غاب الشيطان. حنان الهواري. .مجموعة قصصية. ابداع_فور_اول

koki999
  • No tags were found...

حنان الهواري

عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

عندما غاب الشيطان

مجموعة قصصية

تأليف/حنان الهواري

إعداد وتنسيق

داخلي/فريق

للنشر اول إبداع فور

االلكتروني والترجمة

تصميم غالف/السيد

الماوردي

لغوي تدقيق

ومراجعة/سارة السادات

جميع الحقوق محفوظة

ل@‏https://ebdaaforall.blogspot.com.eg‏/‏

2


حنان الهواري

عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

فهرست

عندما غاب

1. الشيطان.............................................................‏‎4‎

2. ابنة الشيطان......................................................................‏‎9‎

3. طقوس الليلة األخيرة...........................................................‏‎14‎

4. سعادة مبتورة....................................................................‏‎19‎

.5

منخوليا العشق...................................................................‏‎25‎

3


حنان الهواري

عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

عندما غاب الشيطان

عندما يغيب الخوف من هللا،‏ تموت الضمائر ويستحوذ الشيطان علي عقولنا,‏ نتعرى

من انسانيتنا ومن مشاعرنا،‏ كما تتعرى الشجرة من أوراقها فى الخريف ‏,ثم ما تلبث

رياح األنا أن تذروها،‏ فتتالشى بال رجعة وتتجلى الحيوانية،‏ فى أبشع صورها وال يبقي

للشريعة االنسانية وجود,‏ بل تستشرى شريعة الغاب والبقاء لألقوى

وعندما يغيب الشيطان,‏ نرى االنسان كما خلقه هللا،‏ متجردًا من دنيويته ودناءة طبعه,‏

يرقي الي أصله وما خلق له ‏,ولكن متي يغيب الشيطان؟ وهل يغيب فعال؟!‏ وان غاب

أفي هذا العالم الذي نحياه؟!‏ أم علينا أن نغير العالم , فكل ما حولنا يستدعى الشيطان

ويستحضره فيستحوذ علي انسانية االنسان التى افتقدها الكثير من البشر.‏

‏-ما حدث معى فاق قدرتى علي االستيعاب,‏ لم تكن تجربتى نظرية فلم أستقيها من

كتاب أو من جريدة يومية,‏ فقد سئمت كم النفاق واألكاذيب التى تتراقص على

الصفحات و بين األسطر,‏ أصبت بالزكام من رائحة العطن،‏ الذي يفوح منها ورغم

دراستى للصحافة واإلعالم،‏ اال أنني وبعد تجربة مريرة قررت التخلي عنها،‏ بعد جولتى

األخيرة التى بدأت من غرفتي.وعذرا لكذبتي األولي,‏ فهي غرفة صغيرة متهالكة,‏

تضمني أنا وأخوتى الصغار,فمنزلي ال يزيد عن حجرتين،‏ أحدهما لى وألخوي

الصغيرين واألخرى ألمي وزوجها،‏ الذي تزوجته ألن معاش أبي ال يكفينا ‏,ولتمنع العيون

الجائعة المتحرشة والمتربصة بها في كل مكان تذهب اليه,‏ فمازالت صغيرة وجميلة ,

بيتنا فى بناية قديمة متهالكة،‏ من طابقين،‏ نسكن فى الطابق السفلى,‏ فى شارع ملئ

بالحفر،‏ أشم رائحة المجارى المنبعثة،‏ كلما حاولت أن أفتح النافذة ألستنشق

الهواء,أكاد أختنق فى هذا الزقاق,‏ كلما مررت فيه أرفع طرف ثوبى خشية أن يتدنس

‏,ورغم هذا الواقع،‏ الذى يطفح بالمرارة والنفايات اآلدمية,‏ إال أننى كنت أنصب لنفسي

عالما آخر,‏ كأننى أشق واقعى ألطل علي واقع أكتر جماال,واقعا يليق بآدميتى ‏,فهنا ال

تعيش العصافير وقد عشقتها وافتقدت وجودها ‏,تمنيت أن يكون لي جناحان ألذهب

خلفها وكنت أتعجب ألنني ال أري الكثير منها,‏ قد يكون ألن شارعنا ‏"هذه التسمية

مجازيةأيضا"‏ فهو مجرد زقاق صغير ملئ بالحفر,‏ يعيث فيه الفئران ليال,‏ قد تكون

4


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

هجرته لرائحته الكريهة,‏ أو لعدم وجود أشجار,‏ يدعونني ‏)فرح(‏ ‏-ال أجد سببا لهذا

االسم,‏ مات أبي وأنا لم أتجاوز الخامسة من العمر,لم يحتمل أبي هذه الحياة

الكريهة،‏ هكذا أخبرتني أمي عندما سألتها لماذا مات أبى صغيرا؟ وتزوجت بعدها

لتمنحنى أبا,‏ وقد منحتني أخوين ذكور وذئب!‏ كان كأبى فى البداية ثم أدركت بعدها أن

أحضانه الكثيرة ورغبته الدائمة فى أن يلمسنى ويعصرني بين يديه,‏ ما هى إال محاولة

النتهاك براءتى،‏ ولكن أمي بذكائها وشخصيتها القوية فهمت و نهرته فحمتني منه،‏ اال أن

صورة الذئب،‏ كانت دائما ماثلة أمامي كلما رأيته ‏,ألن نظراته لي،‏ كلما كبرت واستدار

جسدى كانت مريبة,‏ قد يكون فقد آدميته،‏ من تعاطى المخدرات،‏ فكان يعتبرها نوعا

من سبل الحياة أو هى الحياة بالنسبة له،‏ لعمله كسائق الحد األتوبيسات فقد كان يقول

ألمى أنها تسريته الوحيدة.‏ وكانت تتأفف وتصمت لم يكن بيدها حيلة,‏ كانت أمى هى

الحياة,‏ فقد منحتنى الكثير قدراستطاعتها،‏ وأصرت رغم ظروفنا الضيقة أن أكمل

تعليمى حتى أحمل سالحا يحمينى,‏ وسبيال يخرجني من هذه الحياة الضيقة,وليتها ما

فعلت,‏ وليتنى ماوعيت لما يدور حولى,‏ كنت دائمة التساؤل،‏ لماذا ولدت فى هذا

المكان؟ لماذا ال يمكنني أن أتجاوز هذا الشارع الخلفي للشارع األمامى الذي تطل

عماراته وفيالته علي شوارع نظيفة وممهدة وفيها أشجار وعصافير لماذا أعيش في

الخلف؟!‏ هل نحن من طبقة أخري؟ نحن نملك نفس الشكل ومن نفس الطين الذى

خلقوا منه فلماذا خصهم هللا بذلك؟

كانت أمى تقول لي:‏ حبيبتي نحن راضون بما أعطانا هللا هذا الكالم من الشيطان

استغفري هللا حتى يبتعد عنك الشيطان,‏ استغفرت

كثيرا ومازالت األفكار تغزونى!‏

أقنعتنى أننا قد غاب عنا الشيطان,‏ ولحماقتى وصغر سنى صدقتها,‏ فهى أمى واألمهات

ال تكذبن أبدا ‏,هذا ما ظننته

.

