Views
9 months ago

A fool will not even find water in the Nile!

The Sudanese proverb raises the question: Does the fool drown in his search for water or is he saved by it? And who is, in fact, this fool? Given the wasteful and unfair dealings of mankind with this dwindling resource – aren’t we all? While doing research on water, The Niles correspondents in South Sudan and Sudan met fishermen who deal carefully with the water that nourishes them and business people who exploit the resource without restraint. They report on conflicts around water but also on exemplary projects where water is shared peacefully. In short, the fool is still swimming, but for how long?

النيالن 25

النيالن 25 ‏“رأى الفيك*‏ إبراهيم،‏ فيام يرى النائم،‏ رؤيا منامية تُبرش بخري وفري.”‏ هكذا حدَّث إسحق،‏ تلميذ الفيك إبراهيم،‏ الناس يف القرية النائية يف أقىص غرب البالد،‏ يف اليوم الثاين.‏ كان الفيك قد اعتكف أليام طويلة داخل قطيته،‏ أسفل الجبل،‏ بغرض جلب األمطار التي توقفت عن الهطول ألعوام.‏ يف رؤيته يف املنام رأى الفيك املياه تنزل عىل القرية من السامء.‏ انفتحت أبواب كثرية يف قبة السامء وانهمرت عىل أرض القرية.‏ نزلت خراطيم املياه واندفعت بقوة من أعىل.‏ ومن باطن األرض اندفعت املياه مثل شالالت شاهقة يف كل االتجاهات.‏ غطت املياه أرض القرية الرملية.‏ رشبت البهائم حتى ارتوت،‏ واغتسل الناس مباء السامء،‏ وفاضت الحفر مبياه وفرية.‏ أينام تويل وجهك فثمة ماء يغطي األرض حتى نهاية األفق.‏ استيقظ الفيك من حلمه املايئ الطويل فرحاً‏ ومستبرشاً‏ خرياً.‏ نادى عىل تلميذه إسحق وحىك له رؤيته،‏ وأرسله ألهل القرية حتى يبرشهم بالخري الوفري الذي سوف يأيت إليهم.‏ ركب إسحق عىل ظهر حامره واندفع يف قيظ النهار يجول بني بيوت القرية الطينية الواطئة وأخذ يصيح:‏ ‏“يا أهل القرية الصابرين!‏ إن الفيك إبراهيم بعثني إليكم حتى أبرشكم بأن الخري قادم وأن املياه الوفرية يف طريقها إليكم،‏ فأبرشوا بالخري والنامء.‏ أبرشوا بالرخاء العميم الذي سوف يفيض عن حاجتنا.‏ إن الفيك ال يكذب وحلمه حلم صدوق.‏ أليام طويلة اعتكف الفيك أسفل الجبل حتى يجلب املطر،‏ وها هو يرى رؤيا حقة ال شك فيها.‏ رؤيا تجلب املاء الضنني الذي فيه خري كثري.‏ أبرشوا يا أهل القرية بالوفرة والنامء.‏ الشيخ يطلب منكم أن تذبحوا عجالً‏ سميناً‏ فرحاً‏ بهذا الخري.‏ ويأمركم أن تدفعوا بثالث بقرات وأربعة عجول صغرية وتضعوها يف زريبته حتى يستطيع جلب املطر بأرسع فرصة.