BOOK 75

saudigates
  • No tags were found...

BOOK 75

عام جديد بلون الكَ‏ رزمختارات من أشعار ونصوصمالك حدادترجمة:‏ شرف الدين شكريتوطئة:‏ سليم بوفنداسة


فهرس الكتاب475 نفاذ صبرتوطئة5115 االستراحةإهداء16 أغنية ألجل الجدار وكتفيكِ‏كلمة المترجِ‏ م5520 والسّ‏ مكة الميتةأنصِ‏ تْ‏ وسأناديك7029 نقد ذاتيألجل جميلة7232 الحمار الصغيراحتراز7433 باريس 59منفى34 سأداوم الحراسة هذا المساء 76بال عنوانبداية منفى:‏ إنها تمطر 35 األصفار تدور حول نفسها 10511937 الشّ‏ قاء في خطرالعودةواحسرتاه على رؤيتك 44


توطئة


األمير البربريالذي عاش في غير موضعهالزال مالك حداد يمارس سحره على األجيال الجديدة من كُ‏ تّاب وقرّاءالمغرب العربي الكبير،‏ كأنّ‏ الموت والصّ‏ مت لم يناال من حضوره،‏ كأنّ‏تأثيره يزداد كلّما رسخ في الغياب.‏والمدهش في حالة مالك الذي كتب بالفرنسية أن تأثيره امتدّ‏ إلى كُ‏ تّابالعربية،‏ كشأن أحالم مستغانمي التي وقعت تحت سطوة لغته في ذاكرةالجسد،‏ هي التي لم تخفِ‏ ولعها بحداد شخصاً‏ ونصّ‏ اً.‏وربما كانت الشعرية الطاغية في نصوص مالك حداد هي التي منحتهاأكثر من حياة،‏ وجعلتها مفتوحة على التأويالت الدائمة،‏ فال فرق بينشعره ونثره،‏ وربما تحوّلت الرواية معه إلى نشيد عذب تترقرق األغانيمن جوانبه.‏ ال بل إن الحياة ذاتها ستتحوّل إلى شعر.‏ أليس هو من اعتبرالحياة ‏»ظاهرة أدبية«؟ نعم،‏ عند مالك تكفّ‏ الحياة عن نفسها،‏ وتتحوّلإلى أدب،‏ فال يدرك قارئه مسلوب األنفاس أين يبدأ األدب،‏ وأين تتوقّفالحياة،‏ حياته هو التي انتهكها أدبياً،‏ فاختلطت الحياة باألدب،‏ وتحوَّالإلى شيء واحد.‏7


ورغم رحيله المبكر وصمته الطويل إال أنه احتلّ‏ مكانه األثير بين اآلباءِ المؤسّ‏ سين لألدب الجزائري،‏ في الرواية كما في الشعر.‏ولم ينل من هذه المكانة شحّ‏ إنتاجه الذي توقَّف في أربع روايات كتبهافي السنوات األربع التي سبقت استقالل الجزائر ومجوعتين شعريتين إلىجانب أشعار ومقاالت ِ متفرّقة.‏ ويكشف نتاج مالك حداد عن كاتب فريدمن نوعه كان من أوائل الكتّاب الذين استدرجوا الشعر إلى أرض الرواية.‏لكنه مقابل ذلك لم ينل حظّ‏ ه من الدراسة ومن الترجمة إلى العربية،‏ حيثكانت الترجمات األولى التي استهدفت أدبه ‏»مبادرات تضامنية«‏ أكثرمنها ترجمة أدبية لغوية،‏ كان الهدف من ترجمته إبراز كاتب أعلن غربتهفي لغة اآلخر،‏ حتى وإن أحبّ‏ هذه اللغة وأجاد الغناء بها.‏ أو تعاطفاً‏ معالجزائر من خالل إبراز أدبها وتقديمه إلى قرّاء المشرق العربي لفكّ‏ عزلةثقافية بَنَتْ‏ جدرانها فرنسا االستعمارية.‏ ولم تكشف ترجمات ملك أبيضالعيسى،‏ وسليمان العيسى،‏ وسامي الدروبي عن الوجه الحقيقي لمالكحداد وال عن أدائه األدبي الرفيع،‏ ألن السرّ‏ في كتابات مالك الروائية،‏ علىسبيل المثال،‏ ليس في القصص المسرودة ولكن في الطريقة التي كانيدير بها الكاتب اللعبة السردية.‏ لذلك كانت الترجمات المغاربية هياألقرب إلى النصوص األصلية لمالك مع التفاوت بين ترجمة وأخرى،‏ما يجعل باب االجتهاد مفتوحاً‏ على الدوام لالقتراب من هذا األميرالبربري الذي فضَّ‏ ل مواجهة العدو بسالح الهرموينيكا.‏ والذي جرىتأويل نصوصه ومواقفه إلى حَ‏ دّ‏ التحريف،‏ أحياناً.‏ورغم أن أغلب نصوص مالك حداد كُ‏ تِبت في المرحلة األخيرة منحرب التحرير الجزائرية إال أنها الزالت تحافظ على ‏»راهنيّتها«‏ ألنالحياة كانت موضوعتها الرئيسية،‏ بداية من حياة الكاتب التي يمكن أننكتشفها في نصوصه الروائية والشعرية،‏ التي كانت بمثابة سيرة مموَّهة،‏8


فخالد بن طوبال في رواية ‏»رصيف األزهار لم يعد يجيب«‏ هو مالكحداد،‏ الذاهب إلى فرنسا لمالقاة صديق،‏ وبالطبع ستكون الصدمة فيرصيف األزهار،‏ حيث ال أحد ينتظر الضيف القادم بأمر من حرب قرّرترحيله ليسقط كشعرة في حساء صديقه وزميله في الثانوية ‏»سيمون قج«‏الذي يقابله في الواقع روالن دوخان صديق مالك في قسنطينة الذيأكمل حياته السعيدة هناك في فرنسا.‏ وبالطبع سيعرض عن حب ينموبينه وبين مونيك،‏ ويتجرَّع خيانة وريدة الحبيبة الجزائرية التي لم تصبرعلى الفراق،وباعت روحها لجندي فرنسي.‏ قد تكون مونيك جميلة كمافرنسا:‏ ‏»في بالدها،‏ في بيتها،‏ فرنسا جميلة.‏ في بالدها،‏ في بيتها،‏ فرنساال تفكر أبداً‏ في الحرب«.‏ فهل كان اإلعراض عن مونيك إعراضاً‏ عنهاوهرباً‏ من المنفى الذي هو عادة سيئة عليه تعلُّمها؟ لكن الشعرة التيسقطت في الحساء ستنتزع الحب،‏ ألن السيدة التي قالت ‏»للمؤلف«‏إنها لم تحبّ‏ كتابه جاءت لتعترف له بأنها كانت تكذب،‏ وطلبت منه أنيمنحها شرف تقبيل اليد التي يكتب بها،‏ وألنه سيعلّم ابنة صديقه كيفتنطق كلمة ‏)حرّيّة(‏ بالعربية،‏ حتى وإن استسلم في نهاية المطاف إلىاالنتحار كضرورة اقتضتها الخيانة،‏ ولم يفرضها المنفى.‏بعيداً‏ عن الرموز تختفي السيرة الملحقة بقصص ستغطي عن القصةالمحرّكة،‏ تماماً‏ كما سيحدث في رواية ‏»سأهبك غزالة«‏ حيث يستأنسمالك الصحراء التي ذهب إليها مدرّساً‏ لفترة وجيزة في رواية تسرد روايةأخرى.‏ روائي في منفاه بصدد نشر رواية عن الصحراء تطالب فيها البطلةياميناتا البطل موالي بغزالة حَ‏ يّة،‏ الكاتب صاحب رواية الصحراء يرافععن حب بعيد وهو يقترب من الحب دون أن يصيبه في منفاه حيثيستعين على الحياة باللغة،‏ يفتّش في أعماقها عن رابطة إنسانية معالفرنسيين الذين أحبَّ‏ لغتهم وطريقتهم في الكالم حتى بدت له اللغة9


فرنسية في أصلها.‏ أما رواية االنطباع األخير ففيها يرصد مالك حدادالعالقات الخطرة مع اآلخر،‏ مع العدو الحميم الذي يدفع المهندسسعيد إلى نسف الجسر الذي اجتهد في رسمه،‏ والتخلّي عن لوسي حبّهالمستحيل.‏ لكنه يقاوم لئلّا ينسف الجسر في صراع رهيب بين مُثُلِه وماتفرضه الحرب من ضرورات.‏ ضرورات ستجعل صالح إيدير في ‏»التلميذوالدرس«‏ يشعر بذنب من لم يذهب إلى حرب تعنيه،‏ ويرفض إجهاضابنته التي حملت من عُ‏ مَ‏ ر رفيقها في النضال الوطني،‏ فبقدر ما كانتفضيلة تريد التخلُّص من البذرة التي في أحشائها كان األب يريد الحفاظعليها.‏ وكان عليه أن يصغي إليها وهي تقابله كعاصفة ِ لتلقّنه الدرسالضروري،‏ وتتركه تحت لهب مشاعر ذنب اعترت مثقَّفين تخلَّفوا عناإلسهام المباشر في الحرب،‏ مشاعر انعكست في أول رواية وفي آخررواية لمالك حداد.‏ومثلما كانت رواياته سيرة مموَّهة كانت أشعاره أيضاً‏ سيرة جمع فيها بينالهمّ‏ الشخصي والهمّ‏ الجمعي بأسلوب فريد ال يضاهيه في العربية سوىمحمود درويش مثلما أشار إليه مترجم هذه المختارات.‏ورغم أن الشاعر لم يُصدِ‏ ر سوى ديوانين في حياته هما ‏»الشقاء في خطر«‏و»أنصِ‏ تْ‏ .. وسأناديك«‏ إال أنه يُعتَبر من قِلّة من الكتّاب ِ المتمكّ‏ نين منناصية الشعر إلى درجة أن كالمه العادي ومقاالته الصحافية كانت شعراً.‏إنه ساحر يسحر كل من يقرأه أو يستمع إليه،‏ وحتى وإن شاء دارسون أنِ يصنّفوه في خانة الكاتب الملتزم،‏ فإن التزامه كان طبيعياً،‏ أي ابن مواقفهالشخصية من الحياة والعالم ال وليد إكراه خارجي.‏ فمواقفه التي آخَ‏ ذَ‏ هعليها مثقفون،‏ مثالً،‏ ومنها تدعيمه لالنقالب الذي قام به الرئيس الراحلهواري بومدين على سلفه أحمد بن بلة،‏ وخدمته لنظامه بعد ذلك،‏ جاءتعن قناعة كاتب كان يرى أن البالد في طور البناء،‏ وتحتاج إسهامه،‏ هو10


اليساري الذي انتمى في شبابه األول إلى الحزب الشيوعي،‏ بل إنه لميكن يتردّد في انتقاد الذات،‏ مثلما روت ابنته صفية التي ذكرت أنهاالمته على سلوك صدر منه في الجزائر العاصمة،‏ حينما ألقى بسيجارتهفي مدخل عمارة فخمة،‏ وجَ‏ ابَهَ‏ عبارتها القاسية بأنه ال يمكن تنمية بالدبهكذا سلوكات بقوله:‏ ‏»أنسيت يا ابنتي بأنني أمير البلدان غير النامية!«.‏والحق أن عالقته بالسلطة بعد االستقالل كانت محيّرة،‏ وحتى وإن كانمن الصعب قبول التفسير الذي جرى تقديمه لصمت مالك حداد األدبيوانخراطه في النشاط اإلعالمي والثقافي:‏ ممارسة الصحافة بإشرافه علىالصفحة الثقافية لجريدة النصر،‏ ثم انتسابه لوزارة الثقافة كمسؤول سام،‏وتولّيه رئاسة اتحاد الكتّاب الجزائريين،‏ وإصداره لمجلة ‏»آمال«‏ التياهتمَّ‏ ت بأدب الشباب.‏ حيث فُسّ‏ ر صمته برفضه الكتابة بالفرنسية.‏ لكنالفرنسية ذاتها كانت ‏)وال تزال(‏ هي لغة اإلدارة الجزائرية.‏ وحتى وإنكان مالك يشعر بغربته اللغوية في فترة االستعمار فإن الغربة ذاتها لنتكون ِ معذّ‏ بة في مرحلة ورثت الجزائر فيها الفرنسية كغنيمة حرب مثلماقال كاتب ياسين صديق مالك الذي ناصب السلطات العداء،‏ وبادلتهالشعور نفسه.‏صحيح أن مواقف مالك حداد كانت واضحة من العربية والهوية والثقافةالوطنية،‏ وصحيح أنه كان يعتبر نظام التعليم الفرنسي الذي ساد فيالجزائر خالل االستعمار منهجاً‏ لتحويل الجزائري الذي يجتاز البكالوريا‏)الثانوية العامة(‏ إلى فرنسي.‏ وصحيح أنه قال بحرقة لزمالئه في جريدةالنصر أنه كان يتمنّى أن يقرأ المتنبي وأحمد شوقي بالعربية ‏)وفق مارواه زميله زواوي بن خالف(،‏ إال أن ذلك ال يبرّر الصمت المأساويالذي خلد إليه الكاتب بعد االستقالل وتوافقه التام مع السلطات إلىغاية وفاته،‏ ويجعل من سلوكه أمراً‏ ِ محيّراً‏ يحتاج الدراسة،‏ في ظلّ‏ نقص11


الشهادات التي ِ قُدّ‏ مت عن الكاتب من مجايليه ومعارفه الذين حوّلوه إلىأيقونة غير قابلة للنقد.‏وربما لن ِ تقدّ‏ م سيرته الشائعة األجوبة الشافية،‏ فالرجل وُلِد سنة 1927 فيقسنطينة ألب أمازيغي يشتغل بالتدريس هو سليمان حداد.‏ وفي قسنطينةالتي تحوَّل إلى مغنيها األول درس مالك،‏ وكان يرى في المدرسة الفرنسيةحاجزاً‏ بينه وبين ماضيه وتاريخه أكبر من البحر األبيض المتوسط الذييفصل الجزائر عن فرنسا،‏ لينتقل بعد ذلك إلى فرنسا حيث التحق بكليةالحقوق بمدينة أكس أون بروفانس،‏ لكنه لم يكمل دراسته وهجرها سنةاندالع الثورة 1954 ليشتغل في مهن يدوية وفي النضال السياسي إلىجانب الكتابة األدبية التي دشَّ‏ نها سنة ‎1956‎بديوان ‏»الشقاء في خطر«.‏وفي 1958 نشر روايته األولى ‏»االنطباع األخير«‏ لينشر بعد ذلك رواية‏»سأهبك غزالة«.‏ وفي سنة 1960 أصدر رواية ‏»رصيف األزهار لم يعديجيب«،‏ لينشر في السنة الموالية روايته األخيرة ‏»التلميذ والدرس«،‏وأصدر في السنة نفسها ديوانه الشعري ‏»أنصت .. وسأناديك«،‏ وكتاباً‏حمل عنوان مقاله الشهير ‏»األصفار تدور حول نفسها«‏ الذي كانبمثابة بيان يحمل موقفه من الكتابة والهوية،‏ حيث ِ يؤكّ‏ د فيه أن الكتّابالجزائريين،‏ وإن كتبوا بالفرنسية فإنهم كتبوا بروح جزائرية،‏ منبهاً‏ إلىالفرق الحضاري بين اللغتين،‏ وربما ترجم إلى لغة البيان ما ورد فناً‏ فيأعماله،‏ فبطل ‏»سأهبك غزالة«‏ كان يقول إن األمير الحقيقي لن يكونفي موضعه،‏ فيما كان يقول صالح إيدير ‏»بطل التلميذ والدرس«‏ إنهلم يكن أبداً‏ في موقعه ألن التاريخ أراد له أن يركب حصاناً‏ واحداً‏ فيعصرين مختلفين وفي حضارتين مختلفتين.‏بعد االستقالل عاد مالك إلى الجزائر،‏ وعاش مرحلة صعبة،‏ إلى درجةأنه لم يكن ليجد ثمن السجائر ‏)وفق ما رواه ابن أخته جمال علي خوجة12


الروائي أيضاً‏ وأستاذ اآلداب الفرنسية في جامعة قسنطينة لكاتب هذهالسطور(.‏ في تلك السنوات تألّم مالك لكنه ظل يستمتع بالحياة العائليةوحياة القراءة والكتابة في بيته بأعالي قسنطينة،‏ بيت يستدرج الحمامالذي يحبّه مالك،‏ ويستدرج أيضاً‏ القطط التي يطاردها ليالً،‏ ألنها تفسدعليه حاجته إلى صمت تقتضيه الكتابة،‏ الكتابة التي تخون صاحبهاوتعرض عنه،‏ بعدما كانت تهاجمه قبل االستقالل وهو يطوف شوارعقسنطينة وفق ما يكشفه جمال علي خوجة الذي شهد ميالد ‏»الشقاء فيخطر«‏ ككلمات على شفتي خاله في شوارع قسنطينة التي كانا يتجوَّالنفيها معاً‏ في الصباحات الرمادية التي الزال يذكرها كأنها حدثت البارحة.‏كان مالك يمسك بيد الطفل الصغير وهما ينزالن من شارع ‏»الفوبورالمي«‏ ويقول له وهو يشير إلى المدينة الهاجعة فوق الصخرة المقابلة:‏انظر إنها تناديك.‏ وفي الشوارع يحدث أن يترنّم مالك بكلمات كتلكالكلمات التي كان يسمعه ِ يردّدها ليالً‏ وهو يطوف بين أروقة المنزل،‏يكتب النشيد باألخضر على كراسته،‏ ثم ِ يرتّله بصوت عال ال يقطعه سوىألم قرحة المعدة التي كان يعاني منها،‏ وسيعرف الطفل فيما بعد أن تلكالكلمات اسمها ‏»الشقاء في خطر«.‏صَ‏ مَ‏ تَ‏ مالك بعد االستقالل،‏ ولكنه لم يصمت تماماً،‏ فحتى وإن كانتالمقاالت الصحافية التي يكتبها مرتبطة بالواقعين الثقافي والسياسيالجديدين إال أنه لم يكفّ‏ عن تأمُّل حالته وحالة األمة هذه المرة،‏ حيثكتب سنة 1967 افتتاحية شعرية ِ مؤثّرة في جريدة النصر بعنوان ‏»أنا فيبيتي في فلسطين«.‏ ويروي زمالؤه في النصر أنه عاش النكسة بألم كبيرحيث ظلّ‏ ممسكاً‏ بمذياع،‏ يسمع األخبار بتأثّر،‏ وال يصدق أن األمورتسير نحو الهزيمة،‏ أو يركض باتجاه التيليكس منتقداً‏ تحيُّز وكالتَياألنباء:الفرنسية،‏ ورويترز إلسرائيل.‏13


وكان الرئيس الراحل هواري بومدين وراء انتقال مالك حداد إلى العاصمة،‏بعد أن سأل عنه في أول زيارة له إلى قسنطينة،‏ وأخرجه من عزلته،‏ وربماأخرجه بذلك من الكتابة.‏ في العاصمة أشرف على إدارة الحياة الثقافيةمن موقعه كمسؤول في الوزارة ثم كرئيس التحاد الكتاب الجزائريين،‏لكنه وبانغماسه في ‏»النضال الثقافي«‏ ابتعد عن الكاتب فيه،‏ ابتعد إلىحَ‏ دّ‏ الموت.‏ الموت الذي قطفه سنة 1978 وهو في الواحدة والخمسين.‏وقد تعاون الصمت والموت ليحرما الجزائر من صوت أدبي فريد تبدواليوم استعادته ضرورية.‏ ومن محاوالت استعادته الجهد الذي قام بهالكاتب والمترجم شرف الدين شكري وهو عاشق لمالك حداد عايشنصوصه الروائية والشعرية ودرسها واشتغل عليها لفترة طويلة تكفيليحمل عنه صوته إلى لغة تمنّى الغناء بها،‏ ويحمل عنه ظله إلى زمنآخر،‏ زمن لم تنضج،‏ بعدُ‏ ، فيه األحالم التي ربّاها مالك بيديه.‏ وتكفيليحمل السماء الزرقاء القديمة عن كتفيه،‏ ويهشّ‏ الغربان عن قسنطينةالنائمة في عشّ‏ ها األبدي بين الغيوم.‏ خصوصاً‏ وأنه يحفظ جيداً‏ قولمالك:‏ ‏»ما سيقولونه عني سأفصح عنه أنا شخصياً«.‏ والمشفوع بتحذيرمؤدّ‏ اه أنه لن يسمح ألحد أن يمتلك أغانيه.‏ أغانيه التي كان يخشى أالتصل إلى المعنيين بها،‏ فصرخ بلسانه ولسان غيره من الكتّاب الجزائريينالذين ترجموا أرواحهم بفرنسية منحتهم اللذة واأللم في آن:‏ ‏»نحن أيتامالقراء«.‏ وبالطبع كان ينعي شعره وأشعار جيله التي ال تصل.‏ولم يكن خوف مالك على حق،‏ فكلماته حفرت مجراها ووصلت.‏ كانتتصل كلما أمعن هو في الصمت أو تمادى في قيلولته هناك تحت أشجارالصنوبر واألبوكاليبتيس،‏ حيث تطوف الفراشات على سريره األخير كيتحميه من النسيان.‏ لم يكن خوف مالك على حق ألن لغته لم تكن غريبة،‏ولم يكن في حاجة إلى أن يحسد الصمّ‏ البكم على سعادتهم العجماء ألن14


الموجودات كلّها كانت تصغي إلى لغته قبل أن ينادي.‏وها هو صوته،عبر هذه الترجمة،‏ يصل إلى أجيال جديدة من القرّاء العربالذين سيعيدون األمير إلى مكانه الحقيقي،‏ وسيطرقون بابه بكل قوة،‏ألنهم يعرفون أنه الزال يقيم هنا.‏سليم بوفنداسة15


عام جديد بلون الكَ‏ رزمختارات من أشعار ونصوصمالك حداد16


إهداءكثيرة هي األساطير التي تونع في حياتنا بعيداً‏ عن الواقع،‏ وتنسج أنفتهامعلّقة بين سماءٍ‏ وأرض،‏ كي نتعلّم منها كيف نطيرُ‏ دوماً‏ كالصّ‏ قور الشّ‏ امخةبعطائها الذي ال ينضب...عطاء أعظمُ‏ من الواقع،‏ وأقلّ‏ قليالً‏ من الخيال،‏حتى يتسنّى لالّنهاية أن تحتوينا دون وجل....نحن أبناء الصّ‏ قور...‏إلى نورة غمري وأخواتها الستّ‏ ...أفعاالً‏ غير متعديّة،‏ وقابلةً‏ للصرف...‏وسعيدة...‏ والدتي دوماً.‏17


كلمة المترجِ‏ مبعد أكثر من عقدين من الزّمن،‏ مضيا على معايشتي لعوالم مالك حدّاد،‏تيقّنتُ‏ بأن مشكلة هذا الكاتب،‏ في حقيقة األمر،‏ لم تكن مع اللغة كمافهمها الكثير من النقَّاد والمتتبعين ألدب هذا الروائي والشاعر العالميالذي لم يُستَنْفذ كأثرٍ‏ أدبي حتى السّاعة.‏ مشكلة مالك كانت دوماً‏ معالفن...الهوية التي أنشدها دائماً‏ في كتاباته،‏ كألمٍ‏ نازف مصدره معروفكفاعل تاريخي مقيت،‏ جلعت منه مؤرّخاً‏ ال ‏»يمثّل«‏ مرحلة االستقاللبل ‏»مرحلة مرضية«‏ من تاريخ بالده،‏ هي مرحلة االستعمار،‏ ليس إالّ.‏همُّه الفني ذاك لم يكن في سيبل البكاء األجوف،‏ وإنّما في سبيل إخراجنبتة الجمال إلى سطح اإلنسانية الواسع كي يدركَ‏ العالمُ‏ أن ثورة تحريراإلنسان الجزائري لم تُختزل في جعجعة أسلحة طاحنة تُبادِ‏ لُ‏ العنفَ‏بالعنف كما أريدَ‏ للسياسي الذي ال يدرك الدّفاع عن حقوق النظرية أنيتقوّلَ،‏ وللعسكري الذي ال يتقن إال أوركسترا السالح كمنفذ وحيد نحوالحرية،‏ أن يُقنع به األجيال المُنْسَابَة من ِ سِنيّ‏ الحرية:‏ رغم أن ال عالقةللحرية بالسالح إالّ‏ كتابع خارج عن المنطق.‏من ذا فهم أكثر من مالك بأن الحرب هي فقدانٌ‏ للمنطق.‏ وهي آخر حلّ‏18