حاولت أن أنشغل بدراستى وأتفوق ألكون ذات شأن ‏,أو ألستطيع أن أنتقل الي الحى

الراقي ‏,فقد سئمت الحياة فى العتمة,‏ صرت أتعايش مع ما حولى وكأنه شئ لن يدوم,‏

فمع الشهادة سأمنح كل شئ,‏ كنت أتأمل فيما حولى وأذهب خلسة للشارع األمامى

ألمنى نفسى أن أعيش فيه يوما,‏ ثم أعود ألرى البون الشاسع بين األمام والخلف وفى

الخلف حيث الظلمة أدمنت مشاهدة الفئران وتحركاتها من خلف شباكي وقد حاول

5


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

أحدها أن يقرضه ليتسلل الى غرفتى ولحظه العثر,‏ كانت أمي تنصب له المصيدة داخل

البيت وفعال سقط فيها,‏ وقبل أن تغرقه في إناء الماء الساخن قلت له ‏:أيها المجنون

هل تصدق أن فى البيت شئ تأكله,وقلت لوأن له عقال،‏ ما جاء الى هنا،‏ لذهب الي

البيوت الفارهة التي تجاورنا وسرق لنا بعض الجبن أو قطعة شهية من اللحم وبعض

الخبز األبيض.‏ والفطير,‏ فقد سمعت احدي جارتنا وهي تقول أن ما نأكله من خبز به

أجزاء من المسامير و بقايا صراصير,‏ أما اللحوم فهى من أفخر أنواع الحمير و األجبان

من دهن الخنازير.!‏

أتذكر منذ هذه اللحظة،‏ أنني امتنعت عن الطعام كله,‏ وكدت أن أموت لوال أننى وجدت

سلوتى فى أكل األرز المسلوق والبطاطس ، و بينما أراقب الفئران ليال وهى تجول,‏

سمعت صوتا،‏ فتلفت!‏ فاذا به فأر يخرج لى من ثقب أسفل الجدار,‏ أبصرت عينيه

الصغيرتين تلمعان في الظالم,‏ فهممت أن أصرخ وأستنجد,ولكنى خشيتعليه من الغرق

فى الماء الساخن.‏ فقلت له ‏:اذهب من هنا أيها الغبى,‏ أظننت أننا نملك أكال شهى,‏

واحذر المصيدة فلو وقعت فيها ستموت موتة مؤكدة,‏ فاذا به يقف أمامى منتصبا ‏,ويدنو

منى بخطوات واثقة.‏ واشتد جزعى،‏ عندما سمعت صوته يقول لي:‏ جئت آلخذك فى

جولة,‏ مازلت فى دهشتى وبنظرى اليه أصول وأجول,‏ وهمست له : هل يتكلم

الفئران؟ هذا وهللا لمن عجب هذا الزمان,‏ ال تقل أنك فأر فيلسوف,‏ جئت تساعدني

على تغيير الظروف,‏ ابتسم فبدت نواجذه وتحركت شواربه,‏ ومد يده الصغيرة المكسوة

بالفرو وقال لى:‏ تعالى سأحقق لك األمانى,‏ ودخلنا فى شق الجدار خلف الستارة

المتهالكة,واذا بنا فى أحد البيوت األمامية,‏ انبهرت بما رأيت,‏ الجمال والفخامة فى أبهى

صورها,استنشقت الهواء , تذوقت الطعام الذى طالما تمنيته.‏

ساعتها صدقت جارتى,‏ وأقسمت ان كل اللحوم التي أكلتها سابقا,‏ كانت للحمير وربما

للكالب أيضا,‏ حتي الماء لم يكن كالماء الذي نشربه تأكدت أنه مختلط بمخلفاتنا

. اآلدمية

اعتاد الفأر أن يصحبني يوميا وأصبح صديقي الوحيد,‏ كنت أنتظر أن يفتح الجدار

ألتسلل اليه وكنت أجد نفسي في سريري صباحا,‏ كما وعدني وقال لي:‏ أنه فعل ذلك

ألنه أحبني عندما رأى انسانيتي وأنا أحادث قريبه الذي أغرقته أمي في الماء الساخن

‏,وشاهد دموعي من بعدها قرر أن ينقذنى مما أنا فيه.‏

6


,

حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

كبرت والتحقت بالجامعة,‏ وظل الفأر صديقا لى فكنت في بيتي ال آكل اال الخضار

واألرز وكانت أمى وأخوتى يكثرون الهمز واللمز,‏ وكثيرا ما أقنعتها أن تأكل مثلى خوفا

عليها ولكنها كانت تضحك قائلة نعم نأكل،لحم الحمير لكننا لم يصدر منا صوت نهيق بعد

أو حتى شخير,‏ وأخوتك يأكلون كبد الكالب فهل سمعت لهم أبدا نباح؟!‏ لم أرد أن

أجرحها أو أن تنعتني بالجنون عندما أقول لها:‏ أقسم أننى أسمع نباحهم حين يتعاركان

ويرفس بعضهم بعضا كحمارين!‏

كبرت وكبرمعى صديقي الفأر الذي كان يسكن الجدارالفاصل بين بيتنا والحى الراقى

وفى أحد المرات ونحن في رحلتنا سمعت همهمات من بعيد فسألت الفأر ما الخبر؟

فقال انه اجتماع يرأسه الحمار , فسألته ولماذا التصفيق؟ قال انها الحمير,تص فق

علي كل ما يقول فقلت وهل يفقه الحمير فقال:‏ لو فقهوا ما صفقوا ولكن هكذا الحمير

وترامت الي مسامعي بعض أحاديثهم وتجمع حولهم سرب من الكالب وقرروا قرارا

جماعيا أن يهجروا البالد,‏ بعد أن كادت أجناسهم تباد,‏ واقترح أحدهم أن يترك المجال

للقطط وكفاهم مانالوه من دلع و ترف.‏

وفى يوم ونحن نسطوا كعادتنا وجدنا أهل البيت يقيمون حفلة صاخبة ظللنا طول

الليل نشاهد ما يجري في الحفل كانت على شرف راقصة مشهورة بارعة في كل شئ

‏,كان فستانها يبرز أكثر مما يخفي,‏ لقد أخذت بجمالها،فلم أر فى حياتى راقصة مثلها!‏

كانت تتمايل فتتمايل معها األعناق ‏,مابين معجب ومشتاق ‏,تقع تحت أقدامها القلوب

‏,رجال يغرقون فى حسنها وفيما يشربون,‏ ووضع الطعام على المائدة كان الطعام

أشكاال وألوان,‏ أقسم أنه لو أكل منه أهل الحى مابات أحد جوعان,‏ زهدت الطعام،‏

رغم جوعى شبعت مما رأيت وتمنيت أن يتحول طعامهم الى ما ناكل من حمير وكالب

وسرحت مع الرقاصة بنظرى , كنت أجوب معها وأتعجب من كلمات اإلطراء والغزل

التى ترمى عليها لم يوقظني اال سعال الفأر،‏ ألول مرة أشعر بضيق منه فقد أراد أن

يعيدنى لفراشي فقد اقتربت امتحاناتي وعلى أن أتخرج بامتيازألكون معيدة في كليتي

وألنتهى من رسالتى.‏

7


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

تخرجت بامتيازوعينت ابنه أخ العميد معيدة,‏ والمفارقة أنها كانت آخر الدفعة ‏!كانت آخر

مرة أري فيها الفأر,‏ تنازلت عن نظارتي الطبية وظهرت عيناى السوداوان و شعري الذي

كان معقوفا دائما استرسل على ظهرى كليل بهيم ينيره استدارة وجهى األبيض,‏ صعق

الفأر وأشاد بجمالى وتعجب من تغير حالى , قال لى ‏:أين كنت تخفين هذا الجمال؟

ضحكت وقلت ‏:خشيت أن تفتن بي يا فأرى الهمام.‏ ضحك الفأر رغم مرضه البادي عليه

وقال:‏ يبدو أنك صدمتي لعدم تعيينهم لك معيدة,‏ فخرجت منك شخصية جديدة , هل

جننتي يافرح ؟ ‏!فقال وماذا ستعملين؟ أنا سأموت أظنك ستعودين الي حياتك السابقة

أو ستتزوجين أحد أبناء حيك,‏ قلت وأعيش كما أمي ويأكل أوالدي خبز السوس

والمساميرولحوم الكالب والحمير أبدا وربي ‏,لن يكون.‏

‏-وماذا ستفعلين أم أظنك ستنتحرين ! سأرسل لك فأرا صديق ليهتم بك و بأوالدك عندما

تنجبين ‏.ضحكت كثيرا....‏ حتي بكيت وقلت له ‏:فلتنم بسالم يا فأري الحبيب ‏,ال داعى

بعد ذلك للشيطان أن يغيب فقد وجدت عمال يكفيني ومن هم الفقر سينجينى

.

رمقني بسخرية واتجه للجدار وقال:‏ بدأت تهذين ‏,سأعود ألموت بين أوالدي

مرة أخرى وأنا أتمايل وأتحسس جسدي الفاتن.‏

فضحكت

قلت لك:‏ ما عاد بى حاجة اليكم معشر الفئران سأهجركم بال عودة,‏ سأعيش فى الحى

الراقي وما الذي سيحول حياتك هكذا؟ غدا سأتسلم عملي الجديد.‏

‏-ماذا ستعملين؟

‏-راقصة تميل لها القلوب وتعشقها العيون.‏

تمتم الفأر:‏ راقصة !