‏ أبرشوا أبرشوا أبرشوا بالخري.”‏ فرح أهل القرية بهذه البشارة.‏ استمعوا فرحني لكل كلمة قالها إسحق عىل لسان الفيك إبراهيم.‏ منذ أن جاءهم فيك إبراهيم قبل خمسة أعوام من جهات غرب إفريقيا مل يروا منه سوى الخري.‏ كان رجالً‏ ال يتحدث كثرياً.‏ يرونه إما داخالً‏ إىل املسجد أو خارجاً‏ منه.‏ يف يده مصحف عتيق كبري الحجم دامئاً.‏ كانت عالمات الصالح والربكة تزين وجهه الصغري.‏ مل يبق أمامهم سوى االنتظار أليام قليلة حتى تتحقق نبوءة الرجل.‏ لكن قبل أن يتفرقوا إىل بيوتهم تلبدت السامء فوقهم بغيوم سوداء كثيفة.‏ وسمعوا أصوات الرعد تهدر من بعيد.‏ وبرقت أضواء السامء امللونة جهة الشامل الرشقي.‏ نامت القرية يف ذلك اليوم وهي مغطاة بغيوم سوداء كثيفة دون أن تهطل قطرة مطر واحدة.‏ .٢ ألهل القرية الكائنة بجهة غرب دافور تاريخ طويل مع الجفاف،‏ فمنذ أوائل مثانينيات القرن املايض،‏ غرقت هذه املنطقة،‏ واملناطق التي حولها،‏ بل واالقليم الغريب كله يف موجة جفاف طويلة األمد.‏ أحاطت الرمال بالقرى من كافة جهاتها.‏ وغارت املياه بعيداً‏ يف باطن األرض.‏ نفق كثري من البهائم،‏ ومات العديد من الناس بسبب العطش والجفاف.‏ ونتيجة للقحط الشديد وموت الحياة يف اإلقليم،‏ نزح كثريون جهة الشامل،‏ حيث املاء الوفري والخرضة التي تحيط بنهر النيل العظيم.‏ رغم الهجرة الكثيفة ألهل القرية والقرى املحيطة بهم نحو الشامل،‏ آثر البعض أن يبقى ويقاوم الجفاف وعنت الحياة وشظف العيش يف هذه املنطقة النائية.‏ يف سنني االنتظار الطويلة عاش أناس ومات آخرون.‏ ومل يتبدل يشء منذ أكرث من قرن.‏ ال مدارس وال مستشفى وال مؤسسات حكومية تقوم عىل خدمة أهل القرية،‏ سوى قسم للرشطة صغري مبني من األسمنت املسلح.‏ بعد سنني طويلة سمع أهل القرية أن مثة حرباً‏ قامت يف اإلقليم.‏ انضم بعض أبناء القرية للحركات املسلحة للمطالبة بحق أهلهم يف التعليم والصحة والحياة الكرمية.‏ ال يشء تبدل.‏ كل يشء عىل حاله منذ أن خلق الله هذه البقعة من األرض.‏ .٣ ما زالت الغيوم السوداء الكثيفة رابضة مكانها يف سامء القرية.‏ مل يتبدل يشء.‏ مل تهطل قطرة مطر واحدة لتبلل الشفاه العطىش.‏ هواجس كثرية دارت يف ذهن الفيك إبراهيم.‏ أصابته شكوك عظيمة يف جدوى ما فعل.‏ لقد اعتكف أليام طويلة يقرأ األوراد التي علمها له أجداده يف غرب إفريقيا الجالبة لألمطار.‏ لقد فعل كل ما من شأنه جلب املطر.‏ ولكن ماذا حدث سوى تجمع غيوم سوداء قبيحة يف سامء القرية؟ ماذا سيقول أهل القرية عن قدراته؟ هل يشككون فيها؟ خرج من القطية*‏ ونظر نحو السامء.‏ ما زالت الغيوم السوداء هناك.‏ مثة غيوم أخرى تتجمع وال يشء ينذر باملطر.‏ نادى عىل تلميذه إسحق وبعثه برسالة أخرى ألهل القرية.‏ رسعان ما ركب إسحق عىل ظهر حامره البطيء،‏ وحني بلغ وسط القرية يف ذلك الوقت املبكر تجمهر حوله أهل القرية.‏ داعبت اآلمال األفئدة.‏ رمبا لدى الشيخ خرب جديد بشأن املطر.‏ أبلغهم إسحق رسالة الشيخ برسعة ولهوجة شديدين.‏ وقال لهم إن الرؤية التي رأها الشيخ يف منامه حقيقية مائة يف املائة.‏ وأعاد تفسري الرؤية مرة بعد أخرى وأن الخري سيكون عميامً،‏ وأن مشكلة املياه التي عانوا من شحها ثالثة عقود عىل وشك أن تنتهي بصورة جذرية.‏ وشدّد إسحق عىل لسان الشيخ أن املطر سيهطل خالل ساعات.‏ فرح األهايل فرحاً‏ شديداً،‏ فهم يثقون بالشيخ إبراهيم ثقة كبرية،‏ ويعتمدون عليه يف مداواة مرضاهم ومعالجة شؤون حياتهم املختلفة.‏ ما أن تجمهر األهايل حول إسحق حتى رشح لهم،‏ مرة بعد أخرى الرؤيا املبرشة بالخري.‏ وأكد لهم أن خالصة الرؤيا هو قرب انتهاء مشكلة املياه.‏ قال لهم عىل لسان الشيخ إن املياه أوشكت أن تكون حقيقة،‏ وستكون وفرية لدرجة أنها ستغمر كل األودية املحيطة بالقرية.‏ عندما فرغ إسحق من تبليغ رسالة الفيك لألهايل رفع رأسه نحو السامء ورأى الغيوم السوداء الكثيفة تتجمع دون أن تسفر عنها قطرة ماء.‏ داعبت الشكوك ذهنه للحظة.‏ لكنه طرد الهواجس رسيعاً،‏ فهو يثق بشيخه ويؤمن مبا يقول إمياناً‏ ال يداخله ريب.‏ .٤ يف األمسيات التي تلت،‏ أقام أهل القرية احتفاالت شعبية وقرعوا الطبول فرحاً‏ بالحدث الذي يوشك أن يكون حقيقة.‏ رقص الرجال مع النساء يف الساحة الخالية أمام القرية،‏ وجلبوا العازفني املهرة وقارعي الطبول الحاذقني من الجوار.‏ صنعت النساء املريسة*‏ الخاصّ‏ ة مبثل هذه االحتفاالت.‏ رشب الرجال الكثري من املريسة كثيفة القوام،‏ بينام رشب بعض الصبية مريسة خفيفة.‏ ومل يستنكف الشيخ إبراهيم رشب املريسة،‏ فكرع الكثري من كؤوس القرع التي خصها بها أعيان القرية.‏ كان الفيك إبراهيم يجلس يف معية كبار أهل القرية،‏ ويحاول أن يستمتع مبشهد الراقصني من الرجال والنساء الذين يتبارون يف إظهار مقدراتهم يف الرقص والقفز لألعىل.‏ لكنه بني حنيٍ‏ وآخر،‏ كان يساوره قلقٌ‏ خفيِّ‏ ، فينظر للغيوم السوداء الكثيفة املتجمعة يف السامء،‏ فتهبط معنوياته وتوجعه أمعاءه بقوة.‏ .٥ انرصمت الساعات بطيئة،‏ ومل يتبدل يشء.‏ يف اليوم الخامس جاء وفد من حكومة الشامل إىل القرية.‏ كان الوفد مكوَّناً‏ من عدد من الرجال يرتدون بدالت من أقمشة باهظة الثمن،‏ ويركبون سيارات ضخمة اإلطارات.