ال إنساني لقضية إنسانية ملحّ‏ ة...؟في مقدّمة ‏»الشقاء في خطر«‏ يتحدّى مالك بلسان ذلك الفرنسي العجوزلغة البنادق،‏ ويرفض أن يحاربَ‏ اإلنسانُ‏ أخاه اإلنسانَ‏ تحت أيّ‏ ذريعةكانت،‏ كي يقول للفرنسي ذاتَه بأن لغة الحياة،‏ هي التي تتأبّدُ‏ بين بنيالبشر،‏ حتى وإن كان يحتلُّ‏ أرض طفولته،‏ ويحتلُّ‏ أكثر،‏ هويّتَه.‏يعدُّ‏ خطابُ‏ الهويّة في أدب مالك أقوى هدف اشتغل ألجله ومحْ‏ وَرَ‏ كلأعماله،‏ لعلمه بأن فلسفة بناء الذات التي ربّاه والده عليها،‏ والتي رفعَتمن شأن فرنسا ثقافياً‏ قبل أن تمتدّ‏ إلى الصروح الحضارية،‏ هي نفسها قوّةتدمير الوجه العنيف في الثقافة التنويرية التي تخفي الكثير من التعاليومن العنصرية في السلوك البرّاني.‏ وهي النقطة التي يستدلُّ‏ بها عبرعبارات قوية جداً‏ جاءت على لسان مصطفى كاتب في ‏»األصفار تدورحول نفسها«:‏ ‏»تمكنّا من مقاومة ‏»بيجو«،‏ ولم نستطع أن نفعل ذلكمع ‏»موليير««.‏كانت لغة السّالح التي أشهرها الجزائريون،‏ هي لغة التعبير عن تفاقماليأس ليس إالّ.انتفَت حينها كل صنوف الصّ‏ بر.تراكمتْ‏ جثَثُ‏ المطالَبَةبالمساواة خارج ِ كلّ‏ أنواع االحتمال.‏ صار كلُّ‏ شيء يتأرجح بين الشاعروالعسكري:‏ أي بين الحياة والموت.‏ صار الشاعر عسكرياً‏ في انتمائهإلى حلم التحرير والمِراس السياسي عبر نصوصه،‏ رغم إدراكه لفداحةالموقف،‏ وصار العسكريُّ‏ عسكرياً‏ ِ متشدّداً‏ بال شِعْر؛ هذا ما سوف يطفحكالبثور على حضارة القتل التي مارسها االستعمار،‏ في ‏»الشقاء«:‏ ‏»وحينيمضي جُ‏ نديٌّ‏ للقتال،‏ فليس من حقه أن يُغنّي.‏ ولتحترم األزهارَ،‏ والتضَ‏ عْها على فوّهة بندقيّتكَ‏ «. حينها،‏ ِ سيؤكّد مالك والبندقية،‏ في حبره أنالحبّ‏ يظلّ‏ هو المرافق األبدي للكاتب أينما كان،‏ ويطالبه،‏ إن هو تخلى19


عن الحبّ‏ ، بأن يتخلى معه أيضاً‏ عن الكتابة:‏ ‏»أنتَ‏ تكتُب ألنّك تحبّ‏ .إذا لم تكن كذلك فضع القلم..«.‏ هذه هي قمّة الصّ‏ راع الحضاري التيال يريد المستعمر أن تتقن ‏»األندجينا«‏ استعمال مفاتيحها.‏ لذلك،‏ سوفيدخل مالك حداد العملَ‏ السّياسي السرّيّ‏ ، مما سيدفع بالبوليس السياسيإلى مالحقته،‏ كي تحطّ‏ الفجيعة إلى األبد في قلب ‏»حمامة«‏ والدتهفجر ذلك اليوم،‏ ساعة مرور بائع اللّبن ببيته في أعالي ‏»الفوبور الميه«.‏سيغادر حينها أيضاً‏ صفوف دراسة الحقوق في إيكس أون بروڤانس،‏ كييتسكَّ‏ ع بألمه مع كاتب ياسين ومحمد أسياخم في حقول ‏»الكمارغ«‏التي سترافقه رقصاتها حتى هضاب الجزائر وتاللها المشتعلة غضباً،‏فينتصر الكاتب فيه كمحامٍ،‏ ويخيب المحامي فيه إلى األبد.‏من سيكتب حينها أجمل من مالك حدّاد عن غضب الحقول،‏ عن الزُّرُعوعن النباتات البريّة،‏ عن الدّلب وعن الزّعتر وعن العشرينيين الذين اليرون في العاصمة إالّ‏ مقاهيها ومحافلها التي ال تنام في العيون المتطرّفةالزرقاء ومن واالهم من الموبوئين؟،‏ من سيكتب أجمل من مالك حدَّادعن ڤيال سيزيني التي شهِ‏ دَت آخر أيام الرجل الشُّجاع الذي أمرَ‏ شعبهبأن يُبعد الثورة،‏ حتى بعد استقالل بالده أبداً‏ عن الصالونات إلى شوارعالفقراء؟،‏ من سيكتب عن أمطار الدّم التي هطلت على أعالي ‏»النمامشة«‏التي لم يحسن العسكر المستعمر أبداً‏ نطقها صحيحة،‏ فحوّلوا غضبهمإلى حمّامات االستنطاق التي تفنّنوا في استيالد االعتراف فيها منالمسلوبين؟.‏من سيكتب مثل مالك حدّاد عن أجمل امرأة تغازلها اللّغة ذاتها فتضوّعهاباسم ‏»جميلة«،‏ وتعِدُها بطفل التعذيب الذي ال يموت؟...من ذاسيكتب عن أشياءَ‏ كثيرة تنام في صفحات هذا الديوان المتعب؟ منسيكتب مثل مالك حدّاد حينها عن فسحات الحرية التي أدرك بأنها ال20


تُعَدّ‏ بالمسافات،‏ بقدر ما تُعَدّ‏ ببُعد األحاسيس،‏ كما كتب في«األصفار«‏التي ‏»تدور حول نفسها«‏ بين جنسين بشريَّين يفرّ‏ ‏ِقهما اإلحساس المقيتبالتعالي؟***وأنا أغوص في شعره أدركتُ‏ أن كتاباتٍ‏ لمالكٍ‏ في النّصف األخير منخمسينيات القرن العشرين،‏ كانت تحملُ‏ أولى تباشير الكتابة السرياليةالعربية،‏ وأولى الرؤى الشعرية التجديدية التي سيعتمد عليها الشّعر العربيالمكتوب باللغة العربية الحقاً،‏ والشعر الفلسطيني على وجه الخصوص،‏وشعر محمود درويش تحديداً.‏ فال تتصوّروا استغرابي البعيد وأنا أجولعبر كتابات ديوان:‏ ‏»أنصت وسأناديك«،‏ كيف كانت تصحو معالممحمود درويش الشعرية التي تشكَّ‏ لت ابتداء من ‏»مديح الظل العالي«‏وصوالً‏ إلى ‏»الجدارية«!!!.‏ حينها،‏ بحثت عن شقوقٍ‏ أو مساربَ‏ شعريةتحيلني إلى مصدر وصول لفحات شعر مالك حدّاد إلى المشرق الذي!‏حينها،‏ وقعتُ‏ صدفة على مقدّمة بخط خالد سعيد،‏ جاءت تحت عنوان:‏‏»المجموعة الشعرية التي غيّرت وجهة الشعر الفلسطيني«،‏ فأيقنت أننظرتي لم تكن بعيدة عن نظرة خالد سعيد.‏شرف الدين شكري21


أَنصِ‏ تْ‏ .. وسأناديكرغم أغانِي األدغالِ‏ المحروقةأنصِ‏ تُوا إليّ،‏إنّني أتحدّثُ‏ بلسانِ‏ األمواتأنصتوا إليّ،‏إنني أخطّ‏ بيدٍ‏ مكسورة على قيثارهامرآتكم أناوجميلٌ‏ هو المُجرِمُ‏وأنا أحملُ‏ الشُّحوب المناسِبَ‏لتلك الحقيقة التي تؤلم حين تُقالاحذَروا سارقاً،‏ كلّما عثَر شاعرٌ‏في قلب إلهامه وفي قلب الكلمات22


كلماتي التي أخطّها أنا تهوى الحساب:‏تمّ‏ القضاء على كذا جزائري!‏احذروا سارقاً،‏ كلما انتظرت القافيةُ‏ في الحمّامبيتاً‏ شعرياً‏ منضبطاً‏ ‏»هُمام«‏(((كي تعرف الحبّ‏ ، تعرّف على جبل النمامشةعلى الهاتف وحوض الحمّاماحذروا سارقاً،‏ كلّما همّ‏ بكتابة قصيدةجالَ‏ في التّاريخصنعَ‏ الجمال بكلماتوزها بنفسه وهو ينظر إلى المرآة1- النمامشة،‏ هو اسم عرش النمامشة المتواجد في منطفة تبسة بأقصى الشر ق الجزائري،‏ والمقصود بها،Nèmenchtas وهي لفظ فرنسي غير دقيق السم النمامشة،‏ حيث وقعت جرائم االستعمار،‏ وهنا يشير مالكحداد إلى وسائل التعذيب،‏ التي كانت تتم عن طريق وضع المعذبين في أحواض الماء،‏ وتسريب الكهرباء ألجلصعقهم في جلسات االستنطاق.‏23


مقصورةُ‏ القشّ‏ وكذا القلب؟عند أعالي الجزائر(((ڤيال سيزينيهي برجُ‏ صبابتيجلُّ‏ حقائقي،‏ هي حلمٌ‏ ال ينقضيعَلّموني أن الطّيبة تربض بجانب األطفالأناعَدَدْتُ‏األحياء َاألمواتَ‏والناجينيلزمُنا ألف سنةٍ‏ كي نقوى على النسيانموسيقايَ‏ نبعت2- ڤيال سيزيني:‏ البيت الشهير الذي سيق إليه العربي بن مهيدي،‏ ومحاربي معركة الجزائر،‏ ألجل تعذيبهموإعدامهم من بعد ذلك.‏24


حين امتنعتُ‏عن إزعاجأولئك النائمين في كلّ‏ مكانفوق أرض الجزائرأَنصِ‏ تْ‏ ، وسأناديكولتتذكّر ما يلي:‏حين كنتُ‏ أجرُّ‏ منفايَ‏ ، أو أجرُّ‏ جثتيحين كانت عينايَ‏ تريانك دون أن أقابلَ‏ عينيكإذا تصفحتُ‏ جريدتي قبل أن أفتح بريدي بكثيرإذا كففتُ‏ عن إعجابيَ‏ بحنان الوردإذا أنا أنشدتُ‏ من بعيد النغمةَ‏ التي يسمعونإذا كان قلبي غائباً‏ حين يهمُّ‏ قلبُك بالتغنّي بيأَنصِ‏ تْ‏ ، وسأناديك25


فلتتذكَّرْ‏ ما يلي:‏أنني متُّ‏ معهم.‏انتظرتكِ‏ سيدتيوكلّ‏ مساءٍ‏ أنتظرُ...‏هناك،‏ في الصحاري التي بناها اليأسُ‏في الرياحِ‏ السّمفونية،‏ بقلب الهضاب العالياتعبر مساري الغابِ‏ الجميلعبر مساري ‏»السولوني«‏ الباكي على ضفاف الخرافةعند مشارف طفولتيعند مدينتي الحذرة عند أحالم الجبالفي ِ كلّ‏ مكانٍ‏يبكيأو يتشكّ‏ ل من الورد26


عبر القمر المتعَبِ‏ ، أو األرَضَ‏ ة الذابلةفي أرضِ‏ القتالِ‏ ، في النّغمِ‏في الطّائرة التي جرّحها شغفُ‏ االختراعفي الطّير الذي يعلو بدوَارهفي البحر الذي يوشوش للموج أسرارَهفي الرّغبة المنتهية،‏ عند منتصف الليلمرعوباً‏ سمعتُ‏أغرابَاً‏ يطرُقُون البابفلتأتِ‏ زهرةٌ،‏ لترقصَ‏ في فميولتنته الفكرةُ‏ األخيرةعلى غالفِ‏ الواجِ‏ هة...‏كم تمنيتُ‏ لو أن الموتَ‏ يثير غرابتيللطيران قسوةُ‏ األخطار التي نرضى بها27


أيُّها الطيّار!‏ يا صديقيَ‏هذا الغيمُ‏ ال شيءَ‏أكبرُ‏ أنتَ‏ ، من هذا السّحابِ‏صغيرِ‏ الجبهةِ‏كان سيكفينا،‏ كفانابعضُ‏ هذا الغيمِ،‏ وبعضُ‏ هذا الريحكي نعرف بأن قلبكَ‏ ال يخشى االرتفاعأيها الشّاعرُ،‏ يا صديقيللحبّ‏ قسوة الجنائزِ‏ البسيطةكنتُ‏ سأفضّ‏ لُ‏خاصّ‏ ةً‏أن أكسِبَ‏ رضاء اآلخرينوأن أنصِ‏ تَ‏ للمطر...‏يلزمنا بعضٌ‏ من كل شيء،‏28


كي نصنع حلماً‏ليمونةً‏ ومحاراً‏لؤلؤةوبعض رجالطبعاً،‏غيرُ‏ متكافئٍ‏هذا الرّابط تقريباً:‏أشربُ‏ الماءَ‏ أناوأنت على النبع.‏إذا ما قلتُ‏ بأنّ‏ لهذا ِ الحبّ‏طباعُ‏ غاباتيبأن فجراً‏ جديداً‏ لعيوني التي تحضُ‏ نُكِ‏بأنّ‏ يدي التي ترسم حمامةً‏ على خدّكهي ميقات رقصةِ‏ ڤالسعلى البحرِ‏ الساكِن29


إذا ما قلتُ‏ بأن هذا الحبَّ‏يعرفُ‏ رائحةَ‏ الخبز وجبينَ‏ الفالحينبأنني وُلدتُ‏ أمسِ‏ ، واآلن أحبُّكِ‏إذا ما قلتُ‏ بأنَّ‏ هذا الحبَّ‏كبيرٌ‏ كاألمل الذي تنتظرني عنده غزالتيإذا ما قلتُ‏ بأنّ‏ هذا الحبَّ‏هو طريقتي في التقرّب إلى اللهبمائة توبة مع اعتذاري على إيماني.‏جَ‏ زِعٌ‏ أنا ألنني أستحقُّ‏ هذا الحوارَ‏ األبديوأنا...سأصمتُ‏ حينهاألنني غيرُ‏ جديرٍ‏ بالقيثارة30


(((ألجل جميلةغداً،‏ ستكونُ‏ األمطارُ‏ لكِ‏والحصادُ..سيكون لكوغداً،‏ سوفَ‏ نَمضي لكي نُلقي السّالم على الجزائركنتِ‏ ، عبر الهُنالك عربونَ‏ العصافيرِ‏ستكون األمطارُ‏ لكِ‏غداً،‏ سوف نبني معبدَ‏ الماضيغداً،‏ سيكونُ‏ الصّ‏ باحُ‏ لكِ‏فأيُّ‏ حليب هذا الذي بإمكانه أن يتشرَّبَهُ؟هذا الطّفل الذي سوف يجيء منكِ‏3- جميلة:‏ المقصودة هنا هي جميلة بوحيرد31


جميلةُ!‏ هل سيكون هذا الولدُ‏ أميراً‏ أم تذكاراً؟ال تخشَيْ‏ شيئاً‏ يا طيّ‏ ‏ِبتيسوفَ‏ يصبحُ‏ أميراً‏ وتذكاراً‏في جزائرَ‏ شبيهة بالورقة البيضاءالتي خُ‏ طّت بحروف بارزةسوف أصرخُ‏ : جميلة!‏سوف أكتبُ‏ : جميلةوإذا لزِمَ‏ األمرُ‏ سوف أتحوّلُ‏ من أجلكِ‏ إلى موهوبٍ‏ !أتأمَّلُ‏ اسمكِ‏ ، وهو يطالب بقافيةٍ‏32


من الخريف إلى الربيع..إنّه ميقات اللّيلجبالعربية،‏ للجميلة قوام الجُ‏ رموعندنا،‏ يُسَمّى الشّرفُ‏ : جميلة33


احترازأمدّدُ‏ مستقبلي كي يتجفَّف تحت الشمسنملةٌ‏ ترافقنيصرصُ‏ ورٌ‏ يُكثِرُ‏ من الجعجعةوعند الجبلتُهدي بنفسجةٌ‏ بيضهَا-‏ الليلجَ‏فلتتباهَي إذن يا قافيتيببسالة ندى البحرأو مذاق التُّوتِ‏ العلّيقغداً..علينا أن نتغيّرأمدّدُ‏ مستقبلي لكي يتجفَّف34


منفىتعرف حقيبتيحسرةَ‏ البيوتاتحلقة األطفالحَ‏ ولَ‏ خرافة35


بال عنوانكنتُ‏ ، سأقيمُ‏ في أيّ‏ مكانإنّهُ‏ قَدَرُ‏ الطيوريُحسِنُ‏ الحظّ‏ ترتيبَ‏ األشياءندى البحرِ‏ في الحديقةزاوية حبّ‏ ألجل وردةوالحمامة على السّطح36


بداية منفى:‏ إنها تمطرأيُّها الظلُّ‏ المرفوعُ‏ الطّوقإنّها تمطرحينَ‏ تمطرُ،‏ أكون بعمر السّادسة عشرةالمدينةُ،‏ تخشى الغرباءوهي تحبُّ‏ عاداتِها تلكأمشيأهيمُ‏سوف أقرأُ‏ رسالَتَكِ‏سوف أُغنّي رسالتيأنا قارّةٌ‏ تحلم بالزوغان(((جاءوا إلى بيتيبقسنطينة4- حين باشر مالك حدّ‏ اد العمل السياسي،‏ بعد التحاقه بالثورة،‏ كان بيته عادة ما يتعرّضُ‏ للتفتيش من قبل البوليس السّ‏ ياسيالفرنسي،‏ كانت والدة مالك تتعرّض لألذى النفسي بسبب تلك المداهمات وخشيتها على حياة ابنها.‏37


جاءوا مساءً‏فهم يزعِجون األحالم دوماً‏ في المساءوالدتي وجلةٌ‏وبيتي يغمضُ‏ عينيه.‏أنا المسافر في العهد الباروكيللحديقة التي تبتسمللمرآب الذي يتأمّلأغيّرُ‏ مسكني كلّ‏ شهرين تقريباً‏إنها تمطرُ‏المدينة تخشى الغرباءَ‏وهي تحبُّ‏ كثيراً‏ عاداتِها...‏38


العودةعلى ورق مدرستيعبر محبرة التالميذأغرفُ‏ أغنيتي في ‏»شارع العرب«‏عبر شهادة منفايكل قصيدة ليكتبها آخرُ‏بدءاً،‏ أطفالي في بلد بال نجومووالدتي هناك،‏ كَيَدٍ‏ قادمةأتخيّلُ‏ ابنتي،‏ وأخشى أن ينتابَني الخوفُ‏أخافُ‏ ألجل هذا المركب الذي يمضي في سبيله دون نجومهأبداً...أبداً‏ لن أبوح بحبّي كلّه39


(((عندئذ سأرى ابنتي في بالد كلوفيسكان-‏ ربّما-‏ فرنسياً‏ جيداً‏بيد أنني كنت أودّ‏ بشدّة لو أن الشيخ ابن باديسيقصص عليها بالعربيةما أنشُدُهأنا بالفرنسيةاحكي البنتيوأنتِ‏ في طريقك إلى المدرسةتنهلينَ‏ من مصير الباروك وعبث بال معنىالبنتي المنفية تماماً‏ مثل قلبيالبنتي،‏ أغنيةً‏ جَ‏ روحاً‏صغيرة5- واحد من الشخصيات التاريخية األكثر أهمية في تاريخ التقليد الجمهوري الفرنسي وأول ملك لما أصبح يسمى فرنسا.‏40


لنادية ))) ، بعيداً‏ عن الجزائر وعن جدّتهاألغنية منسيّةٍ‏ على أثرٍ‏ قديم بال طعملنادية وهي تَعُدُّ‏ داخل محفظتها الحمراءالمائة ألفِ‏ حجّ‏ ة ألغانيّ‏ المنتحبةماذا تبقّى من األزاهير التي كانت تضحك أيامَ‏ اآلحادودرب ‏»الفاصلة الزرقاء«‏في صباح المحاصيل الراقصةوفي المساء حين تستمعُ‏ القريةللشمس وهي تحكي عن يومهاأخبرينيماذا تبقّىمن ‏»شارع العرب«‏من سوق ‏»التروبادور«‏من السّهل المنقطع النّفَس6- نادية:‏ شخصية في رواية « التلميذ والدّ‏ رس«.‏ وهنا تتكرر،‏ كما هي عادة الكتابة عند مالك حدّ‏ اد،‏ الشخوص نفسها عبرأعماله لتغدو كلها تقريباً‏ نسيجاً‏ موحّ‏ داً‏ بين أغلب األعمال التي يُعتبر كل منها امتداداً‏ فنياً‏ لآلخر.‏41


أخبرينيماذا تبقّى من األياديالتي كانت تطرّز أحادِ‏ يّ‏من اليوم الفاصلمن شجرة الوردِ‏ الشعثاء،‏ في ڤالس األرامل؟تعرفون البائع الذي يبيع البالوناتقريباً‏ من المحلّ‏ الكبير(((للزّوروات والطرزاناتللفنانات الجميالتتذكّروا أيضاً‏ أنّه،‏ وفي ‏»شارع العرب«‏على الكرسي الصّ‏ غير في زاوية سنيّ‏ العشر،‏سوف تجدون بعد بحثٍ‏ دؤوبالزوروات والطرزانات- 7 جمع زورو وطرزان42


واألحالم المبقورة في مِمرغيّة اليومفي زاوية سنيّ‏ العشرفي ‏»شارع العرب«.....‏أيها الحسّون!‏ يا روبن هود العزيزأيها الحسّون!‏ يا صديق الصلوات المُرّةيا صديقيَ‏ الحسّون!‏ال ِ تُغَنّ‏ في الميوزك-هولأيها الحسّون!يا قريبيال تَنَمْ‏ والنّهارفغداً‏ سيكون يوماً‏ جميالً‏أيها الحسّون!‏ يا أبدع خلق اللهأيها الحسّون!يا موتزارت الصغيريا صاحب الطّوق األبيضأيها الحسّون!‏ حدّثني عن والدتي43


أيها الحسّون!‏عيناكَ‏ هما مصباح عالء الدّينفلتشترِ‏ ليَ‏ الجبلَ‏ والخرفانَ‏ متجعّدة الصوفاشترِ‏ لي،‏ البيتَ‏ الذي يضيء شتاءً‏الطريقَ‏ المؤدّي إلى األدغال ِ وممرّ‏ خروج التالميذاشترِ‏ لي مئزراً‏ يصعد حتى العنقنقوداً‏ من أجل التعاونيةتذكرةَ‏ رضاءاشترِ‏ لي،‏ جُ‏ رحاً‏ في ساقيثمّ‏ لطخات حبر لجفاف ذاكرتيالكبرىأيها الحسُّون!‏ اشترِ‏ ليالطريق الصّ‏ اعد نحو بيت والدتي...‏عبر الدروب الضيقة التي بال ماضٍ‏44