وهنا مات الفأر واختفي شق الجدار.‏

تمت

8


حنان الهواري

عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

ابنة الشيطان

ماتت أمى،‏ ولم يستطع العم سبنسر،‏ أن يقنع احدى سيدات القرية بارضاعى.‏ كنت

منبوذة،‏ كما نبذت أمى سابقًا،‏ لقبونى بالطفلة الملعونة.‏ حتى العم سبنسر،‏ لم يكن

يستطيع دخول القرية.‏ كانوا يرجمونه بالحجارة ويدعونه بعشيق الشيطانة.‏ كان يحب

أمى ولم يستطع الزواج بها،‏ لم يستطع أحد أن يقترب منها،‏ فقد اختصها أبى لنفسه.‏

ورغم ذلك،‏ أصر أن يكون بجوارها،‏ بعدما تخلى عنها الجميع.‏ عندما أوشكت علي

الموت جوعا،‏ جاءني أبى وأرضعنى من أحد الخفافيش،‏ التى كانت تسكن معى فى

هذا الكهف المهجور،‏ الذى لجأت اليه أمى بعد أن طاردها أهل قريتها،‏ لحملها من أبى،‏

فقد أكد لهم أحد قساوسة الدير،‏ أنها تحمل شيطانا فى بطنها وسوف يحل عليهم

الخراب،إن لم يقتلوها ويحرقوا ما فى بطنها.‏ فهامت على وجهها واحتمت بهذا الكهف.‏

عندما وصلت اليه،‏ ولدتني،‏ انزلقت من رحمها دون مساعدة طبيب أو حتى

ممرضة.عانت فى حملى كثيرًا.‏ لم يستمر أكثر من ثالثة شهور،‏ ولكننى كنت كقطعة من

الجمر،‏ مغروسة فى أحشائها،‏ أتغذي على دمائها،‏ وأمتص منها الحياة يومًا بعد يوم.‏

خافت منى،‏ عندما رأتنى،‏ لحظة والدتى،‏ فلم يظهر شكلى البشرى،‏ اال بعدها بساعات.‏

ماتت رعبًا.‏ فقطعت حبلى السرى بأسنانى.‏ ولدت كاملة األسنان،‏ متعطشة للدماء،‏ فقد

شربت ما يكفى من دماء الخفافيش والفئران والبوم،‏ وكل شئ حى،‏ أشم في جسده،‏

دم دافئ يتدفق،‏ وكان جسدى ينمو بطريقة أذهلت العم سبنسر،‏ ولكنه كان يعلم السر،‏

يتمتم فى سره ظنا أننى لن أسمعه:‏ كل يوم تشبهين أمك أكثر،‏ أسمانى كاتيا لورانس،‏

تيمنا باسمها.‏ عمرى اآلن ثالثة أعوام.‏ ولكن بحساب البشر،‏ فأنا فى الثالثة عشرة من

عمرى ، وها قد وصلت الى مرحلة البلوغ والبد أن أتذوق الدم البشرى،‏ ألحافظ علي

هذا الشكل وبدون دم بشرى سأتحول الى جنية كاملة وستقع عنى هذه القشرة

اإلنسية،‏ فلن أستطيع خدمة أبى ملك ملوك األبالسة،فى خداع بنى البشر،‏ أن أندس

وسطهم،‏ أتخطف أرواحهم دون مقاومة.‏ حاول أبى كثيرًا،‏ أن يخادن انسية،‏ لينجب منها

ولدا،‏ يستطيع به أن يسيطر على البشر ليكونوا خداما له.‏ هكذا أراد ليرد لهم ما حدث

من أبيهم آدم.‏ فقد عرف القصة من أجداده األوائل ومن يومها وهو يحمل حقدا للبشر.‏

9


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

أراد أن يسجدوا له،‏ يكونوا عبيدا.‏ ورغم تحذير قومه من عاقبة هذا،‏ اال أنه أصر ولم

ينجح األمر،اال مع أمى فقد انتقاها بعناية.‏ جميلة،‏ قوية يتمناها كل الشباب ويحاولون

التودد اليها ولكنها كانت جامحة،‏ تغوى المغامرة والخروج ليال ً الى المزارع والخالء.‏ فى

أحد المرات استطاع أبى أن يحتل جسدها،‏ وكلما أرادها ما كان عليه،‏ اال أن ينادى،‏

فتهرع اليه،‏ كالمجنونة،‏ حاول أهل القرية قتلها بعد علمهم بأمرها من أحد خدام الدير،‏

فلم يفلحوا،‏ فقد كان يحمينى فى بطنها،‏ فطاردوها ثم غابت عنهم لألبد.‏ اليوم عندما

يكتمل القمر،‏ البد أن أصطاد فتاة عذراء،‏ ألستطيع أن أبقى على هذا الشكل.‏ وقع

اختيار أبى على احداهن،‏ اسمها ‏)مارى(‏ جميلة،‏ رقيقة وغضة،‏ كتفاحة طازجة،‏ كم

أشتهيها،‏ فهى أولى ضحاياى وسيكون لها طقوس خاصة.‏ سأقبع أسفل نافذتها.‏

وسأستمتع بدمها الدافئ الشهى.‏ ها أنذا أناديها،‏ بصوت كفحيح األفعى،‏ تطل من

النافذة لترى ما الخبر!‏ أطير اليها،‏ أجذبها من جدائلها الطويلة وأحلق بها الى مخبأى.‏ لم

أكن أعلم أننى أستطيع الطيران إال اليوم.‏ ال أعلم هل هذا ورثته،‏ من الخفافيش،‏ الذين

شربت لبنهم ودماؤهم،‏ أم من الجن الذين تجرى دماؤهم الملتهبة فى شرايينى.‏ فقواى

تتزايد وتظهر . هاأنذا...‏ أضعها وسط نجمة،‏ رسمتها بدمها.‏ عيناها شاخصتان،‏ ترى كل

ما سيحدث لها ولكنها ال تقوى علي الحراك ومع الطقوس،‏ يشتد عودى،‏ تتحول عيناى

الى اللون األبيض ثم األحمر ثم األسود.‏ يخرج من فمى لسان طويل،‏ أغرزه فى عنقها

وأشرب دمها،‏ وأتلذذ بمذاقه،‏ كما يشربون عصائرهم،‏ فينساب داخل خالياي.‏ يشتد

عودى،‏ وأقف دون انحناء،‏ فقد كنت أشبه الى حد كبير الخفاش اال فى الوجه.‏ عاد

شكلى اإلنسى،شعور غريب يجتاحنى كأن حياة تبث فى عروقي،‏ كأننى أبعث من

جديد.‏ وها هو جمالى يكتمل فينساب شعرى خلفى،‏ أشعر به يتدلى على خاصرتى.‏

يعتدل قوامى واكتسب لون الحمرة بعد الشحوب الذي كان يكسونى.‏ أتركها كأعجاز

نخل خاوية ال حياة فيها.‏ أحرق ما بقي منها،‏ فى نفس الدائرة وأكتحل برمادها،‏ يعتريني

شعور غريب،‏ لم أكن أعلم أن دم االنسان بهذه الروعة.‏ ها قد صرت ملكة،‏ من ملوك

الجحيم،‏ بجسد أنثي من بنى االنسان.‏ فلتدق طبول الحرب عليكم أيها البشر...‏ سوف

أجعلكم خدما لى.‏ لقد أذن لى أبى فى صيد الرجال.‏ أما الفتيات العذراوات فسأتركهن،‏

له يمتص من دمائهن الندية ما يشاء.‏ وفى كل عام أحتاج منهن لواحدة عندما يكتمل

القمر ألحافظ على الجزء البشرى منى . سأبدأ الصراع من اآلن بجمالى سأغويهم

10


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

جميعًا.‏ سيركعون تحت قدمي،‏ سأعلق رءوسهم فى الغابة وسأبقر بطونهم لتأكل

أمعائهم الغربان . يبدأ صيد الطرائد...أشعر بنشوة غامرة أكاد أطير،‏ وهاأنذا أفرد

ذراعى فتتحول الى أجنحة،‏ أطفق بهما فى سعادة.يوقظنى من نشوتى،‏ صوت سيارة

قادمة من بعيد،‏ يالحظي التعس،‏ انه رجل قبيح،‏ بدين كنت أريده شابًا،‏ أللهو به قليال ً،

فشباب اإلنس يتمتمون بكلمات بلهاء،‏ كثيرا ما سمعتها منهم عندما كنت أختلس النظر

اليهم.‏ فكثيرًا منهم كان يأتى بفتاته،‏ ليسمعها هذه الكلمات وكنت أشمئز منهم وأتمني

أن أنقض عليهم ولكن كان أبى يمنعني.‏ فمازلت ضعيفة ال أقوى على المواجهة.‏ ها

هو...‏ أشير اليه...‏ يقف منتظرًا الصيد وال يعرف أنه طريدتى.ينظر مفتونا بأنوثتى فاغرا

فاهه،‏ يسيل لعابه،ويخرج لسانه يمرره على شفتيه وكأنه يلعق شيئًا،‏ أركب بجواره،‏ يبدأ