‏ ويف معيتهم أجانب قصار القامة وذوي عيون صغرية جداً.‏ جالَ‏ الوفدُ‏ يف أنحاء القرية ومعهم بعض أعيان أهل القرى املجاورة.‏ كان أهل القرية يسريون خلف الوفد الحكومي دون أن يفهموا شيئاً‏ عن سبب الزيارة.‏ هذه أول مرة يف تاريخ قريتهم يزورهم وفد حكومي.‏ كانوا يسمعون أهل القرى التي تجاورهم يقولون إن وفداً‏ حكومياً‏ زار منطقتهم.‏ ‏“استيقظ الفيك من حلمه املايئ الطويل فرحاً‏ ومستبرشاً‏ خرياً.”‏ كان بعض أفراد الوفد يحملون أجهزة غريبة الشكل،‏ وكل مرة يضعونها عىل ظهر األرض ويقيسون املسافات ويفحصون الرتبة.‏ بعد فرتةٍ‏ وجيزةٍ‏ طلب كبريهم من أهل القرية أن ينضموا لهم يف الساحة الكبرية،‏ ألنهم عىل وشك إعالن خرب سعيد يخص القرية ويحل مشاكلها لألبد.‏ رسعان ما تجمهر األهايل يف الساحة،‏ تداعب نفوسهم آمال شتى.‏ هذه أول مرة يف تاريخ قريتهم يأتيهم وفد من الحكومة.‏ هؤالء الناس ال يشبهونهم يف يشء أبداً:‏ مالبسهم األنيقة تختلف اختالفا كلياً‏ عن األسامل التي يرتدونها،‏ أجسادهم السمينة والناعمة ال صلة لها بأجساد أهل القرية الواهنة،‏ حتى سحناتهم وألوانهم التي تتشكل بألف لون ولون ال تشبه سحنات أهل هذه القرية،‏ كالمهم العريبِّ‏ الفصيح نفسه يبدو غريباً‏ عليهم.‏ تحدث الرجل املُلتحي الذي يلبس بدلة كاملة كالماً‏ كثرياً‏ عن أشياء كثرية غري مفهمومة.‏ وقال إن هذه البالد البد أن تُحكم برشع الله.‏ وأن كل مشاكلهم الحياتية ميكن أن تُحل إذا طبقوا الرشع الحنيف.‏ وقال ألهل القرية إنهم يعيشون يف جاهلية وثنية.‏ وأنهم يرشبون املريسة،‏ واملريسة خمر وهي حرام.‏ وأنهم يرقصون مع النساء،‏ والرقص حرام.‏ وقال إن كل ما يقومون به من احتفاالت يعترب جاهيل،ة وإنه السبب املبارش يف أنهم يعيشون حياةً‏ ضنكة،‏ وإن الله يعاقبهم عىل املوبقات التي ارتكبوها.‏ تبادل أهل القرية النظرات.‏ وبدا عىل وجوههم عدم الفهم.‏ أصابهم وجوم شامل.‏ تابع الرجل حديثه قائالً‏ إن الجاهلية التي كانوا يعيشون فيها عىل وشك أن تنتهي.‏ ألن الله أرسله لهم ليخرجوا من ضيق الظُلامت إىل رحابة النور.‏ وأنه سيكون مُرشح هذه الدائرة يف غرب البالد.‏ وأنهم اذا منحوه أصواتهم يف االنتخابات القادمة سيحل كافة مشاكلهم وعىل رأسها مشكلة املياه.‏ وقال إنه جلب الخُرباء من البالد البعيدة حتى يصنعوا للقرية صهريجاً‏ ضخامً‏ للمياه لحل مشكلة القرية والقرى املحيطة بها.‏ عند ذكر املياه،‏ استحسن األهايل حديثه.‏ هلل البعض وكربّ‏ . وانبسطت أسارير البعض وأحاطت نظرات االمتنان الفيك إبراهيم الذي كان يقف بعيداً.