في البيت الذي يستنيررغم كل األفكار التي فقدت رشدهاأبعد مما عليّ‏ أن أتعلّمه لكي أحمي نفسيسوف أمضي لكي أموت في الجزائرمن يحبُّني سوف يعرف كيف يجنّبُني الكلماتويحترم الليلويحترم خطوي الذي خلّفته على العشبأصدقائي!‏انظروا إلى الجبل،‏ ولتسمحوا لحلمي:‏سوف أمضي لكي أموت في الجزائر45


واحسرتاه على رؤيتكقد أكون حلُمتُ‏ : السُّفنُ‏ أشباحقد أكون عرفتُ‏ المدينةَ‏ التي تحوّلت بفعل انفجار أمسعبر الجرائد إلى طنين أجراسٍ‏ تُقْرعبسُعارٍ‏ جامح اسمه ‏»سيرتا«‏أأشكُّ‏ في ذكرى تقول لي عنها الجزائربأن رؤاي تكذب عنّي ليس إالّ‏ويقول قلبي،‏ بأن هذا ليس إالّ‏ وهماً‏على ظهر سفينة رحلَتْ‏هل وُلدتُ‏ في المنفى وفي طباعيَ‏البحثُ‏ داخل الميترو عن رواقٍ‏ غريبٍ‏هل أنا سجين هذا القيد46


الذي يجعلنا نقول ‏»أبيض«‏ لمجرّد هطول الثّلجقلبي سائح في محطّة السّأمال أزور إال الذّكرياتِ‏ الناحباتنزُلٌ،‏ كل ما في العالم نزلٌ‏ تُفردُ‏ فوقها اللّيلوالجذاذة التي تُمْألُ‏ هي وصيّةُ‏ الرّحالتخبِرتُ‏ تحت الجسورِ‏ مُنصتاً‏ لألنهرِ‏الحوارَ‏ الجسورَ‏ واألسئلةَ‏ الكئيبةالتي يطرحها ملعونٌ‏ تنقصه الحجّ‏ ةبعدالة نومتِه تحت الجسورهل سأتمكّ‏ نُ‏ من رؤية عام جديد بألوان الكرَزالشارعَ‏ األبيضَ‏ بحجارة يوم من أيام مايوونحو جبل الوحش حين يتكلّمُ‏ الهشيمُ‏كلَّ‏ تلك األحالم الغارقة لنهر مغمضَ‏ العينين47


قد أكون حلُمتُ‏ : السُّفنُ‏ أشباحقد أكون عرفتُ‏ المدينةَ‏ التي تحوّلت بفعل انفجار أمسعبر الجرائد إلى طنين أجراس تُقْرعبسُعارٍ‏ جامح اسمه ‏»سيرتا«‏48


نفاد صبرحتّامَ‏ ستظلُّ‏ تلك اللحظاتُ‏ المسلوبة من ذاكرتيالرؤى المبتورة من العوالم التي نعلمُها؟وحتى متى ستنتظر عيوني المنسوجة في اللّيل األكحلمرورَ‏ الشتاء؟وهذا الالكتراثاألثقلُ‏ من حقيبةحتّامَ‏ سأظل مرتبطاً‏ بخطاي؟كلّ‏ جسور باريس،‏ كل جسور فنيزيااحتجزت فرحيفمن يا تراه سيعيدُ‏ ليَ‏ فرحي؟حتّامَ‏ سيظل برنسيشبحاً‏ غريباً‏49


وفي السّموات التي تحكي عن الفوندوم وبوجانسيه *حتّامَ‏ سيظلّ‏ وادي الرمال(((بعيداً‏ عن جسر بيرسيهحتّامَ‏ ستعيش طريقةُ‏ تقبيل الشيوخالذهابَ‏ لرؤية األقارب واستحسانِ‏ القريبات؟حتّامَ‏ ستسكنُ‏ السحابَ‏ سحابةٌ‏ بهذا الشُّحوبِ‏ويظلُّ‏ شارع قلبي بقلب قسنطينة؟تلكَ‏ الجرائدُ‏ تخبرنابانتحار السيد دوبونمتسلّقٌ‏ مات عند رابية ال ‏»مون بلون«‏وبفيض نهر اللّوارحتّامَ‏ ستظلّ‏ كلّ‏ هذه الالأشياء تقول لي أشياء؟حتّامَ‏ تلك الرؤى التي تُحني رؤاي؟8- كل هذه المناطق موجودة في فرنسا،‏ ويقيم هنا مالك مقاربة بينها لكي يمحو كل اختالف بينهما في تبرئة للطبيعة منأيديولوجيا اإلنسان.‏50


نساؤنا بحياءٍ‏ جريءقد تكون أُمّيقد يكون قصيداً‏حتّامَ‏ سيظلُّ‏ النخيلُ‏ بالصحراء؟حتّامَ‏ سيظلّ‏ أصدقائي واألسئلة ذاتها:‏اغتالوا أخيوالدي بالسّجنوأنتَ‏ ، بماذا تخبرنا كي تتوحّ‏ دّ‏ معنا في الشعور؟اغتالوا أخيوالدي بالسّجنحتّامَ‏ سيظل ساعي البريد هو القدر؟حتّامَ‏ الصباحاتُ‏ العجاف التي ال طعم لهاوالشّموسُ‏ دوماً‏ في أفول51


والثلجُ‏ شديد السّوادوالشطآن تحيلُ‏ دوماً‏ إلى ضفاف أُخَ‏ روالعنصرية تعتمر قبّعة اللُّيونةأو حتى زُرقةَ‏ الدفء؟حتى متى هذا الملجأ الذي يكون فيه ضيفي هو السجّ‏ ان...؟غير أنك سوف ترىحين تقرّ‏ ‏ِر الشّمس أخذَ‏مريديها باليدسوف ترى الربيعَ،‏ وكذا آخر سحابةتنسحبان باحتشام منتكستينمهزوزاً‏ بالقناعاتسوف ترى البالدَ‏ محاصرةً‏ بأكاليل الورودوالمحاربَ‏ مرتاحاً‏سوف ترى الجبل وشارعَ‏ العربو زهرة الرمان في الحديقة المحرّرة.‏52


االستراحةأنسجُ‏ قصيدةً‏ بخيط الحبّ‏معطفَ‏ قوسِ‏ قزحٍ‏ لهذا المرقصِ‏سوف نمضيوسوف يتّشحُ‏ ‏»الندى«‏بطعم النهارأنسجُ‏ ‏»ڤالس«‏ ببيانو من اللّيلج.‏أبقيتُ‏ على بندقيتي في عمق ابتسامةسآتي بعد حيناستبدلتُ‏ بندقيتي بقصبٍ‏ حكّ‏ اء.‏من القوس إلى القيثارةأعرفُ‏ مكان زنبقِ‏ الواديوالحسّونُ‏ صديقي53


عاهدته بأن أكون له اللّسان.‏مهنتي،‏ هي أن أُعجِ‏ ب ريح الذات المنهارةأنشدُ،‏ ويحلو لي أن أمضي في نومي بسالمبعيداً،‏ ال توجد مهودٌ‏ في المقابروأنا أعرف األنغام الشجِ‏ يّة في المالحمسوف يخبروننيأعرف أنهم سوف يخبروننيعن الكلمات الهائلةوأمّا أنا،‏ فإن الكلماتِ‏ التي أعرفها،‏ هي بال ماضٍ‏قلنا ذلك مساءً‏حين كنّا نشربُ‏ القهوةسوف يخبرونني54


أعلم أنهم سوف يخبروننيشعبي وثورةُ‏ غضبهالشعبُ‏ الذي أعرفهتحتويه األزاهيراألزاهير التي عهدتهافوق جبل شيلياسوف يخبرونني،‏ أعرف،‏ أعرف بأنهم سوف يخبروننيبأنّ‏ الزمن لم يعد زمن تروبادورحسناً!‏وأيضاً‏ حسناً‏غير أن مُلجِ‏ ئتي أناأسْ‏ مَوْها ‏»وريدة«‏ ))) في زاوية من قلبي9- وريدة،‏ هو االسم ذاته الذي يتردد في رواية ‏»رصيف األزهار لن يرد«‏ وقد اتسمت شخصية وريدة في الرواية بالخيانة فياألخير،‏ مما دفع بخالد بن طوبال ‏)الشخصية الرئيسية(‏ إلى االنتحار انتقاماً‏ لوفائه الذي جرّحته تلك الخيانة.‏55


أنا أغنّيوهذا يروق ليأعرف بأن للموسيقى كلّ‏ الحقّ،‏ إالّ‏ أنني صاحب الكلماتونغمي يقيل عند جذع شجرة البرتقال...‏56


أغنيةألجل الجدار وكتفيكِ‏والسّمكة الميتةوحدها السّحليةفي خفّتها كالحلمكانت تأخذُ‏ مشروبَ‏ الشّمس والقيلولةوأصابعُها النحيفةُ‏ فوق الحجرأين كنتَ‏ يا حُ‏ بُّ‏ أيامَ‏ جوالتِ‏ صباييا صاحبَ‏ المئة زهرة والمئة أغنية؟آه يا أيتها الغوريال،‏ يا جارةَ‏ مدرسة البيسُونييرأين أنت يا أغنيتي التي كانت تطلع من مجرّد قشعريرة؟قابلتُ‏ هذا المساءعلى جدار كتفيكِ‏ ، ظالًّ‏ خفيفاً‏ وسمكةً‏ ميتةوكان غباراً‏ أبيضَ‏ عند نهاية هذا الطريق57


هو الرّملُ‏ الغائبُ‏ لبحرٍ‏ يتراجعقابلتُ‏ هذا المساءعلى جدار كتفيكسمكةً‏ تتجفّف على ضفاف محيط ذاكرتيهل ستعودين يا زهرتي البريّةتسوحين في شعري؟يوسفياً‏ سوف أهديكِ‏سمكةً‏ حمراء واإلله الطيّبفعلى جدار كتفيكظلّت قطعةٌ‏ من الشمس معلّقةً‏أعرف لِمَ‏ ينتحبُ‏ الصفصافولماذا يفضّ‏ ل الخريف أن يختبئالسمكةُ‏ الصغيرةُ‏ ماتت على جدار كتفيكِ‏58


حَ‏ جَ‏ ران غاباً‏ عن موضع القُبلةفي العهد الجميل لزمن الهروب من المدرسةالسّمكةُ‏ الصغيرة الميتة كانت تلميذاً‏بوح الدُّلبجَ‏ يبٌ‏ صغيرٌ‏ أزرق ملوّحٌ‏ فوق السُّطوح العتيقةمسرًى يتسكَّ‏ ع قريباً‏ من ‏»جاردان«‏صورةٌ‏ لكِ‏مزّقتُ‏ تلك الصورةَ‏في يوم بارد كانت الشمس فيه منتكسةوكان التزامي الوحيد تجاه أسايأنْ‏ أَعطَيتُ‏ قلميأيتها النبتة البرية..يا صديقتي59


علينا أن نبكي السّمكة الميتةنبتتي..آه يا نبتتياليوم ستتزوّجُ‏بجدار صغير،‏ عند تجويف كتفيكاعتقدتُ‏ ذات يوم بأنني عشت من جديدكنت أعلم بأنّ‏ الفجر بحاجة إلى يوم واحدفارتميتكحجرفيالمحيطقريباً‏ جداً‏ من جدار كتفيككانت األمواج تعود ألجل المدّ‏ األكبروكنتُ‏ أعرف أحياناً‏ بأنّ‏ رؤاك تنير عيونَ‏ القُطرب60


حين تخبو رؤايأكتب بحروف يمكن للسّحلية أن تعرفهامتمرّغاً‏ في وجل شمس تغيبكلمات بال موهبة،‏ كلمات بال ماض عتيقتلك القبالت السريّة التي حرّكت فميأنا السّمكة الميتة على جدار كتفيكوالتي تتكلّم عنكوتَغرَقُ‏ في قدريأيكس أون بروڤانس،‏ 12 أوت - أغسطس 195761


كنت أتقنُ‏ الضحك آنذاكوالمشيَ‏ صاحياً‏ على حلمٍ‏ واقفكان الواقع هلوعاً‏فقد عثرتُ‏ على ما هو أجمل منه:‏أنتاليوم أقول في نفسيكما نعلّق على حادث ما:‏كان أسوأمما تصوّرنا...‏قلبي شاطئأتعبته الرمالأتعبته النوارس والصُّ‏ خور الكحالءيا قلبي..لقد غادَرَنا الصيفُ‏والعشّاقُ‏ ال يحبّون الكلماتِ‏ التي استُنفِذَت في الغناءالجدار،‏ لم يعد يحتفظ بجدار كتفيكِ‏62


الشّمسُ‏ اصفرّت ككتاب ذبُلَ‏يخبرونني أن مداخل الخماراتفي باريستدندن الشرود...‏هذه الكرة الحمراءفقط هذه الكرةفقطالتي يحاول بصري اإلبقاء عليها…‏تعرف بابَ‏ الليلِ‏ والنهرَ‏ المسرورينسابُ‏ الصّ‏ برُ‏ في قلب الماضيويشعر الفردُ‏ بأن الشّمس على المرج البردانتشتاق إلى الشمس التي انمَحتبلغتُ‏ العشرين هذا المساء،‏ وبالكاد أصدّقأنشدُ‏ عن ظهر قلب ما حفِظته أيامَ‏ كان الكون بمحفظتي63


ما نسيتُ‏ شيّاً،‏ وما فهمت شيّاً‏وحدها فكرتي الثابتة عن نبع السّ‏ ِ يَريَدُكِ‏ لم تكن سوى فزّاعةِ‏ وهمٍ‏تعريةً‏ لقلبي في ساعة العشقوال ينقص إالّ‏ مدرستي االبتدائيةمأخوذٌ‏ أنا،‏ لكي أقول إلى ماال نهايةتلك األغنية الواهنة التي سرَقوا منها قوافيهالم يتبقَّ‏ هذا المساء إالّ‏ مقطعٌ‏ من الزمةدورٌ‏ متقنٌ،‏ وتمثيليةٌ‏ حزينة...‏أحلمُ‏ في زمن ال يكتملبالمطعم،‏ يوجدُ‏ مصباحٌ‏دائمُ‏ اإلنارةبالمدينةِ‏ التي انتقت عندها الحجرةُ،‏ مرقَد شيخوختهالم يعد هناك إال خيطُ‏ دخان64


وذكرى ال تنكسِرهذا الزمن المجرم يعود إلى موقع الجريمةيلْقُم من الكلمات التي كنتُ‏ قد تلفّظت بهايمنحُ‏ ني اسماً،‏ فأصنَعُ‏ منه قافيةحين أتحدّثُ‏ في الحاضِ‏ ر،‏ يغنّي الصّ‏ دى في الماضيأحلمُ‏ في الماضيبالمطعمِ‏ يظلّ‏ المصباحُ‏دائمَ‏ اإلنارةومفرشان ينتظرانقرب باقةِ‏ زهر قد ذبُلت...‏مشَيتُ‏ في فزع الطرقاتِ‏ الملتبسةمنَحْ‏ تِني الكلماتِ‏بيتاً‏65


موقِدَهاوالعصفورَ‏ األقلّ‏ جماالً‏ في سماء الجارقريةً‏ تحتاطُ‏ من هموم المحاصيلمنحْ‏ تِني الصيفَ‏الصيفَ‏ الذي تَعِبَ‏ من أن يتجفَّف تحت الشّمسروايةً‏ ألجل الحبّ‏لقلقاً‏حلزُوناً‏منحتِني-‏ خاصّ‏ ة-‏ الطريقَةَ‏ المُثْلى لكي أومن بنفسيلكي أنصِ‏ تَ‏ هذا المساءِ‏ إلى نزيف اإلنسان ببيتيآه يا حبيبتي،‏ هل دريتِ‏ بموت أصدقائيبخلوّ‏ الخرفان من ناي الرُّعاةحبيبتي،‏ هل أخبرتُك بأسماء كامل إخوتيبلقب الوردةالتي اغتالوها...‏66


منحتِني الشتاء الذي يمنحنا بيوتاً‏ مضمونةساعديكحنوّ‏ الجُ‏ درانومعجزةَ‏ المطر...‏قلتُها على الحيطان التي يحميها النّدمعلى الرّمالِ‏ النائمة على توقيت الحصونوعلى الوردة السوداء،‏ على صدر الثلوجقلتُها عبر النّاي وعبر الفالمينكوللّيل نبوغُ‏ الليالي التي تغيبُ‏ عنها النجومأليام الخميس الضائعة في نومةِ‏ األلعابللرسّ‏ ام الذي يعجزُ‏ عن تمرير وحدة مشاعرهبين حياته ومماتهللحبّ‏ نبوغُ‏ اليد التي تعبتمن قولِ‏ صحراءِ‏ الصّ‏ مت للورق األبيض67


نبوغ األزاهير،‏ وحين يمرُّ‏ الربيعيصبح للحبّ‏ نبوغُ‏ في قلبِ‏ الذّكرىللحبّ‏ نبوغُ‏ ، فقد رأيتُ‏ هذا المساء أيضاً‏الشارعَ‏ يتنكّ‏ رُ‏ في رومانسية ذهبيةألن النبوغ وحده،‏ هو الذي علينا أن نعلمه لكي نعلمبأن الوقتَ‏ دائمَ‏ الزُّرقة في السّاعةِ‏ المقدّسةوحدَه النّبوغ هو الذي يلزمُ‏ السهمَ‏ الهادئيدَ‏ اإلنسانِ‏ الممتدّة لإلله الطيّبفكم يلزم من نبوغ ألجل بلوغِ‏ الهدفومالقاةِ‏ السّماء برؤى معلّقة في لِحاظِكلن أتمكّ‏ ن من الشكّ‏ في الكرزمن الشكّ‏ في اللّيلجِ‏فلتمنحوني قصَ‏ باً،‏ سأعُدُّ‏ سرعةَ‏ الرّيحوحين يحلُّ‏ الشتاءُ،‏ ستكونين هنا68


نَحيبُك،‏ مائيَ‏ المقدّسويدُك التي تقول بإشارات لإلتّباعحبُّك يا صغيرتيكيف أعيشُ‏ وأتبعُ‏ مائيَ‏ المقدّسأسطورتي المنسوجةِ‏ بمالحم اليوميّ‏إِقْداميَ‏ العظيم وضعف نغمتيكنت أتعلّم أسماء الله الحسنىعرقَ‏ الظهيرة وجاذبيةَ‏ الخُ‏ بزِ‏والخشوعَ‏ الذي علينا به تجاه لحظات الصّ‏ متحين انفلَقَت األغنيةُ‏ الخصبةكانت الضواحي تجثو عند ركبتيكِ‏كنت أجثو عند ركبتيكِ‏أقبّلُ‏ ركبتيكِ‏آثارَ‏ خطاك69


كنت أقبّلُها.‏في طريق الصنوبركنتِ‏ أرضيَ‏ المقدّسة لكلّ‏ حدائق دُنيايكان المساءُ‏ امتداداً‏ لما يحضّ‏ ره النهاركنتِ‏ حسناءَ،‏ وكنتُ‏ عظيماً‏أعظم أيضاً‏ من لقلقٍ‏أعظم من قُبَلِنا عند طريق غابة الفجركنتِ‏ تعرفين كل لحظاتيوكنتُ‏ أتعلَّم الحسابَ‏ بعدّ‏ ِ تلك الحُ‏ ججقدِ‏ متُ‏ ألجل أن أراكَ‏ يا إلهيأنا النبتةُ‏ البائسَةُ‏فلتبقِ‏ على اعتقادي في فضيلة الكلماتإذ ليس لي إال كلماتٍ‏ أحفر بها النّورَ‏كلماتٍ‏ أقتسم بها الحبّ‏ مع أخوتيقدِ‏ متُ‏ لكي ِ أؤكّد لك70


أكتشفُ‏ اليوم ما تعرفه الشجرةُ‏ جيداً‏ما يعرفه حجرٌ‏ جيداً‏ما عرفْتُه طفالً‏أصرّحُ‏ أمامكَ‏ بعيداً‏ عن حُ‏ نْق المدائنالحلُّ‏ دوماً‏ يتيمما لم يكن حالّ‏ إلهياً‏أصرّح أمامك بعيداً‏ عن الجُ‏ مَل الثائرةأين يغيب فعلُ‏ أمرٍ‏ يقول:‏عليكَ‏ بأن تحبّ‏مستغرباً‏ أحبّك،‏ معرفتي باألخذِ‏ مقابلقليل من العطاءقدِ‏ متُ‏ لكي أقابلَكَ‏ يا إلهيأنا،‏ النبتةُ‏ البائسة71


نقد ذاتيغير أنه كان من المحتملأن تكون القَرعةُ‏أقلَّ‏ بدانةً‏من هفوةِ‏ حزبفي باطنِ‏ مشكلةٍ‏ قديمةاختبأ سنجابٌ‏ وفكرَتَهيتغذَّيان على النّظريّاتِ‏طيلة النّهارقريباً‏ جدّاً‏ من هناك،‏ كان لقلقٌ‏يستجمع القناعاتوهو يحكي عبر قيثارتهالمنطقَ‏ الكاملَ‏ للنّغم المفكّ‏ ك72


في باطنِ‏ مشكلة قديمةبندُقةٌ‏ ضجِ‏ رة...‏73


الحمار الصغيرإلى صافية وناديةالحمارُ‏ الصغيرليس غبياً‏ إلى هذا الحدّ‏هو ال يحبّ‏ الخرطاليحبّ‏ الحلوىيلوّحُ‏ برأسهوحين يصرخ كوكوريكوأنا على علمٍ‏ تامّ‏ بأنّه حماريكفي أن يمتدّ‏ القطّ‏ على ظليفي بيكينحتى تمارسَ‏ الصينُ‏ التي أبحثُ‏ عنهاالعَدَّ‏ على أصابعي74


غير أن بيكين بعيدةٌ‏والقمر عالفي ملجأ عمري((1(على نهج ميرابوسأغدو جميالً‏كشجرة دلب.‏10- اسم شارع كبير في مدينة إيكس أون بروڤانس بفرنسا،‏ وهي المدينة التي درس فيها مالك حداد الحقوق،‏ ولم يتمّ‏دراسته بعد التحاقه بصفوف العمل السياسي إبان الثورة.‏75


باريس 59رأيتُ‏ الزمن األزرق الذي يرسم صمتاً‏على الفاكهة المشدوهة لكونها بعيدة عن الحديقةيكفي ألجل هذا،‏ سُ‏ وق ضاحيةشمس ظهيرة أقلّ‏ غرابةفعل الضحك وحده،‏ موسيقى شاذّةعند المساء،‏ لن أقصد الشارع الالتينيلمالقاة بودلير واقتناء البطاطا المقلية((1(وتعقّبِ‏ بزوغ النهار على ‏)الجسر الجديد(‏السّجن األزرق الذي يبكي عند نحيب عرائس البحربحّ‏ ار ومنتصف الليل،‏ تلك األيادي التي ترتفع إلى الحائطانتفى موعدي المسائي مع فرلين11- اسم مكان.‏76


((1(باريس لم تعد باريس الشغوفة بريامورإنه موسم صيد األعين السوداء )1)) ، فلنرم الشّ‏ ِ بَاكالسّجن األزرق الذي يبكي عند نحيب عرائس البحريقود الخوف الرقص،‏ في المرقص البليدانتفى موعدي المسائي مع فرلين-12 Réaumur :René-Antoine Ferchault de عالم فيزياء وطبيعة فرنسي كبير - .1575/168313- إشارة إلى االضطهاد الذي انتهجته فرنسا ضدّ‏ المهاجرين الجزائريين واألفارقة على أراضيها.‏77