فى مد يده،‏ لتحسس جسدى متمتما : ربااااه ماهذا الجمال؟ أنت انس أم جان.‏ أطلق

ضحكاتى،‏ وأهمس فى أذنيه بدالل : بل جنية ستوردك الهالك.‏ وسأذيب هذا الجسد

المترهل بنارى وسحرى.‏ يزداد اثارة ويعتقد أن هذه اشارة،‏ فيقترب أكثر . أبتعد

بجسدى ومازال متعلقا بخصرى وأهمس له ‏:انتظر أيها األبله.‏ فأمامنا عمل شاق وأنت

بدين كيف سأطيربك هذه المسافة؟ انتظر حتى نقترب من الكهف.‏ يتحسسنى،‏ ماهذا

الشعور الذى يعتريني،‏ يثور شئ بداخلى،‏ يموج كالبركان.ويزداد وكأنها حمم من نار

تتدفق داخل رأسى،لتصب فى عينى.‏ تحمر عيناى ويلتف لسانى حول عنقه،‏ ثم أحمله

وأطير.‏ يقوم سكان القرية،‏ على دماء تلطخ جدرانهم وقطع من أعضاء بشرية،‏ على

أبوابهم.‏ يذعرون ويستدعون القساوسة،‏ لحل األمر يتوارد الى سمعى كل ما يقولون.‏

لكنهم لن يقدروا على.‏ فقوتى من قوة الجحيم ولن يستطيع أحد ردعي،‏ سوف أقتل

نسائهم وأحتل أجساد بناتهم،‏ فكل عام سأسفك دم فتاة عذراء،‏ ألحافظ على شكلى

اإلنسي وجمالى الطاغى.‏ طعامي المفضل،‏ سيكون لحوم أطفالهم الغضة.‏ أما الشباب

فلى معهم شأن آخر.‏ سأصطاد كل يوم شاب منهم سيقوم أبى بفحصه،‏ يريد أن يختار

منهم زوجا لى أعجبته اللعبة ويريد أن أنجب أوالدا خليط من الجن واإلنس أجسادهم

من طين وأرواحهم من نار.‏ ليأتي اليوم الذى يفنى فيه جنس البشر،جميعا وما يبقي

منهم اما طعاما لنا واما خداما طائعين.‏ ماهذه الضوضاء خارج الكهف صوت أعرفه،‏ انه

العم سبنسر.‏ لماذا عاد؟!‏ لقد رجوته أن يبتعد عن هنا،‏ خشيت عليه منى.‏ ينادينى...‏

يريدنى أن أخرج اليهم.‏ وأنا أقبل التحدى ها أنذا ماذا تريدون؟ قوم كثر،‏ قسيس يحمل

11


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

في يده صليب،‏ يقترب منى،‏ لن أمنعه وسأستمتع وأنا أقتلع قلبه وألوكه بين أسنانى.‏

أجعله يقترب أكثر،‏ فأكثر...‏ أنتظر حتى يشعر باألمان،يقرب الصليب من صدرى أطلق

الضحكات وأتلوى بحركات راقصة وأدور حوله ألتلذذ بمنظر الرعب فى عينيه.‏ أترنم

بصوتى كنغم الموسيقى هامسة له : لن تستطيع أن تحرقني،‏ أيها األحمق ولكنك

ستطلق شيطانى وستندمون.‏ مازال يتمتم وهو واضعا الصليب على جبهتى.‏ لم يؤثر

الصليب في جسدى ولكن داخلى يغلى كالمرجل،‏ تنبعث السنة نيران من عينى،‏ القى

عليهم شواظ من نار،‏ ودخان،‏ يعمى أعينهم.‏ فيحترقون ويموت العم سبنسر معهم،‏ هو

من جلب لنفسه الموت،‏ عندما أحضرهم الى هنا.‏ أضحك ضحكات هستيرية:‏ يا بلهاء.‏

أناابنة ملك ملوك األبالسة،‏ كل ما تفعلونه يفجر طاقاتى،‏ وأتعرف على نفسى أكثر من

خالل ضعفكم،‏ أشم رائحة الخوف تزكم أنفى،‏ أشعر بسعادة عندما أستمع الي دقات

قلوبكم المذعورة وهى تدق كالطبول،‏ ستذوقون الرعب والموت الذى ذاقته أمى،‏

شعرت بكل ما شعرت به وتمنيت لو كنت خارج بطنها،‏ ألقضم رقابكم،‏ وأقتلع قلوبكم

المتحجرة وأشعل النار في عقولكم القذرة،‏ لن تهنئوا يومًا على هذه األرض،‏ كل ما

كان لنا سيعود،‏ وستعودون لوضعكم الطبيعى،‏ خداما لنا،‏ فنحن النار وأنتم التراب والنار

تعلو عن الطين.‏ ينتهى المشهد حريق كبير،‏ دماء وأشالء متناثرة ورؤوس معلقة على

األشجار.‏ ‏--تذهب كاتيا الى النهر لتغتسل.‏ يكتمل جمالها تحت ضوء القمر،‏ فهذه الليلة

هى ليلة اكتمالها بما تمتلكه من قوة وأنوثة.‏ فقد انتهت من هذه القرية،‏ تخلع مالبسها

الملطخة بدمائهم،‏ لترتدى مالبس نظيفة،‏ أحضرتها من أحد البيوت قبل أحراقها،‏ تخرج

من الماء،‏ كقطعة من لجين،‏ تشع تحت أشعة القمر الساطعة،‏ لترسل أشعتها على

سطح النهر،‏ وكأنها قطعة من البلور،‏ زادها نور القمر اشعاعا،‏ ترتدى مالبسها،‏ تقف

على الطريق فى ابهى زينة.‏ تتمايل فى غنج ودالل،‏ بشعرها األسود الفاحم،‏ الذى

يسافر مع الهواء العليل وقدها الممشوق وثغرها الفاتن وعيناها الغجريتان وتشير

لحافلة قادمة من بعيد تسمعهم،‏ فقد نمت لديها أيضا حاسة السمع يتهامسون:‏ هناك

فتاة،‏ على طرف النهر،‏ تشير للحافلة يبدو أنها ستكون سهرة سعيدة،‏ وكلما اقتربوا

وتبينوا جمالها،‏ سال لعابهم أكثر،‏ يهذى أحدهم بكلمات تخرج دون ادراك : لم أر فى

حياتى مثل هذا الجمال وكأن القمر نزل من السماء ووقف على جانب النهر.‏ استقلت

الحافلة مع اثنين من الشباب،‏ لتتجه معهم الى قرية أخرى لتكمل مهمتها التى بدأتها .

12


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

يستقبلها الشابان بابتسامة وسعادة وتتمتم قائلة : ما أحالهما!‏ ترى من سيكون زوجى

منكم؟ أم أنكما ستبيتان ليلتكما،‏ أشالء معلقة على الجدران.‏ تشم رائحة غريبة من

أحدهما يتلون وجهها.‏ ماهذا؟ لقد ورثت من أبى حاسة الشم،‏ أحدهم مدمن،‏ ومريض،‏

لن ينفع فى الزواج،‏ يحاول أن يقترب منها لينال دفء قربها ويميل عليها،‏ تنفر منه،‏ فقد

