akhbarolmarkaz 13 -April 2020 A4

iac.arkiv

ِ

ّ

ّ

ّ

ً

ِّ

2

كلمة التحرير

كم مرة يجب أن نشعر بالذنب لأننا لم

نوف راحلا عنا حقه علینا؟

وكم لیلة ظلماء ستمر علینا قبل أن

ندرك فضل البدر علینا في اللیالي

الظلماء؟

يبدو انه مھما تكررت التجربة ومھما

تكررت الغصص وتكرر الندم فإننا -

البشر-‏ لن نتغیر.‏

ولا يدرك قیمة من يفقدھم إلا بعد أن

يودعھم.‏

وھكذا نحن في كل مرة:‏

غفلنا عن فضل سماحة الشیخ حسن

اخوان إلى أن جاءتنا أخبار الرحیل.‏

وغفلنا عن فضل سماحة الشیخ حامد

الظاھري إلى أن جاءتنا صور التوديع.‏

كم مرة يجب أن نشعر أننا يجب أن

نندب الغافلین أكثر مما يجب أن نندب

الراحلین؟

عاش بیننا لعشرين سنة.‏

كان المسجد منبره،‏ ومكتبه،‏ وبیته،‏

ومطعمه،‏ وحوزته.‏

وھناك ‏(في مقر العبادة والعمل

والاقامة)‏ رسم لنفسه خارطة الطريق

وحدد لنفسه لاءات المسیر.‏

وداعا من القلب ً

‏(فعندما يكون الطريق ثابتا لا يتغیر ولا

يتفرّع فھذا يعني أن الراحل لم يكن

يسیر اعتباطا ويعني أن الطريق كان

نتیجة قرار ومبدأ.‏

وعندما تكون لاءاته ثابته لا تتغیر في

عشرين سنة فھذا يعني أن لاءاته

كانت أيضا نتیجة قرار ومبدأ)‏

لذلك فإن المراجعة الدقیقة للسنوات

التي قضاھا بیننا تجعلنا نطمئن إلى

أنه كان قد رسم لنفسه منذ البداية

طريقا محددا عنوانه:‏ عمل بلا كلل أو

ملل.‏

كذلك يمكن الركون إلى أن لاءاته كانت

كالتالي:‏

لا اعتبار للأمور الشخصیة حتى وإن

أمكن تغلیفھا بالمصلحة العامة.‏

ولا اعتبار للسقوف والمقامات

الوجاھیة حتى إن أمكن تبريرھا

بضرورة الحفاظ على موقعیة عالم

الدين.‏

ولا عزوف عن محاولة إختراق الواقع

السائد حتى إن تراخى الخواص

واستیأس العوام.‏

ھناك ‏(في المقر المشترك للعبادة

ّ

والعمل والاقامة)‏ علم الكبار ولم

يستنكف من تعلیم أولادھم الصغار.‏

لم يعتبر ان مشاركة الرياضیین

بالالعاب الرياضیة لا يلیق بالعمامة،‏

ولم يقل إن التصدي لمجلس صغیر أو

ضعیف لا يلیق بعالم كبیر.‏ ولم يقل لا

جدوى ممن ضل في نفسه،‏ او جھل

على غیره.‏

والأھم:‏ لم يتأفف أبدا.‏

أكثر من عشرين سنة قضاھا في

السويد لم أشاھده فیھا يتأفف ولو

لمرة واحدة.‏

كأنه نظر إلى قوله تعالى ‏"ولا تقل لھما

أف"‏ فوسع نطاقھا لتتخطى الوالدين

إلى المؤمنین جمیعا.‏ كأن الآية قالت

له:‏ لا تقل ‏(للمؤمنین)‏ أف.‏

أو أبعد:‏ كأنھا قالت له:‏ لا تقل ‏(أمام)‏

المؤمنین أف.‏

استطیع ان أشھد أنني لم اسمع أنه

قال أف لأحد..‏ أو أمام أحد.‏

لعلنا - نحن الذين اعتدنا أن نعمل في

مكان،‏ وأن ندرس في مكان ثان،‏ وأن

نحیي مناسباتنا الدينیة في مكان

ثالث،‏ وأن نتسامر في مكان رابع،‏ ثم

نعود إلى البیت اخر النھار لنلبس ما

نشاء ونمارس خصوصیاتنا كما نشاء.‏

لعلنا لا نستطیع أن ندرك صعوبة أن

يكون المرء طیلة يومه في مقر واحد

‏(للعبادة والعمل والسكن فضلا عن

الوعظ والدراسة والتدريس).‏

ھنا يصبح زوار المسجد زوارك أيضا،‏

ويصبح زوار المكتب زوارك أيضا،‏ ويصبح

من جاء لیتزوج ضیفك ومن جاء لیطلق

ضیفك إلى آخر القائمة الطويلة...‏

ويصبح من واجبك أن تقوم بأصول

الضیافة وآدابھا على حساب راحتك

وعلى حساب خصوصیاتك،‏ بالإضافة

إلى أنك يجب أن تكون دائما على رأس

المصلین،‏ وبین المعتكفین،‏ تھدئ

المعترضین وتعبّئ المتكاسلین

وتفصل بین المتخاصمین،‏ وتكون مع

الذين تؤخرھم انشغالاتھم من أداء

صلاة العشاء في وقتھا ‏-مثلا-‏ فیأتون

المسجد في ‏"أوقات الفراغ"‏ ولو كانت

متأخرّة.‏

ويجب أن تأكل مما يأكل الناس على

سفرة شھر رمضان المبارك حتى وإن

كان طبیبك يوصیك بأن تتناول مأكولات

مختلفة.‏

الخ..‏ الخ..‏

ينقل ولیام شكسبیر في مسرحیته

‏"يولیوس قیصر"‏ خطبة القائد المشھور

ماركوس أنطونیوس في رثاء القیصر

يولیوس الذي اغتاله بعض الانقلابیین.‏

فماذا قال شكسبیر على لسان

أنطونیوس؟

قال:‏ ‏"أيھا الرومان،‏ يا أبناء وطني!‏

أعیروني آذانكم.‏

لقد أتیت لكي أرثي قیصر ولیس لكي

أمتدحه.‏

فسیئات المرء تعیش بعد وفاته

أما حسناته فتدفن مع عظامه

لذلك،‏ فلندع حسنات قیصر تذھب مع

قیصر."‏

العدد - ١٣ أبریل ٢٠٢٠

وكم مرة يجب أن نشعر بالندم لأننا لم

نقل للراحل في حیاته ما بتنا نقوله

عنه بعد وفاته؟

كم مرة يجب أن نعیش ‏(نحن الذين

ھاجرنا إلى الغرب فكبر فینا الاطمئنان

إلى ضمانات الدنیا كما كبر فینا القلق

من حسابات الآخرة)‏ كم مرة يجب أن

نعیش الغصة لأننا لم نجعل الراحل

يشعر خلال وجوده معنا بمدى حبنا له

وبمدى تقديرنا لشخصه وبمدى

شكرنا لتضحیاته وھو الذي سھر

لیجعل أعمالنا لآخرتنا أدعى إلى

الطمأنینة من أعمالنا لدنیانا؟

ھكذا ھو الانسان.‏ لا يشعر بالنعمة إلا

عندما يفقدھا.‏

.....

إنه سماحة العالم الرباني حامد

الظاھري.‏

More magazines by this user
Similar magazines