سأداوم الحراسة هذا المساءسأداوم في هذا المخفر الذيينتظر كلمة المرور عند مدخل حلميأم تراه ندمٌ،‏ ذلك الذي يكدّسه الخريفُ‏نتائجَ‏ هزيلةٍ‏ سوف يمحوها الغَدُ‏سأداوم حراسة أفكاريَ‏ هذا المساءوسوف أضبطُها وأنا أَنصتُ‏ إلى السّاعات التيتدقُّ‏ ألجل التنبيه على قرصٍ‏ أجوفعلى نغم صحراء تبكي غزالتُهاسأداوم الحراسَ‏ ةَ‏ هذا المساء على مخزن البارودأيها النّدم األرعَن الذي ظننتُ‏ خُ‏ فوتهحينَ‏ تأكَّدَ‏ الماضي من عُزلتي خرجَ‏ عليّ‏ من قبره78


ورافقني حتى طلوعِ‏ الصباحسأداوم الحراسة هذا المساء على مدخل الخيمياءعلى الصدّارةِ‏ الشديدة الزُّرقة التي تحيك السّماءوطريقةِ‏ الغناء التي تمتلكها كلماتُ‏ أمّيوالنحلةِ‏ المندهشة ممن يأخذ عسلهاسأداوم الحراسَ‏ ة هذا المساء مُنصتاً‏ إلى حلمٍ‏إلى سفينةٍ‏ تتراقص في عيون األساطيرغير أن النورسَ‏ األزرق وهو يحطّ‏ على شاطئ الرّمللم يعد سوى هباءٍ‏ في مغرق الرمادسأداوم الحراسة هذا المساء على ممرّ‏ القطار الذييزفر صرخة فقط وهو يواصل سبيله نحو العميقوحين اخترقتُ‏ األرصفة ظللتُ‏ احتفظ في قبضتيبتلك القبلة التي رمَتها عليّ‏ نظرةٌ‏ عابرة79


سأداوم الحراسةَ‏ هذا المساء وكالبُ‏ الدوّارتركت في أحداقيَ‏ سهوالً‏ مذهلةً‏ليس مبكّ‏ راً،‏ ليس متأخّ‏ راً‏ أبداً‏ألجلِ‏ عيونه نظرة السهّادسأداوم الحراسةَ‏ هذا المساء وهاأنذا أسمع وادي الرماليردّد عليَّ‏ مئة مرةٍ،‏ بأن نسّاجي قوسَ‏ قزحٍ‏ المسائيينَ‏على صواب مئة مرّةأولئك الذين يدفعون ثمن الخبزِ‏ وهم من يصنعُ‏ الحصادسأداوم الحراسةَ‏ هذا المساء على اللغاتِ‏ الميتةعلى كلماتٍ‏ كنتُ‏ أتقنها حينَ‏ كنتُ‏ راعياً‏وأنا لم أكذب إذا ما قلت بأنه،‏ وعلى بابيكان هذا أوّلُ‏ القارعينأصحابي،‏ يا الئحة مطالبي الطويلة80


ال تعتقدوا،‏ خاصة،‏ بأنهم ال يعيرون اهتماماً‏ بالبحروبالمسّرات التي تحكي عن الهروباتِ‏ الصغيرةبالزهرة،‏ بقطعة الحلوىبخطيبة الترمُّلبالطفل الذي يركضُ‏ خلف ظلّهال تعتقدوا،‏ خاصة،‏ بأنهم ال يعيرون اهتماماً‏ بالفرندولبالزحافة التي ترسم عبورها على الطرقاتِ‏ الباردةباألسئلةِ‏ العميقة التي تطرحها الغزالنُ‏لحظة مفارقتِها الحياةال تعتقدوا،‏ خاصة،‏ بأنّ‏ عشقهُم الوحيدُ‏ هو الحربكانوا يحسنون مداعبة أحصنة األساطير...‏ذات يوم كانت الجزائر هي من يلعب دور مسرحيةيُحسنُ‏ اليوم لعِبَها جموع مسرحيين ال يتقنون دور العجوز المضحكرأيت مشاهدَ‏ حلمٍ‏ حولَتْهُ‏ العهودُ‏81


إلى أغنيةِ:‏ ميّتُ‏ المحكومِ‏ عليهمبعيداً‏ عن الضفادع التي كانت تتمتم كلماتِ‏ الحبّ‏وتعطي دروساً‏ لسنواتنا اليافعةكُنّا فقط بعض األفراد الذين يعرفون بأن اليومَ‏لكي يتحوّلَ‏ إلى صباحٍ‏ ، كان عليه أن يُضحّ‏ ي بأيامهكنّا فقط بعض األفراد الذين يتكلَّمون عن وطنٍ‏خالٍ‏ من الصّ‏ ِ يَغ التي تأسنُ‏ في جرائدِ‏ اللّغوكنا فقط بعض األفراد الذين يتكلَّمون عن جزائرَ‏دون أن نضطر إلى سكب دموع في جفّافٍ‏ ال يرتوي.‏بعض العشرينيين تقَعُ‏ العاصمةُ‏ عندَهمقريباً‏ من الركن الذي تُصنع فيه األغانيوالبعض اآلخر يعرفُ‏ بأنّ‏ الحكم باإلعداميتأرجحُ‏ في مكان ما قريباً‏ من جباهناكنّا فقط بعض األفراد الذين ندّدوا بخطأ82


عصفور يصمت،‏ بخطأ عقالٍ‏ ينامكُنّا فقط بعض األفراد الذين صرخوا بأن الشّرَفهنا أو هناك،‏ يَسْلم بأغلى األثمانكنّا فقط بعض األفراد الذين كان بإمكانهم أن يتنبّأوا بأن الرّعدالذي يطلع رغماً‏ عنّا هباءكنا فقط بعض األفراد الذين كان بإمكانهم أن يفجّ‏ روا الغيومكنا بعض األفراد،‏ سماءً‏ تولَدُ‏ قبل األوانكنّا بعض األفراد الذين يشكّ‏ كون في كلماتأولئك الذين يخشَون إمرة الشّمسنحن فقط بعض أفراد يتغنّون باألشياء المجنونةضمن مرمى رصاص األغاني الخارجة عن القانونإذا ما أردتُ‏ الحديث ستغضُّ‏ ون الطّرْفوتحصون أنتم ذاتكم اآلذانَ‏ الشريكة83


وعبر الطرائق المشينة تنتزعون االعترافاتالشبيهة بالحقيقة في مخافِر الشّرطةوعليه،‏ أريدُ‏ أنا الحديثسوف أتكلَّم شامخاً‏جالساً‏ أو راقداً‏دون محامٍ‏ غير الشمس التي تطلعخلفَ‏ القضبان التي تطيرُ‏ عبرها األغانيسوف أتكلَّم شامخاً،‏ وقد فضّ‏ لتُ‏ أن يكون قواميعصا يرفرف عليها العلَمويختفي في عمق األدغال الحكيمةلكي نُليّ‏ ‏ِن الحديد،‏ أريد للجوّ‏ أن يسخنسوف أتكلّمُ‏ شامخاً‏راقداً‏أو جالساً‏ بشكل جيّدسأقول الجزائرَ،‏ جديدَ‏ العالم84


سأقول الحريّةَ،‏ فوق االستسالمقصيدتي،‏ جاءت من موضعٍ‏ آخرَ‏ غير القريحةسأقول حرية،‏ سأقول سنحرّر،‏ سأقول سأقولإنني ال أكترث بكم،‏ سوف نُحرّ‏ ‏ِر!‏***ال شيء يشبه األمَل في العيون المكسورةولكثرة القتل،‏ أعلمُ‏ أنّا سننتهي بأن نموتستأتي وردةٌ‏ للتنديد بالشوكإنّه عهد الصعاليك المرتسمة على الجباه التي سوف تشحَ‏ بأستعيد قوامي حين أعرفُ‏ كيف أرفُضقبلةً‏ تأتيني من األسفل البعيد.‏اليوم،‏ يمارسون القتلَ،‏ لذلك أُدْعَى ‏»غضب«‏فلتنظري يا حدائقي،‏ يا حبيبة السّالموبما أنهم يمضون نحو القتل،‏ فهذا دليلٌ‏ على أنهم سيقتلوننيغير أنني سوف أتغنّى85


بالفتيان الضاحكين في العيون السُّود لوطنيكان اسمهم ‏»إخوتي«‏وأنا أرغب بهذه التسميات لكي أحبّ‏ الموسيقىأؤكد بأنني قلت زعترثم قلت:‏ هل تتذكّر؟أؤكّد بأنني قلت صاحبي وأنا أعتنق الفراغاسمهم إخوتيهو اسمٌ‏ كغيره من األسماءكان إضافة ألنه قرّر أنيشبه الصُّ‏ قوروأن يأخذ األغاني في فسحة عبر األرضأين تنام القيثارة وسط حقولِ‏ القمح؟قدِ‏ مَت القيثارة لكي تحكي لي عن ‏»إخوتي«‏عن صاحبي عن رفيقي86


كان اسماهما ‏»غضبٌ‏ » بعيون عاشقةوأنا،‏ كذبتُ‏ طويالً،‏ وأنا أتحدّث عن القنبلة:‏نحن قلّةٌ‏ ظللنا على قيد الحياةومن اآلن فصاعداً‏ سوف أقول كلَّ‏ شيء:‏صاحبي،‏ أصحابييا الئحة مطالبي الطويلةأولئك الذين يقتاتون نهاراً‏حين كنت أحيا عبر الطرقات الزرقاءصاحبي،‏ أصحابيأصحاب اإليماءات الرهيفةتحبُّون كثيراً‏ المدينة التي تتألأل شوارعُهاأخبَروني عنكم كي يثيروا غيرتيكي أُصاب بالسأمحيث ال تكونون...‏87


لديّ‏ من األصدقاء كثيراً‏ حتى إن أصابعي تهفوحتى إن رؤاي تَعاتِبُ‏ نفسها ألنها ال تمتلك غير عينين اثنتينحتى إن قلبي يئنُّ‏ عوض أن يخفقوأنا أتألّمحين يكونون بأفضل حال.‏كان لديّ‏ من األصحاب حتى إن أسماءهم تخبوألجل إعطاء الكلمة لشاعر ماأصحابٌ‏ تملؤهم الورود،‏ وهم يقولون غداً‏مثلما أقول أنا اليوم:‏ماذا لو صنعنا صروحاً‏((1(كان لدي من األصحاب الذين يُتقِنون معرفتهم بندرومةتلك المدينة التي استحالت إلى العال وسط األشجار العاتياتأصحابي النائمون في لحظة الفجرأسماؤهم هي مهمّتي التي أحفرها على الرُّخاموبعد ذلك سوف تستحيل الصروح إلى جالميد...‏14- مدينة في الغرب الجزائري.‏88


ما كان لديّ‏ أصدقاء لم يتحوّلوا إلى أبطالمنذ عهدتُ‏ نفسي قديماً‏ وأنا أختَلقُ‏ الرومانسياتكانوا يقولون لي:‏ مالكُ‏ ، غداً‏ سيكون جميالً‏كلُّ‏ أصدقائي كانوا يتقنون حكمة الريح.‏الطّريقُ‏ ليس وحيداً‏أنادي على أصحابيرجالٌ‏ أشدّاء وطيّبونأغنيةُ‏ اليوم تُدعى أصحابيالطريق ليس وحيداً‏إنه ميقات أخطائيكلُّ‏ سبلي أضاعت الشمالوها هو ذا الرّاعييعيد للبندقيةروحها كنايٍ‏ وبرتقالة…‏89


سيكون مكتوباً‏أيتها اليمامة التي على السطحلماذاأنت طير؟سيخلد صوتي للراحةسأكسِب عاداتٍ‏ جديدةعليّ‏ بالحلم.‏سينتهي بأن يجيءذلك الربيع المتوجّ‏ ِ سُ‏ ألجل شهيدِ‏ الوردةسينتهي بأن يجيئناذاك الصباحُ‏ ‏...صباحُ‏ الجرائد المنوّمَة ذات الخمسة أعمدةموهوبةٌ‏ هي تلك األيادي المجتمعة90


فلتنضمّ‏ إلى بعضها تلك الصلواتُ‏وليذهب األموات إلى السّالمسينتهي بأن يجيءذلك االنشداهُ‏ الهلوع الذي يرافق موسيقى الجنائزسماءُ‏ موطني المنذورةِ‏ لعصافير أُخَ‏ رستشتعلُ‏ األفراح حين تخبو النّارحريةُ‏ االعتقاد في خطوط اليَدِ‏إرادةُ‏ الفالحين التي تشقُّ‏ لنا أخاديدَ‏سينتهي بأن يجيئناذاك الزمن الذي سيقول:‏ أشعُر بالحريةسوف أجلب للغدِ‏ دفْ‏ ءَ‏ الماضيسينتهي بأن تجيئناتلك الغِنائياتُ‏ التي أُبدعت في الجبال العالياتسينتهي بأن يصبح عصفوراً‏ذاك الحبُّ‏ المرتسمُ‏ ألجل91


حطام السّماء العظيمذاك الحبُّ‏ المسيّسُ‏ حتى آخر القناعاتالتجاعيدُ‏ والشّوارعاألسالك الشائكة على الرؤى((1(ذلك الذي يتأرّضذاك الذي يتمّ‏ صرعهفي عيون والدتيفي قلب القصبةذاك الحبُّ‏ المسيَّسُ‏ كقبلة امرأةالسّعادة يا أصدقائي،‏ علمٌ‏ دقيقونحن على حقّ‏أيُّها الالجئونيا بؤبؤَ‏ العين15- المعنى اللفظي للكلمة،‏ يعني:‏ السكوت ،Silence ولكن المعنى المكتوب يحيل إلى:‏ األرض .Terre92


أعلمُ:‏اإليقاعُ‏ األخير منتقى من الحياةبقي لنا فقطزمنٌ‏ للقَصص...‏جالميدُ‏إنني متعاطفٌ‏ !تعريةُ‏ السُّباب والالاكتراثوأمّا أنتم،‏ فها أنتم ذا يتامى الموسيقىتعلمون ذلك:‏ال تطرقوا بشدّةلم أعد أقيمُ‏ هنا.‏ال زلتُ‏ على إيمان كما مضى،‏ بأن الحبّ‏ الذي يتلهّى93


يستدرج ذاك الذي يدافع عنه نحو الخطأوألجل هذا تحديداً،‏ فإنني أقاطع قافيتيهليكفي العاج***لصناعة فيل؟....‏وألجل القليل،‏ اختارت القبلةُ‏ على فميأن تضعَ‏ نقطة نهاية على األنغام المجهَضةعلى الشّمس التي عُثِر عليها في هذه الليلة اآلفلةكي نتذكّر طويالً‏ كيف تسنّى ليَ‏ الغناء.‏نحتاج إلى القليل كي نعطي موسيقىكي نوقِظ الجميلة النائمة داخل قلب غافلكي يستحيل صباحٌ‏ مكسورٌ‏ إلى فجر غنائيوكي تلمع نجمةٌ‏ في عيون الزجاج البراقة.‏94


أعاشرُ‏ كلماتٍ‏ أبداً‏ ال تتكلّمبعضُ‏ ها قالت الكثير،‏ واألخرى حكيمةأغلقتْ‏ على نفسها في كتبي الملعونةمنتظرةً‏ صمّاء،‏ ما سيأتي بعدها في الصفحات الالّحقةالبعضُ‏ ناضلوا وِ‏ سْ‏ عَ‏ فضاءِ‏ وميضوناموا مثل كلبٍ‏ في حجرتهأعرف واحداً‏ منهم،‏ يا إلهي،‏ عزيزٌ‏ على قلبياعتقدت طويالً‏ بأن اسمه في المقدّمةبيد أنه برؤيتهم،‏ أبدو بمثابة ابتسامتهم التيتقودهم إلى الربيع الذي أسموه هم أنفسهمحين ينصتون إلى حديثي سيعلمون جيداً‏ ماذا عليهم قولهويستعيدون اإليقاع للنغمات التي يدندنونهامن يعلم،‏ قد يعودون إلى الخدمةويعيدون الوصل مع الفعل « أحَ‏ بَّ‏ »95


هل عليّ‏ أن أترجّ‏ ى،‏ أن أحتجّ‏ على هؤالءالكسالى الذين تضرّ‏ ‏ِجهم تعاريفهمكانوا قد قاموا بحملة في أرجاء القلب األربعةوالربيع وشى بميموزا فقيرةذلك الذي لم يدخل العشرين إال للذهاب بعيداً‏ميتاً‏ في زهرة العمر عند مداخل سطيفلعبة كلمات،‏ لعبة أيادٍ‏ قطفت القنبلةالوادي يتذكّر اسم المقرانيوالكلمات المستنفرة غدت ضوضاءوحسّونَ‏ عشقٍ‏ في إجازة ليليةكانت لديهم طريقة في البحث عن النورعلى الحيطان،‏ كانوا يعلّمون أفق الكواسروالنغمات تسافر كموسيقى غريبةوالكلمات،‏ كانت محمّلة بهموم الغضب والعشق96


عرفتُ‏ كثيراً‏ ممن هربوا من األساطيرلم يكونوا على توافق مع الواقعتعطّروا لألبد بالنبات البريّ‏وعشّشوا في مكان ما بقوس قزحأحياناً،‏ كان ال بدّ‏ من إيجادِ‏ مكانٍ‏ ما في جريدةكان ال بدّ‏ من التزحلق كَوننا غيرَ‏ مدعوّينومِن تعلّم السّباحة للوصول إلى السطحوالكلمات التروبادور لم تكن تُحسن غير الغناءفقدتُ‏ كثيراً‏ في عهود الباروكأين تضيع دوماً‏ بعضُ‏ تلكَ‏ األغانيالتي يمكن للريح أن تمرّرَها عبر أحالمي الممزّقةوعبر ثقوبه،‏ يستحيل القصب إلى نايٍ‏ وقشعريرة؟من أحببتُه،‏ أضاء الغاباتِ‏97


وحين لم يدخل النهارُ،‏ تسرّب هو إلى غرفتيو حين تحوّلت ساحة ميرابو إلى غابة نخيلسمِعتْ‏ صديقي وهو يمهّدُ‏ لنوڤمبربعدها،‏ حَ‏ لّ‏ اسم صخرة النوارسأبداً‏ لم أعثر على طريقةٍ‏ لكتابة قصيدةغير أنني،‏ أعتقد جازماً‏ بأن تلك األغنيةِ‏ الصغيرةالمطرّزة على خيط أبيض،‏ كانت تحكي عن منابعألجل العثور على ذلك الذي غادر التاريخأخذتُ‏ حدوديَ‏ المثلى في الصحراءوألجل تأمُّلي،‏ كان ال بدّ‏ من تلك المرآةالصحاري أغلقت حولي آفاقهاكل قبر،‏ هو كلمة في المقبرة الكبيرةوجملتي يوجهها ما لم نقُله98


خوفاً‏ من إرباك الغبار الذي يثيرهطريقُ‏ األمل الملعون من حوليتلك الكلماتُ‏ التي ناضلت في قلب الذكرياتهل سنرقبها فجأة تغيّ‏ ‏ِرُ‏ مسار الرومانسية؟انتفى الزمنُ،‏ أعتقد بأنه آن ميقات النوموقافيتي تمدُّ‏ بيديها آلخر فرصةبعض التجاعيد،‏ ربما موضعَ‏ الوجهاتال يهمُّني بعد كل هذا إن قَدِ‏ مَتيعجبني الخارجُ‏ أقلَّ‏ من الباطن العتيقالذي روّده الحبّ‏ من قبلُ‏أراهم يعرجون مستغربين عيشتهمجفنُ‏ الكلماتِ‏ والبابُ‏ الذي ينفتحوالعادةُ‏ المُعِينَة التي تنسيهم الصقيعَ‏ الذييتحوّل إلى ندى في السماء المكْ‏ تَشَفة99


متعبٌ‏ لسيري على طريق بال طعميغازلون سأمَ‏ األيام التي تحتضرأعثر على كلمات اليوم،‏ بأقلّ‏ سرعةجملةً‏ مرهقة لشدة دورانها حول نفسهاأُعيدُ‏ تمريرهم على رؤاي،‏ ينقص بعضٌ‏ منهمصادِ‏ قةٌ‏ هي هذه الوصفة،‏ أخيرهُم غادرَ‏ما نسميه درباً‏ لن يكون غداً‏ سوىمحطّة معلّقة للبياضات التي نملؤها***وعليه،‏ فقد عادت الكلمات الحاجّ‏ ةتلك التي كنتُ‏ أخلقها في زمن اليوسفيإالّ‏ أن قمّة الجسد،‏ وقمّة الدّم اليوملم تسمح للكلمات بأن تنشد على نغم المندولأنتِ‏ قبالتي يا أيتها النغمة التي أسميتُها آنفاً‏100


وقريباً‏ منّي عيونها التي تمضي إلى عيونيتقلبُ‏ حطام الخرافات الواهمةوتأمر رؤاي بأن تنظر ألجل اثنينقبالتي قيثارةُ‏ الصَّ‏ مت المتبدّدروايةُ‏ أُعيدَ‏ طالؤها من جديد وفمي فرحانانظروا،‏ إنني أقول تلك الكلمات التي سُ‏ رِقت منّيمستغرباً‏ كونَ‏ المطر بعيونٍ‏ عاشقةمستغرباً،‏ مثل شجرة عند طرف غابة األنوارمنشدهاً‏ ٍ بحنوّ‏ بذاك النهار الطّالععند المفترق،‏ استحال الطريق إلى فرجةوأنا أعرف ما أقوله،‏ حين أقول:‏ هذا حسنٌ‏أعرف ما أقول،‏ حين أحِ‏ نُّ‏ إلى األرضِ‏األرضِ‏ التي تقود فيها أغنيتي الزيتونات إلى أن تتزيَّن101


أعرف ما أقول حين يربط سعار الدباباتقيثارتي إلى قوسِ‏ المحاربفي تلك األوقات،‏ تتخلّى النّهارات عن مذاق النبات البريّ‏وتستحيل الليالي المزعجة إلى ديباجةعند النغمة التي ننتظربقي لنا أن نعدّل من طريقة األنواربقي لنا أن نعيد حساب القصب الذي ال يزال ناياً‏وأن نعود إلى ميقاتنا الصحيح في زمن الكرز.‏في هذه األوقات،‏ ال يُجَ‏ مّ‏ ِ لُ‏ حبّي كلماتِهوال يتقن سوى قول:‏الصمود حتى النهار.‏عليها أن تصير بيرقاً،‏ كي تحكي قطعةُ‏ القماشِ‏ألبنائي صدق والدهم102


حين استلهمَ‏ حكمته من الريح الذي يَشفعُ‏ للشّراعوعلّم حدود األفق المعروف بخطّ‏على تلك الكلمات التي ندندنها أن تكون من حبّ‏فلكي يطلَع النشيد ال بدّ‏ من الضوضاءربيع كلّ‏ األزمان ابتدَأ من الخريفولكي يغنّي النّايُ‏ ، كان ال بدَّ‏ لنا من الريحكنت ألقول بأن لوالدتي عيون التنهيدةوقلت حرية،‏ قلت رَفَاهيةحتى إن النرجسَ‏ يخجل في جنائن الشهداءويستحيل إلى شقيق النُّعمان،‏ وينزف على غصنهكنت ألتغنى بتلك الكلمات التي تتشظّى من القنبلةوحين كان خافقي ينبض،‏ كان هذا عملية فدائيةتغنَّيت بحبّي،‏ تغنَّيت برفيقيعلى مقام قيثارة من بالد لوركا103


كان يلزمنا بعض الرّيح،‏ بعض الريح العاقلةالموسيقى عثرت على األوركسترا التي تُناسبهاوألجل هذا البيت،‏ البيتِ‏ القابل للمبيتالسّطْحُ‏ بال معنى إالّ‏ إذا صدقت سطوح الجيرانمن بين أصدقائي الذين يجعلوننيأُدَندِ‏ نُ‏ على نغمة قلبي عدْوَ‏ ملحمةٍ‏أصدقاء يسامحونني اليومإذا ما فضّ‏ لتُ‏ العودَ‏ على نصل السّيفيسامِحُ‏ ني،‏ أوالئك الصاعدون في الماضيويتركونني أنشذُ‏ زمنَ‏ التغني بضوء-‏ القمرقشَّ‏ ندى البحر الذي جمعتُهُ‏كي أنسج أكاليل الغار على شعر سمرائي104