شعرت باإلشمئزاز،‏ فلن تستطيع حتى أن ترتشف دمه الفاسد،‏ تبتعد،‏ فيلتصق،‏ تشعر

بضيق شديد يغلى الدم فى عروقها،‏ وفى محاولة منه لتقبيلها،‏ تلوى رقبته فى حركة

سريعة وتغرس لسانها المدبب،‏ فى حلقه وتخرجه من مؤخرة رأسه ثم تلقيه خارجًا.‏

يصاب اآلخر بصدمة،‏ يفقد على أثرها النطق،‏ ويستسلم لمصيره المحتوم.‏ فهو الفريسة،‏

تباغته بضربه على رأسه،‏ يفقد على أثرها وعيه.‏ تحمله الى الكهف ليزوجه لها أباها.‏

فى الصباح،‏ تظهر كاتيا فى وسط الكهف وقد ألقت ما تبقي من عريس األمس،‏ للغربان

تأكله فقد امتصت دمه كله ولم يعد لها حاجة به،تتحسس بطنها،‏ فقد تحرك جنينا فى

أحشائها،‏ علمت أن سيكون ذكرا،‏ وبهذا حققت حلم أبيها وستنجب له وريثا لعرشه،‏ ما

هى اال أيام ويولد،‏ وسيكونان معا جيشا ضد بنى اإلنسان.‏ بعد أيام...‏ يسمع أحد

الغرباءوقد كان هائما،‏ ضل الطريق،‏ صوت صراخ من مكان قريب،‏ انه صوت امرأة،‏

يقترب،من الكوخ الذى فيه كاتيا،‏ لحظات،‏ ويسمع أصوات طفل يبكى وبعدها صرخات

رجل يصرخ ويستنجد،‏ وكاتيا تحتضن طفلها،‏ بيد وباليد اآلخري تمسك عنق الرجل

لتلتهمه.‏

تمت

13


حنان الهواري

عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

طقوس الليلة

األخيرة

طلقات نارية شقت حاجز الصمت ‏,فارتعد فزعا ليستيقظ من نومه فى منتصف الليل

األخير وصوت أنثوى يصرخ ويلعن : مت بخيانتك،‏ لتختنق بها فى الجحيم ثم بكاء

وعويل.‏

لحظات...‏ يسود الهدوء..‏

فيال جميلة راقية،‏ فوضى تعم المكان،‏ حجرة نوم قد بعثرت محتوياتها وسكون ال

يقطعه إال همهماتها،‏ من حين آلخر وصوت هزيانها مابين الضحك والبكاء ‏,تجول

بعينيها،‏ دماء تلون الجدران وكلمات نقشت بالدم.‏ أكرهك،‏ خائن،‏ كم أحببتك!‏ لماذا

ظلمتنى؟ تصرخ وتصرخ،‏ أخذت روحى،‏ مالى وصديقتى ‏,عريتنى من كل شئ،‏ فلن

أبقى على شئ ورجل ثالثينى،‏ متوسط الطول،‏ يرتدى قميصا زهريًا،‏ مفتوح األزرار،‏

ملطخ بالدماء ونصفه السفلى عار إال من شئ يستره,‏ مسجي علي األرض والدماء

تسيل من صدره ونصل سكين مغروسا فى قلبه ‏.تقف المرأة أمامه،‏ لحظات

مشدوهة،‏ تتطلع اليه،‏ ثم تسقط أرضا كبنيان أصابه زلزال،‏ يهتز,‏ ثم يتداعى،‏ فيسقط

عينان زائغة،‏ ال تستقران,‏ تجوب الحجرة بنظرها وكأنها تبحث عن خالصها,‏ وكأن روحها

قد بعثرت وال تجد لها سبيال,‏ خطوط من الكحل،‏ قد سالت لترسم على وجنتيها البارزتين

وبشرتها البيضاء أخاديد سوداء وعينان باهتتان،‏ تغطيهما غمامة،‏ من دموع أوشكت أن

تفرغ ما فيها،‏ ثم تلقى المقل سيالً‏ من دموع تجرى دون توقف تتوقف عن النحيب،‏

تمسح عينيها,‏ تقف مرة أخرى وتنظر اليه كقطة،‏ اصطادت فريستها دمعة حبيسة،‏

تترقرق فى عينيها وهى تراه مضرجا فى دمائه،‏ يغسل بدمه قتله لروحها مرات ومرات

فكم بكت على روحها حسرات ‏!تغافلها دمعة،‏ تسقط على خدها،‏ فتنكرها،‏ وترفع

يدها،‏ لتزيلها بعصبية شديدة وكأنها تنهرها أو تلطمها علي وجهها،‏ ألنها نزلت علي هذا

الخائن ‏.سرعان ما تقول ‏:أنا ال أبكى عليك أيها الخائن,‏ بل علي حياتى التي سرقتها.‏

انحنت تجثم علي جثته،‏ تحرك في كتفيه بقوة،‏ تنظر اليه بوجهها الذى كأنما غادرته

14


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

الحياة ‏,رغم صغر سنها كل ما فيها ينطق بالعجز,‏ تحاول أن تفتح عينيه وهي تصرخ

قائلة : انظر الى,‏ ال تشح بوجهك عنى،‏ لطالما أدرت لى ظهرك،‏ لن تستطيع أن تفعلها

اآلن وتستطرد ‏:أتعرف لم أكن أطمع فى شئ,‏ حتى الحب،‏ كنت أعلم أننى ال نصيب لي

فيه،‏ فقد علمت أنك لم تحبني يومًا,‏ ثم أمسكت بذقنه ومازالت جاثية فوقه ‏,والدم مازال

يتفجر من تحت السكين،‏ كأنه نافورة أو كأن السكين آلة ضخ تخرج هذا الدم الذي كان

يسكن جسده أو كأن الدم أراد أن يغادر هذا الجسد حتي ال يتعفن معه.‏ أصابتها

هستريا تضحك وتبكي،كأنما أصابها مس من جان وفجأة اصطدمت بوجهها فى

المرآة المقابلة لها علي الحائط وجدت عليه نقطة دم , فأخذت تمسحها بمنديل أخرجته

من حقيبتها،‏ أرادت أن تمسح أثره من عليها وتمنت أن يزول أثره من من حياتها كلها.‏

تذكرت كيف تزوجته،‏ كما تتزوج الشرقيات عندما يلقى أحدهم على مسامع احداهن

كلمات ليست كالكلمات،‏ كما يقولون،‏ تلغى عقلها وتتناسي أى عيوب ظاهرة,‏ فالقلب

يعشق ويتقبل والعقل يذهب فى نزهة والزواج ماهو اال نهاية حياة فتنحر المرأة

بطريقة شرعية،‏ عندما يتم اغوائها،‏ بباقات الورد واألحالم الوردية ‏.كثير من النساء فى

بالدى،‏ عذراوات،‏ يتزوجن وينجبن وتبقي المرأة عذراء الروح،‏ ينهب الجسد كبلد محتل،‏

له كل الحقوق ويبقي القلب والروح فى منطقة الظل ال يعترف بهما,‏ عاطالن عن

العمل,‏ فتهيم الروح تطالب باإللف ‏,بالرفيق ‏,بتوأمها فالتجد,‏ فتقبع في سجن رطب

وحالك تتضور جوعا وعطشا وقد تموت قبل أن تجده

,

كثير من النساء ان لم يكن

كلهن,‏ قد ماتت أرواحهن من زمن بعيد ‏,وان سألتني وكيف يعشن؟ أقول ماهى اال

عيشة وليست حياة انها أنفاس نتناولها لتقيم األود لنبقى الي أن يؤذن لنا بالرحيل

.

لم تكن تتوقع وهى سيدة األعمال الجميلة الرقيقة،‏ أن تتلطخ يداها بالدماء ، فقد

كانت أرق من أن ترى نزف جرح صغير

,

كيف تغيرالحال؟ وكيف صارت هكذا؟ بل

وكيف وهى صاحبة العقل والمركز المرموق أن تخدع هكذا؟ ويصل بها الحال أن تصير

دمية،‏ إلنسان مستبد،‏ استغل افتقارها للحب والحنان بعد أن فقدت والدها،‏ سندها

الوحيد ، راودها عن قلبها فى لحظات ضعفها فاستسلمت له,‏ رسم خطته ونجح فى

اإليقاع بها وكيف هان على صديقتها وأمينة سرها،‏ التى كانت تشكوه لها وتبكى من

15


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

اهماله وايذاءه وكانت تواسيها وكم ذرفت من دموع التماسيح عندما كانت تجرى إليها

لترتمى فى حضنها الذى دنسته الخطيئة!!‏ ومع من؟ مع زوجى،‏ لماذا هانت عليها

دموعى؟ أو لعلها كانت تسخر منى وتقول لنفسها ال تتعبى نفسك فلن يعود اليك,‏ فقد

صار ملكا لى,‏ ال تبتئسى أولسنا صديقتين؟ ألم تقولى أننى أختك التى لم تلدها أمك؟

ماذا لو أخذت زوجك؟ آاااااااااااااه غدرتنى،‏ بل قتلتنى.‏ تلتفت إليه وهو غارق فى بركة

من الدماء ‏,أتعرف؟ كم مرة تمنيت أن تحدثني!‏ تستمع الى،‏ تنظر فى عيني،‏ لو

نظرت اليهما،‏ لرأيتنى لرأيت ما كان بداخلي،‏ لرأيت كم أحبك!‏ وكم تمنيت حبك!‏ لم

تسألني مرة هل أنت سعيدة؟ هل قصرت فى حقك؟

لم أكن سأشى لك بشئ عنك , كان يكفيني انك الحظت وجودى،‏ ليس وجود الخادمة

كما كنت تعاملني

,

أتعرف؟ ال أتذكر يوما أنك كنت سببا،‏ فى ابتسامتى،‏ وصرخت ‏:أنت

فاشل فلم تسعدني يومًا ‏,رغم أننى حاولت أن أسعدك،‏ لكنك أبدًا ما شعرت بالرضا

تتجول فى الحجرة بال هدى,‏ كطير ذبح بسكين مشحوذة

.

ذهبت الى الجثة مرة اخري

وقالت ‏:أتعرف؟ هناك كلمة،‏ كلما الكها فمى وحاولت أن أنطقها ال أستطيع،‏ كلمة،‏ أنا

حبلى بها ولكن لم تولد وتريد أن ترى النور,‏ اليوم يوم المخاض لمعاناتى،‏ سأقولها

وأرددها،‏ أنت أنانى،‏ أنانى أنانى،‏ غشاش ومخادع،‏ تزوجتنى،‏ لتنهب أموالى وليتك

اكتفيت!‏ لقد نهبت روحى،‏ وقلبى،‏ وصديقتى واآلن عقلى حاولت أن أتحمل خيانتك،‏

كنت أضغط على نفسي،‏ كى أحافظ على بيتى وأوالدى ولكني انهرت،‏ فلت منى عقال

عقلى،‏ وقررت أن أقتلك ثم جلست بجواره تمسح على شعره وتقول:‏ أتعرف؟ أقسم

بربى،‏ لو فهمت ما فى قلبى لو اطلعت عليه ‏,لم أكن أريد منك شئ،‏ يزعجك أو يكلفك،‏

كل ما كنت أرجوه،‏ أن تبتسم فى وجهى،‏ عندما تلقانى،‏ وأن تشعرني بحبك،‏ أن

تشكر فى طعامى،‏ أن تقول لي،‏ سلمت يداك عندما أقدم اليك قهوتك،‏ أوأطهو لك

شيئًا.‏ أتنكر أننى بذلت لك حبى وروحى ونفسي ‏,حتى كيانى كله،‏ تنازلت لك عنه.‏ كنت

أستطيع أن أموت،‏ من أجل ابتسامة تربت بها علي قلبي،‏ تشعرني باالمان،‏ بالحب الذي

أبدا ما منحتني إياه ‏.تفرد أحد ذراعيه وتضع رأسها عليها وتنام بجانبه وتضع يده األخرى