‏ يبدو أن الرؤيا التي رآها الفيك يف منامه والتي برشهم بها ستكون حقيقة عىل يد هذا املسؤول.‏ قال املسؤول إنه جلب معه خرباء لرتكيب الصهريج وإن الخرباء سيحفرون الكثري من اآلبار .. بعد أسابيع قليلة تدافع األهايل نحو صناديق االقرتاع ومنحوا كل أصوات القرية للمسؤول امللتحي الوقور.‏ ومضت ساعات،‏ أيام،‏ أسابيع،‏ شهور،‏ وسنوات ومل يبتدل يشء يف حال القرية.‏ كل وعود املسؤول يف حل مشكلة املياه ذهبتْ‏ هباء.‏ مل يتبدل يشء يف حال القرية،‏ سوى مئذنة مسجد بيضاء شاهقة ارتفعت وسط بيوت القرية الواطئة.‏ * الفيك:‏ الفقيه وهو الشيخ.‏ * املريسة:‏ مرشوب منعش مصنوع من الذرة،‏ مُغذي ومُسكر.‏ * القطية:‏ بيت مستدير صغري مبني من القش.‏ .1 theniles6_20151123.indd 32 2015/11/23 2:13 PM

24 النيالن ‏“بدا من خالل الجهد الشاق،‏ الذي كانت ساقاه مع جسده الهزيل يبذلونه،‏ كأنه فقد إحساسه باالتجاهات.”‏ انعطف يف سريه إىل أقرب كوخ كان الدخان يتصاعد من سقفه ببطء.‏ البد أن املكان دافئ يف الداخل،‏ ظن الرجل الذي كان يف أشد الحاجة ليشء من ذلك،‏ سواء كان الدفء اصطناعياً‏ أم طبيعياً.‏ تنحنح وصفق بيديه معلناً‏ عن وجوده.‏ مل يأت أي رد.‏ صفق مرة ثانية،‏ فرأى رجالً‏ يرتدي سرتة بيضاء مهرتئة يقف عىل باب الكوخ يحدق بعينني نصف مغمضتني بالقادم الجديد.‏ قال الرجل ذو السرتة املهرتئة:‏ ‏“ادخل،‏ ادخل يا أخي.‏ تعال واحتمِ‏ هنا.‏ املطر غزير.”‏ ‏“ادخل،‏ البد أنك تشعر بربد شديد،‏ بل رمبا كنت جائعاً.‏ اجلس هناك عند الزاوية واعترب البيت بيتك”.‏ جلس الغريب عىل كريس خيزران صغري ال مسند له عند زاوية الكوخ،‏ يف حني لجأ صاحب الكوخ إىل غرفة مجارورة.‏ كان الكوخ شبه مظلم،‏ ومل يكن املسافر قريباً‏ من مدفأة الغرفة املجاورة.‏ ارتجف من الربد كالذي يعاين من حالة مالريا شديدة.‏ كان الكوخ هادئاً‏ عند وصوله.‏ وبدا كأن الرجل ذا السرتة املهرتئة يعيش وحيداً.‏ خيم الهدوء عىل املكان إال من صوت املطر يف الخارج.‏ انهمر املطر،‏ دون توقف.‏ رسعان ما بدأت الرصاصري شقشقتها،‏ مام دفع الضفادع للنقيق بأصواتها البشعة واململة.‏ بعد لحظات،‏ أىت صاحب الكوخ من الغرفة األخرى ومعه كيس خيش سلمه لضيفه.‏ ‏“استخدم هذا لتدفئ جسدك،‏ فليس لدينا بطانية إضافية.‏ إننا نادراً‏ ما نستقبل زواراً.”‏ قال ذلك صاحب الكوخ الذي أدار ظهره للغريب وعاد إىل القسم املجاور الذي كان مبثابة غرفة نوم له.‏ تابع املطر هطوله،‏ لكن برقة وعم الهدوء داخل الكوخ،‏ لكن الربد ظل مسيطراً‏ عىل الرجل،‏ فقد كانت مالبسه املبللة ملتصقة بجسده،‏ تختلط برائحة العرق.