كنت ألقول حبي،‏ كنت ألقول رفيقيتنقص الفالح لفظةٌ‏ولذلك تحوّلتُ‏ أنا إلى قنبلة((1(ٍ وبكُ‏ مّ‏ قصير صنعتِ‏ الوردة ‏»فالقاً«‏وعليه فإنني تقدّمتُ‏ في السنّ،‏ وعليه،‏ عليّ‏ أن أثبت جدارتيِ حقّي في النغمة،‏ بما أنني أُحسِنُ‏ الغناءولشدة تكرار نفسي،‏ سوف أنتهي بأن أعثرَ‏ من جديدعلى نغم رأيته من قبل...نغم كان بالجزائرأعتقد جازماً‏ بأنني قلت ما كان يجب قولهأعلى من الجبل،‏ ال يمكن ألي نغم أن يمضيللقنبلة وقتها،‏ ولكنّ‏ أوقاتَ‏ الكرزتلك التي أحبّذُها،‏ ال زالت بعد هي هذه األوقاتاليوم عثرت بمعجميعلى كلمات أسِنَت دون أن ترى النهار16- الفالق،‏ أو الفالقة:‏ االسم الذي أطلقته فرنسا على الجزائريين من واضعي القنابل.‏ واشتهر هذا االسم أيام ‏»معركةالجزائر«.‏105


كلماتٍ‏ تنقذ نفسها من الحروبوهي نفسها فيلق الشّرف وبسالتي الوحيدة.‏106


األصفار تدور حول نفسهاتفصلني اللُّغة الفرنسية عن موطني،‏ أكثر مما يفعله بيَ‏ البحر األبيضالمتوسّ‏ ط،.‏ وبمجرّد أن أَهمَّ‏ بالكتابة بالعربية،‏ يبزغ حاجزٌ‏ رغماً‏ عنّي بينيوبين قُرّائي:‏ األميّة.‏أقاربي الذين يسكنون الجبَل المعلّق،‏ لم يَحُ‏ لُّوا لغزَ‏ تَذكَارِكَ‏ ، يا كاتبياسين:‏ ‏»نجمة«.‏ عجائزُ‏ ‏»دار السّبيطار«،‏ لم يتمكّ‏ نوا من أن يتعرّفواعلى أنفسهم في ‏»دارك الكبيرة«،‏ يا عزيزي،‏ يا نسّاجَ‏ ِ اليومِيّ‏ الملعون،‏محمّد ديب.‏ من تمكّ‏ ن من أن يقرأ ‏»زلزال«‏ ‏»كرِيا«،‏ في شوارعالبليدة،‏ حين تخلّوا من الورود؟ غير أن الموسيقى ستعثر على الجوقالمالئم.‏ مارسيل موسى،‏ مالك واري،‏ فرعون،‏ سيناك،‏ مْعَمري،‏ جولروا،‏ عَمْروش،‏ صديقي روجيه كوريل،‏ روبليه،‏ يمكنني أن أسرد علىمسامعكم،‏ وعلى حسابكم،‏ كلماتِ‏ متحدّث باسم ‏»فرنسا-‏ الحرّة«،‏وإخباركم بكل احترام،‏ وبكلّ‏ محبّة:‏ الجزائر تقدّم لكم أسلحةً‏ لعُزْلَتِكُ‏ م.‏***أُحَ‏ يّيكم،‏ يا أيتام القرّاءَ‏ الحقيقيين،‏ أنتم،‏ يا أيها الممثّ‏ ‏ِلون النُّبالء،‏ ياأيها المآسي المنفردة.‏ لقد جعلتموني أفقَهُ‏ العبارةَ‏ ‏»تأمّلٌ‏ في موعظةالصحراء«؛ بيد أنّني،‏ وفيما وراء كآبتي،‏ أعلمُ‏ أنَّ‏ النّداء الداخلي107


للصحاري،‏ هو إنجاب التأمُّالتِ‏ الواسعةِ‏ والغِزْالن.‏ستنتهي الحرب اآلن.‏ سوف تخبو البنادق،‏ وأنا،‏ أريد أن أؤمن بأنبارودها سيضيء نيرانَ‏ المخيّمَات.‏ سوف تصمتُ‏ البنادقُ‏ ، وتتحوّلُ‏الكلماتُ‏ المجنّدة إلى سِرِنادَا وحسَاسين صبابَةٍ‏ في إجازة ليلية.‏ سوفتخبو البنادقُ‏ ، لكنّ‏ األقالم أبداً‏ لن تخبو.‏ وها هي ذي نبوءة ‏»سانتايكزوبيري«‏ تتحقّق:‏ ‏»برجٌ‏ لإلنجاز...«.‏ سوف يأخذ الحبر مكانَ‏الدمِ.‏***سوف نهجُ‏ رُ‏ المنفى.‏ سوف تستَعيدُ‏ النباتاتُ‏ المقتلَعةُ‏ حدائقَها.‏ وفيالبيت الذي سوف نرتّبُه ونعيدُ‏ ترتيبَه،‏ سيكون لكلّ‏ فردٍ‏ فينا،‏ كلٌّ‏ حسبتفانيه في خدمة اآلخر،‏ مكان له.‏ سوف نزور البقاعَ‏ المهجورةَ،‏ النيرانَ‏والجنّاتِ‏ التي حُ‏ رِمنا منها،‏ تلك األماكنُ‏ العاليةُ‏ في ذاكرتي وخافقي،‏والتي تبرّرُ‏ حنيننا.‏قذفَ‏ بنا عشقُ‏ الجزائر،‏ في زوغان التشتُّت.‏ لم نهرُبْ‏ من المأساة،‏ ألنّانحمِلُها فينا،‏ ألنّا سوف نأخذُها معَنَا أينما ولّينا وجوهنا،‏ ألن أشعارنا،‏ورواياتنا سوف تُسهِ‏ مُ‏ في التعريف بها،‏ فقد أكّدَتْ‏ لي شهاداتٌ‏ حامية،‏بأن تلك الرّواياتِ‏ وتلك األشعارِ،‏ لطالما حافَظَتْ‏ على األمل لدى أولئكالذين لم ينقصهم األمل طبعاً،‏ إالّ‏ أنهم ازدادوا إيماناً‏ به حالَما عثروافي سنونوّاتهم على سببٍ‏ كاف لالعتقاد بالربيع.‏ أفكّ‏ رُ‏ في تلكَ‏ الكتبِ‏التي أرسِلَت من الزّنزانات،‏ في أوالئك الرُّسلِ‏ القادمين من الجزائر،‏ منفرنسا،‏ من أوروبا،‏ تلك الكتب،‏ وتلك الرسائل التي لطالما حملَتْ‏ لنا108


التباشيرَ‏ وكانت تذاكرَ‏ رضا لنا كتالميذ وكدروس.‏تلك الكتب وتلك الرسائل التي لطالما كانت بمثابة النصائح والحاجيات.‏سوف نهجرُ‏ المنفى،‏ ليس من أجل الحجّ،‏ ليس حتى من أجل العودة إلىاألصول،‏ ألنّا أبداً‏ لم نهجر األصول،‏ ألنّ،‏ النملة والزيزان،‏ كلها مكيّفة،‏ألن الشجرة،‏ بحاجة إلى جذورها وإلى جذور أرضها،‏ ألن الوطن،‏ محطّتنااالبتدائية،‏ منضبطٌ‏ وفخور بحقيقته،‏ فهو ظاهرة بيولوجية خالصة.‏ قلتقبل حين:‏ أيتام لقرّاء حقيقيين«.‏ فليعذرني،‏ وليفهمني إذن،‏ كل اللواتي،‏وكل الذين تابعوا مساري األدبي،‏ بشغف وبكل طيبة.‏القرّاء،‏ لدينا كثيراً‏ من القرّاء،‏ في الجزائر،‏ في فرنسا،‏ و في كلّ‏ أرجاءالعالم.‏ نحن نعلم بأن االهتمام الذي تولّد،‏ واالنتباه الذي يحدث أننجلبه إلينا،‏ ليس ينبع من تعاطف سياسي خالص فقط،‏ يجعل الشاعرأو الروائي يفيض.‏ عبرنا،‏ تُدافِعُ‏ الجزائر وتتألّم،‏ والتي نحيّيها اآلن:‏ نحنالوارثون البؤساء ألحداثٍ‏ مصدومة وصادمة.‏القرّاء،‏ لدينا قرّاء،‏ لدينا كثيراً‏ من القرّاء،‏ وناشرونا،‏ هم أحياناً،‏ هم دوماً‏تقريباً‏ أصدقاء لنا،‏ وهم لم يخطئوا في خيارهم،‏ وقد كان عليهم أن يوفَّقوافي الموازنة بين المتطلبات التقنية لخيارهم النّوعي والمنفعة السياسيةلمنشوراتهم.‏ فليُسمح لي هنا،‏ بأن أُحيّي كلَّ‏ من استطاع منهم أن يتحمّلأخطاراً‏ كبرى مادية ومالية من أجل الثبات على عهدِ‏ إنسانيةٍ‏ حديث،‏وطالئعي.‏القرّاء،‏ لدينا قرّاء،‏ لدينا كثيراً‏ من القرّاء،‏ بيد أنّه،‏ ال أحد باستطاعته أنيمنعني من أن أردّد بأنّنا،‏ بسبب قوّة األشياء،‏ أيتام لقرّاء حقيقيّين.‏فمن نكتبُ‏ لهم في المقام األوّل،‏ ال يقرأوننا،‏ وعلى األرجح،‏ لن109


ِيقرأونا أبداً.‏ فهم يجهلون حتى وجودنا ذاته بنسبة %. 95 هؤالء القرّاء،‏وبإضافة حرف ألسمائهم تحوّلوا إلى حفّاري قبور مبارَكين من طرف كلّ‏اإلمبرياليات،‏ هؤالء القرّاء الذين قايضوا كُمّ‏ المحراث بعقب البندقية،‏فأذهلوا العالم كلَّهُ،‏ وأرغموا الجنرال ديغول ذاته على احترامهم.‏ هؤالءالقرّاء الذين يَحْ‏ يَوْن،‏ وال يكتبون التاريخ-‏ فال نستطيع القيام بشيئين فيالوقت نفسه-،‏ هؤالء القرّاء الذين ال يقرأوننا،‏ الذين ليس بإمكانهم أنيقرأونا،‏ رغم أنهم،‏ هم سبب وجودِ‏ نا ذاته،‏ السّبب الذي من أجله نكتب،‏الدافع وهدف الثورة الجزائرية:‏ الفالحون.‏إنني أستمع هاهنا لالعتراض،‏ وهو ذو قيمة،‏ إذا ما كانت الحجّ‏ ة سيّئةالنية:‏هذا الجزائري الذي تأبّط كتابَك عند ذهابه،‏ هل كان بإمكانه أن يقرأكأكثر،‏ لو أنّك كتبتَ‏ باللغة العربية؟طبعاً‏ ال.‏وهذا ما ال يفسّرُ‏ شيئاً.‏ رغم أن التفسير سهل المنال،‏ بسيط،‏ تافه حتىفي وضوحه:‏رأى المُستعمَرُ‏ بأن موروثه الثقافي قد نُهبَ‏ ، كما حُ‏ رِم من أرضه.‏ جرّدوهمن ممتلكاته،‏ من أرضه ومن ثقافته.‏ كان عليهم أن يقتلوا روحه – والروحال تموت-‏ لذلك جرّبوا كل شيء من شأنه أن يبقيها مشتعلة،‏ كي يُطفئوهالسيرورة االستعمار منطقٌ‏ شديد القسوة:‏ فهو سياق زرعِ‏ مستعمرات.‏بنفس طريقة سلوك الغالب الذي يرفع عَلَمه بدل عَلَم المغلوب،‏ نحىنحو ِ فكّ‏ ، معارضَ‏ ة،‏ منْع..‏ كلّ‏ ما من شأنه أن يكون حجّ‏ ة لفكر أصحاباألرض األصليين،‏ أو لقومية وطنية.‏110


بيد أنه،‏ وفي ظلمة نظام االستعمار،‏ سيظلّ‏ اإلسالم هو الحارس.‏***ضمن شرحِ‏ فكرةِ‏ صحوة القوميات وصراع التحرير السياسي،‏ هناكظاهرة،‏ لطالما غفلنا عن أهمّيتها:‏ الظاهرة الدينية.‏ إنّه أمر واقع:‏ الثورةالجزائرية الحالية،‏ ثورة الئيكية.‏ ونحن إذْ‏ نُعيد لإلسالم المكانةَ‏ الكُ‏ برىالتي تعود إليه،‏ في الحفاظ على القيم المتوارَثة والدّفاع عمّا بإمكاننا أنندافع عنه ممّا تبّقى،‏ فإننا ال نغيّ‏ ‏ِرُ‏ مسرى الثورةِ‏ وأصولِها.‏الديانة القرآنية هي الحارس األمين على اللُّغة،‏ خضعت دوماً‏ للرقابة،‏للتسيير الصارم من قبل القوّة المُستعْمِرة.‏ تمّ‏ اضطهاد العُلماء،‏ وحتىالشيخ ابن باديس،‏ المناضل الكبير،‏ رائد اإلصالح،‏ كادَ‏ أن يلقى حتفَهفي السجون الفرنسية التي نزل بها مراراً.‏ على المقام نفسه،‏ أحد تالمذةالشيخ،‏ والذين خلفوه فيما بعد في معهد قسنطينة،‏ الذي يحمل اسمهذاتَه،‏ أحمد رضا حوحو،‏ تمّ‏ اغتياله ضمن المظاهرات الدّموية،‏ في مارسمن العام 1956، وفي المدينة نفسها.‏إنّه ألمر عميقٌ‏ في رمزيَّته،‏ أنْ‏ تزوغ كنوُزٌ‏ معمارية كمساجد الجزائرالعاصمة،‏ والعاصمة العتيقة لنوميديا كليّة،‏ دون أدنى احترام للقدس،‏ عنوجهتها األولى،‏ كي تستحيل إلى كاتدرائيات ومعابد لليهود.‏بتهجُّ‏ مها على اإلسالم،‏ فإنّ‏ االمبريالية،‏ كانت تتحرّكُ‏ انبثاقاً‏ من بصيرةٍ‏قصيرة ونهجٍ‏ سياسي،‏ أكثر منه انبثاقاً‏ من التعصُّ‏ ب الديني.‏ حلمُ‏ الكاردينالالفيجري،‏ لحق بحلم الماريشال ‏»بيجو«:‏ البندقية والمحراث،‏ لجأا إلىاالستعانة بالسيف والصّ‏ ليب.‏111


هنا،‏ يربضُ‏ مثال أصلي لمحاولة إزالة ألوان الوطن،‏ القتالعٍ‏ تاريخيللجذور األصلية.‏لن نكلَّ‏ من الترديد،‏ بأن قوساً‏ مفتوحاً‏ لخنق الثقافة والسياسة،‏ ممتدٌّ‏منذ 124 سنة،‏ من الخامس من شهر جويلية 1830 من كسوف شمساالستعمار،‏ حتى الواحد من شهر نوڤمير 1954، لن نكلّ‏ من الترديد،‏ بأنلإلسالم ودعاته مكانة كبيرة في الجزائر،‏ يرجع إليها الفضل في الحفاظعلى آخر المعالم األصيلة التي لم ينَل منها التشويه،‏ على خصوصيتهاليومية،‏ أصالته الثقافية،‏ وأخيراً،‏ على ما تبقّى له من وحدة عضويةٍ وتراصّ‏ في عباراته التأسيسية:‏ اللُّغَة.‏***فاللُّغة ال نرضَ‏ عُها فقط من نهد األمّ.‏ ال نتقنُها في الحجيرة الصغيرةالفقيرة لعائلةٍ،‏ هي ذاتُها،‏ مغمورة داخل معنى ذي إمالق،‏ مبتورِ‏ الجذور،‏صيّروه لقيطاً.‏ اللغّة،‏ تُلقَّنُ‏ في المدارس أيضاً،‏ في اللّ‏ ‏ِيسيه،‏ في الجامعة.‏هل ينفع أن نذكّر بعدد األطفال الجزائريين غير المتمدرسين،‏ واألدهىمن هذا،‏ عدد الصّ‏ غار الذين تمكّ‏ نوا من الحصول على شهادة التعليماالبتدائي،‏ الذين تجاوزوا هرم البكالوريا،‏ الذين مروا إلى التعليمالجامعي؟ أهمّ‏ من هذا كله،‏ وهو أمرٌ‏ أدهى وأكثر بالهة،‏ المضمونالتربوي وطرائقه المعدمة المسؤولة عن ِ كلّ‏ هذا التدهور.‏منذ االبتدائي،‏ كان هذا التعليم يتمّ‏ بالفرنسية،‏ مصحوباً‏ بحظرٍ‏ تام للُّجوءإلى العربية،‏ حتى من أجل بعض التسهيالت البيداغوجية.‏ وكانت دروسالجغرافيا والتاريخ الجزائري تمرُّ‏ مروراً‏ خاطفاً‏ فقط عند نهاية حصص112


دروس السّنة الثانية متوسّ‏ ط.‏ في اللّيسيه،‏ كانت العربية تدرّس وتعلّمُ‏ كلغةبرّانية.‏ العلوم األخرى،‏ كالعلوم والرياضيات...إلخ،‏ تدرّسُ‏ بالفرنسية.‏لغتنا األمّ‏ كانت منفيةً‏ في وطنها.‏ في موضع آخر،‏ كانت الصُّ‏ حفُ‏ ،اإلذاعة،‏ المحاضرات،‏ األفالم،‏ المسرح،‏ اإلشهار على الحيطان،‏اإلجراءات الشكلية التي تتمّ‏ بين حوالة البريد والحالة المدنية،‏ كلُّ‏ مامن شأنه أن يُكتَب،‏ ابتداءً‏ من ‏»ممنوع نشر الملصقات«،‏ حتى إشاراتالشوارع،‏ كلُّ‏ شيء،‏ كل شيء بامتياز،‏ كان من صالحيات اللُّغة الفرنسيةالتي تتحكّ‏ مُ‏ فيه.‏كانَ‏ من المفروض أن نرى كيف يُعامِلُ،‏ وقبل وقت قصيرٍ‏ فقط،‏ بعضُ‏المدرّسين النازحين من بعض ال ‏»بواتو«‏ أو بعض ‏»النورماندي«‏ تالمذةً‏متعطّشين إلى التعليم وإلى األغذية األرضية،‏ فينعتونهم ب ‏»البلداء«.‏ أناال ألقي باللّوم على سلك المعلّمين طبعاً،‏ لست ‏»ديماغوجياً«.‏ ولكن،‏أحببنا ذلك أم لم نحبّ‏ ، ومهما كان نداؤه األصلي المتفتّحُ‏ على احترامقيم اآلخرين،‏ فإنّ‏ سلك التعليم هذا،‏ حتى وإن سعى إلى الحدّ‏ منالخسائر،‏ كان يُعَدُّ‏ جزءاً‏ من الترسانة االستعمارية،‏ وكان يساهمُ‏ في الوقتنفسه،‏ ويتعايشُ‏ مع باقي اإلدارات،‏ والمؤسسة المدبّرة القتالع األصل،‏وهو الشيء ذاته الذي يقوم عليه االستعمارُ‏ كظاهرة.‏***لكلّ‏ رهانٍ‏ ممثّلوه.‏ نحن-‏ الكتاب الجزائريين-‏ ممثلّون.‏ أكرّر،‏ جَ‏ دّيأبداً‏ لم يقرأْني،‏ كما أنّه لم يقرأ محمّد ديب،‏ كاتب ياسين،‏ ‏»هنريكريا«،‏ أو أياً‏ كان من أولئك الصدّاحين المغنّين عالياً،‏ الذين ال تنقصهمالموهبة،‏ والذين تجعلني همّتُهُم،‏ شجاعتُهم وكذا جسارتُهم،‏ أتدفّأُ‏ في113


لهيب حبّهم الخالص،‏ وكلّي رِضا.‏ أُحيّي فصاحةَ‏ ِ كلّ‏ هؤالء البكم!‏ أحيّيهؤالء اللُّقطاء،‏ ملوك اللُّقطاء!،‏ أحيّي مسيرتهم.‏ وأتفهّمُ‏ خرسَ‏ البكمِ.‏عاجزٌ‏ أنا عن أن أُعبّرَ‏ بالعربية عمّا أشعرُ‏ به بالعربية.‏تِلكُ‏ م هي الظواهر!‏ ولِكَ‏ ون االستعمار مرضُ‏ التاريخ،‏ ليس من المستغربِ‏ ،وتبعاً‏ لبعض الظروف،‏ أنْ‏ يتمّ‏ تعريف بعض الموادّ‏ الجامدة أو المتحرّكةحسبَ‏ معايير مرَضية.‏ متأكدٌ‏ أنا بأن بعض الكُ‏ تّاب الجزائريين سيُغنُّونبلغتهم،‏ اللغة العربية،‏ من أجل غنى أفضل للغات اآلخرين.‏الغناءُ‏ الموحّ‏ د في السيمفونية الجزائرية،‏ لن يتأتّى من كلمات هذهالسيمفونية،‏ وإنّما من الموسيقى المتماهية.‏ لن تكفي كلُّ‏ األصواتلجوقٍ‏ مماثل.‏ وأمّا بالنسبة للجزِعين،‏ فإنني سأقول لهم:‏ بما أنّهُ،‏ ليسفي نية الجزائر أن تحتلّ‏ فرنسا،‏ فإنّني ال أرى لماذا وكيف للُّغَةِ‏ العربيةأن تهدّدَ‏ اللغة الفرنسية أو كمون الثقافة الفرنسية بشكل عام.‏ من جهةأخرى،‏ 124 عاماً‏ من التعايش،‏ خلقت روابطَ‏ وحقيقةَ‏ أقليَّةٍ‏ أوروبيةمعتبَرَة،‏ مما يُحتّ‏ ‏ِمُ‏ علينا أن نَحُ‏ لّ‏ جيداً‏ مشكلة ازدواجية اللُّغة.‏ سيكونهذا بمثابة اإلجراء البسيط لعملية في المتناوَل،‏ وأبداً‏ لن يكون مشكلةً‏تؤرّ‏ ‏ٍقُ‏ معتقَد القُطبَين،‏ ألنّ‏ الجزائر الجديدة،‏ ِ وبكلّ‏ تأكيد،‏ لن يكونبها طائفتان اثنتان،‏ وإنما طائفةٌ‏ واحدة،‏ الطائفةُ‏ الجزائريةُ،‏ غير القابلةِ‏لالنقسام،‏ مُفرنسين كان أعضاؤها أو مُعَرّبين.‏في هذا الباب،‏ إن التجاربَ‏ المسرحية لمصطفى كاتب تمتلك جرأة نادرة،‏وغنًى تربوياً‏ رفيعاً.‏ هذا الفنان العالي الطراز الذي كان يؤكّدُ‏ على أننا:‏‏»تمكنّا من مقاومة بيجو،‏ ولم نستطع أن نفعل ذلك مع موليير«،‏ويواصل:‏ ‏»في الجزائر،‏ موليير هو األ كثر استحساناً.‏ هنا،‏ يكمن تناقضٌ‏عجيب...‏ الرجل الذي تبنّى أولى خطواتِ‏ المسرح،‏ والذي قاده إلى114