علي ظهرها،‏ تحتضنه,‏ أتعرف؟ ما أكثر شئ تمنيته تمنيت؟ حضن....يسكن تعبي طول

اليوم،‏ حضن يلم روحي المبعثرة،‏ حضن أحس فيه بقلب األب والزوج والحبيب ‏..حضن

16


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

هو ما أملك من هذه الدنيا,‏ لقد نسيت أخر مرة،‏ قمت فيها باحتضانى,‏ لقد قتلتك ولست

مجرمة ‏,بل أنت المجرم أعرف أن هللا سيعاقبنى وسيلفظنى المجتمع,‏ ولكن لى حجتي

التي وإن لم يقبلها احد,‏ فستكون حجتي أمام هللا،‏ ال أبررخطئى ولكنك قتلتنى قبل أن

أقتلك،‏ بإهمالك وقسوتك,‏ وأخيرا خيانتك،‏ قد ال يعاقب القانون علي إزهاق الروح

ولكن هللا يعاقب وسأنتظرعقاب هللا لك.‏

تمسك رأسها وتصرخ:‏ لم أصدق نفسى عندما رأيتك مع جارتي وصديقتي ,

كرهتك!‏ وكرهتها مزقتنى بخيانتك,‏ فما أشد نار الخيانة!‏

آاااااه كم

أتعرف؟ لم أصدق نفسي،‏ عندما قرأت محادثتكما معا،‏ على الشات وراقبتك مرات

عديدة وأنت تتسلل من فراشي البارد،‏ لتذهب إليها تمنحها الدفء والحب واإلهتمام,كم

جعلتني أتمزق غيرة منها،‏ عندما تفتح لها ذراعيك،‏ لتغمرها بحبك،‏ تمنيت أن أكون أنا,‏

كنت أحلم بك،‏ بأن تعطينى ولو جزء منك,‏

الغريبة,‏

تمنيت حبك وأنت زوجى وأخذت كلك وهى

تمنيت أن تصارحنى،‏ كنت احترمتك،‏ و،‏ وتترك لى الخيار,‏ إما أن أرضى العيش

مع ضرة أو ال أطيق فأطلب الطالق

لكنك كنت جبان,‏ أردتها حبا وأردتنى مصلحة وماال ً,

كم كرهت المال,‏ وكرهتك ! كم تمنيت أال أتمناك أياما طويلة!‏ تضع يدها

وتطرق الى األرض،‏ ثم تبتسم ومازال نظرها شاخصًا إليه,‏

على رأسها,‏

تسللت خلفك،‏ مرات إلى

بيتها المجاور لبيتنا راقبتكما كثيرًا أتعرف لماذا؟ ألتلقى الطعنات فى قلبي،‏ أردت أن

أقتلك داخلى،‏ عندما تمزقنى نار الغيرة والخيانة ‏,عندما أقارن بين بخلك معى في

مشاعرك واهتمامك وكرمك معها

ثم قررت أن أنهى آالمي،‏ صارحتك،‏ صرخت

فيك،استعطفتك أن تتركنى وال أريد منك شيئًا,‏ اتركني ألوالدى ولكنك أبيت وضربتنى

بشدة,‏ فى المستشفى بين الحياة والموت وأنا فى حالة انهيار شديد،‏ لم يشفع لي ذلك

، أمعنت فى اذاللي وأنت تقول لي:‏ لن أتركها وستبقين كما أنت ‏,ولن تخرجي من

البيت،حبستنى،‏ حتى ذهب عقلي وراءك

,

وتتزوجها ‏,ولكنك خشيت علي منصبك ومكاسبك

مألتنى بالخوف,‏ طلبت منك أن تتركني

‏,أردت أن تحتفظ بكل شئ وها

أنت

تخسر كل شئ !

17


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

ثم تمسك وجهه وتديره إلى الناحية األخرى,‏ انظر هناك تأملها جيدًا,‏ هذه األفعى التى

تسللت الى بيتى وسرقتك منى ‏.فتاة عشرينية ملقاة بجانب السرير وقد تمزق وجهها

وصدرها بطلقات نارية ‏..انظر اليها,‏ أو ليست حبيبتك؟ لقد آثرت أن أقتلها أوال لتموت أنت

قبل أن أقتلك،‏ لتعرف احساس أن تفقد من تحب أمامك,‏ أن يسلب منك وعيناك

تنظران ‏.أوتعرف؟ لقد قتلتها بالمسدس،‏ لتحترق بالنار التى اشتعلت داخلى ومزقت

صدرها الذى كنت ترتمى عليه,‏ أما أنت فكان البد من سكين حاد،‏ يمزق فيك هذا القلب،‏

الذى لم يأخذني فى جنباته،‏ لم يعطني جزءًا منه,‏ أردت أن أقتلعه كما اقتلعت قلبي,‏

اشتريت بمالي من ساعدني علي التخطيط والتنفيذ,‏ خادمتها التي كانت تسهل لي أن

اتلصص عليكما والتي وضعت لكما المهدئ الذي جعلكما ال تقاومان وأنا أقتلكما

تشاهدان ما يحدث,‏ تشعران,‏ وال تستطيعان حراكًا.‏ كما كنت أشاهدكما وأتمزق وال

أستطيع حراكًا,‏ قطعت شرايين قلبيكما كما فعلتما معي,واالن التعنيني الحياة في

شيء وقد صورتكما في وضع،‏ لو كنت رجال ً وفعلت ذلك لن أعاقب أما المرأة،‏ فلها أن

تتجرع خيبة أخري من خيباتها وتدفع في هذه الحياة ضريبة،‏ أنها أنثي وكأنها جريمة ال

تغتفر أن خلقت أنثى.‏

يقتحم رجال الشرطة البيت,‏ يقبضون عليها،‏ فقد قام أحد الجيران باالبالغ عندما سمع

صوت الرصاص , يقتادونها,‏ ابتسامة تكسو وجهها وال تنطق بكلمة,‏ فى أحد

المستشفيات،‏ مازالت تقوم كل ليلة على حلم يراودها،‏ زوجها فى أحضان صديقتها

وهى تصرخ وتجرى لتبحث عن سكين تقتله بها وال يوقف صراخها وثورتها إال وهى

تصعق بالكهرباء ، لتغيب عن الوعى.وتخرج،‏ تتصبب عرقا وتحمل كخرقة بالية لتلقى

فى عنبر للمرضى الخطرين.‏

تمت

18


حنان الهواري

عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

سعادة مبتورة

يتحدث مع زوجته على الهاتف,‏ يدغدغ روحها بكلمات حب وغزل,‏ لم يمض على

زواجهما إال شهرًا واحدًا,فقد كانت عشقه..‏ ابنة الجيران التى تربت علي يديه وتربعت

فى قلبه ونمت كعود من الياسمين،‏ أزهر باألنوثه وفاح عطره,‏ توافد عليها العرسان

ولكن أنى لهم أن يفوزوا بها ؟!‏ مكتوبة هى باسمه منذ أن كانت فى التاسعة من

عمرها,‏ فهى ابنه خاله وابنه قلبه التى صنعت على عينه,‏ ولدت على يديه وهو ابن

الثانية عشر,‏ سقاها حبًا واهتمامًا حتى بلغت سن الشباب

.

ما إن أنهت دراستها,‏ حتى

أعد لها بيتًا صغيرًا,‏ لينقل اليه زهرته،‏ التى لم يذق قلبها الحب اال منه وله,‏ فكانا

كعصفورين يحلقان وهما فى طريقهما الى عشهما،‏ الذى بنياه معًا.‏

كانا يسكنان فى الشارع نفسه ‏,وأصر ‏)وليد(‏ فى ليلة زفافهما أال تطأ قدماها األرض

‏,وأن تدخل عشهما الصغير محمولة على كفيه,‏ بين عينيه وقلبه ‏,لتسكن عينيه وتتوسد

قلبه,‏ هذا ما كان يعدها به دائمًا,‏ يقول لها:‏ وألنك ملكة قلبى فستدخلين مملكتك

محمولة كالملكات,‏ صعق ووقع الهاتف من يده ‏,وكاد قلبه أن يقف,‏ حين سمع صرخاتها

تتعالى على الطرف اآلخر من التليفون ونادى بهيستريا:‏

‏-عالية.....‏ عالية

لم تجب,‏ لم يسمع إال سقوط التليفون وبعدها انقطع الخط.‏

اعتذر من الزبون،‏ الذى كان يقله , فقد كان يعمل سائقًا بجوار عمله محاسبًا فى أحد

الشركات,‏ عاد مسرعًا ال يدري كيف وصل؟ وبأي سرعة؟

دخل شقته يبحث كالمجنون,‏ وينادي عليها ينادى:‏ ربااااه ليس لها أثر.‏

أين

ذهبت؟ هل أصابها مكروه؟

كل مافيه ينادى:‏ قلبه،‏ عينه وروحه , حبيبتى اين أنت؟ يتصل بأمه ‏..أمى ال أجد عالية,‏

