهور بأعمال التزوير يف

بغداد،‏ وهواة الفن ممن دخلوا بتزكية حزبية أو هروباً‏ من اجليش بسبب احلروب العبثية،‏ فجرى تزوير أعماله

بالتعاون مع جتار فن جهلة.‏ لعلنا يف هذه احملاولة نؤسس لتجربة قد حترّض اآلخرين،‏ وخاصة من هم معنيون

يف متاحف ومؤسسات ترعى الفن العربي،‏ أو من طالب الدراسات العليا،‏ على إغناء هذه احملاولة وتطويرها.‏

يضم العدد دراسة موسعة جديدة لعمار داود مع متابعة أرشيفية جديدة مثيرة لدفاتر إسماعيل من قبل تغريد

هاشم،‏ ثم نص مت نشره سابقاً‏ ملي مظفر،‏ إلى جانب حوار أجراه رافع الناصري مع إسماعيل لم ينشر سابقاً‏ مع

حوار أخر أجريته مع إسماعيل عام 2000 يف الدوحة.‏ وهناك أيضاً‏ مداخالت ضمن هذا احلوار.‏ قسم محدود مت

نشره يف العدد الثالث من مجلة ‏"كانفس"‏ الصادرة باللغة اإلنكليزية يف دبي.‏ كما يضم العدد شهادات شخصية

لبدر احلاج،‏ معاذ األلوسي،‏ اإلبراهيمي،‏ الفنان كرمي رسن،‏ الفنان محمود العبيدي،‏ الفنان علي جبار والفنان

نزار يحيى.‏

ضياء العزاوي



لعبة اطفال،‏ سيراميك،‏ 1985

* 27 47 * 28 سم.‏

مجموعة خاصة،‏ لندن.‏


العدد الثاني،‏ ايلول 2020