الرُّشد،‏كان سيلقى شبابه وسط مجتمعٍ،‏ لم يكن أبداً‏ مختلفاً‏ عن ذلك المجتمعالذي منع عن ‏»جون باتيست«‏ نذره السّاخر لعربة الموتى الرّسمية.‏ لميكن موليير غريباً‏ عن الشعب الجزائري،‏ ال عالقة له بالقوة المستعمِرَة؛وهو مَنْ‏ علَّمَنا بأن أول ٍ عدوّ‏ لنا،‏ هو العدوّ‏ الكامنُ‏ فينا:‏ السيّدُ‏ واإلقطاعيُّ‏الذي استطاعَ‏ أن يكشف عنه النقاب في فرنسا،‏ هو نفسه من كان يفتحذراعيه للغزاة في الجزائر عندنا...«،‏ وأيضاً،‏ مزيداً‏ من رؤى مصطفىكاتب:‏ ‏»ال يمكننا أن نُدمجَ‏ شعباً،‏ بيد أن الشعب الجزائري،‏ أدمجَ‏موليير«.‏وبعيداً،‏ هذا الصراخُ‏ المُزَعزِع:‏ ‏»سيدركُ‏ الشعب ذات يوم،‏ كلَّ‏ ما يُدينبه لبعض أيدي الناجين الذين تشبّثوا ببعض الضّ‏ الين من التعليم القديمالتقليدي،‏ وكذا للمدرسة القرآنية،‏ ألولئك الذين،‏ لم ييأسوا،‏ وواصلواتعلُّمَ‏ لغتهم األمّ،‏ في الجامعات القديمة للقرويين و»الزيتونة«‏ وآخرون،‏أكثر جرأة،‏ في القاهرة«.‏بدخوله في سيرورة اقتالع االستعمار التي ال رجعة فيها،‏ فإن الشعبالجزائري،‏ يُناضل من أجل ِ حقّه في الحرية.‏ لقد نزل من علياءسحابته الميتافيزيقية،‏ وأصبح التحريرُ‏ بالنسبة له،‏ يعني الحقّ‏ في الوجودالشخصي.‏ واللغة العربية تعني إحدى مظاهر هذه الثورة من أجل وجودٍ‏أصيل.‏ شئنا ذلك أم أبينا،‏ رضينا بذلك أم لم نرضَ‏ . في أغلبيتها العُظمى،‏الجزائر معرّبة.‏ واإلقرار بكون اللغة العربية،‏ لغةً‏ وطنية،‏ لن يعرّض اللغةالفرنسية للخطر أو لإلعاقة،‏ والتي - شئنا ذلك أم أبينا-‏ تُعَتبر من اآلنفصاعداً‏ جزءاً‏ من تراثنا الوطني.‏***115


سَ‏ رَد عليّ‏ ذات يوم ‏»جبرائيل أوديزيو«،‏ جملةً‏ خاصة به تختزل جيداً‏تفكيره:‏ « اللغة الفرنسية،‏ وطني«.‏ أذكر جيداً‏ بأنني أجَ‏ بْتُه:‏اللغة الفرنسية،‏ منفاي.‏أحترمُ،‏ وأتفهّم كلمة ‏»جبرائيل أوديزيو«‏ تلك،‏ إضافة إلى أنّ‏ كاتباً‏ فيمثل سنّه فاجأه التاريخ ورجّ‏ هُ،‏ بإمكانه،‏ ومن أجل تفادي بعض التشرُّد،‏أن يلجأ إلى ذلك الوطن المحليّ‏ الخارق الذي تَحفُّ‏ حدوده الجغرافيةوالتاريخية ضفّة المتوسّ‏ ط..‏ شخصياً،‏ قلبي وقلمي مأخوذان بحنين أوحد:‏تلك اللغة التي نتكلمها،‏ وإصرار حزين يرافقها:‏ لغةُ‏ شارع العرب.‏***وطني،‏ هو الجزائر.‏ جزائرُ‏ الغَدِ‏ ، هي حين أقول بأنني جزائري،‏ فال أسقطتحت وقع ضرباتِ‏ لستُ‏ أدري أيّ‏ تهديدٍ‏ لألمن الداخلي للدولة التيأحترِمُها،‏ دولة أتمنّى صداقتها،‏ وأعرض عليها صداقتي،‏ لكنها دولة الأعترف بكونها دولتي أو لها حقوق عليّ.‏ الجزائر،‏ هي وطني.‏ والحبالذي أكنُّه لها،‏ ال يعرّضُ‏ بلد ‏»الموزيل«‏ أو سماء ‏»اللُّوار«‏ للخطر.األمريتعلَّق بجزائرِ‏ الغدِ‏ ، وبخاصة،‏ بجزائر اليوم،‏ المذهلة في غَضَ‏ بِها،‏ وكذافي تضحيتها.‏ جزائرُ‏ اليوم التي أعادت خلق كلمة:‏ ‏»إنسان«.‏ ولكناألمر يتعلَّق،‏ في المقام األول،‏ بجزائر الغد،‏ قبل إنزال سيدي فرج.‏ تلكالجزائر التي لم تكن تعلم بعد،‏ بأن أجدادنا كانوا غاليين...‏أفتخرُ‏ بكوني محافظاً،‏ وال أحلم ببلد محرَّر يكون بمثابة جمهوريةِ‏ ذلكالذي أسَ‏ رَها في ظلّ‏ ‏ِه،‏ وحَ‏ كَ‏ م عليها بأن تعيش الخمولَ،‏ محرومةً‏ من بناها،‏116


من تقاليدها،‏ من أشكالها العاطفية المتطوّرة،‏ من طريقتها في االعتقادبالله،‏ ومن طرقها الخاصة باعتقادها بالمواضيع األبدية العظيمة.‏لن تنتصر اإلمبريالية إال إذا حدثت مصيبة...‏ أقول جيداً،‏ إالّ‏ إذا حدثتمصيبة تشابُهِ‏ المغلوبِ‏ بالغالب،‏ فتخلّى عمّا ِ يشكّ‏ لُ‏ جوهر شخصيتهالتاريخية والجغرافية.‏ بالنسبة لي،‏ الطليعة هي الرُّجوع إلى الماضي،‏وأنا أطلب ممن ال يحسنون الدفاع أن يجنّبوني كلَّ‏ محاكمةٍ‏ لئيمة.‏فال تُحدّثوني عن حجاب المرأة العربية-‏ علماً‏ بأنني أعتبر ذلك بمثابةزينة-‏ أو عن أي شيء آخر قد يبدو باطالً،‏ ويجعلنا ال نفرق بين التحريروالتغريب،‏ وقد حُ‏ مّ‏ ِ لنا بكل القيم التي ال تدخل ضمن قيم موروثِنا.‏ األمر،‏ال يتعلَّق بالمواجهة بين حضارتين،‏ وإنّما باحترام كل حضارة لشخصيةالثقافة األُخرى.‏أنا في المنفى داخل اللُّغة الفرنسية.‏ والمنافي ال تعني بأنها بال شأن.‏وأنا أحييّ‏ اللغة الفرنسية التي سنحت لي بأن أخدم،‏ أو أحاول خدمةوطني الحبيب.‏ حين يستتب السّالم والحرية في وطني،‏ سوف أقولأيضاً،‏ ما لم أتوقّف عن قوله،‏ بأن حبي لألوراس،‏ ليس مخالفاً‏ لإلحساسالذي أشعر به أمام ‏»الفيركور«.‏ ليس هناك فرقٌ‏ كبيرٌ‏ بين ‏»جان دارك«‏والكاهنة،‏ بين الكلونيل ‏»فابيان«‏ وعميروش،‏ بين ‏»جون موالن«‏ وبنمهيدي،‏ بين كاتب ياسين و»بول إيلوار«.‏ كما ال فرق كبيراً‏ بين أكبرفرنسي في الفرنسيين،‏ وهو يصدح بأمله عبر اإلذاعة من لندن،‏ ‏»شارلديغول«،‏ وبين أكبر جزائري في الجزائريين،‏ وهو يصدح بقناعاته عبرإذاعة تونس،‏ فرحات عباس.‏بيد أنّ‏ كلَّ‏ شيء يبدو حاضراً‏ اآلن،‏ فبالنسبة لنا،‏ نحن-‏ الكتابالجزائريين-‏ بإمكاننا أن نعبّر عن اإلنسانية الحقّة باللغة العربية.‏ ورغم117


أنه،‏ أو بسبب خطأ في اللغة ندين به لالستعمار،‏ فإننا نطرح هذا السؤال:‏من هم الكُ‏ تّابُ‏ الجزائريون؟***ليس جزائرياً‏ تماماً،‏ من يريدُ.‏ نحن الكتابُ‏ الذين نعود بأصلنا إلى العربوالبربر،‏ ساقونا إلى الغناء بلغة جميلة بين اللغات،‏ هي تاريخياً،‏ ليستلغتنا األمّ.‏ وما يميّزُ‏ الكُ‏ تّاب العربَ‏ – البربر عن باقي الكُ‏ تابِ‏ الجزائريين،‏هو ليس فقط انشغاالتهم السياسية األكثر قِدَماً‏ وحدّة،‏ وإنّما أيضاً‏ حنينهمإلى لغة أمّ‏ حُ‏ رِمنا منها،‏ وصرنا من دونها أيتاماً‏ ال ينفع فيهم حتى العزاء.‏ومع الكتاب الجزائريين،‏ ذوي األصل األوروبي،‏ الذين اختاروا الجزائر،‏فإن رابطَنا الوحيد هو المستقبل.‏ وهو أمر ليس قليل الشأن.‏أثرُ‏ اإلسالم فينا،‏ يميّزُنا،‏ وال يمكن له أن يفرّق بيننا.‏ فُلكلورنا،‏ طرائقتفكيرنا وإحساسُ‏ نا وممارساتُنا،‏ خاصَّ‏ ة بنا.‏ حتى ونحن نعبّ‏ ‏ِرُ‏ بالفرنسية،‏نحمل حلماً،‏ غضباً‏ وشكوى تنبع من قرون وقرون من تاريخنا الوطني.‏فال تقولوا أبداً‏ إن الجزائر لم ِ تشكّ‏ ل شعباً،‏ أو،‏ األدهى من كل هذا،‏أنها لم تكن في الماضي القريب فقط-‏ حسب تعبير أحد الماركسيين،‏‏»موريس توريز«-‏ ‏»سوى شعبٍ‏ في طريقه إلى التكوين«.‏الغربُ‏ الذي يعرِضُ‏ نفسه كمثالٍ‏ تتآ كله األنانية والعنصرية،‏ غضٌّ‏ بذائقتهالمرضية التي ال تتوقَّف عن التظاهر،‏ والذي تحرّكُه أبويةٌ‏ متعالية غازية،‏أبداً‏ لم يستطع أن يعترف بوجود أشكال أخرى للدول وتظاهرات وطنيةأخرى،‏ تختلف عنه.‏ إنّه غربٌ‏ احتكر حتى اإلنسانيةَ‏ ذاتها.‏***118


في حقيقة األمر،‏ وبخسارتها بقوّة السّالح،‏ رأت الجزائر نفسها وهيتذوب في اللذة الرفيعة للمنتصِ‏ ر الذي غيّر بُناها في نفس وقت تغييرهلبيرقها وللغتها.‏ يوجد ما يكفي من وثائق عبر العالم،‏ أصليةً‏ وذاتمصداقيةٍ،‏ تؤكّدُ‏ وجودنا قبل عام 1830، على مستوى محلّي وآخر دولي.‏على حقوقيينا إذاً،‏ أن يبدأوا بحوثهم الجادّة الستعادة ترتيب األحداثبشكل حاسم وفاصل.‏ما علينا أن نُسجّ‏ ِ له بشكل هام هو أنّه،‏ حتى وهم يعبّرون باللغة الفرنسية،‏فإن الكتّابَ‏ الجزائريين،‏ ذوي األصل العربي-‏ البربري،‏ يعكسون ذهنيةجزائرية خالصة،‏ ذهنية،‏ كان بإمكانها،‏ لو وجَ‏ دَتْ‏ فضاءً‏ لتجربتها الواسعة،‏أن تتشكَّ‏ ل بكالم وكتابة عربيَّيْن.‏بإمكاني أن أظلَّ‏ خمسين سنة في هذه ‏»البروڤانس«‏ ‏)الضاحيةالباريسية(‏ التي أُحبُّها وأتفهّمها.‏ هذه البروڤانس التي ألهمتني كتابةالعديدِ‏ من مؤلفاتي،‏ دون أن أكون من شعراء الضّ‏ وَاحي.‏ الحبُّ‏ الذيكانت تحمله مثالً،‏ ‏»إيزابيل إيبرهارت«‏ لم يكن كافياً‏ لصناعة جزائريةٍ.‏أعرف صفحاتٍ‏ رائعة ل ‏»غي دوماباسون«،‏ مستلهَمَةً‏ من قسنطينة التيبإمكانها أن تأتي ضمن مجموعة نصوص مُعَدّة من أجل الجزائر،‏ ولكنَّهاأبداً‏ لن تكون ضمن أنطولوجيا للكتّاب الجزائريين.‏الجنسية األدبية،‏ ليست إجراءً‏ قانونياً،‏ وال تعود إلى المشرّ‏ ‏ِع،‏ وإنّما إلىالمؤرّ‏ ‏ِخ.‏ التطبيع،‏ يمنحُ‏ مكانةً،‏ ولكنه ال يمتدُّ‏ إلى جوهر الشخصية ذاتها.‏التأقلم ليس إال شيئاً‏ سطحياً‏ ظاهرياً.‏ قد نبدو على راحتنا،‏ مسترخين،‏راضين،‏ ولكن كل هذا،‏ يُعَدُّ‏ عدماً.‏119


الشّقاء في خطرإلى صديقي الشّاعر الجزائري‏...لستَ‏ جزائرياً‏ فحسب.‏ لذلك،‏لستَ‏ مُلزَماً‏ إالّ‏ بإثبات ال اكتراثك،‏من أجل تضامُنِك أكثر.‏مالك حدّادأعرفُك،‏ أنت تتساءلُ‏ اآلن إذا كانت قصيدتُك جديرة فعالً‏ بأن تكونأغنيةً‏ جريئة.‏ المهمّ،‏ ليس هنا.‏ المهمّ‏ يقبع في حالة وعيِكَ‏ . لقد فهمتَ‏بأن التناقضَ‏ ، ال يوجد بين قلمٍ‏ وأُغنية جدُّ‏ جريئة.‏ لقد رجّ‏ ك التاريخُ‏ حتىغدوتَ‏ بدورك تشعرُ‏ ِ بحقّ‏ كَ‏ النبيل في رجّ‏ التاريخ ذاته.‏ وهو نفسه،‏ بعضذلك الشعورِ‏ تجاه األشجارِ‏ التي تبتر غصونها كي تتحوّلَ‏ إلى أعقاببنادق.‏ليس هناك أجملُ‏ من الحرية...‏بيد أنّه،‏ ومن أجل أن يستحيل التاريخُ‏ إلى قصص بطولية،‏ علينا أن نختارَ‏أيضاً‏ بين القيلولةِ‏ تحت ظلّ‏ شجرة،‏ وبين تلك األغنية الجريئة.‏ وفيتشريح المعجم الغريب،‏ كلمَتَا:‏ مهمّة وواجب،‏ شريكتان.‏ عليّ‏ أن أقومبواجباتي.‏ ليس لديّ‏ مهامّ‏ ألنفّذها...‏121


ليس قدرُ‏ األشجار أن تنتهي أعقابَ‏ بنادق...‏ ليس قدرُ‏ األقبية الرّطِبة أنتمنح بارودها لنهاية الحياة.‏ ليس لكلّ‏ عضوٍ‏ الوظيفةَ‏ التي تناسبه.‏أيها الشاعر،‏ يا صديقي،‏ فلنجعل القلبَ‏ ذكياً،‏ ولنمنح الذكاء قلباً.‏أريدُ‏ براكينَ‏ عاقلة!‏ النَّزقُ‏ ، عريُ‏ العقلِ‏ والعاطفة السّليمة.‏أنتَ‏ تنقعُ‏ قلمَكَ‏ في المنابع التي تجرِفُ‏ الجثامين المنتفخة المقيتةللحيَّات العدوّة للمياه الرقراقة المدندنة.‏محبرَتُك هي النبعُ:‏ كليّةُ‏ اإلنسان.‏ في آخر قاموسٍ‏ ، وفي آخر أنطولوجيا،‏سوف نطلق على كلمة ‏»بطل«‏ صفة:‏ إنسان.‏أعرفُ‏ قلمَك،‏ بنفس قدر معرفتي بأبنائنا،‏ بنفس قدر معرفتي بطيبتنا.‏أعرفُ‏ قلمَك،‏ بنفس قدر معرفتي بحالة الطوارئ،‏ بنفس قدر معرفتيبأصدقائنا،‏ بوادي الرّ‏ ‏ِمال ذي الدُّموع المتوحّ‏ شة الحارّة.‏ أعرفُ‏ كاتبياسين،‏ وهو يغيّرُ‏ من طريقته في الحياة،‏ عبر ‏»جثّة«،‏ وحدهُم األغبياء‏»حاصروها«‏ )1)) . وتلك النيّة الطيبة لمحمد ديب،‏ الطيبة كدرس مفيد...‏أعرف ‏»روالن دوخان«‏ الذي يتجاوز حلمُهُ‏ آمالَنا بكثير،‏ وهو يصرّح:‏‏...حلمتُ‏ بوطنٍ‏ ، يصبحُ‏ شاعراً...،‏ وكرّاز،‏ صاحب األغاني التي ستجيء.‏ومحمّد العيد الذي عرف السُّجون لمجرّد إقامته على رأسِ‏ لغةٍ‏ غاضبة.‏و»جون سيناك«،‏ الطافح موهبة وريبة،‏ واأل كثر وفاءً‏ لوطنه الجزائر،‏ منهإلى مهارات القلم.‏أعرف كلَّ‏ هؤالء،‏ بَذْلةً‏ أو جِ‏ الَّبَة،‏ كلهم حاضرون،‏ ويخبروننا:‏17- ‏»الجثة المحاصرة«‏ مسرحية لكاتب ياسين.‏122


كلنا مستعدّون.‏أيّها الشّاعرُ،‏ يا صديقي،‏ ستكونُ‏ هناك دوماً‏ مسحةَ‏ غرابة في قلمك.‏من الحديد يولَدُ‏ التاريخ!‏كلّ‏ شيء بإمكانه أن يصدِ‏ مَنا.‏ الهندسةُ‏ وقد سيقت إلى زاويةِ‏جُ‏ رمِ‏ بندقيةٍ‏ قبيحة،‏ وطبعاً،‏ أنا لن أُفيد بشيء في هذا...‏عليّ‏ أن أقوم باعتراف مَهيب:‏ حين كنتُ‏ طفالً،‏ حين كنتُ‏ أركبُ‏القطارَ،‏ كان هذا بمثابة فسحة؛حين كنتُ‏ ألصق أنفي على الزجاج،‏ كنتُ‏أعتقد أن بإمكان عينيّ‏ أن تريا دائماً‏ أعمدةَ‏ التلغراف التي لن تتقطّعَ.‏اليومَ‏ يا صديقي،‏ صرتَ‏ ترى أبعد من أرنبةِ‏ أنفكَ‏ ، أبعدَ‏ من واجهاتالمحالَّتِ‏ التي لم تَلِج إليها،‏ أبعدَ‏ من تلك األعمدة التي كانت تراقصُ‏السنونوّاتِ‏ من بعيد ومن القطار في طريقه إلى الزوال...‏ من القطار،‏ فيطريقه إلى الزوال...‏صارَ‏ ذاك الزمن محلّ‏ احترام!‏اليوم،‏ صرتَ‏ ترى أبعد من نهاية بندقية.‏ صرتَ‏ ترى أبعد من نهاية قلمك.‏عليك بالرّحيل،‏ يا عزيزي،‏ من أجل بقاءٍ‏ مشرّف.‏ ‏»أراغون«‏ أطرىعليكَ‏ : ‏»عصفورَ‏ الغصن األعلى«،‏ وإن هو جعلك تخجلُ،‏ فهذا حتماً‏ليس بكِبْر.‏ لقد فهِ‏ مَ‏ ‏»ماياكوفسكي«‏ هذا.‏ بيدَ‏ أنَّه،‏ كان كثيرَ‏ الوحدة.‏كان وحيداً‏ كحارس.‏ كان وحيداً‏ كإنذار.‏ كان وحيداً،‏ واقفاً،‏ مفجوعاً‏وفخوراً،‏ وراسخاً.‏ كان عريضاً‏ كطرْف ثوب.‏ ألصقَ‏ أنفَهُ‏ على زُجاجالصّ‏ باح.‏ فهل سنعرف ذات يوم،‏ كيفَ‏ انكسرَ‏ الزُّجاج؟...‏123


أنت تتساءلُ‏ إذن:‏ ما معنى عدوُّ؟ العدوُّ،‏ رجلٌ‏ له ذراعان وقدمان،‏ مثلك،‏بَيْدَ‏ أنه ال يؤمن بالربيع إال وقد الح عبرَ‏ التقويم.‏كلّيَّةُ‏ الرَّجل هذه،‏ التي ترتسِمُ‏ في عَلَمٍ،‏ في برتقالةٍ،‏ في خريفٍ‏ فاترٍ،‏ شبيهٍ‏بنهد امرأة مشتهاة،‏ في كلّ‏ رجال العالم الذين سيمُدُّونَ‏ األيادي أحدهمالآلخر حين ال تُقطع أذرعُهُم؛ كلّيّةُ‏ الرّجلِ‏ هذه،‏ ستصلها،‏ حين تحسنُ‏البحثَ‏ في كل زوايا شقائِكَ‏ . سُ‏ حْ‏ في الصّ‏ حراء.‏ خذ صحراءك في فسحة.‏اصنَعْ‏ أخالقاً‏ كما تَصنَع ‏»وردةَ‏ رمال«.اصنع شيئاً‏ يكون أخالقاً،‏ و»وردةرمال«.‏هذا أنت،‏ شغوف على أعصابك عديمُ‏ وفاء.‏ خسرانك الواعي للوفاء،‏هو موهبتُك الفُضلى.‏ وألنّك،‏ لم تعد بعدُ‏ اإلله الطيّبَ‏ . وحين تنتهي منالبحث في كل زوايا شقائك وال وفائك،‏ ِ ستفكّ‏ رُ‏ في الصّ‏ يَادِ‏ لَة،‏ هؤالءالرجال الطيبين الفخورين،‏ المتكدّرين،‏ الذين ليس لديهم من مهمّة،‏سوى توزيع المشروبات المنقوعة التي تريح.‏ كن عطّاراً.‏ قُدْ‏ نفسَك نحوالسّأم خلف القارورات.‏ليس لدى هؤالء الرجال الطيبين مزاعم.‏ ولذلك،‏ وجب االنتقام لهؤالءالرّجال الطبيبين.‏ وجب إقامةُ‏ منابع،‏ وديان وأنهر.‏ تالعَبْ‏ بالمجرّات.‏كن بسيطاً‏ وطيّباً.‏ الطريقُ‏ األقصر بين نقطتين،‏ ليس هو الخطّ‏ المستقيمحتماً.‏ وحين يمضي جُ‏ نديٌّ‏ للقتال فليس من حقه أن يُغنّي.‏ ولتحترماألزهارَ،‏ وال تضَ‏ عْها على فوّهة بندقيّتكَ‏ .إذا ما حدث أن نمتَ‏ ذات قيلولة حارّة،‏ فليكن ذلك،‏ أرجوك،‏ عند بدايةجبل ٍ مكسوّ‏ بالبنفسج.‏خطِرةٌ‏ هذه المهنة.‏ قد نخلّف جرّاءها أقالماً،‏ بيد أننا نصنع أغنياتٍ‏ ،124