19


حنان الهواري

عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

تعالى بسرعة...أتت أمه مسرعة ‏.يتجوالن في كل أرجاء البيت,‏ يبحث وليد حتى أسفل

السرير وفى الدوالب وال أثر لها,‏ يهروالن الى المطبخ,‏ يتصببان عرقًا,‏

من الهلع والتوتر

مازال الموقد مشتعال ً وال يوجد عليه اال طبق السمك الذى قامت بتحميره.‏ ينادى وليد

بصوت عال,‏ ويجرى كالمجنون,‏ يعود للمطبخ مرة أخرى ليسمع أنينًا صادرًا من خلفه

,

التفت ‏,وجدها,‏ صعق من منظرها,تجلس القرفصاء خلف أنبوبة البوتاجاز وعينيها

جاحظتين ‏,وآثار كفوف على وجهها وخربشات تنزف دمًا..أسرع اليها,‏ يحاول أن يحيطها

بيديه,‏ فتنفر منه,‏ يمسح وجهها وعيناه تذرفان الدموع , يمد يده فتغرز أظافرها فيها ,

يحادثها فال تجيب,‏ حاول أن يساعدها لتقف,‏ ال تقوى على الوقوف , عيناها تحدقان الى

سقف المطبخ ينظر وليد فيتعجب,‏ هذه الرموز السوداء الغريبة المنقوشة على شكل

جمجمة ‏,لم تكن موجودة,‏ يحاول أن يبعد نظرها عنها,‏ يحتضنها بين ذراعيه كطفلته،‏

عيونه تبكى وقلبه ينزف ولم ال وهى زوجته وابنته وحب حياته.‏ كانت أمه فى بيت خاله,‏

تنادى أمها لتكون معهم,‏ جاءت مهرولة ومعها أم عالية,‏ دخلتا الغرفه,‏ صرخت

أمهاعندما رأت وجه ابنتها ممزقًا.‏ نظر اليهما وليد,‏ ووضع اصبعه على فمه،‏ كى تصمتا

فقد بدأت عالية تهدأ وأغمضت عينيها,‏ جلستا واجمتين ال ينبثان بحرف,‏ دموع تسيل

وأجساد كأن على رؤوسها الطير

وخرجتا تتبعانه

,

. ظل

كان وليد يتمزق من األلم,‏ وضعها في سريرها ‏,خرج

يهذى,‏ ماذا حدث لها؟ لقد كانت تطير من السعادة وأنا أحادثها

ولم أغب عنها سوى ربع ساعة من بعدالصرخة....‏

أيعقل أن يكون لص؟!‏ وماذا سرق؟ ولماذا شوه وجهها بهذا الشكل؟ !

من أين دخل؟ وكل األبواب والنوافذ مغلقة ؟

ال يوجد شئ مفتوح اال جهاز التهوية الخاص بالمطبخ وبينما هو فى حيرته,‏ تذكر شيئا

عندما كان يبحث عنها وجد اناء الزيت الذى كانت تقوم فيه بتحمير السمك فى الحمام،‏

الذي يجاور بابه باب المطبخ,‏ فعاد اليه مسرعًا,‏ وجد االناء متفحمًا على أرضيته

وبينماهو يحاول أن يجد تفسيرًا لما حدث سمع صراخ حبيبته وأمها تحاول السيطرة

عليها وكذلك العمة،‏ غير أنها تصرخ وتنهش فى وجهها ‏,جري اليها يحاول أن يمسك

20


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

يديها،‏ فوجد قوة هائلة منها تلقيه خارج الغرفة,‏ يرتطم رأسه بالجدار,‏ يحاول أن يقف

ينظر مشدوهًا الى زوجته وحبية قلبه وهي تقف متنمرة،‏ على السرير وتصدر صوتًا

كفحيح األفعى،‏ يرفع كفيه عاليًا قائال:‏ اهدئى حبيبتى لن أقترب منك , ماذا بك؟ آه يا

.

حبة القلب لو أعلم من فعل بك هذا؟؟

قسما بربى سأقتله قبل أن ينطق بكلمة

تهدأ قليال ً ولكن نظراتها غير مستقرة,‏ ومازالت تنهش فى وجهها,تعدل من وقفتها تلملم

مالبسها الى جسدها وتنزل مرة واحدة لتسقط على السرير,‏ تشير له أمه فيخرج

معها,ويتركا عالية مع والدتها ومازال وليد عيناه معلقتان بها

,

‏-ما

قد أصاب زوجتك لبس من جن يا وليد

‏-لبس من جن؟!!‏ كيف ؟ !!

الواضح يا بنى أنها بينما كانت منشغلة بالحديث معك،‏ تسربت بعض نقاط الزيت على

الموقد,‏ فاحترق اإلناء وعندما رأت النار مشتعلة لم تعرف ماذا تصنع،‏ فألقت به

مشتعال ً فى الحمام ولم تذكر اسم هللا كما هو مفروض

‏-ومن أين لك بهذا الكالم؟ وكيف عرفتى؟

.

.

..

‏-هذه حاالت نصادفها كثيرًا ونسمع عنها

كان وليد يستمع للكالم,‏ يكاد ال يصدق

‏-اذا ما الحل يا أمى؟ أنا على استعداد ألى عالج،‏ وأى شئ حتى لو اقتضى أن أقايضها

بحياتى.‏

‏-يا بني سنجد الحل باذن هللا ‏,ال تقلق واتركها على هللا ‏,هناك شيخ يسمى ‏)عرفه(‏ نلجأ

له فى أمور الحسد،والرقيه والسحر سأذهب اليه ألحضره اآلن.,‏ فحالتها ال تنتظر الغد.‏

صرخات تتعالى وجسد متشنج ‏,والشيخ يرتل آياته ‏,والجسد المسجى يرتفع ألعلى شيئًا

فشيئًا ‏.يقوم الشيخ بتالوة آيات قرآنية,‏ الجسد يهتز,‏ ينزل بعد أن كاد يالمس سقف

21


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

الغرفة,‏ يسقط فجأة,‏ يتلقفه وليد خشية أن تصاب بمكروه.‏ تنقض على ‏)وليد(‏ فى

محاولة لخنقه,‏ يحاول الشيخ أن يبعدها,‏ يصفعها بيده,‏ تترك رقبة ‏)وليد(‏ ويقوم ‏)وليد(‏

بتوبيخ الشيخ وتعنيفه على ضربه لها,‏ يحاول الشيخ أن يفهمه أن هذا الضرب ليس لها,‏

ويأمره أن يهدأ أو يترك الغرفة,‏ فاألمر ليس سهال ً كما توقع فقد اقترفت خطأ فادحًا ,

أثارت عليهم نوع قاس من الجن ولوال عودته السريعة لقتلها وهولن يتركها اال بمعجزة,‏

يعده وليد أن يلتزم الصمت,‏ ولكن ليترفق بها ‏.مازال الشيخ يتلو آياته ‏..تعتدل عالية فى

جلستها وكأنها مومياء.‏ وجه شاحب مصبوغ بالدم،‏ تشوهه الخدوش

بصوت غريب , وكأن صوتها آت من بئر عميقة:‏

,

,

تنطق ولكن

‏-لن أتركهم حتى أقتلهم جميعًا,‏ سأحول هذا البيت الى مقبرة لهم كما قتلوا زوجتى التى

أحب وابنى الوحيد,‏ قتلتهم هذه اإلنسية وسوف تموتون جميعًاجزاءًا لذلك , ويوجه

كالمه لوليد قائال:‏ سأحرمك منها ومن ابنك الذى فى بطنها كما فعلت هى ‏,كان الجميع

وكأن على رؤوسهم الطير,‏ وكأنهم فى احدى قصص الرعب ‏,وقد تعجب ‏)وليد(‏ لخبر

حمل عالية فلم يكن أحد يعرف به وال هى نفسها.‏

الشيخ مازال يرتل أياته وهى تصرخ,ينطق الجنى ‏:سأخرج،‏ سأخرج,‏ يكفى هذا أتريد أن

تحرقني كما حرقت هى زوجتى وابني,‏ لقد كنا نلهو معا كنت أسابق ابنى الذى لم

يتجاوز العامين واختبيء منى فى حجر أمه ‏,وعندما ألقت هى الزيت حرقتهم

‏,شاهدتهم يحرقون ويصرخون أمامى ‏,زوجتى الحبيبة وابنى,‏ حرمتني من سعادتى

عندما قتلتهم ‏,ولن أتركهم حتى يحترقوا جميعًا بل سأحرق كل من يقترب منهم,‏ ضعف

الشيخ أمام قوة الجنى ‏,ولكنه مازال يقاوم,‏ قوة هائلة تسيطر على جسد الفتاة

‏,ويقابلها الشيخ بالقرآن لصدها,‏ يطلب الجنى من الشيخ أن يكف عن القراءة وسوف

يخرج خوفًا على حياته,‏ يصدقه الشيخ,‏ يخرج من اصبع قدمها والعالمة بقعة من الدم

تهدأ فجأة,‏ يضع وليد رأسها على صدره,‏ يمسح عرقها,‏ ويحتضن رأسها ويقبلها تفتح

عينيها آخيرًا,‏ ابتسامه واهنة,‏ وصوت ضعيف:‏

- أين أنا ياحبيبى؟

‏-أنت هنا فى قلبى وبين ذراعى يا حبيبتي.‏

22


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

‏-ماذا حدث؟ أشعر بتعب شديد.‏

سآخذك الى سريرك ‏,يحملها,‏ يتعحب فهى تسبح فى بركة من الدماء ‏..ينظر الى الشيخ

‏,يأتيه هامسًا,‏ ألم يقل لك الجنى أنها حامل؟ البد أنه أفقدها جنينها بما فعل بها من