‏ متنى لو كان اآلن يف بيته يتمتع بالراحة وزوجته تعد له عصيدة ساخنة تطرد الربد عنه.‏ استغرق الرجل يف أفكاره الخاصة إىل أن تناهت إىل سمعه أصوات غريبة من الغرفة املجاورة التي دخلها صاحب الكوخ.‏ شخص يتنفس مرهقاً‏ كام لو كان يعاين عذاباً‏ شديداً.‏ عذاب حلو؟ شعر الرجل بفضول وهو يصيخ بسمعه.‏ أنساه الفضول الربد الذي مأل صدره.‏ أطلق سعاالً‏ مصطنعاً‏ كام لو أنه يقول ‏‘مرحباً’.‏ تسارع التنفس املرهق اآلن.‏ هنالك جهد شاق يبذل،‏ لهاث،‏ أنني،‏ وشتائم.‏ لقد رزقا طفالً!‏ بارك الله لكام أيها الطيبان.‏ توقف هطول املطر.‏ نهض الرجل قامئاً،‏ متطط وتثاءب.‏ نفض مقعدة بنطاله املبلل وأحس برغبة يف التبول.‏ ما هو االسم الذي سيمنحه الزوجان ملثل هذا الوليد القادم يف يوم ماطر؟ البد أن يكون ‏‘جوكودو’‏ أو ‏‘لوكودو’.‏ تساءل الرجل وهو يحدق يف عامل خياله البعيد.‏ فكر يف زوجته وأطفاله الستة الذين يعيشون جميعاً‏ تحت سقف كوخ واحد.‏ آمل أن ال يترسب املطر من ذلك السقف مرة أخرى.‏ وإذا ترسب املاء فالبد أن يكون أوالدي واقفني عىل أقدامهم ليتجنبوا قطرات املطر الباردة.‏ وحتامً‏ ستعاين زوجتي أيضاً‏ من الربد،‏ يا للمسكينة.‏ ولنفرتض أن املطر أطاح بسقف كوخي؟ لنفرتض أن املطر شق طريقه متسلالً‏ عرب الجدار الطيني للكوخ؟ بدت التعاسة عىل الرجل وأحس مبيل للبكاء لدى ورود هذه الخواطر السلبية عىل باله.‏ أمامه رحلة طولها عدة كيلومرتات عىل الطريق املوحل يك يبلغ منزله.‏ شعر بيشء من التعاسة.‏ إال أنه ابتسم قليالً‏ عندما ذكره بكاء الطفل املولود حديثاً‏ مبكان وجوده.‏ عندما فكر ببكاء الطفل الوليد تذكر أطفاله الستة.‏ تذكرهم وهم صغار.‏ ما شكل هذا املولود الجديد؟ هل يشبه أباه؟ يشبه أمه؟ هل هي أنثى أم ذكر؟ ألحت عليه رغبة التبول.‏ توقف هطول املطر وأخذ الظالم يعم األمسية الباردة،‏ والرياعات تطري هنا وهناك.‏ ‏“مل أكن أعلم أين جئت بالربكة لهذا البيت.‏ بارك الله لكم كثرياً‏ أيها الطيبون”.‏ أعلن ذلك بصوت عالٍ‏ للزوجني من خالل الجدار الفاصل يك يسمعا وهو يحمل كيس الخيش الذي معه ويضعه عىل كتفيه ويخرج من الكوخ.‏ ‏“أترككم عىل خري وسالمة.”‏ خاضت قدما الرجل الحافيتني يف مياه األمطار وهو يسري عىل الطريق املوحل.‏ قرية يف ذاكرة املاء عثامن شنقر | الخرطوم ‏“البد أن مضيفي رجل متوحش!‏ كيف ميكن أن ترضب زوجتك يف زمننا هذا؟”‏ هل الصوت المرأة؟ ما هذه املعركة التي تجري هناك يف الداخل؟ هل يتقاتل الزوج والزوجة يف هذا الطقس اليسء،‏ يف حني يفرتض أن يجلسا متالصقني ليشعرا بالدفء والسعادة؟ أمرهم عجيب هؤالء الناس!‏ تساءل الغريب وهو يهز رأسه من اليسار إىل اليمني.‏ لكن األنني واللهاث والجهد الشاق املبذول استمر دون كلل أو ملل.‏ كانت املرأة هي مصدر األصوات الغريبة التي يف الدار.‏ شهقت املرأة باكية.‏ ماذاااا!‏ إنه صوت امرأة حقاً!‏ ازداد اهتامم الغريب.‏ كان أمله أن ال يتوقف هطول املطر فجأة قبل أن يعرف ما طبيعة املعاناة الشديدة التي تحدث يف الغرفة املجاورة.‏ عاد صوت الجهد الشاق الذي يبذل من جديد،‏ ثم بدا أن املرأة كانت تصفع الرجل مرة بعد أخرى وهي ترصخ ‏“ماما،‏ ماما،‏ أنا أموت…”.‏ آه!‏ متتم املسافر لنفسه،‏ ودخل يف حوار دار يف ذهنه ليسيل نفسه:‏ البد أن مضيفي رجل متوحش!‏ كيف ميكن أن ترضب زوجتك يف زمننا هذا؟ مؤكد أنت مجنون.‏ رجل مجنون بالتأكيد.‏ أنت ممن يرضبون زوجاتهم.‏ أحمق طبعاً،‏ ‏)بصق عىل الجدار(.‏ أم أن املرأة هي سبب كل هذه املشكلة؟ أنا ال أعرف شكلها،‏ زوجة هذا الرجل.‏ رمبا لها شفتان عبوستان تتميز بهام كل مثرية للمتاعب.‏ رمبا كان لها شعر وغد مبعرث.‏ ثم حول أي يشء ميكن أن يتقاتال يف هذا الطقس البارد؟ أظن أنها بخيلة.‏ رمبا حرمته من مص قصب السكر؟ ولكن كم هي وقحة املرأة التي تفتقر إىل املشاعر يف وقت ميوت فيه بعضنا من الربد؟ انهمر املطر بهدوء خارج الكوخ وازدادت شقشقة الرصاصري ونقيق الضفادع.‏ كان الرجل صامتاً،‏ لكن تفكريه كان يف الغرفة املجاورة.‏ متكن الغريب من خالل شقوق الجدار الفاصل من سامع أنني أمل ربة البيت الذي بدا اآلن كام لو كان جميالً،‏ لكن ال مفر منه.‏ ابتلع لعابه بصعوبة وتابع أفكاره الجامحة:‏ قد تكون استسلمت.‏ رمبا قرصها الرجل من خلفيتها بقسوة.‏ رمبا هام ميارسان الحب اآلن أو شيئاً‏ آخر؟ لكن البد أن رجل هذا البيت خبيث جداً‏ وال يعرف الصرب.‏ وإال فكيف ميارس الحب مع امرأة بوجود رجل غريب؟ لكن يف كافة األحوال هل هام يعرفاين؟ دعهام يستمتعان معاً.‏ وبينام كانت هذه األفكار تتسابق يف أعامق ذهنه،‏ بدأ الغريب يفكر بأمر زوجته يف البيت.‏ أحس بيشء من الشوق لها ورسعان ما اجتاحه دفء غريب.‏ أرشقت عىل وجهه ابتسامة بلهاء،‏ وانتابه إحساس مريح.‏ أحس مبيل ألن يركض عائداً‏ لبيته.‏ وقبل أن ينبس باسم زوجته،‏ دِنيا،‏ سمع ربة البيت ترصخ بقوة يف حني كان زوجها يحاول تهدئة روعها بكلامت غري مسموعة.‏ همست املرأة ثم تنفست مجهدة.‏ حل صمت قصري مكان الضجيج الذي أثارته املرأة ثم تبعه رصاخ حاد لطفل يصم اآلذان.‏ ‏“توقف هطول املطر،‏ وأخذت الرياعات تطري هنا وهناك.”‏ theniles6_20151123.indd 33 2015/11/23 2:13 PM