أخبرني العندليب الذي يحسن الغناء أفضل منّي.‏ هذا العندليبُ‏ ، يكتسيهالة النَّسر،‏ بمجرّد حديثه عن الحرية.‏ يُدعى عربةً،‏ يُدعى،‏ سقياً.‏ هذاالعندليب يُدعى،‏ قمحاً،‏ قمحاً،‏ قمحاً...‏ال تكن قبّرةً‏ تسرقُ‏ الحِ‏ نطة،‏ وتستغلُّ‏ أزمة سكنٍ‏ عتيقة كي تزرَع أغانيهافي ثلم لم تشقّهُ‏ هي.‏أنت تقرأ في خطوط أيدي النّاس.‏ تشخرُ‏ كقاطرة،‏ وتخجلُ‏ كحُ‏ ٍ بّ‏ أوّل.‏سوف تمضي برجليك يا أيها الجنديُّ‏ . وزّع الوفائَك.‏ مزّ‏ ‏ِقهُ‏ قطعاً‏ صغيرة،‏فهذه هي الوسيلة المُثلى للعثور على الطريق.‏ ثمّ‏ ال تكترث...‏ ولكن،‏ماذا سوف تفعل حين يعتريك ألم الحبّ‏ ؟ ماذا سوف تفعل بأزاهير مايو؟ماذا سوف تفعل بقِطَع قوس قزحٍ‏ لرومنسيات العشرينات؟ ال تكترث...‏أغلِقْ‏ فمك الكبير وتكلّم!‏ تكلّم،‏ ولنسمعك أو ال نسمعك.‏ تمثالُكَ‏ ،سيصنعه اآلخرون.‏ ولتتذكّر ‏»ماياكوفسكي«:‏ ‏»أنا ال أهتمُّ‏ بالبرونز حينيكون بالقناطير«‏ أوه!‏ ذلك الفخر اللّذيذ الذي يتأتّى من تلك األغانيالتي ال نقدّ‏ ِ رُ‏ رفعتها!...أسمّيك ‏»فولكلور«.‏ أنتَ‏ أكبرُ‏ من وطنك.‏ أنتأكبر من قارّة.‏ اسمعني جيداً:‏ اإلنسان أنت.‏ انتعِل الجزائر.‏ رجالك ياأيُّها الجُ‏ نديُّ‏ ، رجالك يا أيها التروبادور،‏ عثرا على مقاسهما.‏ سِرْ!‏ عليكبالسير،‏ بالسير،‏ دوماً‏ عليك بأن تسير،‏ إنها طريقتُك في االنتظار.‏أنتَ‏ تكتُب ألنّك تحبّ‏ . إذا لم تكن كذلك فضع القلم.‏ بفضل رجليك ياأيها الجندي،‏ بفضل رجليك يا أيها التروبادور،‏ سوف تَشُقُّ‏ طُرقاً،‏ دروباً،‏سوف تتضوّعُ‏ أساطير،‏ على حوافها يسكن الحلزون!‏أغلِق المذياع.‏ ال تفتح بريدك.‏ انظرْ‏ إلى والدتِكَ‏ . أال تشتاقُ‏ إلى أنتقبّل والدتك؟ الخدُّ،‏ شيء رائع!‏ عامية همجٍ‏ يةٌ‏ تجرّأت على القول:‏ ثبّت125


على الخدّ)‏‎1‎‏))‏ ...أنت طيارٌ‏ على طريقتِك.‏ وأنا ِ أحذّ‏ رُكَ‏ ، لن تتمكّ‏ ن من الطيران كثيراً،‏وسوف يحلّقون حتى وصيتَك.‏ وأنت طبعاً،‏ لن تكترث لذلك،‏ ألنّكشاعر...‏وعليه،‏ فإنّ‏ هذا األمر يتطلَّب منك أن تصرُخَ‏ عالياً.‏ أن تصرخ حتى يتبيَّنشأن أمرك.‏ على جدران بيتكَ‏ ، لن تكون هناك إشاراتٌ‏ تحيلُ‏ إلى المعهدالذي نلتَ‏ شهادتك منه.‏ رغم أنّك أفضل من أصحاب الشهادات.‏ أنتوصفُ‏ حال:‏ أنتَ‏ إنسان.‏ لقد مارست إنسانيتكَ‏ ...أنت هو ذلك السّبق الرّائع،‏ لذلك النجار الذي ال يُعدُّ‏ سوى نجّ‏ ارٍ‏ سيتحوّلُ‏إلى شاعر.‏ لذلك الجرّاح الذي ال يعدُّ‏ سوى جرّاحٍ‏ سيتحوّلُ‏ إلى شاعر.‏لعاملِ‏ النظافة الذي ال يعدُّ‏ سوى عامل نظافة سوف يتحوّلُ‏ إلى شاعر...‏وأنت...أنت لست سوى ذلك النّور القادم من النجوم إلينا بعد عصوربعادٍ‏ طويلة.‏واآلن،‏ سوف تحاول أن تسعى كي تستحقّ‏ العُال.‏ هناك،‏ سوف يبدوقلمك الصغير شيئاً‏ هيّناً.‏ سوف تالمسُ‏ ذراعَ‏ رُبّانك بنفس قدر احترامناوال اكتراثنا لغانيةٍ‏ طيّبة.‏ قالها جيداً‏ ‏»أراغون«:‏ ‏»واآلن،‏ اصمتوا كيأنصِ‏ تَ‏ إلى قلبي«‏ بيد أنكَ‏ سوف تحسنُ‏ الغناء.‏ أوو الال!‏ فلتَحذَر جيداً.‏عليكَ‏ أن تكون في مستوى الرّجال.‏ صديقي،‏ أيها الشّاعر،‏ أرجوك،‏ التحتكم سعادةِ‏ المنتصر الذي يحتقر غزوتَه.‏حاربتَ‏ ألجل العصافير.‏ ستكونُ‏ لديك مزايا الطيّار الدقيقة ال مزاياالصيادِ‏ الماكر.‏18- إشارة إلى وضعية عقب البندقية قبل التسديد نحو الضحية.‏126


سوف تمألُ‏ حبّكَ‏ وغريزتَك بالذكريات.‏ عليكَ‏ أن تبدو جميالً.‏ فِعلُ‏صرفِك األول،‏ قبل كل األفعال هو:‏ فعَلَ.‏ إنّني ِ أحذّرُك حاالً:‏ أنتَ‏ لستَ‏مغامِراً.‏ افعل ما عليك أن تفعَلَه.‏فلنحلّ‏ ‏ِلْ‏ يا رفيقي:‏ أنتَ‏ مُدان للكثيرين.‏ ألولئك الجنيّات اللواتي أصبحن‏»أوكسيجين«‏ و»هيدروجين«.‏ لذلك،‏ عليكَ‏ بأن تتقدَّم بتقرير للماء.‏أنت تعلم:‏ الماء في القِربة وليس في كأس،‏ ولكن،‏ هناك عند النّبع.‏سوف تشرب من النّبع.‏ وأبداً‏ سوف لن تغرق.‏ سوف تعلِ‏ ‏ّمْكَ‏ الحرارةُ‏حماقتها.‏ وسوف تمضي لتشربَ‏ عند الجبل.‏ليس للدّم طعمٌ‏ طيّبٌ‏ .أنا ِ أُفضّ‏ لُ‏ خمرة الرُّوزيه.‏بيد أنّ‏ هذا ال يعدُّ‏ سبباً‏ لتحاشي الجبل.‏ أنت طيّارٌ،‏ تعَلم هذا جيداً.‏ منأجل السّحابِ‏ نقصدُ‏ الجبلَ.‏أحياناً،‏ تصبح األسحبُ‏ شريرةً.‏ أحياناً،‏ تكتسي جباهها الحزينةتشقُّقاتٍ‏ . علينا بأن نزيح الغطاء عن عيوننا.‏ متأكّ‏ ِ دٌ‏ أنا،‏ بأن الماء كانسيوجد دون األكسيجين والهيدروجين.‏ في المدرسة،‏ أخبرونا:‏ التويج،‏النوارة،‏ النورية.‏ وأنا أقول:‏ بريّة.‏ أبداً‏ لم أرَ‏ البرية.‏ وعليه،‏ فإنني أرفعكتفيّ.‏ كتفيّ‏ على كاهلي.‏ كتفيّ‏ على ظهري.‏ وأنا أسعى في هذه الحياةعلى رؤوس أقدامي،‏ كَبَرِيّ‏ .أنا من ينشدُ‏ بالفرنسية،‏ أيها الشاعر،‏ يا صديقي،‏ إذا كانت لكنتي تفاجئُك،‏فعليك بأن تعلم أنّ:‏ االستعمار أراد لي أن أعيش بخطأ لغوي.‏وعليه،‏ فإنّ‏ الجوّ‏ سيكون حزيناً‏ وجميالً،‏ وال مفرّ‏ منه،‏ كمهمّة نافذة.‏127


سوف تخلّف الكثير من البقع على كراستك المدرسية.‏ستختار مخطوطاتك.‏ وبدءاً،‏ قالمة،‏ بدءاً،‏ القرقور،‏ ومثالً،‏ سيِئُولْ،‏ مثالً‏أورادور،‏ مثالً‏ الفيركور،‏ مثالً‏ أوكرانيا...‏ وذلك الحطب الذي يتعاطفمعي،‏ ويمنحني شُ‏ علَتَهُ،‏ حين أغدو شاهداً‏ على الغابات التي وجباالنتقام لها...‏ قياماً،‏ يا من تعي بأنّ‏ عليك أن تختار طريقَك،‏ وأن توسّ‏ ِ عفيها أكثر.‏ سوف تقول:‏ كلماتُ‏ هذا ال ‏»مالك«‏ فرنسية.‏ أيّ‏ « شيء«!!‏بإمكاننا أن ننطق الجزائر بالصينية.‏ نعم أراغون،‏ هنا تكمن ‏»مأساةالمسرح«‏ )1)) . إن أمكنني الغناء،‏ ستكون كلماتي بالعربية.‏أبداً‏ لم يخطئ العسلُ،‏ بيد أنني ال أُحِ‏ بُّ‏ براغماتية النّحل.‏ الزهرات نعم،‏كلهنّ‏ صديقاتي.‏ أعرفهُنَّ‏ يا الله!‏ أعرف ألقابهنّ.‏ سورَنْجان في المرج،‏ أوفي األشواك،‏ حيث تصبح أكثر شراسة من قلب رجل إمبريالي...نعم،‏ أناأفوح كراهية،‏ وأفتخرُ‏ بأنّني كتبتُ‏ :أناتصدمني الكراهيةمثل سلوكٍ‏ سوقيّ‏بدءاً،‏ أنا عاشق...‏نعم،‏ أنا أفوح كراهية!‏ وكراهيتي حكيمة،‏ كغذاء ال بدّ‏ منه.‏ فلتطمئنَّ‏ ياصديقي،‏ أبداً‏ لم تكن لديّ‏ شهية.‏ شهيّتي شبه معدومة،‏ يا سيّدي!!‏19- مقال للويس أراغون في .lettre françises يوليو/تموز 1954، بعنوان:‏ ‏»رواية تبتدئ«.‏128


سوف تحاول أن تسعى لكي تستحقّ‏ الذروة.‏ سوف تطالب بوجود أغنيتكالمختلف.‏لستَ‏ معادياً‏ للفرنسي.‏ ال يمكنك أن تكون كذلك،‏ ال يمكنك أن تكونمعادياً‏ للفرنسي.‏ اسمَعْني.‏ رأيتُ‏ هذا المساءِ‏ عجوزاً،‏ كان في مشغلهفي ساعة متأخرة من اللّيل.‏ وتزامناً‏ مع تقطيعه للجلد،‏ كان هذا الصديقاإلسكافي يتناول جُ‏ بناً.‏ كان يمتلك أصابعَ‏ ثقيلة وواثقة،‏ بإمكانها أنتصافحك،‏ أن تنسُجَ‏ أكاليلَ‏ لألول من مايو،‏ أو تصفع فَظّاً.‏ ال تنسَ‏ هذاالسيدُ‏ العجوز،‏ الذي كان يتناول الجبنَ،‏ والذي أخبرني:‏ ‏»أبداً‏ لن اصنعأحذية عسكرية«.‏ وَلَدُهُ‏ كان قد مضى إلى الجزائر للخوض في حرب لميُعلنها.‏ فرنسا هي هذا العجوز.‏ فرنسا ليست عدوّاً‏ لك.‏ هذا العجوز،‏ الذيكان في مشغله في ساعةٍ‏ متأخرةٍ‏ من الليل كان قريباً‏ ربّما لديسنوس أولبول إيلوار.‏ إن نحن فهمنا التاريخ على هذا المنوال،‏ فهو أبداً‏ لن يغدوتصفية حسابات.‏أحياناً،‏ تنتابُ‏ الموازينَ‏ قشعريرةٌ‏ غريبة.‏ ال تندّد عبر أغانيك بفرنسا،‏ ولكنبأولئك الفرنسيين الذين يدفعون بي إلى الريبة وأنا أكتب بالخطّ‏ العريضجنسيتهم.‏ أولئك الفرنسيين الذين لم يحترموا ذلك العجوز؛ والذي قديكون قريباً‏ لديسنوس أو لبول إيلوار.‏ولكن،‏ حين تمضي إلى األعالي،‏ حين تستحقُّ‏ األعالي،‏ ستصبحُ‏ أياديكنظيفة.‏ ال يمكن للفرحة أن تتأتّى من الغضب.‏ ال يمكن أليّة أغنية أنتقاوم الهضبةَ‏ التي تستحيلُ‏ إلى ساحِ‏ معركة.‏ والجسور يا صديقي،‏ إنهي انفجرت اآلن،‏ فألنه يحدث أن ترفضَ‏ الجسور أحياناً‏ أن تمدّ‏ يدهالمصافحةِ‏ فردٍ‏ ما.‏ إن غابت القامة الحقيقية لهذه األعمدة التليغرافية،‏ إنمضت شجرة البرتقال إلى النوم،‏ يا صديقي الشاعر،‏ فإنّ‏ حلقة السّواد129


هذه،‏ ال بدّ‏ منها.‏ أسمَعُ‏ دوماً‏ ذاك الشخص في باريس وهو يقول:‏فجّ‏ ِ روا،‏ فجّ‏ روا الجسورَ،‏حتى نرقصَ‏ أخيراً.‏ويضيف مباشرة بعد ذلك:‏في أنحاء العالم األربعأنصت،‏ وسأناديك.‏كان ينادي على الحرية.‏أفضّ‏ ل الثلجَ.‏ الوحوش لوّثُّته.‏ سرقت منّا كل شيء.‏أظنُّ‏ أن فروع األشجار التي تئِنُّ‏ وهي تلتهب في مدخناتنا تحكي عنغضبِ‏ وشوقِ‏ األشجارِ‏ التي استحالت إلى أعقاب بنادق وعصيّ.‏ وحتىالرّعد،‏ إذا ما أخبرناه ذات يوم بأن الكهرباء جعلت من روزنبيرغ بعضالكربون،‏ لصرخ ذاته:‏ سحقاً‏ أخيراً!‏ لقد أساءوا استخدامي..!‏أعرف حنينَ‏ الجداول.‏ ندفع دوماً‏ ثمنَ‏ السلمون المرقّط للسيد شوبير زيتاً‏أبيض.‏سوف أكرّ‏ ‏ِرُ‏ نفسي مجدَّداً.‏هناك صيادلةٌ‏ بال صيدلية،‏ ولكنّ‏ شفاءهم ال يمارس التذمُّرَ‏ على األرصفة.‏هم كذلك الشعراء.‏ صيادون ال يصطادون السّمك إال من أجل أن يهبوه130


مياهاً‏ أطيبَ‏ ، صيادون ال يشاغبون القبّرة إلّا من أجل فتح ممرّ‏ غابٍ‏ أكثرراحة،‏ شاعرٌ،‏ مجنونٌ‏ بعض الشيء،‏ كثيرُ‏ الحكمةِ،‏ قائد المغامرة العادلةعلى مقام األفكار،‏ لكَ‏ الحقُّ‏ في أن تقول كلمتك.‏البعض يستولي على جبل إفرست،‏ آخرون،‏ على زهرِ‏ الربيع،‏ آخرون،‏على فكرةٍ‏ أجملَ‏ من مِرْوَد،‏ فكرة أكثر مأساوية وجماالً‏ من وجه بلبل يُعيرُ‏ضوءَ‏ القمر النغماتِ‏ التي يهديها لصديقه بييرو؛ أنت،‏ يا صديقي الشاعر،‏ال يمكنك أن تستولي على أكثر من مغامرةٍ‏ عادلة.‏ِ لكلّ‏ غابة مكتشفوها.‏ أنت ‏»المغامرُ«‏ الذي يصطادُ‏ األروية البلهاءغليظة الطّبعِ،‏ وحين أقول ‏»صيدا«،‏ فإنني أقصد،‏ تحرير األروية ومنحهاقداسة الغزالن.‏ أنت المغامرُ‏ الذي ارتبط بالمَلحَ‏ مة.‏ كريستوف كولومب،‏صاحبُ‏ النية الطيبة،‏ متسلّق أعالي الهدوء،‏ مستكشف أغوارِ‏ الطبيعة،‏ليس بحوزتك أقداراً‏ أخرى غير انتقامك للغابات التي تحدَّثنا عنها منذحين.‏رجلٌ‏ أنتَ‏ ، في خدمة اإلنسان.‏ ‏»فوسيك«‏ قبل أنيغادر،‏ طلب منّا أن نستعدّ.‏ ففي زمن االحترام،‏ تُهَيَّأُ‏ األسلحة دوماً.‏أكبرُ‏ أنت يا صديقي الشّاعر من أن تتحزّب،‏ فأنتأقوى من الحمقى الذين تسيطر عليهم.‏أنا مع الباقات.‏ الشاعرُ‏ أكبَر من أن يتحزّب؛ يحلّقُ‏ في سماء وطنه كنسمةتحرير.‏ النّسمة محاربٌ‏ ، ونشيدها ضاربٌ‏ في الوطنية.‏ال تدفع باألصابع إلى الغيرة.‏ اليدُ،‏ هي التي تهُمُّني.‏131


ألرفع قبضتي اآلن،‏ وها هو النّحل.‏كليرمون فيرون،‏ نيسان/إبريل 1956كنت ترغب بالسُّمولذلك ال تنصتإنّي أندّدُ‏ بالوردة التي تنتهي عند الصّ‏ خرةأيها الشاعر السّعيد الذي سيصمُتلك الحق في الكالم اآلنعشرة ماليين ذكرى بحوزتي اآلنوربّما أكثر بكثيرإنني،‏ أدافع عن عطر الزهور المُختَرَعَةفي طائرتي الملعونة،‏ ينقضُّ‏ الناس عليّ‏أبداً،‏ ال نحبُّ‏ بما يكفي132


ألعقُ‏ فكرتي كقطعة حطبٍ‏حُ‏ لمي؛ مدينة أصوات ترافق اللّيلالذي علينا أن نغتالَهعلينا أن نغتالهحتى تعود إليه الحياةأنصتْ‏ إليّ،‏ إنني مرعوبسوف نمضي لرؤية أصدقائنا األمواتقريةً‏ حلّقت فوق عظيم يأسٍ‏ عجيبذكرى ملتوية مثل مسمارأمالً‏ أعتى انكساراً‏ من زجاج مطَرالغزالةَ‏ المجنونة التي كانت تعرف األسطورةالخرافَ‏ الميتة،‏ الرّجال الذين حلّقواسوف نغدو من أجل رؤيةورشة جهنّم لمخترعي المغامراتالالمنتهى الذي نفرضُ‏ هُ‏ على موتِ‏ الفُتوّةوللمذاق الحادّ‏ الذي تكتسيه طباع تصرُّفنا133


ال بدّ‏ من الحياةأتذمّرُ‏ في كل مرّةأكون فيها بعيداً‏ عن الجزائرسوف نخترع تقويماً‏ مغايراً‏سوف نذيبُ‏ كلماتٍ‏ في نعوش أصدقائناسوف نمسحُ‏ دموعنا في أكفان رثّةوسوف نخبرُ‏ أبناءنا الذين تيتّموا ألف مرّةبأنّ‏ عليهم أن يُنجبوا أطفاالً‏ يعرفون أبناءهمويصرّحون:‏وطني رجلعند هذه التجاوزات،‏ حُ‏ دود قلبيأتذمّرُ‏ كل مرة أكون فيها بعيداً‏ عن الجزائرعن قريب سوف نقيم أنغاماً‏ تنشدُ‏البارودُ‏ يصيبني بالتذمُّر وأنا أعرف البارودَ‏134


أفضّ‏ لُ‏ زنبق الوادي خطيباً‏ في شهر مايوألن شهر مايو ِ يذكّرُني بقالمةألن كلَّ‏ األيام صارت تحمل ذكرىوعبر كل الطرق التي تمضي نحو النهارأبحث عن اسمي داخل الشّاهدةمستغرباً‏ كيف لماضٍ‏ أن يُحضّ‏ رَ‏ لغدٍ‏وأنا،‏ بنيتُ‏ دوماً‏ غَدي على نغمةٍ‏ آتية!‏هل ترغب ببعض الشّمس؟بعضَ‏ الشمس إليك بهاتعال،‏إنني أبتسم لك يا قطّيَ‏ الصغيرزرقاء هي السماءوالبحر يُخبرنيبأنني أتموّجُ‏ داخل عينيكهل ترغب ببعض الشّمس؟135


بعض الشمس إليك بهاتعال،‏إنني أبتسم لك يا قطّيَ‏ الصغيرألجل الشمس،‏ لديّ‏ صباحٌ‏أمنحكَ‏ النهارأطلبُ‏ من الموجةأالَّ‏ تغرَقَ‏وأن تمضي إلى بلدي وتخبرَهُ‏كم أنا أعشقه!‏ال شيء يُخاطُ‏ ، ال شيء يُمزّقموسيقيٌّ‏ خانته موسيقاه لحظةَ‏ النّغمأستمعُ‏ إلى أغنية لم أكتبهاسرَقتُ‏ األغنيةَ‏أتحدثُ‏ بكلمات تنبُع من أفواه غيري136


يتيم القبالتِ‏ أناكلّ‏ مرة صار بيتُ‏ الفجرِ‏ بعيداً‏أبداً‏ لن يُغنّي طائرُ‏ الصَّ‏ فاريفبعيداً‏ جدّاً‏ عن الشمس تحترقُ‏ األجنحةوبعيداً‏ جدّاً‏ عن الصُّ‏ بح،‏ يبدأ الليللكالب في منفاها نحيبٌ‏ متوحّ‏ ِ شحين أعشق عندليباً‏يرغب الكلّ‏ في أن يسجّ‏ ِ لَ‏ له أُسطوانةحينهاأعرف ذلكتُسرقُ‏ الغابات...‏أريد أن أبتسم لألغنية137


التي ستقول رغم كل شيءالموسيقيُّ‏ ليس سعيداً.‏المسيرة الطويلةأنا نقطة النهاية لرواية تبتدئلم أقل،‏ لننسَ‏ كل شيء،‏ ولنبدأ من الصفرأحافظ بعينيّ‏ السليمتين على رومانسيتيودون أن أنكر أي شيء أعاود االنطالق من جديد!‏أنا نقطة النهاية لرواية تبتدئما فائدة التمييز بين السّماء واألفق؟فما بمقدورنا أن نفرّ‏ ‏ِق بين الرّقص والموسيقىوبرنُسي،‏ هو امتداد لبيتي في أي مكانأنا نقطة النهاية لرواية تبتدئمن صحاريّ‏ االثنتين،‏ سأحبك أغانيأحفظ بعينيّ‏ السليمتين رومانسيتيأنا،‏ في حقيقة األمر،‏ التلميذ والدرس138


أحياناً‏ أذكر أني كنت راعياً‏حينها،‏ ينمو بعيني ذلك الشغف التليدلذلك الفالح الذي ينظر بيديه العصيّتين على الكَ‏ سرتاريخَ‏ بلدٍ‏ سيولد فيه البرتقالأحياناً‏ أذكر أنني كنت راعياً...‏كسرتُ‏ الرّغيفاقتسمت التينبناتيتزوجن زيجة الئقةال تشبهها زيجات أخرمصحوبات بالبندقيةالتي كانت بيد أخيهن الكبيروكانت زوجتي أجمل امرأة في الوادي139