ضرب وتعذيب ‏,خذها برفق ولتغتسل,‏ كن معها وال تتركها ثم أحضر لها الطبيب,‏

سأحضر شيخى األكبر وسوف آتى مسرعًا,‏ البد من تحصينكم من هذه القوة الشريرة

بعون هللا الواحد األحد ‏.أراد وليد أن يضعها فى السرير,‏ فرفضت فهى تريد أن تغتسل

, طلب منها أن يحضر لها كل شئ،‏ لتغتسل فى الغرفة,‏ فهو يخاف أن يدخلها الحمام

بعدما حدث,‏ يطالب أمه وأمها أن يذهبا إلحضار مايلزم وهو سيظل بجوارها ليحميها

‏,يجلس بجوارها,‏ يمسك يدها ويقول : لها كم يحبها وأنها حياته وسر سعادته وأنه لن

يعيش يوماعلى هذه الدنيا ان أصابها مكروه ‏,ويعدها أن تعود حياتهما كما كانت,‏ و

تعود السعادة ترفرف عليهما , تشعر ‏)عالية(‏ بألم شديد،‏ يكاد األلم يقتلها،‏ تصرخ,‏ تذهب

أمها إلحضار الطبيب,‏ وتأتى أمه لتساعده,‏ تطلب منه عالية أن يغلق النافذة جيدًا ألنها

تشعر بالبرد,‏ يقوم ليغلق النافذة ‏,فتفاجئه بالجرى ناحية الحمام فى سرعة البرق

تصل,‏ وتدفع حماتها من طريقها,‏ دخلت الحمام,‏ أغلقته,‏ جري خلفها,‏ طرق الباب,‏ لم

تجب ‏,صرخات ‏,طرقات تتوالى ‏..رائحة دخان,‏ ينادى,‏ ال اجابة,‏ تأتى األم علي صوت

الطرقات والصرخات ‏..يحطم الباب...‏ يقف مشدوهًا...‏ ومن خلفه أمه وشعلة من النار

فى وسط الحمام ‏.لم ينطق اال باسمها:‏

- عالية ال يا عالية..‏

ال..ال.‏

في لحظة بدأت األم فى الصراخ.‏ تجمع الناس علي المشهد العروسان اللذان شهدا

فرحهما منذ حوالي شهرين يشتعالن معا عالية ووليد يحملها علي يديه رائحة اللحم

المحترق تفوح...‏ ودخان يكسو سماء الشارع...‏ يتجمع الجيران...‏ الباب،مفتوح.‏ يدخل

أحدهم مسرعًا...‏ يجد العريسان يحترقان يحاول أن ينقذ األم فاذا بلسان من

النار،يجذبها لتنضم الى االجساد المحترقة،‏ يجري ويغلق الباب خلفه

...

ما يتعجب له أهل الشارع والمحققين اللذين حققوا فى الواقعة،‏ أن النار لم تتجاوز

23


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

الحمام الي باقي الشقة ، وأنه كل مساء تنبعث ألسنة نار من الحمام...‏ ولم يقو أحد

من مشايخ الجن على السيطرة عليها...‏ فصار البيت وما حوله مهجورًا.‏ ورغم مرور

السنين...مازالت رائحة األجساد المحترقة.‏ تنبعث من البيت الذي صار قديمًا...‏ وتواترت

اشاعات أنه تم اختطاف الكثير من العرسان حديثى الزواج وخاصة ممن سمع

اختفائهم صرخات لهم فى الحمام.‏

قبل

تمت

24


حنان الهواري

عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

مناخوليا العشق

تترنح كسكران قد أفرط فى الشراب,‏ تجر جسدها النحيل،‏ كجبل تحمله على كتف

روحها،‏ تتشبث باألرض كى ال تسقط ودموع ترسم طريقًا على وجنتيها اللتين يقطران

شحوبا"،‏ تنزف معها روحها قطرة قطرة,‏ كان يعرف أن فراقه عنها سيقتلها فلم تكن

تتصور أنه يمكن أن يفارقها إلى األبد بعد أن تالقت روحاهما,‏ تتذكر كيف فصل روحه

عن روحها عندما غادرها بمشرط حاد.....‏

لم تدر اال بنزيف روحها،‏ تمنت أن تموت،‏ ولكن هذا لم يحدث كانت روحها تتلوى

وتصرخ داخلها حتى تشقق وعاء الجسد وانسلت من خالله تجرى فى طرقات الحياة

بحثًا عنه يقتلها الحنين ويعصف بها الشوق،‏ تناديه كالمهووسة:‏

'' تعالى الى أنا زهرتك العاشقة،‏ أنت شمسى،‏ بك أتفتح وبك أزهر وأخرج عطرى أنت

الماء،‏ الذى يروي عطشى،‏ أنا لك،‏ فهال رويتنى يا كل كلى"‏

ثم تعود أدراجها الى الجسد البالى الذى أنهكه الحزن,‏ صار قبرًا متحركًا يترنح أحيانًا

ويسقط طريح المرض أحيانًا ولوال عودة الروح اليه إلنتهى وصارت الروح شريدة بال

مأوى.‏ وما أن يشعر الجسد بعودتها ويطمئن حتي يعاودها الحنين ويناديها نداء الشوق

فتخرج من فتحات الجسد التى اتسعت ولم تعد له طاقة علي منعها.‏ تهيم فى صحراء

الحياة القاحلة بدونه،‏ علها تقابل طيفه أو تلتقى بروحه لتكمل روحها المشطورة منذ أن

قرر أن يسافرويتركها بعد أن يئس من أن يجتمع بها نظرًا لظروفه وأراد لها أن تعيش

حياتها,‏ لم يدر أنه قد أنهى حياتها وأن روحها ستجن وتعيس فى األرض بحثًا عنه.‏ لم

يعلمها مكانه كى ال تلحق به،‏ فقد كان يعلم أنها وجدت فيه كلها وأنها جزء منه قد وجد

فيه اإلحتواء والوطن ولكنه اراد أن يكون واقعيا فأوقعها فى الجنون.‏ انصرف عنها

وهو ال يعلم أن أثره باق فيها وأن جرحها لن يندمل اال اذا عادت روحه اليها تلملم

بعثرتها.‏

25


حنان الهواري عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

كان قلبها ينبض فتسمع كل دقة ناطقة باسمه.‏ وكانت تردد معه كممسوس يتمتم صوتا

يخرج من أعماقه أوكأنها تلقى الى الريح برسائل علها تصل اليها أو تعويذة ، تعيده

اليها,‏ بقت على هذا الحال..‏ لم يعد إليها ولم تعد هى لنفسها،‏ مرض كل ما فيها حتى

عقلها،‏ ال تفيق اال عندما يزورها طيفه،‏ فتهرع اليه تناديه،‏ ثم يعيدونها تسكن قليال ً ثم

تعود الى هوسها ‏.لم تطب الحياة له فى بعدها وكان ال يهنأ له بال وال يشعر بالراحة

ليال ً أو نهارًا وكأن رسائل روحها وصرخاتها كانت تصل اليه فلم يستطع أن يتحمل ، عاد

إليها وعندما رآها عرف أنه قتلها عندما غادرها،‏ ظل يبكى بين يديها،‏ فأحيتها دموعه ،

استفاقت,‏ نظر فى عينيها,‏ تهلل فرحا عندما سمعها تردد اسمه.‏

هزها قائال ً: ‏"هأنذا يا حبيبة قلبي قد عدت اليك ولن أتركك أبدًا"‏

لم ترد،‏ تنظر إليه وال تراه.‏ تنادى عليه وال تعرفه.‏ أغرقها دموعًا واعتذارًا ولكن قد

فات األوان فقد ذهب عقلها.‏ وفجأة مدت ذراعيها وكأنها تستقبل غاليًا وابتسمت

وأطبقت ذراعيها الي صدرها وضمت روحها بشدة وهى تبتسم رغم الدموع ثم أغلقت

عينيها لألبد فقد سكنت الروح أخيرا.‏

تمت

26


حنان الهواري

عندما غاب الشيطان.‏ ابداع فور اول للنشر االلكتروني

النهاية

27

More magazines by this user
Similar magazines