عندنا،‏ لكلمة ‏»وطن«‏ طعمُ‏ الغضب...‏يدي،‏ المستْ‏ قلبَ‏ شجرِ‏ الزيتونمقبضُ‏ الفأس،‏ هو بداية ملحمةوأنا،‏ رأيت جدّي الذي يحمل اسم المقرانييضع مسبحته كي يرى مرور النُّسورعندنا،‏ لكمة ‏»وطن«‏ طعم الغضبأبتي!‏لماذا منعتنَنيمن موسيقى الجسدانظُر:‏ولدُكَ‏يتعلّم كيف ينطق بلغةٍ‏ أُخرىتلك الكلمات التي كنتُ‏ أعرفهاأيام كنت راعياً‏140


آهٍ‏ يا الله،‏ كم من ليلةٍ‏ قرّت بعينيّ‏ تلك اللّيلة!‏أمّي تُدعى ‏»يمّا«،‏ وأنا أسمّيها والدتيأضعتُ‏ برنسي،‏ بندقيتي،‏ قلميوأحمل اسماً‏ أشدّ‏ اعوجاجاً‏ من طباعيآهٍ‏ يا الله،‏ بماذا يفيدُ‏ الصّ‏ فير في تلك الليلة؟أنت خائفٌ‏ يا أيها الخوف،‏ خائفٌ‏ أنت يا أيها الخوف،‏ خائفٌ‏ أنت ياأيها الخوف..‏وبما أنني أخبركم أنّي فرنسيفلتحكموا على لباسي،‏ على لكنتي،‏ على بيتيأنا من يجعل من األصل مهنةً‏ومن يقول:‏ ‏»تونسي«،‏ في إشارة منه إلى البائعأنا من يعي بأن اليهوديَ‏ جنديٌّ‏ سيّءأندجين،‏ كفاك مزاحاً،‏ أختي بال حجابوفي الليسيه،‏ ألم أحصد كلَّ‏ جوائز اللغة الفرنسية؟اللغة الفرنسية،‏ اللغة الفرنسية،‏ اللغة الفرنسية..اللغة الفرنسيةآهٍ‏ يا الله،‏ كم من ليلةٍ‏ قرّت بعينيّ‏ تلك اللّيلة141


ذات ثامن مايو...!‏استدارت األرضوزمجرت الرُّعودوأخطائي!‏ تخليتُ‏ عنهاداخل قبوريذات ثامن مايوولكن،‏ ما المقابل الواجب من أجل الفهم؟وكم من أستاذٍ‏ من أجل درس مماثل!‏وكم من موسيقي من أجل عشق الموسيقى!‏ذات ثامن مايو!....‏كما لدى المرأة،‏ فال انتصار شاملدون عيونِ‏ الوليد التي تتواصل عيوننا بهكما لدى الغابات،‏ فهي بحاجة إلى عشّاق يعمّرونها،‏كي نُخبر ريح المساء كم هو يحميهمكما لدى القارب وهو يمضي،‏ بحاجة إلى شراعو إلى منديل صغير لن ننساه142


وكما قد ينقص رجلٌ‏ في النّوع البشريكنت أيضاً‏ بحاجةٍ‏إلى حديقة من أجل وروديإلى عطر من أجل زهوريثمّ‏ إلى حدائقيألصدقائي عيونٌ،‏ رأيتُ‏ عليها الغضبَ‏ألصدقائي عيون رأيتها تتبلّلأصدقائي سيحيكون علماً‏ وطنياً‏ريحٌ‏ عظيمةٌ،‏ ستهبُّ‏ واقفة،‏ شاسعة،‏ تاريخيةتجعل عشرينياتنا تنتقم لشيبناآهٍ!‏علينا أن نتحلّىبشجاعة النّحلكي نستحقّ‏ العسلونغنّي ألصدقائيأعرف جيداً‏ أن دموع مدريد لم تجفّ‏143


دمَ‏ مدريد لم يجفّ‏وأعرف جيداً،‏ أنّه،‏ وقريباً‏ من غرونوبل،‏يوجدُ‏ مكتبٌ‏ عظيمٌ‏ للشّرفوأعرف بأن سِيؤُولْ‏ كانت لها عيونٌ‏ مفقوءةوحقول أرزٍ‏ في الهندِ‏ الصينيةسمفونية حمراء للمندوبين الملغاشمنفًى لسلطانٍ‏ شيوعيأعرف جيداً،‏ أننا نمتلك كلّنا اليوماحتكار الشّقاءأعدُّ‏ أصدقائيأصدقائي المتوّفّينأتوقّفُ‏ عن العدّ‏أتوقَّفُ‏ عن العدّ‏ حين تستحيل الكلماتُ‏ إلى أعدادإلى األغنية التي لن تأتي أبداً‏قلبي فقيرٌ‏ لفالسٍ‏ بطيئة جداً‏144


كنتُ‏ أميرَ‏ مايو،‏ يوم كنتِ‏ تحببيننيعاشقُ‏ النسيم اختار اإلعصاراخترتُ‏ االبتسامةَ‏ عسى دموعيتتطهّرُ‏ من كآبة حنين حكاياناعسى الحنين يطفو على مياهِ‏مجرًى يعلو،‏ وعلينا أن نمضي على إثرهأسمع عبرَ‏ أقاصي الزَّمنِ‏ نغمةَ‏ فالمينكوأنادي على الشَّقاء كي أكسِرَ‏ وجههكنت أميرَ‏ مايو،‏ يومَ‏ كان الجوّ‏ جميالً‏وفي أعماق الصحراء،‏ غزالتي كانت جدُّ‏ وحيدةأستمعُ‏ إلى األغنية التي لن تجيء أبداً‏إنها تُمطرُ‏ على الشّمس التي ِ تجفّ‏ فُ‏ ابتسامتَهاعلى يد الماضي حين كنتُ‏ أميرَ‏ مايو145


إنها تُمطر على حُ‏ بّي الذي لم يعد يعرف كيف يقول ذاتهال حقيقة إالّ‏ في الحبّ‏ العظيمِ‏ وفي الموسيقىوأنا أعرف أنّ‏ داخل ِ كلّ‏ ٍ حبّ‏ ، وسواساً‏ ال ينتهيال بدّ‏ من صحراوَينِ‏ كي نعرف الالمنتهىعصفورٌ‏ يمارسُ‏ الجنونَ‏ على األرضوحين يستخفّ‏ قليالً‏ ببذور الجَ‏ نْييصبحُ‏ هو الطائر األزرق بكامل خيميائهويستحيلُ‏ إلى األغنيةِ‏ التي أبدَعْتُهاتعرّفتُ‏ إلى أغنيتي ذات صباحٍ‏ ضاحككانت مكتئبةً.‏ قالتْ‏ : بنفسجفرولةٌ‏ جاءت لتؤيّدها،‏ وأغنيتي أنشدَتْ‏استعدتُ‏ صوابي حين فقدت عقليحينها،‏ ناديتُ‏ . زجاجةٌ‏ في البحر146


قصدَتْ‏ ركنَ‏ حلمٍ‏ لكي ترقصَ‏ فيهذلك الذي يشعُرُ‏ باأللمِ‏ يعي جيّداً‏ بأن للصّ‏ حراءذلك الجنونُ‏ الغريبُ‏ الذي تحسبُ‏ فيه نفسَها شاطئاً‏حينها،‏ ناديتُ‏ . كان ال بدّ‏ عليّ‏ أن أناديهالتي سحابةٌ،‏ وطائرتيكانت ترقص بعينيكِ‏ وهي تتسوّلُ‏ شرارةً‏ونجمةَ‏ سالمٍ‏ عند آخر األفق.‏يطفو الغريقُ‏ عند خيط ماءينسجُ‏ شعرَه قصباً‏ينهمرُ‏ حلماً‏ووحدهالعصفورُ‏ يحرسهويحمل روحَ‏ هإلى مكان ما من الحلم147


يمكنُ‏ فيه للغرقى أن ينشدواهنا،‏ ينتهي التفكُّ‏ كاإلنسانيةُ‏تبتدئ بين ذراعيّ‏قديماً،‏ كان هذا قبل تاريخيلحبّي مذاقُ‏ األكوان التي تتراقصسوف نمضي داخل الموسيقى كي نجمع النّاسوعليكم أن تشرحوا ليأبديّة الموت وعظمة الحياةليس لي من مهمّة غير واجبيأغني عن مبدأأغني،‏ وأنا أعشق هذاأمنح إجازتي لخدّام الشقاءتعالوا يا صبيان،‏ كي أنسج لكم حكايةً‏148


كي ألتقط نجمة،‏ حتى أخطّ‏ بها كلمةً‏كان ذات مرةهناكفي وطنيولدٌ‏ يريدُ‏ كرةكان طفلي الصغيربعينين دائريتين كاألرضواآلن وقد قضى- قضى بسجنه -وحين أرى كرات- وقد قضىدون كرته -أشكُّ‏ دوماً‏ بأن األرض كرويةً‏ليس لي من مهمّة غير واجبيواإلنصات إلى األرض…‏149


كتبت دوماً‏ ألجل أن أستحقّ‏ أُميأمي،‏ على الدوام جميلةأرافقها كل يومتدعى ‏»حمامة«‏وبالعربية هذا هو اسمهاباألسطورة رياح تهبّ‏وها األسطورة تفتح ذراعيهاكنت قد حدّثتهمكنت قد شعرتُ‏ بيدهمكان لديهم أطفالٌ،‏ وحتى بعض األخطاءكم كانوا يحسنون االبتسام في الظالم!‏150


قابلتهُم حين كنتُ‏ أشتري جريدةكانوا أصدقائي،‏ ما كانوا كلماتٍ‏أرقاماً‏ أو أسماءَ‏كانوا ألفَ‏ صباح وعشر سنين منّيالزّادَ‏ الذي نتقاسمُهسيجارةَ‏ السّأَمكانوا يعرفون أبنائيكنت أمنحهم كل أشعاريوالدتي،‏ كانت تعشق قلبَهمكانوا رفاقيوكنت قد حدّثتهمباألسطورة رياح تهبّ‏وها األسطورة تفتح ذراعيهاوها قد أصبحوا روحاً...‏ ووطناً‏ لي151


أبداً‏ لن أرى صديقيَ‏ المنجميابتسامته،‏ كانت تنير نظرته المريرةصديقي القصّ‏ اب،‏ واآلخر المعلّمواآلخر المربّيوأنا أعتذر،‏ ألنني على قيد الحياةفأنا أكثر يُتماً،‏ من ليل دون قمرباألسطورة رياح تهبّ‏وها األسطورة تفتح ذراعيها…‏على الطاولة المستديرةِ‏مصباحٌ‏ أحمرٌ‏و ظلُّكِ‏عند حافّة كأسأتألّمُ:‏ قالت الوردةأعيدوا إليّ‏ المرجَ‏152


وردةُ‏ الحريةأنا،‏ أتذمَّرُ‏ عند البيانو:‏قال البلبلُ‏أعيدوا إليّ‏ الغابة التي تُدْعَى موسيقىأتألّمُ:‏ قالت أحبُّكَ‏أنا،‏ أتذمَّرُ‏ على الورقأعيدوا إليّ‏ القبالتِ‏ التي هي مخطوطاتيأنا،‏ أتذمَّر:‏ قالت الصورةُ‏أعيدوا إليّ‏ الضحكة التي كانت عيوني بها تبتسمُ‏يؤلمني كوني مرآةً:‏أخبرَتني الصورة التي هي على قيد الحياةقضى رفيقي وسط القيثاراتوعند حقلِ‏ قمحٍ.‏153


مَرِحٌ‏ هذاكان يافعاً‏كتبَ‏ قصّ‏ تي الجميلةكان جزائرياً‏كان يحسن الغناء،‏ أفضل من حقلِ‏ قمحأريد أن أقول:‏ شكراً‏ألنه يصنع موسيقى،‏ فأنا موسيقيأظلّ‏ مستعدّاً‏ أمام الحلم الذي عليّ‏ أن أصنَعَهُ‏وأقول لك:‏ شكراً‏عند حقول القمح اآلن أنا أعرف اليعسوبانتقم له يا أيها النّبعولتجعل األباريقَ‏ تسأَمولتذهب إلى أحضانه يا شقيق النعمان154


أخبِرْهُ،‏ بأنه يحلم بقصيدة.‏ولتجعل األباريق تسأمولتمتلئ بالبارود أيا قلبيإنَّها تمطِرُ‏ ببلدي،‏ موتاً‏ وأسطورةسنبلةٌ‏ تكفي،‏ كي تهزُجَ‏ حقول القمحوقتٌ‏ يكفي،‏ كي يَنزلَ‏ الليلُ‏ووقتٌ‏ يكفي أيضاً،‏ للنّهار كي يطلع.‏الخبزَ‏تنناولُهبألف هاجسبألف احترازرجلٌ‏ هو صديقيينام باألسطورة.‏أميال بدّ‏ من البكاء...‏155


ال بدّ‏ من البكاء على هذا الولد الذي صار ابنكِ‏حالماً‏ اختار أن يناديك:‏ ‏»أمي«‏باسم المواسم أسماك ‏»أُمي«‏ورضع من نهدك طعمَ‏ الضّ‏ وءإنها تُمطر على أسطورتيوأعينُ‏ أسطورتي تتألّموحين تجتمع الغربانفحتماً،‏ ألنها تخشى الموت...‏هنيئاً‏ لك يا سيّديلم يبلغ بعد الثالثينزميلي الذي تمادت رؤاه الشّامخةبيد أن الغربان تسرق البذاروالمزاعُ‏ يعلم بذلك ويخشى على أخاديدهبيد أن الصقور،‏ تنكش السنابل156


وقلبي يعلم بذلك جيداً،‏ ويخشى على أغانيههو حلم شديد الحرّ‏ على أرضٍ‏ جزائريةنسّاجُ‏ البيرقِ‏ ، صانع حنطةحين كان يخوض الحربَ‏ ، كانت الحربُ‏ عاقلةً‏وألجل اصطياد الشتاء،‏ قضى صيفاً‏أُنصتُ‏ إلى األغنية دائمة العودةهي الغبطةُ‏ التي أنصتُ‏ إليها،‏ على األرض الجزائريةجندُ‏ الصّ‏ باح،‏ هم أبناء الصّ‏ بابةينامون فوق السنابل،‏ حتى نتذكَّرهم أخيراً‏فلترقصي يا شقيقات النّعمانزميلي قضى وسط القيثاراتاحرصوا على الصمود يا رفاقفالجبلُ‏ على حقّ‏157


خَ‏ طْوُ‏ الموتى ثقيلما اسمك؟أدعى جثةً‏كنت حيّاً‏ ولديّ‏ بناتٍ‏شربتُ‏ حليباً‏ماءً‏وهماً‏احرصوا على الصمود يا رفاقفالجبل على حقّ‏شظايا قلبي،‏ هي شظايا ‏»القُربي«‏أردت أن أرعاها في حقل يأسكتبتُ‏ الموتى،‏ أخبرني الموتىقد تغدو موسيقى الموتى،‏ مهد الرومنسية158


بعدها الموسيقى!!‏في الحاضر،‏ الشقاءخطو الموتى جدُّ‏ ثقيلوسوف يغدو سلّم نغم الصّ‏ باحات.‏الشقاء الجزائري الشقاء عظَمةيتغنى بنشيد الغدِ‏ السّعيدواإلنسانُ،‏ أغلق ذراعيهوتباكى داخل غبطتهالموتى ال يكترثون للضّ‏ حكات القادمةعلى ‏»القُربي«‏ المشتعل يزرعون األغانيعلى دمهم الجداولُ‏وداخل أعينهم المحيطُ‏وحنطة اإلمالق صَ‏ دحَ‏ ت بالفالمينكو!‏عليك أن تغني،‏ يا أيها الرّاعي159


المشاعلُ‏ رجالالموتى ال يكترثون للضحكات القادمةاحرصوا على الصُّ‏ مود يا رفاقفالجبل على حقّ‏للموتى الذين يحمونكمالسُّلطة المطلقة والمسؤولية العسيرةلإلبقاء علينا أحياءمثلما نضع وردةً‏أتمنّى دون أن أستجديِ متأكّد أنا من الفرحعلى حجر الهدوءالفرحةِ‏ التي ستكون جزائريةُ‏فرحة تلك القرية التي سيولد فيها أطفاليقصدون المدارسوتغدو هي مجنونة من الفرحة160


كسعادة أولىظنوني أكيدةاحرصوا على الصُّ‏ مود يا رفاقفالجبل على حقّ‏أفراحٌ‏ وحلوىسنكون كلّنا على استعدادوسوف يخلد الجبل إلى الرّاحةالفرحةُ‏ ستعمُّ‏ بلديالمناديلُ‏ للزكامال لألشجانالقماشُ‏ لألغطية ال لأل كفانالفرحةُ‏أكثرُ‏ بساطة161


من صباح خيرفي المدهش اليوميبالبيت الذي نرتِ‏ ‏ّبُه ونعيدُ‏ ترتيبَهالفرحةُ‏يا يتيمتيستكون لها أُمّ‏اآلن،‏ وأنا أحيافألجل الريح العظيمةأيمنأجلكحين يقطع ‏»البول ميتش«‏ )2)) خطوته البعيدةألوم أنا أصابعي كلّهاالطريقُ‏ ألجل أقدامي20- البول ميتش:‏ مقهى شهير في ‏»سان ميشيل«‏ بباريس.‏ تحدث عنه مالك في أعمال عديدة.‏162


أولّااله...تلك الطريق التي تمضي إليها الشُّموسأين يصدُقُ‏ القمر الذي يحمي الرجالباريسُ‏ ال تفهم شيئاً‏ حين تصرخ كُلّ‏ آريسأضحكُ‏ حين تجعل القططُ‏ الفئرانَ‏ ترقص ‏)عذراً(‏وأفكر في اإلله الطيب الذي خانه الفهمأحتاطُ‏ أنا من القطط،‏ تماماً‏ كما الفئرانأعشقُ‏ كثيراً،‏ هذا الزمنَ‏ الذي يمنحني الحياةَ‏يُدعى:‏ أنصتواصُ‏ مُّوا آذانَكمأشرِعوا القلوب على آخرهايُدعى مرافقاً،‏ وسوف ألحق به قريباً‏يُدعى بيتاً،‏ حيث تمارِس أمّي الصَّ‏ بريُدعى..أوهْ‏ يا صديقَ‏ القيثارات المكسورةيُدعىجزائرعاملٌ‏ شمالُ-إفريقي163


اختنق في كوخه القذرأغنيتي األولى،‏ انتهتْ‏ بنحيبفاطمةُ‏ أسلمت نفسها من أجل قطعةِ‏ خبزٍ.‏عبر أحداثٍ‏ بسيطةنكتب التاريخ جيداً‏للشقاء سندٌ‏ متينولكن،‏ أخبروني عن اسمههذه السماء كفنٌ‏وعندنا،‏ هي مِشعلٌ‏يوم أحدٍ‏ ، بعينين مفقوءتينخريفٌ‏ منهوبٌ‏ليس هناك يوم واحد بال ذكرىنوطاتُ‏ الشقاءصنعت سمفونيتيللشقاء سندٌ‏ متين164


ولكن،‏ أخبروني عن اسمه.‏خُ‏ لِقت أنا،‏ كي أخاطب البنفسجَ‏ الهادئنسجتُ‏ ‏»ڤالس«‏ على صدارة من أزهاربيد أنّنيرأيتُ‏ ذلك الفالحيتحوّلُ‏ إلى قاطع طريقحين يحبّ‏ زوجه كما يحبّ‏ وطنَهللشقاء سندٌ‏ متينولكن،‏ أخبروني عن اسمهرأيت مدينتيمدينتي حالةُ‏ طوارئلو أن الزّمن يتقدّمعبرنافألن الشمس هي التي اختارت مهدهاعند المشرق165


للشقاء سندٌ‏ متينولكن،‏ أخبروني عن اسمهجاريَ‏ المفضّ‏ لهو دائماً‏ الجنديلم يرَ‏ الفرحةالتي حضّ‏ ر لهاالفرحةُ‏ حاضرةٌ‏ دوماً‏ ألولئك الذين احتفلوا دوماً‏ بهاللشقاء سندٌ‏ متينولكن،‏ أخبروني عن اسمهألمي وللحمامةاالسم ذاتهأمي تبكي كلّ‏ يومشعرُها األبيضُ‏ ، هو الحارستعرف أغانيَ،‏ نسمعها بصوت خافتللشقاء سندٌ‏ متين166


ولكن،‏ أخبروني عن اسمهأخبروني عن القبلةِ‏ التي حُ‏ رمت منهاأخبروني عن تلك الصحراء التي أكتب أغاني ألجلهاأخبروني عن الغزالة التي اغتالوهاوأخبروني عن الوردة التي ال بستان لهاأخبروني عن سبب األلفِ‏ جنونأخبروني عن تلك الكحول التي نتشرّبها عند الفزَعأخبروني عن فزع األُسودِ‏ في المنفىوأخبروني خاصة،‏كيف هي الجزائر!!!‏أمنحكِ‏ شاطئاً‏بحراً‏ مغمًى عليهوذلك العصفور الذي ييتّ‏ ‏ِمونهثمّ‏ قلبي167


الذي ال يتقن الوجيبحين عرفت قلبيكان صينياً‏ صغيراً‏وكانت للشمس ضحكة صفراءحين كانت يدُك تنسجُ‏ كلماتٍ‏ .مهمّةٌ‏ منجَ‏ زةوحين عاد السّالمقالت الحمامةُ:‏فلتغربوا عن وجهيسأعود طيراً...‏168


169


صدر يف سلسلة كتاب الدوحةطبائع االستبدادبرقوق نيساناألمئة األربعةالفصول األربعةاإلسالم وأصول الحكم - بحث يف الخالفة والحكومة يف اإلسالمرشوط النهضةصالح جاهني - أمري شعراء العاميةنداء الحياة - مختارات شعرية - الخيال الشعري عند العربحرية الفكر وأبطالها يف التاريخالغربالاإلسالم بني العلم واملدنيةأصوات الشاعر املرتجم - مختارات من قصائده وترجامته• فتنة الحكاية جون أيديك - سينثيا أوزيك - جيل ماكوركل - باتريشيا هامبلامرأتنا يف الرشيعة واملجتمعالشيخانورد أكرث - مختارات شعرية ونرثيةيوميات نائب يف األريافعبقرية عمرعبقرية الصدّيقرحلتان إىل اليابانلطائف السمر يف سكان الزُّهرة والقمر أو ‏)الغاية يف البداءة والنهاية(‏ثورة األدبيف مديح الحدودالكتابات السياسيةنحو فكر مغايرتاريخ علم األدبعبقرية خالدأصوات الضمريمرايا يحيى حقيعبقرية محمدعبدالله العروي من التاريخ إىل الحبفتاوى كبار الكتّاب واألدباء يف مستقبل اللغة العربيةعام جديد بلون الكرز ‏)مختارات من أشعار ونصوص مالك حداد(‏عبد الرحمن الكواكبيغسان كنفاينسليامن فياضعمر فاخوريعيل عبدالرازقمالك بن نبيّ‏محمد بغداديأبو القاسم الشايبسالمة موىسميخائيل نعيمةالشيخ محمد عبدهبدر شاكر السيابترجمة:‏ غادة حلواينالطاهر الحدادطه حسنيمحمود درويشتوفيق الحكيمعباس محمود العقادعباس محمود العقادعيل أحمد الجرجاوي/صربي حافظميخائيل الصقالد.‏ محمد حسني هيكلريجيس دوبريهاإلمام محمد عبدهعبد الكبري الخطيبيروحي الخالديعباس محمود العقادخمسون قصيدة من الشعر العاملييحيى حقيعباس محمود العقادحوار أجراه محمد الداهيترجمة رشف الدين شكري1234567891011121314151617181920212223242526272829303132170


171


172

More magazines by this user
Similar magazines